المثبتات الاجتماعية للأفكار وللمطالب السياسية
المثبتات الاجتماعية للأفكار وللمطالب السياسية

عالم الطبيعة هو الأصل و هو الملهم للعالم الإنساني الثقافي، يمده بالأفكار و بالأساسات التي يمكن أن تكون أرضية لاختراعات جديدة في العلم و لتأويلات جديدة في عالم الثقافة و الاجتماع. يساعد فهم عالم الطبيعة على فهم عالم الثقافة و يمكِّن من تغييره. خلال قراءتي لأحد المقالات العلمية في البيولوجيا الحيوانية، تعرفت على نوع من الباكتيريا يساعد الحيوانات البحرية على التزود بالغذاء وذلك بتثبيته للكاربون و النيتروجين حتى تتمكن هذه الحيوانات من الاستفادة منه. بدون هذا النوع من البكتيرتا يبقى الكاربون و النيتروجين غير قابل للاستهلاك و يضيع في الفضاء المحيط. الفكرة التي يمكن أن نستفيد منها لفهم عالم الثقافة، طبعا مع الاعتبار التام للفارق بينهما،  هي أن بعض الأفكار و المطالب تبقى دون تأثير فعلي في الواقع إلا إذا تم تثبيتها فعلا بواسطة مؤسسات، أفعال و حركية سياسية على أرض الواقع.  نضيف مثالا آخر، فالسكر في الدم يحتاج، ليكون فاعلا و مفيدا للجسم، للأنسولين ليتحول إلى مادة مغذية للخلايا.

قام الكثير من المفكرين بالبحث في الكيفية التي تصبح بها بعض الأفكار أو الأيديولوجيات مهيمنة وربطوا تلك الهيمنة بميادين الصراع و حرب المواقع [غرامشي] و بتحكم البنيات و دور المؤسسات، قمعية كانت أو أيديولوجية، في تثبيت الأفكار السائدة و المهيمنة [ألتوسير]. كما ربط فوكو بين السلطة و المعرفة و أكد على حقيقة أن كل سلطة تسعى إلى الترويج لمعرفة تثبتها و تدعمها و تساعدها على الاستمرار في الهيمنة على المجتمع. ارتبط تثبيت الأفكار في عقول الناس بالصراع و بالترويج لنوع من المعرفة عبر المؤسسات و بالرغبة في تحقيق الهيمنة. نضيف إلى هذه المراجعة السريعة فكرة المقاومة التي لم ينتبه إليها فوكو من حيث أن قوى سياسية أخرى قد تقوم بنفس العمل الذي تقوم به النخبة الحاكمة من حيث الترويج لأفكار معينة و إدارة الصراع من مواقع فاعلة. كما نضيف تأكيدا على جانب الإرادة الإنسانية في مقاومة التحكم التي لم يعرها ألتوسير أي اهتمام بسبب مقاربته البنيوية.

ما نشاهده اليوم من تطورات سياسية منذ اندلاع الربيع العربي و أفوله يشهد على وجود صراع و محاولات تثبيت لأفكار معينة تساعد الطرف المروج لها على الاستمرار في الهيمنة و المُسائل لها على الاستمرار في التحدي و المقاومة. تقوم النخبة المهيمنة بالترويج لأفكار معينة كضرورة دعم الاستقرار السياسي، و تحاول تثبيتها بتشجيع المطالب الاجتماعية و تجريم المطالب السياسية، و تشجيع الإنسان العادي على التعبير و الاحتجاج في حدود معينة. يتم دعم و تثبيت فكرة الاستقرار و ضرورة الحفاظ عليه عبر اختزال المطالب و حصرها في ما هو اجتماعي و الاستماع للإنسان العادي و لمطالبه. منذ الربيع العربي، تحاول النخبة السياسية ضرب السياسي المثقف و تشجيع الإنسان العادي غير المسيس لأن مطالب هذا الأخير تبقى في حدود المتحكم فيه و يسهل على النخبة تضليل هذه الشريحة على أساس أنها جماهير غير منظمة. يمر تثبيت الفكرة عبر التواصل المباشر بين السلطة و المواطن العادي، أو عبر المنع و الترخيص، التجاوب و التضييق، كل حسب السياق و في إطار رسم واضح للحدود و للخطوط الحمراء التي يستبطنها الإنسان العادي و تصبح لسان حاله.

الاستقرار شيء محمود و مرغوب فيه، لكن ليس كل الفرقاء يقبلون ثمن الاستقرار. يروج المقاومون للاستقرار بدون شروط لفكرة مضادة ترفض الاستقرار بدون تنمية و ديمقراطية. عندما يحتج المروجون لهذه الفكرة [في الريف مثلا] تُنعث مطالبهم بالسياسية و تحارب على أساس ذلك لأنها تثبت فكرة مضادة تقوض سلطة النخبة الحاكمة. عندما أصبح تثبيت الفكرة المضادة واقعا في الريف تدخلت المؤسسات القمعية كما يسميها ألتوسير [البوليس و القضاء]. لكن الصراع لم ينتهي و إن سكنت عواصفه. تم خلق فكرة أخرى تدعم سلطة النخبة الحاكمة و تؤسس من جديد لمشروعيتها، و هي فكرة المسؤولية و المحاسبة لمواجهة الفساد الذي أدى إلى أزمات أحرجت النظام السياسي. فكرة تم تثبيتها بإقالة وزراء و سياسيين كبار و أعوان سلطة من ولاة و عمال. كان التثبيت ناجحا إلى حد ما و حققت الفكرة شعبية كبيرة أعطت للنظام مشروعية أكثر لمحاربته فساد بعض المسؤولين. لم تكن هناك مقاومة فعلا لفكرة ربط المسؤولية  بالمحاسبة، بل فقط لانتقائيتها في تحديد المستهدفين.

جاءت أحداث جرادة لتخرج الجماهير في احتجاجات غضب ضد الظروف القاسية للحياة و غياب التنمية في المدينة. فكانت الفكرة المنقذة هي أن التنمية هي الحل. تم الترويج لفكرة ضرورة التنمية كجواب عن الفاجعة و تم بذلك تثبيت الفكرة الأصلية التي أشرنا إليها فيما سبق و هي فصل المطالب الاجتماعية عن السياسية و دعم فكرة الاستقرار و تشجيع الجماهير غير المنظمة على التعبير و الاحتجاج و إعطاء الإنسان العادي الفرصة للتعبير و إسماع صوته، و تجريم المطلب السياسي و تهميش السياسي المثقف.

إن الصراع بين الفرقاء السياسيين من أجل البحث عن الهيمنة هو شيء عادي في السياسة، لكن ما يثير الانتباه و بعض القلق هو الاعتقاد في أن الجماهير لا صوت سياسي حقيقي لها و أنه سهل تضليلها و السيطرة عليها و أن السياسي المثقف هو عدو للسلطة القائمة و أن المطالب السياسية خطر على الاستقرار. إن تثبيت بعض الأفكار من طرف السلطة الحاكمة من أجل الهيمنة و إن كان ناجحا في الوقت الحالي، قد يؤدي مستقبلا إلى نتائج لا يمكن التحكم فيها، و قد يخلق وضعا لا يمكن السيطرة عليه سواء من حيث الثقافة و الواقع السياسي. لقد حذرت غياتري سبيفاك [في سؤال ربما استنكاري: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟] من عدم تمكين التابعين من التعبير عن أنفسهم. الآن و قد تكلم المهمشون و المتضررون من غياب التنمية، هل ستعمل الدولة على تثبيت فكرة التنمية بعيدا عن الشرط الديمقراطي؟ و هل سيقبل السياسي المثقف بالتهميش أم سيحاول تثبيت فكرة الترابط الضروري بين التنمية و الاستقرار و الديمقراطية؟ طبعا فالأفكار بدون تثبيت هي أفكار لا قيمة لها، أو هكذا يبدو الأمر.

أستاذ باحث/ جامعة أبو شعيب الدكالي

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة