الرجل الإقطاعي ونظام السُّخرة النسائي بالمغرب
في كثير من المجتمعات العربية، لا تختفي البُنى الاجتماعية القديمة تمامًا، بل تستمر في أشكال ثقافية يومية قد تبدو لأول وهلة عادية. والمغرب لا يشكل استثناءً في هذا السياق. فبالرغم من التحولات الاقتصادية والاجتماعية البنيوية، ما زالت بعض أنماط التفكير المرتبطة بخطاطة "الحريم" والإقطاع الذكوري حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية. يمكن النظر إلى المغرب هنا بوصفه نموذجا منمنما لما يحدث في مجتمعات كثيرة بالعالم العربي، حيث تستمر أنماط تقسيم العمل التقليدية بين الرجال والنساء، لا باعتبارها مجرد تنظيم عملي للحياة، بل باعتبارها جزءًا من ثقافة اجتماعية تُعيد إنتاج الايديلوجية البطريركية .
تبدأ الهيمنة الذكورية في بسط سرديتها مبكرًا جدًا في حياة الأطفال. فالطفل الذكر يُقدَّم له منذ الصغر عالم رمزي مرتبط بالفضاء الخارجي: فلُعَبه تتكون من دراجات، ومسدسات، وسيارات، وأدوات، وألعاب حركية مرتبطة بالعمل خارج البيت. أما الطفلة، فغالبًا ما تُعطى دمى وأواني مطبخ صغيرة، وتُعلَّم كيف تحمل الدمية وكأنها طفل، وكيف "تعتني" بها. هذه الألعاب ليست بريئة تمامًا؛ فهي تُهيئ الطفلة نفسيًا لدور مستقبلي يُحصر غالبًا في المجال المنزلي. فالمدرسة بدورها تُعيد إنتاج الصورة نفسها. فالصور التعليمية والإعلانات والكتب المدرسية كثيرًا ما تُظهر المرأة في المطبخ أو في أعمال التنظيف، وفي صورة الأم المربية، بينما يظهر الرجل في مواقع العمل أو القيادة، أو يجلس على أريكة يقرأ الصحف، وهكذا يتشكل في ذهن الطفل منذ البداية تصور واضح عن "من يفعل ماذا" داخل المجتمع.
وفي الحياة اليومية، يتجلى هذا التقسيم بشكل واضح داخل البيت. فالمرأة، سواء كانت أمًا أم زوجة أم ابنة، تُتوقع منها مجموعة طويلة من الأعمال: تنظيف المنزل، وإعداد الطعام، وغسل الملابس، وترتيب البيت والعناية بكل تفاصيل الحياة المنزلية. وفي الثقافة الشعبية يُطلق على هذا الدور في المغرب اسم "مولات الدار"، وهو في الواقع تعبير مُلطَّف يخفي خلفه أيديولوجيا أبيسية عميقة تُحمِّل المرأة مسؤولية العمل المنزلي الشاق (ومنها تم اشتقاق الكلمة الدارجة "الشقا" من الشقاء)، باعتباره واجبًا طبيعيًا لها.
ويبدو هذا المشهد أكثر وضوحًا خلال شهر رمضان، حيث تتجلى ملامح ما يشبه نظام السٌّخْرة الاجتماعية داخل الفضاء المنزلي. فالأسواق والمطابخ تمتلئ بالنساء؛ أمهات وبنات يقضين ساعات طويلة في التبضع، وإعداد الأطباق وتحضير مائدة الإفطار، بينما تمتلئ في الوقت نفسه الشواطئ وملاعب كرة القدم والغابات الحضرية بالرجال الذين يمارسون الرياضة أو يتنزهون في انتظار أذان المغرب. وعندما يحين وقت الإفطار يعود كثير منهم إلى بيوتهم ليجدوا المائدة جاهزة، بعد أن بُذلت في إعدادها ساعات من العمل المنزلي غير المرئي. هذا المشهد لا يعكس مجرد توزيع عادي للأدوار، بل يقترب في جوهره من نظام سُخرة منزلي تُحمَّل فيه النساء عبء العمل غير المأجور باسم الزواج والعادات الاجتماعية. ونتساءل في هذا السياق، هل هذا عقد نكاح أم عقد سخرة في دار البطريرك؟ وتأتي اللغة الشعبية لتلطيف هذا الوضع وتقديمه كفضيلة، من خلال عبارات مثل "شقاها مزيان/شقّايه، أو نساء "حادكات"، هو توصيف اجتماعي يجعل من تعب المرأة المستمر علامة على صلاحها وقيمتها. وهكذا يتحول العمل القسري الشاق غير المرئي إلى سلوك طبيعي داخل الثقافة اليومية، بينما هو في الحقيقة جزء من بنية اجتماعية ما زالت تُعيد إنتاج علاقات الهيمنة داخل الأسرة. قد يقول البعض إن هذا التقسيم طبيعي لأن الرجل هو المعيل الاقتصادي للأسرة. لكن هذا التبرير لم يعد يعكس الواقع بدقة. فاليوم تعمل أعداد كبيرة من النساء خارج المنزل، ومع ذلك يستمر منهن المُتوقَّّع نفسه داخل البيت: العمل المأجور خارج المنزل والعمل غير المأجور داخله. وهذا ما يُعرف بالعمل المزدوج.
خلال شهر رمضان كذلك، يُعاد إنتاج الرمزية الذكورية بالمجال الديني، فالمساجد تمتلئ بالرجال الذين يحتلون مساحات التدين والعبادة في الفضاء العام، بينما تظل أضواء المطابخ مشتعلة طوال الليل داخل البيوت حيث تقضي النساء ساعات طويلة في الطهي والتحضير والتنظيف. في هذه الأثناء يتنقل الرجل بين المسجد والمقهى، بين صلاة التراويح وجلسات السمر، قبل أن يعود إلى البيت ليجد كل شيء جاهزًا. وكأن المجتمع قد اعتاد على نوع من "الوحم الذكوري" يتكرر كل عام لمدة ثلاثين يومًا، حيث يصبح الرجل مركز العناية داخل البيت، بينما تُلقى على عاتق المرأة، باسم الواجب الأسري، مسؤولية تلبية كل "شهيوااته"، وتدبير شؤون المنزل، فيتحول جهدها اليومي إلى التزام مفروض أكثر منه إلى عمل مشتركً داخل الأسرة.
المشكلة هنا لا تتعلق بتوزيع العمل فقط، بل بعقلية ثقافية أعمق تُعيد إنتاج فكرة تفوق الذكر داخل المجال المنزلي. هذه العقلية تجعل العمل المنزلي يبدو وكأنه واجب طبيعي للمرأة، بينما يُنظر إلى مشاركة الرجل فيه كاستثناء أو مساعدة فقط. ولا تقف هذه النظرة عند حدود الثقافة اليومية، بل تتغذى أحيانًا من تأويلات دينية مجتزأة تُستدعى لتبرير الهيمنة الذكورية؛ حيث يُعاد توظيف بعض العبارات والنصوص المقدسة لتأكيد سلطة الرجل داخل البيت، مثل الاستشهاد بحق الذكر في امتلاك "مثنى وثلاث ورباع" خارج السياق التاريخي، أو ترديد مقولات من قبيل إن طاعة الزوج من طاعة الخالق، بما يرسخ تصورًا قائمًا على الطاعة والخضوع بوصفهما أساس العلاقة الزوجية. وبهذا يتحول الخطاب الديني في بعض السياقات من مصدر للقيم الأخلاقية والعدل إلى أداة لإعادة إنتاج علاقات السيطرة. وفي ظل هذه العقلية لا يُنظر إلى المرأة كشريك متساوٍ في الحياة، بل كشيء يمكن امتلاكه، وهو تصور يتسلل إلى تفاصيل العلاقات اليومية ويظهر في أشكال متعددة من العنف؛ إذ قد يؤدي تمرد المرأة على هذا الوضع أو رفضها الخضوع له إلى تعنيف نفسي أو جسدي، وقد يصل في الحالات الأكثر مأساوية إلى القتل. والمفارقة أن هذا العنف لا يُفرض دائمًا بالقوة وحدها، بل يجري أحيانًا تطبيعه اجتماعيًا عبر سرديات ثقافية وأمثلة شعبية مثل (الرجل هو اللي يذبح شاتو ويرقع كساتو ويسوط مراتو)، وحتى لدى بعض النساء أنفسهن، حين يُعاد إنتاج عبارات شعبية تبرر الضرب أو تقلل من خطورته، مثل قول بعضهن: "أنا لحمي كيتوحش العصا"، في تعبير يعكس مدى تغلغل ثقافة تبرير العنف داخل الوعي الجمعي.
ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن هذا النظام لا يستمر بقوة العادات فقط، بل أيضًا من خلال اقتناع كثير من النساء أنفسهن بهذه السردية الثقافية. فباسم إثبات الكفاءة داخل البيت، تحاول بعض النساء إقناع المجتمع وأسرهن وأزواجهن بأنهن من "الطراز الرفيع"، وأنهن بالفعل من "العيالات الحادكات" اللواتي يُضرب بهن المثل في الخدمة والتضحية. وهكذا تبتلع كثير من النساء طُعم هذه السردية الثقافية التي تمجد العمل المنزلي المجاني وتحوّل السخرة اليومية إلى مصدر فخر اجتماعي. لكن الثمن يكون باهظًا؛ سنوات طويلة من الجهد غير المرئي، واستنزاف للصحة والجسد، ينتهي في كثير من الحالات إما إلى القبور بعد حياة من العمل الصامت، أو إلى الطلاق والدخول في عالم النسيان الاجتماعي، بعد أن أفنين أعمارهن في خدمة نظام لا يعترف بقيمة ما قدمنه من تضحيات.
ومن المفارقات التي كشفت عنها بعض الدراسات السوسيولوجية حول الأسرة في المغرب، كما تشير إلى ذلك الباحثة أمل رسام في دراستها حول السلطة المنزلية، أن المجال المنزلي لا يكون دائمًا فضاءً للتضامن بين النساء، بل قد يتحول إلى مجال للمنافسة بينهن من أجل كسب رضا الرجل. ففي كثير من الحالات تنشأ منافسة خفية بين الزوجة والحماة ( العكوزة ياراس الدلو/ انتيَ حارة وولدك حلو) حول من تستطيع أن تخدم الرجل أكثر أو أن تلبي توقعاته بشكل أفضل. هذه المنافسة لا تنتج تحالفًا نسويًا داخل البيت بقدر ما تعيد إنتاج النظام الأبوي نفسه، حيث تصبح النساء، دون وعي أحيانًا، جزءًا من آلية الحفاظ على سلطوية الرجل داخل الأسرة. وهكذا يتحول الصراع من مواجهة بنية الهيمنة الذكورية إلى صراع أفقي بين النساء أنفسهن، بدل أن يتشكل تضامن نسائي يعيد توزيع السلطة والعمل داخل الفضاء المنزلي.
إن كسر هذه الدائرة لا يبدأ بالقوانين فقط، بل بالتربية الاجتماعية. فالجيل الجديد من الأطفال، وخاصة الذكور، يجب أن يُربّى على فكرة بسيطة لكنها أساسية: أن المنزل مسؤولية مشتركة، وأن العمل المنزلي بالنسبة للذكور ليس علامة ضعف أو انتقاص من الرجولة، وفي هذا السياق، يقع على عاتق التعليم والإعلام والاسرة إلى جانب سرديات مؤسساتية وثقافية سائدة أخرى، دور أساسي في ترسيخ تصورات جديدة للعلاقات الجندرية، والمساهمة في تغيير الذهنية الذكورية التي رسختها أنماط التنشئة التقليدية. فالمرأة ليست خادمة داخل البيت، وليست قوة عمل غير مرئية. إنها شريك كامل في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ولها الحق نفسه في الاحترام والراحة وتقاسم المسؤوليات. إن المجتمع الذي يسعى إلى دخول عصر الحداثة والديمقراطية لا يمكنه أن يستمر في إعادة إنتاج نموذج الرجل الإقطاعي والمرأة الخادمة داخل البيت. فالحداثة ليست مجرد طرقات سريعة أو بنايات حديثة أو مؤسسات دستورية، بل هي قبل كل شيء تحوّل في العقليات وفي العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع.
ولا يمكن لأي ديمقراطية أن تترسخ في مجتمع ما دامت الثقافة اليومية تُعيد إنتاج علاقات الهيمنة نفسها داخل الفضاء المنزلي، حيث يُنظر إلى المرأة ككائن تابع وإلى الرجل كسيد يمتلك سلطة مهيمنة. فالديمقراطية تبدأ من البيت قبل أن تبدأ في البرلمان، ومن طريقة تعامل الرجل مع زوجته وبناته قبل أن تظهر في صناديق الاقتراع. إن الانتقال الحقيقي إلى الحداثة يقتضي مراجعة عميقة لهذه الذهنية الثقافية الإقطاعية التي ما زالت تُلبس نفسها لباس الدين أو العرف أو التقاليد. فالحداثة تعني الشراكة لا التبعية، والمسؤولية المشتركة لا الامتياز الذكوري، والكرامة الإنسانية المتساوية بين الرجال والنساء. فالمجتمع العادل لا يُقاس بمدى قوة رجاله، بل بمدى كرامة نسائه، وبقدرته على بناء علاقة إنسانية متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل.
.
ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة