ربورتاج
  • ...
    التبوريدة بموسم مولاي عبد الله امغار، ميراث ثقافي من الأب الى الابن.. عائلة بلفاضلة نموذجا

    بعد نهاية حصاد الموسم الفلاحي و في أول يوم جمعة من شهر غشت يشتد اهتمام المولوعين بالتبوريدة و الحفلات بموسم مولاي عبد الله أمغار، الذي فاق زواره هذه السنة 500 ألف زائر من داخل و خارج المملكة و عدد الخيالة فاق 1800 من 126 "سربة" حسب الإحصائيات الأولية، خاصة أن هذا الموسم له مجموعة من الطقوس و الدلالات التراثية العميقة كترويض الصقور و التبوريدة كدلالات تراثية عميقة للموروث الثقافي العربي.و يرجع فن الفروسية التقليدية أو "التّبُوريدَة" بالمغرب إلى القرن الخامس عشر الميلادي، و ترجع تسمية التبوريدة إلى البارود الذي تعمر و تطلقه البنادق أثناء التبوريدة، و لممارسة التبوريدة أصول وقواعد عريقة ذات الطابع البدوي.و لفن "التبوريدة" وصلات رمزية مختزلة في طقوس اللباس و الرَّكْبة عند كل جهة من جهات المملكة، كما لها ضوابط يتحكم فيها كل من المقَدَّم و العلام و شيخ السَّربة. و لأصحاب "التبوريدة" طقوسا عريقة و وراثية مرتبطة بتقاليد وعادات تجمع بين المقدس والدنيوي، تصاحبها مجموعة من الأذكار و المواويل والصيحات التي تصور مواقف البطولية و المعارك و تمجد الفارس و الفرس خصوصا عندما ينتهي العرض بطلقة موحدة.ويؤدي فن "التبوريدة" فرسان، حدد عددهم هذه السنة في أكثر من 15 فارس في السربة، ينظمهم شيخ مسن و رئيس فرقة يدعى "العلام" و مقدم السربة يردد عبارات تذكر بالمعركة أو "حَرْكة الجهاد"، تابعين في ذلك إشارة "العلاّم". و فن "التبوريدة" يحتاج إلى تدريب كبير ومستمر من أجل ترويض الجواد على دخول الحلبة في مواجهة العدو. ويكون "العلام" هو المسؤول عن تنظيم السربة من خط البداية إلى إعطاء إشارة الانطلاق و إشارة السيطرة على الجواد، ثم إشارات أخرى ' الهَزّة ـ الحَطّة ـ الخرطة ـ الضَّربة ' بلغة الخيالة، و تكون الإشارة النهائية هي إطلاق الطلقة الموحدة أمام الجمهور.و يؤكد  د. عبدالإله بلفاضلة عن سربة أولاد غانم بأنه ورث "فن التبوريدة" عن شقيقه الاكبر العلام رشيد بلفاضلة الذي ورثها عن والدهم الحاج عزوز بلفاضلة.وكما هو الشأن بالنسبة لابن اخيه مصطفى بلفاضلة التي ورث ''فن الفروسية'' من والده العلام رشيد بلفاضلة فانه، يضيف عبد الاله،  بصدد تلقين إبنه فهد الذي يقارب عمره  الثلاث سنوات نفس الموروث الثقافي و ذلك حفاظا على هذا الرأسمال اللامادي الذي توارثوه عن أجدادهم.و في سؤالنا عن عادات الخيالة في الموسم للحاج عزوز الذي عمره اليوم يناهز التسعين  أجاب عبد الاله  بأن أول تبوريدة له كانت سنة 1960، و أن في زمنه كان احترام الفرس و عادات الفارس و و أوامر المقدم و تعليمات العلام واجبة ليس كما هو عليه الحال الآن.و استرسل قائلا بأنه كان في الصباح أول ما يقوم به هو الوضوء و الصلاة و تناول فطور خاص، ثم غسل الفرس و إعطاؤه الماء و العلف ثم مراقبة صفائحه و حالته، ثم تهييء الملابس ' اتماك أو البلغة ـسروال قندريسي ـ فراجية ـ تشامير ـ جلابية ـ سلهام أو الحايك ـ عصابة ـ ــدليل الخيرات ـ الخنجر '. و للإشارة فلون لباس الفارس عادة يكون أبيض كلون الكفن، لأنه يقال بأن الفارس و قت التبوريدة قبره مفتوح.تكريم العامل زلو لمصطفى بلفاضلة في سنة 2005 بعد فوزه بميدالية ذهبية بدار السلام 

  • ...
    قصبة بولعوان.. معقل السلطان مولاي إسماعيل يتعرض إلى التهميش والجحود ومحاولات يائسة للترميم

    ليست بولعوان بحاجة إلى أن يتردد اسمها بفعل تفكيك خلايا مسلحة، ولا أيضا بنبيذها المعتق الذي سارت بذكره الركبان، وإنما شهرة المنطقة تستمدها من قصبتها التاريخية التي تربو عن 300 سنة تختزن جزءا هاما من الذاكرة المغربية المشتركة. قصبة بولعوان التي تلوح فوق ربوة عالية، الآن عبارة عن أطلال تشهد أن التاريخ مر في يوم ما بهذا المكان الذي تنتهك رمزيته بشكل متواصل في أبشع صور الإهمال.تقع القصبة على بعد مسيرة 85 كيلومترا جنوب شرق الجديدة في بلاد قبيلة أولاد افرج. ذكرت المصادر أن بناءها تم على يد السلطان مولاي إسماعيل في 1122 هجرية الموافق لـ1710 ميلادية على يد وصيفه السعيد الباشا عثمان بن الخياط. وتذهب مصادر أخرى إلى القول إن القصبة بناها عبد المومن الموحدي وأنها هدمت بالغزو البرتغالي وأعاد المولى إسماعيل بناءها من جديد، في إطار سياسة القصبات التي تروم خلق حكم مركزي قوي عبر اتخاذ القصبة كيان مراقبة القبائل والتصدي لعصيانها، وفي هذا الصدد شيدت قصبة بولعوان في مكان عال مطل على نهر أم الربيع، لضبط تحركات ثلاث وحدات قبلية هي دكالة والشاوية والرحامنة.واقع الحالمن بعيد تظهر القصبة هائلة البنيان عبارة عن أطلال تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد، شاهدة على اندثار باب السر والبرج الكبير والحصن الأمامي والأبراج الأربعة والمنزل الفسيح الذي نزل به الملك العلوي مولاي عبدالله سنة 1744 عندما طارد أخاه المستضيء.وأنت تتجول في القصبة المستطيلة الشكل، تصادفك حفر هنا وهناك، يشرحها حارس القصبة، بمسلسل انتهاك حرمتها من قبل عصابات الكنوز.فلم تعد القصبة بمثل شموخ الماضي، بل تناثرت حجارة أسوارها في أكوام، هي وبكل تأكيد شهادة وفاة لها باعتبارها واحدة من أهم القصبات التاريخية ببلادنا.حديث عن الترميمفي صيف 1994، أطلق إدريس البصري، وزير الداخلية الأسبق من مقر عمالة الجديدة، صيحة مدوية لترميم القصبة، ربطها بنيته في ضمها إلى النفوذ الترابي للشاوية وهي نيته نفسها لإضافة البير الجديد إلى تراب سيدي رحال، لكن الوزير القوي يومذاك لم يلمس ترحيبا من أهل دكالة، فتحول الترميم إلى مجرد مشروع موقوف التنفيذ لم يراوح مكانه منذ 23 سنة، رغم أن قصبة بولعوان صنفت تراثا وطنيا بواسطة ظهير صدر في 11 مارس 1924 بالجريدة الرسمية عدد 599 بتاريخ أبريل 1924.ويستنهض جمعويون بعض الهمم للدفاع عن تصنيف القصبة تراثا إنسانيا لعله المسلك الوحيد الذي يتم العبور من خلاله نحو إعادة الاعتبار لها.الثقافة والتجهيز غائبانفي الوقت الذي حظيت قصبات أخرى في مناطق بالجنوب المغربي خاصة بالتفاتات، قومت واقعها بتدخلات مدروسة علميا حتى لا تسيء بعض مبادرات الترميم للطبيعة الأصلية لها، اعتمدت بعض الترميمات الجزئية التي عرفها سقف المدخل الرئيسي لقصبة بولعوان على الإسمنت، ما أساء لقيمتها التاريخية.وتظل وزارة الثقافة ووزارة الاتصال والتجهيز والنقل أكبر القطاعات الحكومية التي أدارت ظهرها للقصبة، الأولى من منطلق أنها لم تنقل وعود الترميم من حالة السكون إلى الحركة بمبرر أن وزارة الثقافة تعد من أفقر الوزارات، والثانية ساهمت بعدم التعجيل بإصلاح الطريق الرابطة بين الجديدة وبولعوان التي تدهورت بشكل كبير، ما أضعف توافد زوار وسياح كانوا يتملون بطلعة القصبة، كما أن مندوبية عبد العظيم الحافي رفعت علما أبيض في وجه معتدين خربوا غابة بولعوان المترامية الأطراف، برعي جائر وبتقطيع خشبها لأغراض متعددة منها التدفئة وتسخيرها في الأفران والحمامات.وصمة عارفي ما يشبه الختم ونحن نستعد لمغادرة القصبة توقفت سيارة ذات لوحة صفراء تابعة إلى إحدى البعثات الدبلوماسية، ترجل منها أجنبي ومرافقته، وجها تحية إلى حارس القصبة وبادره الأجنبي بالقول متأسفا ” نحن الآن لا نستمتع بالتاريخ ولكن نعاين انهيار التاريخ”.ظل رجع صدى كلمات الفرنسي يتردد بكل القصبة الخالية، وتمنينا أن يصل إلى آذان كل المسؤولين التي بها صمم. عبدالله غيتومي (الصباح)

  • ...
    مستشفى الجديدة.. استنزف 40 مليارا ويشتغل بثلثي طاقته ومواعيد تصل إلى سنة والأمن الخاص فوق الجميع

    مازال رجع صدى صوت الحسين الوردي، وزير الصحة، يتردد بجنبات القاعة الكبرى لعمالة الجديدة، وهو يكيل المديح لمستشفى الجديدة، بل وعد سكان الإقليم بمروحية تحط فوق سقفه، متأهبة لتدخلات سريعة. اليوم لا يطلب أهل دكالة من وزير الصحة مروحية، بل فقط إعفاء من مواعد تصل إلى سنة، وتحسين خدمات لا تشرف مؤسسة استنزفت 40 مليار سنتيم. تاريخ المستشفى مستشفى محمد الخامس بالجديدة هو أول مستشفى بني ببلادنا سنة 1916 بحي القلعة بالجديدة، وكانت أول مديرة له هي الطبيبة "دولانوي " التي عرفت لدى أهل الجديدة ب "مدام شابو" ، تنفس سكان الجديدة الصعداء، حين وضع الملك محمد السادس في 2007 الحجر الأساس لبناء مستشفى جديد فوق أرض الحمراء بسيدي موسى بغلاف مالي وصل إلى 40 مليار سنتيم، يعوضهم عذابات مستشفى محمد الخامس، أو مستشفى "مدام شابو"، نسبة إلى أول مديرة عينت به في بداية القرن الماضي. ثلثا الطاقة فقطخلافا للمعتاد، بني المستشفى الجديد وفق نمط معماري، اعتمد على أجنحة مختصصة في طوابق وتم تجهيزه بنظام معلومياتي متطور جدا، إذ استغرقت أشغال البناء ست سنوات وفتح أبوابه للعموم في 2013.ويبلغ عدد غرف المستشفى 450 غرفة، من المفروض أن تلبي حاجيات 700 ألف نسمة تقطن الجديدة، دون احتساب سكان سيدي بنور، إذ قد يصل العدد الإجمالي إلى مليون و400 مليون نسمة، ما يفسر حجم الضغط على هذه المؤسسة الاستشفائية التي أضحت تلعب وظيفة جهوية أكثر من وظيفتها الإقليمية الموكولة إليها.ورغم العدد القليل من الغرف، لم يفهم المرضى وأسرهم سر إغلاق 150 غرفة في وجه المرضى لأزيد من 4 سنوات، بمعنى أن المستشفى الذي صرف عليه 40 مليار لا يشتغل سوى بثلثين من طاقته الاستيعابية، وهو أمر تفسره إدارته بضعف الموارد البشرية، علما أنه جرى تجميع نزلاء في أجنحة واحدة قد يعرضهم إلى عدوى أمراض منقولة. مواعد عرقوبيةتوحي بناية المستشفى الجديد أنك فعلا أمام مؤسسة استشفائية تلبي الحاجيات بالسرعة اللازمة، لكن واقع الحال عكس ذلك، فالمواعد التي تعطى للمرضى تتراوح بين 6 أشهر وسنة. ويذهل الإنسان عندما يتعلق الأمر بمرضى القلب والشرايين الذين لا تقبل أوضاعهم الصحية التأجيل، وتعلل الإدارة ذلك بأن المستشفى بدأ بـ4 أطباء لأمراض القلب تقاعد منهم ثلاثة دون تعويض، ولم تتبق سوى طبيبة مطلوب منها أن تنجز جميع العمليات لآلاف المرضى.والوضع مشابه في العمليات الجراحية التي تطول مواعدها. فمن أصل خمسة جراحين، غادر أربعة في ظروف مختلفة، بينما يؤمن طبيب جراح الخدمات الصحية التي توشك أن تتوقف، عندما يتقاعد ممرضون مكلفون بالتبنيج، أما العمليات الجراحية المسماة بالباردة فمواعدها تتجاوز 6 أشهر بالتمام والكمال. وصمة عاررغم المجهودات التي يبذلها أطباء وطاقم توليد بالمستشفى الذي يستقبل سنويا حوالي 10 آلاف ولادة جديدة، فإن حالة القسم من الخارج توحي للزائرين أننا في محطة أولاد زيان. فالنساء الحوامل اللواتي تأخر وضعهن من ذويهن من يبيتون في قاعة يفترشون الأرض في وضعية حاطة بالكرامة، ويقضون حاجاتهم الطبيعية بحديقة المستشفى وعلى جدرانه، بسبب غياب المراحيض. الأمن الخاص هو الإدارةترتفع أصوات الكثيرين منددة بسلوك إدارة المستشفى التي تراجعت، تاركة أمر تسيير الدخول والخروج من اختصاص رجال الأمن الذين أضحوا يخلقون الجو المطير والصحو بالمؤسسة، بل في الكثير من الحالات يتجاوز البعض منهم المهمة الموكولة إليهم إلى أمور إدارية صرف، ما كان موضوع توصية من المجلس الإقليمي مؤخرا للحد من المشاكل التي يطرحها الأمن الخاص للمرتفقين، مع مطالبة الإدارة بتغيير توقيت الزيارات التي تبدأ على الساعة الرابعة عصرا ما يطرح عذابا متواصلا لذوي المرضى الذين في الكثير من الأحيان يضطرون إلى المبيت في العراء.وتفرض العادات أن يكون المستشفى فضاء محصنا من الضجيج، لكن ما يحدث بمستشفى محمد الخامس بالجديدة، يندى له الجبين فمئات السيارات مركونة بداخله ومنها سيارات نقل سري حجزت لنفسها مساحة دائمة أمام أنظار رجال أمن وشرطة مرور تقف في دور المتفرج.وتتعرض تجهيزات مستشفى محمد الخامس إلى إتلافات متواصلة لاسيما بقسم المستعجلات على مستوى الأبواب والنوافذ وغيرها، كما أن مصابيح ساحات المستشفى دائمة الانطفاء ، أمر دفع أحد المرتفقين إلى القول "لا نريد مروحية الوردي لكن نريد منه زيارة مفاجئة لإرجاع الأمور إلى نصابها". عبدالله غيتومي (الصباح)

  • ...
    ذكرى عاشوراء.. أصلها وتاريخها وما يرافقها من عادات اجتماعية ضمن التراث الدكالي والمغربي

    لقد دأب المغاربة، منذ قرون خلت، خلال احتفالهم بيوم عاشوراء الذي يصادف يوم عاشر محرم، من كل سنة هجرية، على إحياء تقاليد وعادات، ذات طبيعة احتفالية، من أهم تجلياتها اقتناء الفواكه الجافة، وشراء اللعب للأطفال، وإيقاد النيران مع ترديد الأهازيج الاحتفالية من طرف الأطفال والنساء، بالإضافة إلى عادة التراشق بالماء. وهي عادات وطقوس ولتقاليد تمارس ببراءة، وان كان مرجعها هو المذهب الشيعي الذي كان منتشرا بالمغرب ، خلال القرن الحادي عشر ميلادي. كما أن ذكرى عاشوراء، هي أيضا مناسبة دينية للذكر والابتهال إلى الله.*    الأصل في مناسبة عاشوراء :كان يوم العاشر من محرم ،الشهر الأول في السنة الهجرية،يوما كسائر الأيام في الإسلام، حتى هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فوجد اليهود يصومون هذا اليوم، ولما علم  (ص)أنهم يصومونه بسبب نجاة موسى عليه السلام فيه من فرعون، قال عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق بموسي منكم» فصامه وأمر الناس بصيامه.وهكذا بقي حال يوم عاشوراء في حياة المسلمين، يوما مباركا، يصومونه شكراً لله عز وجل على نجاة موسى عليه السلام ، واستمر الحال بعد وفاة الرسول(ص)، بمرور عهد الخلفاء الراشدين من بعده، وزمن خلافة الحسن ومعاوية وبداية خلافة يزيد، إلى يومنا هذا.*تاريخ عاشوراء :تذكر كتب التاريخ،أنه في سنة 61 هـ طلب شيعة الكوفة من الحسين بنعلي بن أبي طالب ،رضي الله عنه ،أن يأتيهم لينصروه ويولوه الخلافة، فأرسل إليهم سفيره وهو ابن عمه مسلم بن عقيل ،ليستطلع حقيقة الأمر، فلما وصل ابن عقيل ، إلى الكوفة خانه الشيعة واعتقلوه ثم سلموهللوالي يزيد بن معاوية، فكان مصيره الموت، وكانت هذه أول خيانات الشيعة للحسين، ولم تصل أخبار خيانتهم  للحسين إلا متأخرة، مما تسبب في تعرض الحسين رضي الله عنه لمعركة غير متكافئة مع أنصار يزيد بن معاوية الجدد وهم شيعة الحسين الخونة، فدخل معهم في معركة عرفت بمعركة " كربلاء " ضد الخليفة الأموي  يزيد بن معاوية، واشتهر هذا اليوم بيوم ثورة المظلوم على الظالم، ويوم انتصار الدم على السيف، كما يسميه المسلمون الشيعة، و في هذا اليوم استشهد الحسين بن علي عليه السلام، بعدما رفض  مبايعة يزيد بن معاوية، على أن يكون أمير المؤمنين.وقد صادف استشهاد الحسين بن علي بن ابي طالب، يوم العاشر من شهر محرم. وسمي هذا اليوم بعاشوراء، وهي عاشوراء بالمد و القصر و هو عاشر المحرم ، و هو اسم إسلامي ، و هو اليوم الذي وقعت فيه واقعة الطَّف الأليمة التي قُتل فيها الإمام الحسين بن علي ( عليه السَّلام ) ، خامس أصحاب الكساء و ثالث أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) مع جمع من أبنائه و أصحابه الكرام البررة بأرض كربلاء. وهي مدينة إسلامية مشهورة تمتاز بقدسيتها و تأريخها الحافل بالأمور العظام و التضحيات الجسام، حيث شهدت تربتها واحدة من أنبل ملامح الشهادة و الفداء ألا و هي حادثة الطَّف الخالدة ، و هي تقع بالمدينة على بعد 105 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من العاصمة العراقية بغداد ، و تقع على حافة الصحراء في غربي الفرات و على الجهة اليسرى لجدول الحسينية .و كانت هذه الواقعة الأليمة ،يوم الاثنين العاشر من شهر محرم سنة 61 هجرية ، الموافق لـ 12 / 10 / 680 ميلادية .و ذلك بالاستناد الى ما صرَّحت به العقيلة زينب بنت علي (عليهما السلام) فيما رُوي عنها أنها  قالت و هي تصف حجم المأساة: "يَا مُحَمَّدَاهْ بَنَاتُكَ سَبَايَا وَ ذُرِّيَّتُكَ مَقْتَلَةً تَسْفِي عَلَيْهِمْ رِيحُ الصَّبَا وَ هَذَا حُسَيْنٌ مَجْزُوزُ الرَّأْسِ مِنَ الْقَفَا مَسْلُوبُ الْعِمَامَةِ وَ الرِّدَاءِ، بِأَبِي مَنْ أَضْحَى عَسْكَرُهُ فِي يَوْمِ الْاثْنَيْنِ‏ نَهْباً".كما ورد في كتاب " اللهوف على قتلى الطفوف":للسيد رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحسيني ، الصفحة 133.  *الاحتفالات بعاشوراء في المغرب عموما ودكالة خصوصا   :استنادا إلى المذهب السني بالمغرب، فان المسجد والمنزل و المقبرة، أهم الفضاءات التي تشهد احتفالات عاشوراء، وتصاحب هذه الاحتفالات، ممارسة الطقوس المستحبة بهذه مناسبة ، كالصوم والصلاة وصلة الأقارب وزيارة العلماء والصدقة على اليتامى وزيارة المرضى وتلاوة القرآن والاغتسال والاكتحال وإخراج الزكاة والتصدق بالطعام وغيرها من الطقوس الموروثة عن السلف.وتبقى الفضاءات العمومية، بجميع المدن المغربية أيضا مكانا ، يشهد إقامة التظاهرات والمهرجانات والحفلات والطقوس، حيث يشارك الجميع من أطفال ونساء ورجال ويتقاسمون الأدوار التي تستدعيها تلك الحفلات والطقوس. *    الاحتفالات بمنطقة دكالة :تبدأ استعدادات الدكاليين بإقليم الجديدة، لتخليد يوم عاشوراء ، مع فاتح السنة الهجرية ( فاتح محرم )، حيث تنتشر محلات بيع الفواكه الجافة، وخصوصا التين والتمر والجوز والحمص والحلوى ... ولعب الأطفال، من مسدسات مائية وأواني و"طعاريج" ودمى وغيرها من التي يقبل عليها الناس من مختلف الأعمار، مما يخلق رواجا تجاريا ولو  مؤقتا ينعش التجارة.وللأطفال طقوسهم الخاصة بعاشوراء ، حيث انه منذ فاتح  محرم يتجند الأطفال لتجميع الأشواك والحطب و العجلات المطاطية استعدادا لإشعال النار ليلة التاسع من هذا الشهر، حيث يتحلق حولها الكبار و الصغار الذين يشرعون في القفز فوقها في جو تسوده الندية. وقبل ليلة عاشوراء بيومين ،تظهر شخصية "بابا عيشور" الأسطورية، تتغنى بها الفتيات وهن ينقرن على تعاريجهن مرددات عبارة " عيشوري عيشوري دليت عليك شعوري "وخلال ليلة العاشر من محرم يقوم الأطفال بإضرام النيران في الأخشاب وأغصان الأشجار، التي يحضرونها ويجمعونها خصيصا لهذه الليلة المتميزة عندهم، والتي ينتظرونها كل سنة بشغف كبير، وعندما يضرمون النار ،يلفون حولها مرددين بمعية الفتيان والنساء أهازيج خاصة بهذه المناسبة،ممزوجة  بالضرب على الدفوف والتعاريج. غير أن بعض النسوة  يستغلن  هذه المناسبة بدافع الجهل، للممارسة أنواع الشعوذة والدجل، حيث ترمي بعض النسوة ،الطلاسم و قطع الأثواب و المناديل الممزوجة بمواد السحر وسط هذه النيران للنيل من قوة الرجال و تحويلهم إلى عجين طيع بين أيديهن.وفي صبيحة اليوم الموالي، يشرع الأطفال والشبان ، على حد سواء،في رش بعضهم البعض بالمياه في مهرجان مائي يطلق عليه المغاربة عموما  "التزمزيمة" التي تستمر طيلة اليوم. لكن  هذه العادة قد يستغلها البعض، الذي لا يحترم العادات والتقاليد ،كما ورثناها عن أجدادنا، إلى مظاهر للفوضى ،حيث تتحول إلى مطاردات في الدروب والأزقة ، من طرف شباب طائش ، قصد رشق المارة بالماء،و قد تنتهي بالشنآن و الخصام. وعندما يسدل الليل ستاره، تجتمع الأسر حول وجبة الشاي ممزوجا بتناول الفواكه الجافة وخاصة اللوز و الجوز، وتليه وجبة الكسكس المعدة  بقطع اللحم المجفف المتبقي من عيد الأضحى المعروف " بالقديد "، ضمن سمر ليلي لا يخلو من متعة، حيث تجتمع العائلات وتتم صلة الرحم، باعتبارها من أهم عادات هذه المناسبة الدينية الغالية.

  • ...
    عزيز هيتوت.. موهبة باولاد غانم صنعها البحر ليصنع له في صمت بواخر تعوم في اليابسة

    عزيز هيتوت، شاب من مواليد 1990 بجماعة أولاد عيسى باقليم الجديدة، زارته "الجديدة 24" في ورشته المتواضعة التي يكتريها في مركز جماعة اولاد غانم بخمسمائة درهم شهريا، لتجد أمامها شابا عشرينيا يعلو محياه الخجل، لا تفارقه الابتسامة، مفعما بالحيوية ومغدقا بطموح قل نظيره في شباب اليوم، حين لمسنا في كل جزء من مجسمات البواخر والأحواض التي يصنعها حضور الإبداع و إتقان للعمل.موهبة متفردة في إقليم الجديدة، عَشق البحر مند نعومة أظافره وركب أمواجه،  ولا غرابة في ذلك، ففي المنطقة التي يقطنها عزيز، يتقن أغلب سكانها حرف البحر، بحكم قربها من المحيط. انقطع عزيز عن الدراسة في سن مبكرة حين بلوغه مستوى الثالث ابتدائي، ليجعل من البحر ملاذه الوحيد،  وفي الخامسة عشر من عمره قرر الفتى الدكالي السفر إلى طانطان  ليشتغل رفقة أخيه بقارب للصيد وهناك أثارت انتباهه أحواض السمك المعروضة للبيع، لتسحره بذلك تلك الأحواض البسيطة، فشرع في استراق النظر ليسجل لها صورة لصقت بذاكرته في صحراء طانطان التي مكث فيها ما يقرب من عشر سنوات. وفور عودته إلى الجديدة  أصر على محاولة صنع شبيه لتلك الأحواض بمجهود شخصي دون معلم وبأدوات بسيطة لتنجح محاولته إلى أن بلغ درجة التميز، حيث بدأ بشراء الأسماك وحاول تزويجها ليكتمل بذلك صنع حوض من الزجاج مليء بالطحالب والأسماك المتنوعة الزاهية الألوان والتي تبهر العيون. وقد كانت سنة2001 تاريخ ميلاد إبداعاته بعد مخاض تكبد مشقته لوحده.لم يكتف الشاب بالأحواض بل استلهمته مخيلته ليصنع مجسمات بواخر من العود  مختلفة الأحجام والأشكال، لكن ما يجعلها أكثر إثارة إتقانه في صنعه للباخرة التي يتولى عمل كل تفاصيلها، إذ تجده في ورشته معتكفا عليها مسخرا جهده ليمتهن حرفا متعددة تختزلها موهبته. فهو وحده النجار والزجاجي والصباغ، لان عمله الإبداعي يُحتم عليه مزاوجة عدة حرف. وما يزيد الإبهار بتحفه كونه يضيف التكنولوجيا الحديثة عليها فتلك المجسمات مزودة بأسلاك كهربائية يستفاد من ضوئها الخافت للإنارة كما بإمكانك أن تستمع لأسجان من الموسيقى من اختيارك بوضع ذاكرة (carte mémoire) في مكان خصصه على الباخرة لذلك .والجدير بالذكر أن الشاب  عزيز لم يتلق أي تكوين في أي من المهن التي سبقت الإشارة إليها، فدقة ملاحظته ورجاحة عقله وسرعة بداهته خلقت منه موهبة، فحسب تصريحه يكفيه النظر في صورة أو البحث في المواقع الالكترونية ليحاول صنع أشباه الأشياء، بل يجعل الشيء أكثر تطورا.وإثر قيامنا بجولة في ورشته وجدنا أدوات بسيطة من قبيل سكين وعلب صباغة وآلة بسيطة لتقطيع الزجاج، وأداة للثقب قال إنها لحرفي يستعيرها منه .إذ تغلب البساطة التي تقف الحاجز بينه وبين طموحاته التي تتجاوز قريته الصغيرة وتتجاوز سعة البحر. وعن سؤالنا له حول امكانية تعليم هذه الحرفة للآخرين، أجاب أنه يصر على فعل ذلك كي لا تزول حرفته بزواله، ففي فصل  الصيف الأخير قام بتعليم طفل واحد إلى حد الآن.ويقول عزيز هيتوت، أن صنع الباخرة الواحدة، يستغرق، عدة أيام لتصبح جاهزة للبيع على قارعة الطريق الرئيسية في مدخل أولاد غانم في اتجاه مدينة الواليدية، فيعرضها فوق طاولة  وهذا هو ملاذه الوحيد لتسويق سلعته بأثمنة تبدأ من المئة درهم وتصل إلى الألفين درهم للبواخر الكبيرة المعقدة الصنع. ومن هذا الدخل المتواضع، يضيف عزيز، يعيد شراء المواد الأولية ويعيل عائلته بما تبقى. وعن مشاريعه المستقبلية صرح انه بصدد محاولة صنع بواخر تعوم في المسابيح بواسطة أداة التحكم عن بعد.إن عزيز هيتوت اليوم في حاجة إلى الدعم المادي والمعنوي ليسطع اسمه، فمن العار أن تخمد نار الإبداع المشتعلة داخله، فهو مازال ينتظر أيادي تحضن مشاريعه ,لإخراجه من قوقعته وجعل منتوجه بارزا في المعارض المحلية والوطنية والدولية. انجاز : أسماء الطويل  

  • ...
    'الجديدة 24' تزور قرية الأطفال بالجديدة بعد عشر سنوات على إحداثها

    تعتبر الطفولة المرحلة الأكثر إثارة وصخبا، ففيها تبنى شخصية الإنسان وتصنع كينونته. وحديثنا عن الطفولة سيجرنا إلى الحديث عن مرفأ الطفل الأول، وموطنه الأصل وكنفه الذي فتح فيه عينيه ألا وهو الأسرة، التي تختزل كل معاني الحب والحنان، كما أنها تحقق الأمن والأمان، فإذا كانت الأسرة متزنة طمع الطفل إلى الاستظلال بظلها والقطف من ثمارها، ليصبح بذلك الشخصية الصالحة النافعة لأسرته ولمجتمعه.وما يكسر عذوبة مدحنا للأسرة وأدوارها المهمة كون الأخير لا تتأتى للجميع العيش في حضنها، حيث نجد أطفالا وجدوا أنفسهم في هذا العالم الواسع دون أب أو أم، ليتجرعوا المرارة دون حتى أن يعرفوا لها معنى، ويصطدموا بقساوة بعض البشر الذين طبع الله على قلوبهم،  ومعهم يكون الطفل منبوذا غير مرغوب فيه ،إما لكونه وليد علاقة غير شرعية، لا صلاحية لها، أو لكونه يعاني من إعاقة تنفر والديه منه، أو لظروف مادية أتقن القدر حبكتها ،ويتدخل البشر حينها لإضفاء الألقاب عليه من قبيل ابن الزنا أو اللقيط، دون مراعاة للمشاعر هدا الصنف، الذي يلقى به إلى وجهة لا يعرف منتهاها.ولا ننكر أن هناك قلوب أضناها حال هؤلاء واستحوذ عليها العطف لتسخر حياتها ووقتها لإسعاف الأطفال المتخلى عنهم ونجد في الواجهة فكرة عبقرية ألا وهي تأسيس قرى الأطفال ، والتي يرجع فضل وضع حجرها الأساس إلى الطبيب النمساوي "هيرمان جماين"ر بعد الحرب العالمية الثانية، التي خلفت أيتاما لا ملاد لهم سوى قرية الأطفال SOS، وتوسعت  الفكرة لتغزو العالم اذ أصبح عددها يفوق   500قرية في جميع انحاء العالم، ليصاب المغرب بعدوى تدشين القرى، وأسست أول قرية للاطفال به سنة1985.وقرية الأطفال SOS هي عبارة عن عدة بنايات من طوابق، تتوسطها حديقة والعاب للأطفال، كما تضم عدة منازل، في كل بيت ثمانية أطفال مع أمهم المربية، كأي طفل عادي في أسرته له سرير خاص في غرفة مشتركة ومطبخ تعد فيه الأم ما لذ وطاب، وصالون لاستقبال الضيوف.ويمارس الأطفال حياتهم بشكل عادي مع احترام تام لميولاتهم ورغباتهم، فمنهم من يمارس الجيدو او رياضات أخرى في القاعة الرياضة التابعة للقرية، وآخرون  فضلوا الالتحاق بنوادي لكرة القدم او كرة السلة وغيرها، ومنهم من استهوتهم الموسيقى أو الرسم ليزينوا حوائط القرية بما أبدعت أناملهم.وللإطلاع على خبايا  القرى والبحت في أهدافها ومبادئها، كان للجديدة24 لقاء خاص مع مدير قرية الأطفال المتخلى عنهم السيد يوسف بويحياوي، الذي فتح لنا أبواب القرية ومعها صدره لمعرفة أكثر عن هاته الأخيرة. فقد أسست  القرية سنة  2006 وهي تابعة للجمعية الوطنية لقرى الأطفال المسعفين والتي بدورها تتبع لفيدرالية قرى الأطفال في العالم. والجمعية حاصلة على رخصة تحت عدد 14/05 وهي أيضا جمعية ذات منفعة عامة.وعن مبادئ   القرية صرح لنا السيد بويحياوي أنها ترتكز بالأساس على وجود الأم الركن الأساس بالبيت ثم إخوة  يتقاسمون سقف بيت واحد وأيضا توجد المساعدة العائلية ،وتتولى الأم قيادة البيت الذي تتصرف فيه، إضافة إلى الدور الأساس الذي هو تربية البراعم الذين يبلغ عددهم 100 طفل.وعن سؤالنا حول إن كان بإمكان أي طفل يحمل صفة طفل متخلى عنه، الالتحاق بالقرية أجاب السيد مدير المؤسسة بأن الإلتحاق تحكمه ضوابط ، أن يكون فاقدا للرعاية الأسرية، ويقل سنه عن الخمس سنوات، كما أن الالتحاق يخضع لمساطير قانونية حسب احتياجات القرية من الأطفال، إذ يتم الاتصال بمؤسسات الرعاية الأجتماعية التي تدلي بلائحة الأطفال المستوفين للشروط ليتم ادماجهم حسب البرنامج السنوي و الميزانية المتوفرة لديها، أما بخصوص الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، أردف المدير قائلا :“الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة يحتاجون عناية خاصة لايمكن توفيرها لهم هنا ".وفي جواب مدير القرية حول الدعم المادي، فان التعاون الوطني يساهم بنسبة معينة، فيما تتحمل الفدرالية الدولية لقرى الأطفال النصيب الأكبر، من الإشراف المادي إضافة إلى إجادة دوي الجيوب السخية وبعض مؤسسات القطاع الخاص ، ليتم جمع كل المداخيل وإنفاقها حسب احتياجات كل قرية لكل طفل من مأكل وملبس وتدريس .....مع استخلاص رواتب الأمهات وكافة العاملين لخدمة هدا العالم الصغير.ويبقى الأطفال في حضن الأسرة البديلة حتى بلوغه سن الرشد، الذي يستطيع فيه تحمل المسؤولية ، مع استفادته من المنحة في حالة إتمامه للدراسة ، مع إمكانية العودة إلى القرية في العطلة الأسبوعية لتستمر العلاقة المنسوجة بينه وبين الأم ، والطاقم الذي أنقده من التشرد والضياع .وعن شروط قبول الأم في القرية يؤكد السيد المدير على ضرورة توفرها على مستوى تعليمي اقله مستوى بكالوريا، وسنها بين الثلاثين والأربعين، كما يلزم عليها أن تكون متفرغة، وذات خبرة في المجال، وتوفر لها مقابل العمل كأم اجر قار.إن تجربة قرى الأطفال تنم عن مجهودات أفراد وجماعات جديرين بان نرفع لهم القبعات ،إذ يعتبرون أحضان سخرها الله للأطفال الملائكة لإنقاذهم من وحل التشرد وويلاته لينعموا بعالم يصون حقوقهم،فتضيع  الفئة تضيع لطاقات ،وعقول نيرة قد يكون لها اثر في تغير عقلية مجتمع تسود فيه الظلامية .فالأطفال المتخلى عنهم جزء لايتجزأ من مجتمعنا وهم في أمس الحاجة إلى سخاءنا المعنوي والمادي لنخلق صرحا متماسكا يكون أفراده كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى . انجاز: مبعوثة الجريدة أسماء الطويل

  • ...
    رحلة في ربوع مواقع \'طازوطة\' و قبيلة الشرفاء القواسم ...عالم من السحر و الجمال

    بشراكة مع شركة بوادي للصيد السياحي، نظمت جمعية "الصقارين القواسم بأحد أولاد فرج" و جمعية الفرنسيين والفرنكفونيين المقيمين بإقليم الجديدة«El Jadida Accueil» ، يوم الأحد الماضي ، "سفاري" إلى منطقة أولاد فرج لاستكشاف خبايا بنايات "طازوطة" و التعرف على أصالة و قيم الصقارين القواسم بأحد أولاد فرج.   خرجت القافلة من الجديدة في حدود الساعة 10 صباحا متوجهة نحو أحد أولاد فرج. وهكذا بدأت رحلة التشويق والمتعة لتنطلق حوالي 50 سيارة تقل 100 شخص في قصص ومواقف وصور رائعة، قبل توقفها قبالة بنايات طازوطة التابعة ترابيا لجماعة الشعيبات.   فتسارعت نبضات القلب وبدأت النظرات تترقب أولى اللحظات التي يرى فيها المشاركون كل جنبات هذه البنايات المذهلة، من بينهم على سبيل المثال لا الحصر شارل و روبير و ألان وبياتريس و بيتي و آن و مونيك و جان و إيليان و فاتي و غيرهم.   و كلمة (طازوطة) تعني بالأمازيغية (إناء الحريرة) أو الإناء الدائري الشكل، وهو المعنى الذي يفسر على الأرجح كون هذا البناء ترجع جذوره إلى أيام الفينيقيين و الرومان، وهو مصمم على شكل دائري وهرمي من الأحجار فقط دون إضافة أي مادة من مواد البناء.   وطازوطة هي تلك البنايات الأسطوانية الشكل التي ينفرد بها إقليم الجديدة وحده بالمغرب. هياكلها تقوم على حجارة مصفوفة بدقة وعناية متناهيتين. و قد نجد بعض جدرانها مغلفة من الداخل بالطين المخلوط بالتبن والقصب، فيما يشبه "التابيا" التي كانت مسخرة في القرن 12 الميلادي وبعده لبناء عدد من الأسوار التاريخية. وقد كانت بنايات "تازوطا" أو "طازوطة"  منتشرة بشكل كبير في دكالة العميقة ذات الطبيعة الحجرية، وبمرور الأيام زحف البناء الإسمنتي فتراجعت إلى أن كادت تختفي وتندثر.   ومعلوم أن شكل طازوطة الهندسي حين يتداعى بناؤها، فإن انهيار أحجارها يأتي بالتساقط خارجها دون أن تسقط ولو حجرة واحدة بداخل البناء. والغريب أن البعض يحاول جاهدا إيهام الناس على أن المعمرين الفرنسيين هم من علموا أهل دكالة بناء طازوطة وتناسوا أن طازوطة اسم أمازيغي يرجع إلى العهد الذي كانت فيه دكالة منطقة أمازيغية بامتياز.   أما اليوم فإن بنايات طازوطة تعاني الإهمال وانهيار أحجارها وتآكل أ جزائها،مما  ينذر بانهيارها كليا، مع العلم أن صيانتها قد لا تكلف شيئا، و في هذا المجال،فإننا نشير بأننا كنا قد أشعرنا مرارا بالحالة التي هي عليها بنايات طازوطة وأنها آيلة للانهيار في أية لحظة بسبب انهيار بعض من أحجارها في جل أجزائها وسرقتها ولم نلق أذانا صاغية.وبينما كان أحمد شهيد يعطي بعض الشروحات عن هذه البنايات، تملكنا الشجى والشجن لمصير هذه البنايات الرائعة التي هي منا ونحن منها.   صقور مزرعة «الدراع»  البيداغوجية بالقواسم تجذب المتنزهين الأجانب   ابتهجت زاوية الشرفاء القواسم بأهلها وبالقادمين إليها بغرض الاستمتاع بالأجواء الربيعية التي تعيشها المنطقة ،حيث اعتادت من حين لآخر استقبال عدد كبير من عشاق الرحلات البرية القادمين لها من داخل المملكة ومن الدول الشقيقة الحبيبة الخليجية. كما تشتهر زاوية الشرفاء القواسم باحتوائها على عدد مهم من الصقور ،حيث يجد الصقارون الشرفاء القواسم متعة في اقتناص الصقور. ومنطقة قبيلة الشرفاء القواسم تتجاوز كل الأبعاد لتجسد اللا مكان واللا زمان، وتسحر بجمالها الاستثنائي كل من زارها نظرا لتميز سكانها بالقبول الطيب وحسن الضيافة ودماثة الأخلاق.   وبمدخل «الدراع»، استقبل الوفد من طرف الصقارين القواسم وكذا من طرف الحاجة زهرة والأستاذة فاطمة و الدكتورة ماريا والسي أحمد والسي ابراهيم داعين الجميع إلى تناول عدة أنواع من الحلوى المغربية والشاي المنعنع. مع العلم أنه قبل موعد «السفاري» تكلفت الحاجة زهرة والأستاذة فاطمة و الدكتورة ماريا بتهيئة عدة أنواع من الحلوى المغربية وكذا عدة أنواع من أطباق الأكل بالسمك الطازج، فيما تكلف السيد محمد الغزواني بتهيئة ما يسمى بالكبسة الخليجية بالبهارات وكل أنواع الأسماك و فواكه البحر، والتي قام بطهيها أمام أعين المشاركين في هذه الجولة الرائعة.   وبداخل المزرعة البيداغوجية النموذجية «الدراع»،أفرنة طبيعية تقليدية تسخن بالعود المحلي. وفي كل جنباتها، تجد تقريبا كل أنواع الطيور كالدجاج و الإوز والحمام و الحبارى و الحجل والديك الرومي، إضافة إلى الأبقار و الغنم و الجمال و الخيول. كل هذه الطيور تمرح بين هدير المياه الطبيعية والنباتات و الأشجار بشتى أنواعها. ولعل المكان الاستراتيجي لمزرعة «الدراع» يشكل المكان المناسب للهروب من تعقيدات المدينة وصخبها، بل وكذلك شحنة أساسية للعلاج من الاكتئاب والضغط النفسي.   وبعد وجبة الغذاء، تدخل السيد محمد الغزواني ليكشف للمشاركين في «السفاري» بعض أسرار عالم الصيد البحري و كذا عالم الصقور حيث قال« إن للصقور أنواعا عديدة وألوانها كثيرة فمنها الأبيض وهو الأفضل والأغلى ثمنا ثم الأسود ثم الأشقر ثم الأحمر ومنه (الأحمر العادي والمجهم والأشعل) ثم الأدهم، علما بأن الصقر الحر له سلالات عديدة، فهو يختلف من صقر إلى آخر من حيث أماكن التواجد ولون الريش، ويتميز الصقر الحر بالتحمل والصبر ومقاومته بعض الأمراض أكثر من صقر الشاهين، ولكن الصقر الشاهين يعتبر من أسرع أنواع الصقور على الإطلاق، ومنه الشاهين البحري والشاهين الجبلي وهي من أشجع الطيور وأخفها، وتتفوق على الصقر الحر من حيث المهارة في الصيد. ولعل أبرز مستلزمات الصقار في المقناص هي:   ـ البرقع: وهو غطاء لتغطية رأس الصقر يصنع من الجلد ونحوه. ـ الدس: وهو كف لحمل اطير. ـ الوكر: قطعة من الخشب او الحديد لوقوف الطير عليها. ـ المربط: حبل صغير من قطعتين يكون بين الوكر والسبوق. ـ السبوق: حبل صغير يكون بين قدمي الصقر والمربط. ـ المجول: قطعة من الحديد تكون بين قطعتي المربط لمنع التواء المربط على الصقر. ـ الملواح: مجموعة من الريش يقوم الصقار بجمعها وغالبا ما تكون من ريش الحبارى ويستخدم في عملية التدريب. ـ جهاز متابعة الصقر عن بعد والريشة ذات الذبذبة. كما يحرص بعض الصقارة على حمل بعض الأدوية البسيطة».   ومع أن الجولة كانت غير طويلة وغير كافية لسبر أغوار هذه المنطقة التي تحدثت عنها الكثير من كتب المناقب و التاريخ، فقد استغرقت يوما كاملا مع ضيوف رئيس جمعية الصقارين القواسم أولاد فرج السيد محمد الغزواني لدرجة أن المشاركين لم يكونوا يتصورون أن هذا الرجل و رجال الصحافة المرافقين لهم السادة المصطفى لخيار وأحمد شهيد و الحاج عبد المجيد نجدي لهم إلمام بكل صغيرة وكبيرة عن دكالة وأعرافها وتقاليدها سواء في مجال الصقور أو في مجالات أخرى،هؤلاء بطبيعة الحال أحبوا أن يعرفوا بدكالة خارج المملكة وبإرثها التاريخي والحضاري، وذلك أضعف الإيمان، حسب قول قيدوم الصحفيين المصطفى لخيار.   شكرا لشركة بوادي للصيد السياحي بدكالة التي يديرها السيد محمد الغزواني الدكالي و التي تؤسس اليوم لسياحة إيكولوجية تنمو وتزدهر في صمت. وهي سياحة تقوم على كل ما هو طبيعي ذي بعد ثقافي يحافظ على الأصالة و الموروث الدكالي الصرف.   وفي الأخير،تجب الإشارة إلى أنه من الضروري، إضافة إلى سمات التراث الحضاري، العمل بجد على التعريف بما تزخر به مواقع طازوطة و زاوية القواسم، بدون أي منازع، مما وهبهم الله من جمالية الطبيعة، ومن المزايا العديدة التي قد تزيد هذه المواقع الجغرافية قيمة من الوجهة الترفيهية والسياحية. كل هذا يفرض على كل واحد منا أن نتخذ من موقع قبيلة الشرفاء القواسم و بنايات طازوطة وقصبة بولعوان جوهر ذاكرة دكالة الشامخة.   ومن جهة ثانية، يجب على المسؤولين إرساء ركائز ثقافة المحافظة على تراث الإقليم، وتقوية أواصر التوعية بالافتخار بوجوده، ليتسنى إحاطته بما يستحق من الصيانة وخالص العناية وحتى الرأفة أيضا، وأخيرا وهو الأهم إنقاذ تراثنا المعماري من الإهمال وتخليصه من قبضة التطفل والعبث.   المصطفى لخيار و الحاج عبد المجيد نجدي  

  • ...
    نساء الكوشطة بالجديدة تحدين ظروف فقرهن وقررن البحث عن الرزق من نفايات البحر

    جولة صباحية  في ساحل الجديدة،تقودك لترى نساء كبيرات السن وفتيات في ربيع العمر، انحنت ظهورهن تحت ثقل أكياس، يجمعن فيها بعض ما لفظه البحر، يذرعن الساحل البحري جيئة وذهابا لجمع النفايات.   عشرات من النساء يحدقن في جانب البحر، أملا في العثور على أي شيء يصلح للبيع، لهن نفس الملامح التي تحكي عن واقع مرير وظروف قاسية، اقتربنا من إحداهن، فقالت: فقدت زوجي بسبب مرض عضال، فلجأت لهذا العمل الذي لم أجد بديلا عنه،  وأضافت: نحن النسوة ، كلنا نتقاسم نفس العمل والمعاناة، وهذا أفضل من مهنة التسول في الشوارع.    تبدأ هذه السيدة يومها بجمع نفايات شط البحر، من بداية السابعة صباحا رفقة جارتها، فتدوران وتجولان وهما تحملان كيسا على ظهرهما، الأولى اسمها العياشية في عقدها الخامس، لديها أربعة أولاد صغار وتسكن في بيت بمنطقة مولاي عبد الله أمغار، لا يضم سوى غرفة واحدة ومرفق لا يمكن وصفه بالصحي، بفتقر بيتها إلى أبسط مقومات الحياة من الماء والكهرباء، وهي تجمع العلب البلاستيكية ليتم بيعها لأشخاص متخصصين في شراء هذا النوع من النفايات، ليبيعوها هم بدورهم للمعامل والمصانع، مؤكدة أن أكثر مبلغ تحصل عليه في اليوم يتراوح ما بين عشرة دراهم إلى عشرين  درهما في أحسن الأحوال .    تقول العياشية: كيف لي أن أعيش أنا وأولادي في هذا الحياة إن لم أقم أنا بهذا العمل، ولمن أشكو، وها أنا كما تراني أكمل السنة الثالثة بهذا العمل المضني بعد أن رحل المعيل إلى حيث يرحل الناس جميعا، وأضافت: لا أخشى التعب ولا أخشى  الحالة التي أنا عليها اليوم، ولكن أخشى أن يأتي يوما أعجز فيه عن متابعة العمل وتحمل المسؤولية،  فكيف سيكون الحال لأولادي حينها ؟ .   أما رفيقتها السيدة خديجة ، فهي من دوار البحارة وضعت على رأسها قبعة رثة  لحمايتها من حرارة الشمس تقول:منذ أن ترملت قبل أكثر من خمس سنوات لم يطرق باب داري أحد، ولا أحد يسأل عن أيتامي الأربعة، تركهم والدهم لي ورحل في حادث غرق قارب للصيد، وأضافت"بعد أن قلت حيلتي أمام الأفواه الجائعة لأطفالي الصغار دخلت إلى سوق الخادمات لأعمل، لكني بعد فترة وجيزة تركت هذا النوع من العمل بسبب الظلم والقهر وأشياء أخرى استحيي من ذكرها، وبدأت هذه المهنة التي يلجأ إليها من ضاقت بها السبل وليس لها حرفة أو مهنة.    ان جمع النفايات من الشواطئ هي مهنة لمن لا مهنة لها، حيث أصبحت مصدرا للعيش للعشرات من النساء  اللائي لايجدن فرصة عمل شريف يغنيهن عن مد أيديهن إلى الآخرين. 

  • ...
    الجديدة: أطفال ورضع يستغلون في التسول في عز البرد القارس والمستغل أحد الوالدين أو عصابة متخصصة

    كان المطر ينهمر غزيرا، والرياح تحرك كل شيء وسط مدينة الجديدة تعبث بسمائها وشوارعها حينما صادفنا نسوة يستجدين المارة بأطفال رضع في هذا الجو الغائم والمطير و الشديد البرودة، وصرخاتهم وبكائهم يتسرب إلى أرواحنا كطنين لا يكاد يفارق مسامعنا.     كنا نظن أن الحياة قد قذفت بهم إلى الشارع، لكن بعد بحث وتقصي أتضح أن هناكَ عصابات تحركهن وتوزعهن على الشوارع لاستجداء المارة، فبأي ذنب تنتهك حقوق هؤلاء الأبرياء الصغار وهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ، وما حقيقة ما يتناقله الناس عن وجود شبكات في مجال توظيف الأطفال في التسول.   جرائم حقيقية ترتكب ضد أطفال رضع وحديثي الولادة سيقوا إلى التسول دون إرادتهم، متسولات يفترشن الأرض وبجانبهن الأطفال، إما يلعبون أو يغطون في نوم عميق في هذا الفصل المطير والشديد البرودة ، لقد أصبح من النادر أن يمر يوم دون أن تلاحظ عيون المارة متسولون بسحنات مختلفة وأعمار متباينة يجوبون الشوارع أو يفترشون ارض أبواب المساجد و الابناك والمحلات التجارية أو قريبا من أجهزه الصرف الآلي، وقد يكون معظمهم لا يستحق صدقة وإنما اتخذ من التسول حرفة سهلة للكسب، بينما المحتاجون أصحاب الحاجات الحقيقيون لا يسألون الناس صدقة لان لديهم حرج وخجل.   وأنت تجوب مدينة الجديدة وفي أماكن كثيرة ترتفع أيادي المتسولات بشكل لافت في مظهر مؤرق مع صغار اغلبهم مأجورين في محاولة استغلال رأفة ورقة قلوب المحسنين ، ولتكتمل مشاهد البؤس والانكسار تحرص المتسولات على أن يبقى الأطفال نائمين على الأرض تحت المطر والبرد القارس غير حافلات بالنتائج الصحية الوخيمة على هؤلاء البؤساء بسبب مكوثهم طويلا على الرصيف بينما أخريات يدفعن بالأطفال الأبرياء نحو المارة في الشارع، ومع توالي الأيام يتحول هؤلاء الأبرياء إلى منحرفون أو متسولون في المستقبل نتيجة تلقيهم تقنيات الاستجداء، والشاهد أن صغارا ذكورا وإناثا يقومون لوحدهم بالتسول بعد تخرجهم من مدارس التسول على أيدي متسولات.ونحن نتعثر بهؤلاء النسوة أينما مشينا وسط المدينة وفي هذا الجوى القارس والمطير أثارنا منظر إحداهن في الشارع الرئيسي للمدينة تضع على الأرض طفلين رضيعين دون أن تحفل بآلامهما الجسدية والنفسية، البعض ينظر إليها شزرا والبعض الأخر يغض طرفه ويبتعد مسرعا والقلة القليلة يتوقفون وينظرون في وجهها يناولونها قطعة نقدية.   وخلاصة القول أن المتسولات بالأطفال الرضع اتخذن منحى الحرفية في استجداء المواطنين، فإذا كانت الحاجة والفقر من بين الأسباب إلا أن الظاهرة استشرت في مدينة الجديدة بشكل كبير حتى أصبحت من قبيل السلوكات العادية، فان تصادف متسولا أو متسولات فهذا معتاد في واقعنا اليومي، ولكن المحزن حقا هو ما تعرفه هده الآفة من ابتكار أساليب أكثر تأثيرا باللجوء إلي استئجار أطفال رضع ومنهم من هو في سن التمدرس وحرمانهم حقهم في الحياة وفي لتعليم.  

  • ...
    في ظل موجة البرد الشديد.. فقراء دكالة ينامون في الشوارع بدون مأوى ولا غطاء

     دفع البرد القارس الذي تشهده مدينة الجديدة في مشهد لم يسبق أن تكرر من قبل، الى تفاقم معاناة الفقراء والمشردين لعدم وجود مأوى لهم. ومع اشتداد موجة البرد التي سادت مدينة الجديدة مند أسابيع، قمنا في هذا الاستطلاع بجولة عبر أحياء وشوارع المدينة في صباح مبكر ووقفنا على مشاهد انسانية جد مؤثرة.   رغم أنني نمت باكرا على غير العادة إلا أنني نهضت باكرا، ولم يكن احد قد نهض آنذاك، صدمت وأنا أسير في اتجاه منزلي بعد صلاة الفجر في المسجد بوسط المدينة قبيل فجر يوم الجمعة الفائت، فلم أر في الشارع ذو الأضواء الشحيحة غير أشباح آدميه، مشردين مضطجعين في الشارع كالأموات، افترشوا كارطونا والتحفوا غطاءا بلاستيكيا وفي أماكن أخرى لن يخطر في بالك أن أحدا يمكن أن يبيت فيها،...   سيارات قليلة تسير على الشارع، وبالكاد شخصين أو ثلاثة يسرعون الخطى مطأطئي رؤوسهم المغطاة بسبب لسعات البرد القارس... ثم راح الفجر بعد ساعة يرسل خيوط ضوئه الأولى، وقد لا تصدق نفسك وأنت تسير على الطريق في اتجاه المحطة الطرقية، حين تفاجأ بأن هناك أناسا آخرون بالقرب من الحوانيت والدكاكين التي لازالت مغلقة يبيتون في العراء بلا مأوى آمن،  في عز موجة البرد الشديد الغير مسبوقة التي تسود المدينة، وهي الأسوأ منذ عشرات السنين.   حاولت الاقتراب قليلا و التقطت بعض الصور، مشردون صغارا وكبارا لا يعرفون الليل من النهار ولا مأوى يسترهم، يعيشون من الإحسان، ومنهم من يعيش على تلميع أحذية الناس، يصعب تجاهلهم فالمدينة  كلها مزروعة بهم. أطفال بؤساء يعانون من البرد ترتجف أوصالهم و ترتعد أطرافهم و هم يبحثون عن لقمة دافئة تدفئ أمعاءهم الخاوية، و أيضا شيوخ أنهكتهم السنوات و هم لا زالوا يجوبون الشوارع في البرد القارس يستجدون الناس طعاما دافئا أو غطاء يحميهم من برد ليالي قاسية وطويلة. وحين كان لابد لنا أن نتذكر أولائك الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، في هذا الصباح ، كانت المحطة الأولى التي توقفنا فيها مشهد يستدعي الشفقة في شارع محمد الخامس، امرأة بلغت من العمر عتيا،مشردة تفترش بوابة المحطة الطرقية، قالت بما تبقى لديها من قدرة على التمييز: إن المشكلة التي تواجهني مشكلة المسكن، ولا أجد مكانا احتمي فيه، وكلما حاولت إيجار غرفة تحميني من شر البرد القارس بالفندق الشعبي بحي بشريط يأتي صاحب الفندق ليطالبني بالإيجار في مساء كل ليلة، وأنا لا املك في جيبي ما أسد به الرمق بالأحرى ثمن الإيجار.   لا ادري لماذا طافت بذهني في هذا الصباح عشرات وجوه المتسولين والمشردين التي أضحت مألوفة عندي مثل هذه السيدة؟ ووجدتني أتساءل بألم وتأمل، ترى كم من متشرد يعيش في العراء في هذا الفصل القارس ونحن لا ندري؟