ذاكرة الجديدة
  • ...
    سيدي أحمد الحطاب.. مدير ثانوية شعيب الدكالي الذي حزنت لموته كل الجديدة سنة 1970

    في مساء ذلك السبت الأسود يوم 7 مارس من سنة 1970 على الساعة الخامسة مساء ، تلقت الجديدة خبرا حزينا وصادما " مات سيدي أحمد الحطاب " مدير ثانوية أبي شعيب الدكالي ، في حادثة سير مفجعة قرب أولاد الغضبان وهو في طريقه إلى ضيعته الفلاحية بالقرب من الجرف الأصفر .في ذلك اليوم الحزين بكت الجديدة مديرها الشاب ، الذي لم يتجاوز عمره 37 سنة فهو من مواليد 8 مارس  1933 ، وكان يعد من الرعيل الأول للمديرين المغاربة الذين تولوا مسؤولية إدارة المؤسسات التعليمية في إطار المغربة  ، خلفا لأسماء بارزة من الفرنسيين الذين كانوا يتولون أمور تعليمنا منذ بسطت فرنسا حمايتها على بلادنا سنة 1912.أن تكون مديرا لثانوية في السبعينات فأنت من الأطر البارزة بالمدينة ، لذلك كان حجم الصدمة كبيرا على ساكنة الجديدة ، لدرجة لم يصدقوا معها الخبر القادم من أولاد الغضبان ، إلا عندما عاينوا بأم العين جثمان الفقيد يوضع بمستودع الأموات بمستشفى محمد الخامس في مكانه القديم .تحول آنذاك الملاح حيث منزل العلامة محمد الحطاب والده ، إلى مأتم رهيب وتقاطر الناس من كل المدينة ، يتبادلون فيما بينهم التعازي ويلتمسون لبعضهم الصبر والسلوان .وفي الغد كانت المدينة مقفلة عن آخرها حتى ليخيل أنها في إضراب عام ، لقد أقفلت المحلات التجارية أبوابها ، ليتفرغ الجميع لتشييع الفقيد إلى مثواه الأخير ، هكذا كانت الجديدة متعاطفة مع ذاتها حنونة ومتضامنة .انطلق الموكب الجنائزي من الملاح يتقدمه والده العلامة سيدي محمد الحطاب والأعيان والسلطات ، وسط بكاء ونواح الساكنة ووسط ذهول الكثيرين منهم ولسان حالهم يردد " هل فعلا مات سيدي أحمد " ، عبر الموكب شارع الحسن الثاني إلى أن توقف في مقبرة " سيدي أحمد النخل " المجاورة لمستشفى محمد الخامس في القلعة ، حيث ووري الثرى في جنازة مهيبة ، تليق بوضعه الاعتباري مديرا شابا متفانيا لم يمهله الموت لمواصلة الإسهام في ترسيخ دعائم المدرسة العمومية .دفن المرحوم في مقبرة سيدي أحمد النخل أحد أجداد أسرة الحطاب أصله من برشيد ، الذي حل بدكالة قبل 239سنة ، مبعوثا من السلطان العلوي مولاي سليمان ، الذي كلفه بتلقين القرآن وعلوم الدين  بمازغان .والفقيد سيدي أحمد الحطاب هو نجل العلامة الكبير سيدي محمد الحطاب الذي تبحر في العلم مع ثلة من العلماء منهم القاضي سعيد بلهيبة والمفتي محمد الريفي ووزير العدل الشيخ شعيب الدكالي والفيلسوف محمد الرافعي .وفي سنة 1923 تم تعيين سيدي محمد الحطاب في مرتبة " الإمام الأكبر " لمسجد مازغان ، فضلا عن دوره البارز أستاذا في المدرسة الإسلامية الفرنسية ، وهو ما كان موضوع رسالة تنويه تلقاها إثر زيارة محمد الخامس للجديدة ، وفي سنة 1956 تقاعد من التعليم بعد مسيرة امتدت ل 35 سنة كلها عطاء وسخاء ، وتفرغ للإمامة ونشر العلم ، وفي مقال نشره الفرنسي " بولي " بجريدة LE PETIT  MAROCAIN يوم 1 يوليوز 1956 عدد فيه مناقب العلامة الحطاب ، ومما قاله أن تقاعده في التعليم سيترك فراغا كبيرا ، لا يمكن أن يسده إلا ابنه سيدي أحمد الحطاب الذي كان أستاذا للغة العربية منذ سنة 1951 وتتوفر فيه مؤهلات خلف بإمكانه حمل مشعل والده .لم تكن تنبؤات الموسيو بولي كاذبة عندما صار الإبن على نهج والده ، أستاذا متميزا سيتم تعيينه مديرا على واحدة من أكبر ثانويات المغرب من المرجح ان ذلك كان في سنة 1963 ، لكن الموت لم يمنح سيدي أحمد ذلك الوقت الكافي الضروري لتفجير طاقاته الخلاقة ، لكن وبرغم قصر حياته بصم على مشواره متميز كواحد من المديرين الشباب ، الذين اخلصوا لمدينتهم ولوطنهم ، رحم الله سيدي أحمد الحطاب رحمة واسعة وأجزاه خير الجزاء على ما أسداه من خدمات جليلة . عبد الله غيتومي 

  • ...
    الوقاية المدنية بالجديدة.. 80 سنة مضت على ظهورها أول مرة بعاصمة دكالة

    تمر أمامك سيارة إسعاف تملأ الفضاء صخبا بصوتها الإنذاري ، حتما أنا جد متأكد أننا لم نطرح أبدا سؤالا لإشباع فضول يسكننا باستمرار ، منذ متى أضحت هذه السيارة مألوفة لدينا في حياتنا اليومية ، كيف كنا ندبر حوادثنا في زمن كانت فيه الوقاية المدنية في بداياتها الأولى ؟ من هم الرعيل الأول الذي شكل العمود الفقري لرجال المطافئ بالجديدة ؟هذه كلها وبكل تأكيد تساؤلات تحيل على جزء من الماضي المنسي لهذه المدينة التي كانت سباقة إلى استقبال عدد من الخدمات المتميزة ، نظير أول قاعة مغطاة وأول مستشفى سنة 1916 .فالوقاية المدنية خدمة ولدت من صلب الحروب والكوارث التي عاشتها القارة الأوربية ، وكانت نشأتها الأولى بشكل منظم ومهيكل على يد الطبيب الفرنسي " جورج سان بول " سنة 1931 وأطلق عليها أول مرة " الخماية المدنية " واختار باريس مقرا لها قبل أن تتطور لتصبح فيما بعد المنظمة الدولية للحماية المدنية .ويبدو بديهيا أن فرنسا التي فرضت الحماية على بلادنا سنة 1912 ، كان من الطبيعي أن تنقل إلى مستعمراتها ومنها المغرب مجموعة من الخدمات من تلقيح ووقاية وغيرها ، ليس لسواد عيون المغاربة يومذاك  ولكن لتحصن رعاياها المعمرين من كل الأوبئة المنتشرة في ذلك الوقت .وكان على مدينة الجديدة أن تنتظر حتى 1940 لاستقبال أول تجربة لرجال المطافئ " البومبية " كما كان يحلو لأهل المدينة تسميتهم ، كانت الثكنة " القشلة " الأولى على عهد الفرنسيس بدرب السوميك في المستودع البلدي أوما كان يعرف " سربيس مانيسيبو " الذي كانت به " كروسة بيضاء " لنقل الأموات مكتوب عليها بأحرف بارزة " لا إله إلا الله محمد رسول الله ، كل نفس ذائقة الموت " وترأس هذه الخدمة الفرنسي " جانير " وبعده إسكيش "وواصل الفرنسي " فينيي" الإشراف على الوقاية المدنية بالجديدة حتى بعد الاستقلال ، وهو مهندس بلدي لأن الوقاية المدنية كانت تابعة إلى البلدية كما في باقي المدن المغربية واستمرت كذلك إلى غاية سنة 1984حيث انتقلت من مسؤولية الجماعات إلى مسؤولية الدولة التي أضفت عليها لاحقا الطابع العسكري .كانت البداية الأولى بثكنة السوميك بوسائل ضعيفة ، قوامها شاحنة واحدة للإطفاء وسيارة إسعاف فرنسية فضلت عن الحرب العالمية الثانية وفي كثير من الأحيان كان رجال المطافئ يستعينون ب" سطول " من المياه لإخماد حرائق لعدم توفر فواه مياه بالعديد من أحياء الجديدة .واستمرت الحالة كذلك إلى سنة 1962 وبالضبط في شهر يونيو ، حيث انتقلت الخدمات الوقائية إلى الثكنة الحالية قرب الدرك الملكي بزنقة القاهرة .وتعاقب على رئاستها عدد من المسؤولين إلى غاية سنة 1969تولاها " صالح ديا " وكان العامل هو " صالح لمزيلي " والكاتب العام هو " صالح جبران " وكان الجديديون يتندرون بالقول أن مدينتهم يسيرها  " الصالحون " لتطابق أسماء المسؤولين الثلاثة .وترأس الوقاية المدنية بعد ذلك العذراوي وامحمد البطيوي وسعد وعدد آخر إلى من يتراسها اليوم وهو الكولونيل بوعسرية .كان عدد رجال المطافئ آنذاك لا يزيد عن 20 يؤمنون خدمات التصدي للحرائق والفيضانات والغرقى وحوادث السير رغم قلتها آنذاك في ربوع كل دكالة التي كانت تشمل إقليمي الجديدة وسيدي بنور وهم يبلغون اليوم بغقليم الجديدة 140 فردا قياسا بتطور ساكنة الغقليم وامتداده العمراني .الرعيل الأول لرجال المطافئ الذين يظهرون في الصورة رفقته ، كان يتكون من العرابي و الملازم أحمدبومطيرة والساقي وبنسعود وبياضة والصمام وبوغركة وبنغاموس وبكار ومرواني وسي خليفة والغرباوي ومنومر وبشار وأبوالنعيم والطيبي وسفيان وقميح وباشري ولعقيري .والملاحظ أن عددا من لاعبي الدفاع الحسني الجديدي كانوا رجال مطافئ ضمنهم الصمام وسي خليفة والغرباوي والزوفري .تحسنت الأحوال شيئا ما في المعدات بالانتقال إلى الثكنة الجديدة صيف 1962 ، إذ كانت سيارة إسعاف بيضاء التي تظهر في الصورة من تركة الفرنسيين ، وكانت تستخدم في الحرب العالمية الثانية ، ويذكر كل الجديديين أنها كانت بباب خلفي ومنظرها مخيف لحد كبير ، لأن ناس زمان كانوا يعتقدون أن كل من حملته تلك السيارة إلى المستشفى ، حظوظ نجاته من الموت ضعيفة ، ولنا مع تلك السيارة ذكريات منها أن الناس كانت تركب رقم الوقاية المدنية ببلاغات كاذبة عن وقوع خطر ما بأحد الاحياء ، ويسرهم حضور رجال المطافئ لأجل واقعة كاذبة .ونذكر لهذه السيارة أنه ذات يوم حضرت لنقل سيدة مريضة في فيلا قبالة مخبزة شارلوت بشارع الحسن الثاني ، وأن رجلي الوقاية دخلا لحمل السيدة ، فلما عادا لم يجدا سيارة الإسعاف البيضاء ، واعتقدا انها سرقت قبل أن يتأكدا بأنهما نسيا " الفرانمان " وسحبتها العقبة إلى أن توقفت قرب المارشي سنطرال .كما أضحى رجال المطافئ يمتلكون قاربا مطاطيا لانتشال الغرقى وبضع سيارات تظهر في الصورة وتحيلنا على " المغرب العميق " هذه قصة رجال المطافئ بالجديدة على مدى 80 سنة خلت كانت كلها عطاء برغم قلة الإمكانات اللوجيستيكية ، وهي مناسبة نترحم فيها على الأموات منهم وندعو للمتقاعدين بالصحة والعافية ، وللمزاولين بالتوفيق في رسالتهم النبيلة .

  • ...
    مقهى ''فيخرة '' أشهر مقهى شعبي للشاي المنعنع والقهوة المعطرة بالجديدة

    تعد مقهى " فيخرة " في مدينة الجديدة من اشهر المقاهي الشعبية ليس فقط في عاصمة دكالة ولكن على الصعيد الوطني ، عمرها يربو على 85 سنة ، ولا تزال شامخة في حي الرجيلة تحكي عن مراحل تاريخية متعاقبة ، وعن أجيال عشقت هذا المكان الذي لا تزيد مساحته عن 15 مترا مربع واستهواها الاستمتاع بكؤوس شاي منعنع وقهوة مخلوطة بالقرفة والزنجبيل والمسكة الحرة .ففي سنة 1935 وفي ظل ظرفية تاريخية مشتعلة بالنضال الوطني ضد الوجود الفرنسي ، اختار المرحوم سي أحمد سرداوي المعروف بفيخرة ، وهذا الإسم ليس لأن إعداد كؤوس الشاي والقهوة " المنسمة " كان يتم على " الفاخر " وإنما لأن والده المرحوم سي بوشعيب كان يبيع " الفاخر .اختار سي أحمد وهو الذي يظهر في الصورة بالطربوش التركي بملامح رجل قادم من الأناضول ، الزاوية التي توجد بها المقهى اليوم ، محلا لنشاطه " قهوجيا " اخلص وإلى وفاته في سنة 2000 ، لصنعته التي استطاع بواسطتها أن يأسر أذواق المترددين على المقهى الشعبي الشهير ، إذ كان رواده من المغاربة والجالية اليهودية التي كانت  بعدد كبير في مدينة الجديدة .مقهى فيخرة استطاع أن يتربع على عرش الشهرة امام مقاه معروفة بالجديدة  ومنها مقهى الصوردو التي تحولت إلى مختبر التصوير لبنزهة ، ومقهى ولداللاوية قبالة مسجد بلحمدونية .لم يكن المقهى يتوفر في بدايته على كراس وطاولات ولكن على حصائر كان يقتنيها المرحوم سيدي أحمد من منطقة أولادترية بجماعة مكرس قرب سيدي إسماعيل .وكان متشددا في فرض قانون داخلي ينظم علاقة الزبناء بالمقهى ومنها عدم دخول المقهى بأحذيتهم في نظام صارم ليس فيه تساهل ، الذي يرتاد مقهى فيخرة حتما تستهويه طريقة تحضير الشاي والقهوة على " الزيزوة" وهي إناء نحاسي " انظر الصورة " أصله من تركيا سعته 25 لترا من الماء يوضع فوق جمر ملتهب ، وبعد أن يفور الماء يتم إعداد كؤوس الشاي بالنعناع واليازير والسالمية وسكين جبير والحبق ومرددوش ، وهي الأعشاب التي تجعل الإنسان ينتشي بمشروب شاي تستيقظ معه جميع الحواس ، وبالمقهى ذاته تلفحك رائحة القهوة الشعبية المعطرة بالقرفة والزنجبيل وراس الحانوت ، وهي " الخلطة العجيبة " التي يتنسمها الزبناء بولع شديد .والزيزوة التي تظهر في الصورة يزيد عمرها عن 65 سنة كان اقتناها المرحوم سيدي أحمد فيخرة من مراكش ، وهي تحظى بعناية خاصة من حيث الصقل والتنظيف ، ولاتزال محافظة على لمعانها ، حتى ليخيل للناظر إليها أنها صنعت فقط منذ أمد قصير ، وهي بهذا العمر الضارب في تارخ الجديدة ، توأم للزيزوات المنتشرة في أحياء القاهرة العتيقة بمصر ودول الشام .وأنت تجلس اليوم في مقهى فيخرة لا تتذوق الشاي المنعنع والقهوة المعطرة  ، بل تتذوق قصة مكان عريق عمره أزيد من ثمانية عقود بالتمام والكمال ن هي وبكل تأكيد تحكي عشقا أبديا رسخته المقهى مع روادها ، بل ويستمر بتعاقب السنين .للمقهى اليوم زبناء أخلصوا لها العهد يأتونها من كل حدب وصوب ، وخاصة من المتقاعدين الذين يتخذونها مكانا للقائهم اليومي المسائي ، للعب أوراق النرد وتبادل نقاشات حول عدد من المواضيع المشتركة .ومن الزاوية التي يقع فيها المقهى تنتشر كراسي اليوم جاءت لتعوض حصائر الأمس ، ليس فقط بواجهة المقهى ولكن أيضا امام الحديقة المقابلة لها ، ذلك شاهد على أن لها روادها الذين شرب آباؤهم كأس شاي عند فيخرة في الثلاثينات بعشر ريالات ، يشربونه اليوم بستة دراهم ممزوجا بعبق تاريخ مدينة وتقاليد ساكنة لم يتغير فيها الشيء الكثير .من سنة 1935 إلى اﻵن تقترب المقهى من تسعين سنة ، وتظل بمرور الأيام ذلك العنوان البارز للشاي المنعنع والقهوة المعطرة المنسمان بالتاريخ .

  • ...
    بوحدو.. قصة رئيس جماعة بإقليم الجديدة تمرد باستمرار على السلطة وقراراتها

    كانت منطقة أولاد افرج وكباقي دكالة مثل تلك البركة الراكدة ، التي أسنت مياهها وأضحت بحاجة إلى من يخلخلها ولو برمي حجرة ، علها تحدث تلك الرجة المأمولة لإحداث تغييرات على المشهد السياسي الذي ظل ينتج نفسه باستمرار في نمطية قاتلة .وفي سنة 1992 بالضبط في الانتخابات الجماعية ، تقدم شاب كان عمره آنذاك 40 سنة لدى قائد المنطقة ، كان اسمه محمد بوحدو من دوار بخميس متوح ، نظر إليه القائد بازدراء كبير ، سيما وأن الشعار الذي اختاره هو " التصحيح" ، ولم يدرك القائد أن الماثل أمامه سيحدث انقلابا في الخريطة السياسية بمنطقة أولاد افرج ، وسيكون نموذجا للعديد من شباب الإقليم الذي يحملون بدواخلهم هم التغيير وإسقاط كائنات انتخابية عمرت الدهر كله .من هو محمد بوحدو الذي تجرأ على السلطة ورموزها ؟ محمد بوحدو ازداد ذات يوم من سنة 1952 في متوح التي عشق تربتها بشكل كبير ، التحق بمجموعة مدارس ابتدائية وعبر إلى المرحلة الإعدادية ،لكن طموحه الدراسي توقف عند محطة " البروفي" عندما طرد ، فعاد إلى الحقول الفلاحية لمساعدة والده في الفلاحة ، لكن الفتى الصغير كان يمتلك طموحا جارفا ، لمواصلة مشواره الدراسي كبقية أقرانه ، وفي الليل كان مواظبا على التحصيل وبعد سنوات تقدم حرا لامتحانات الباكالوريا وأحرز شهادتها بإصرار عجيب، كانت سبيله لولوج الجامعة من أوسع أبوابها ، إلى حين توج مشواره الجامعي  بنيل شهادة الإجازة في العلوم السياسية وواصل دراسته في السجن وأحرز دبلوم الدراسات العليا في القانون المقارن .الرجل بطبعه يرفض الظلم وينتصر للفقراء ، عاشرته لمدة ثمان سنوات قبل وفاته سنة 2014 فاكتشفت فيه عنادا غريبا ولكن الذي لا يعرفه الكثيرون أن بداخله قلب كان ينبض بحس إنساني رفيع .في سنة 1992 سطع نجم بوحدو المتمرد على السلطة ورموزها كانت جماعة متوح التي خرجت من صلب أولاد افرج مسيرة منذ 1964من طرف الرئيس علي السوباعي الذي عمر فيها ردحا طويلا من الزمن ، بل إنه أخرى فيها جذوره التي لم يكن من السهل أبدا إقتلاعها تمهيدا لتغيير لم تتخذ له السلطة آنذاك الاحتياطات اللازمة ، سيما وأن السلطة المحلية كانت دائما في نشراتها اليومية المرفوعة إلى العامل فريد الوراق، تؤكد استمرارية نفس الوجوه السياسية المألوفة ومنها علي السوباعي، وكانت تتجاهل محمد بوحدو الذي تقدم ببرنامج انتخابي ، لم تعره السلطة أدنى اهتمام، وهو المحشو بإشارات قوية قاسمها المشترك ، دك قلاع السوباعي ومن معه بما في ذلك السلطة .وكم كانت المفاجأة كبيرة ذهلت لها السلطة والمتعاونون معها ، عندما أحرز بوحدو وأتباعه تحت لواء حزب الشورى والاستقلال أغلبية مريحة مهدت الطريق له نحو رئاسة الجماعة .وحتى لا تتسلل السلطة إلى أغلبيته وتفككها، جمع أتباعه في منزله وأقسم لهم أن كل من خان العهد، سيكون حسابه عسيرا، فانضبط الأتباع لأنهم كانوا يعرفون أن بوحدو مثل عنترة سمح مخالقته إذا لم يظلم ، وإذا ظلم فإن ظلمه باسل مر مذاقه كطعم العلقم. ويوم التصويت على الرئيس ونوابه ساقهم مثنى مثنى إلى الجماعة ، وأعلنوها مدوية نجاح بوحدو رئيسا لجماعة متوح ، بمقابل عاد السوباعي والسلطة يجران أذيال خيبة هي مجرد شوط أول في المباراة التي يخوضانها ضد بوحدو الذي زاده الفوز جرعة لمواصلة إذلال السلطة ورموزها ، وكان وهو يرتدي اللباس العسكري " الترية " كما هو في الصورة ، يرسل لها إشارات قوية أن الشوط الثاني من المعركة حتما سيكون بعد سنة بالضبط في1993 بمناسبة الانتخابات التشريعية .الترشح للبرلمان والحملة على " موطور الخطر " وقلب رهانات الوراقاكتسب محمد بوحدو خلال سنة من تسيير جماعة متوح شعبية كبيرة ، لم يسلمها  قاعدة انتخابية خلفية لأحد المترشحين للبرلمان من ذوي المال والنفوذ ، بل اتخذها سندا لخوض تجربة البرلمان بمناسبة الانتخابات التشريعية لسنة  1993 ،  أذكر أنه ترشح لها محمد الزهراوي وعلي قاسمي وعبدالله السرحاني ونافسهم بوحدو هذه المرة بلون حزب التقدم والاشتراكية ، ومن لذغه الثعبان مرة حتما من الحبل يخاف ، أدرك الوراق وكل السلطة أن كبح جماح بوحدو يتطلب منهم مجهودات استثنائية ولو وصل الأمر حد تزوير الإرادة الشعبية. وبينما سخر باقي المترشحين أتباعهم وأساطيل سيارات  ووسائل لوجيستيكية في حملاتهم الانتخابية ، فضل بوحدو أن يكون استثناء في القاعدة فقد امتطى صهوة دراجة نارية شبيهة بموطور الخطر لعلي بن الحسين ، وكلما حل بسوقي حد أولاد افرج وخميس متوح ، كان يقوم بألعاب بهلوانية كتلك التي تتم على حائط الموت ، يضع رايات على عينيه ويقفز " السطاير" وسط تصفيقات حشود كبيرة من المواطنين الذين تعاطفوا معه وتواعدوا معه على التصويت لصالحه ، لأنه مرشح الفقراء والمحرومين جاءت برسالة تمريغ هيبة السلطة في الترابوبعد أسبوع من الحملة كانت شعبية بوحدو في تصاعد كبير ، أعلن بعدها الزهراوي عن إيقاف حملته الانتخابية ، وتحرك الشيوخ والمقدمون ليلا في دواوير وخيام أولاد افرج يوصون شرا ببوحدو ، الذي لم يزده ذلك إلا تعاطفا من الهيئة الناخبة ، وهو ما ولد لدى السلطة أن كسر شوكة المتمرد حتما لن تكون إلا في محاضر الفرز عندما أعلنت فوز علي قاسمي مرشح التجمع الوطني للأحرار .من حملة البرلمان إلى سجن مدته 6 سنوات بعكاشة ظلت السلطة وجلة من بوحدو الذي كان شديد الحيطة والحذر في تسييره للجماعة ، فلم تتمكن من حشد الثلثين لإسقاطه من الرئاسة ، وفي سنة  1994 حوكم بجناية قتل زوجته التي كانت تشكو ليلة وفاتها من تناول شيء سبب لها مغصا في الأمعاء ، كما أن تقرير التشريح الطبي لم يحسم في سبب الوفاة ، وهو أمر كشفه بوحدو ليلة محاكمته الطويلة التي دامت أكثر من عشرين ساعة وسط متابعة إعلامية كبيرة وأذكر أن رئيس الهيئة منح آخر كلمة ببوحدو قبل الحكم عليه ب8سنوات قضى منها 6 سنوات وأفراح عنه العفو ملكي .ومما قاله بوحدو في قاعة الجلسات بمحكمة الإستئناف القديمة ورجع صداه لازال يتردد لحد الآن خاطب رئيس الجلسة قائلا " قال تعالى " يا أيها الذين آمنوا  إذا جاءكم  فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " وواصل بوحدو " السيد الرئيس أنتم اليوم تحاكمون  مجازا في الحقوق له طموح سياسي أقلق راحة السلطة ، كنت سأكون اليوم ليس في قاعة الجلسات ولكن في قبة البرلمان لولا التزوير ، لقد فشلت السلطة في الإيقاع بي في الحسابات الإدارية وتسيير الجماعة ، وها أنا اليوم أ حاكم بجريمة أبدا لم أقترفها " ظلت هذه آخر الكلمات التي تترد بقاعة الجلسات ، ورددها بوحدو حتى خروجه من السجن الذي تابع فيه دراسته وأحرز دبلوم الدراسات العليا في القانون المقارن.. عبد الله غيتومي 

  • ...
    الجديدة تودع '' با الشوين '' أحد أمهر '' المعلمين '' الذين عرفتهم عاصمة دكالة

    استيقظت الجديدة هذا الصباح على خبر حزين ، مات سي محمد كراد الذي عرفه الناس ب" الشوين " هو أحد أمهر الطهاة الذين عرفتهم  أفرنة المدينة ، لقد كان رحمة الله عليه " فنانا" في الشواء والحلويات وطهي الحلويات ، وذاع صيته في كل أرجاء الجديدة ، ليس فقط ببراعته وماراكمه من " تمعلميت " ولكن لحسن أخلاقه وابتسامته التي لم تكن تفارق محياه ، حتى بعد أن استبد به داء السكري وأقعده على كرسي متحرك .عرفناه ونحن صغارا نلعب في أزقة درب البركاوي ، ذات صباح من سنة لا أذكرها ولكن  أتحدث عن 47  سنة خلت ، يوم حل بفران " با الحرشة " وهو فران الحي ومنذ ذلك الوقت ، دابت أمهاتنا على وصية عليها إجماع نساء الحي بكامله وهي " دي وصلة الخبز ولاطة الحلوى عند الشوين " ذلك يترجم الثقة التي استطاع " المعلم الجديد " أن يحقق لها امتدادات واسعة ، ليس فقط في دربنا ولكن في أحياء مجاورة في الصفاء وسيدي موسى وفي كل المدينة التي لم تكن أبدا بمثل هذا التوسع .توسعت شهرة المعلم الشوين وإسمه الحقيقي محمد كراد ، يوما بعد آخر عندما تفنن في شواء الخرفان ، ليس للمناسبات السعيدة بدرب البركاوي ، ولكن لأعيان المدينة وأغنيائها ، حتى أضحى " طاهي الفقراء والأغنياء " ، قبل أن ينتقل ليشتغل بشركة " لاسيكون " بالحي الصناعي إلى أن تقاعد .نحتفظ للرجل بذكريات جميلة عندما كنا صغارا وترسلنا أمهاتنا بدون نقود ونتردد كي نقول له " كالت ليك مي عطينا الخبز حتى يجي با " كانت ردة فعله أبدا لا تتغير وهي الابتسامة العريضة التي خلقت معه ، يمدنا بوصلات الخبز ولاطات الحلوى وصوته لحد اﻻن له رجع صدى في آذاننا " ماشي مشكل حتى تجيبو الفلوس المرة الجاية "وفي أيام الأعياد والعواشر كانت نساء الحي في وقت لم تكن فيه مخبزات الحلويات ، يغرقن الفران بمنتوجاتهن اليدوية ، لم يكن با الشوين يقلق منهن ولا يمل بل كان يعامل الجميع بكل التقدير اللازم .وتوطدت علاقته بدرب البركاوي يوم اقترن بعائشة علاب واحدة من بنات حينا في سنة 1974 ، وانجب منها يوسف وعبدالله وسمير وزينب وزهيرة وحسناء ، وأضحى واحدا من أبناء درب البركاوي الذين امتلكوا قلوب الناس بطيبوبتهم ، لقد كان رحمة الله عليه " فما بدون عار " رحمة الله عليك " با الشوين " نم قرير العين لأنك تركت ذكرى طيبة في درب البركاوي وفي كل الجديدة ، لك المغفرة والرحمة ولعائلتك الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون .

  • ...
    من ذاكرة الجديدة.. المرحوم سيدي أحمد بوافي عملة نادرة في رياضة كرة اليد المغربية

    في يوم الإثنين 25 يوليوز 2016 ودعت الجديدة ومن خلالها كل الساحة الرياضية " سيدي أحمد بوافي " ، في ذلك اليوم الحزين تهاوى هرم كبير ، وسقطت جوهرة من المعدن النفيس كانت ترصع " قلادة " الرياضة الجديدية والوطنية ، حتما لم يكن الأمر هينا على النفوس ، التي شيعت فقيدها الغالي في جنازة مهيبة ، تليق بحجم ما أسدى من خدمات ، وما بذل من عطاءات .سيدي أحمد كان نجما بارزا في كرة اليد ضمن فريق النادي الجامعي الجديدي ، الذي كان يضم عمالقة اليد في ذاك الزمن الجميل أمثال فوفانا والبطيوي ومولاي سعيد الشرقاوي والذهبي وغيرهم ، وكان أيضا من أعضاء الفريق الوطني لكرة اليد ، امتع إلى جانب زملائه متعة لازال رجع صداها يتردد بمختلف جنبات قاعة المرحوم نجيب النعامي .والرجل كان يتنفس الرياضة ويعشقها ويذوب في حبها ، حتى وبعد ان اعتزل اللعب لم يضع معها قطيعة ، بل عاد إليها من بوابة التسيير ، واستفادت من تجربته إطارا بالخزينة العامة ، وكان عنصرا فعالا في تسيير فريق الدفاع الجديدي سنة 1976 في المكتب الذي كان يترأسه المرحوم عبدالكريم بنسليمان ، الذي اختاره أمينا للمال في ذلك الموسم الذي صال فيه الدفاع وجال بملعب الأب جيكو ، إذ كان يستقبل بهذا الملعب بسبب إصلاحات في ملعب العبدي ، وكانت كل انتصاراته على ضيوفه بحصص عريضة بثلاثة أهداف فمافوق ، واستمر سيدي أحمد في نفس المنصب على عهد المكتب الذي كان يرأسه المرحوم إدريس شاكيري ن وفي سنة 1989 كون شاكيري أول " أومنيسبور " الدفاع الحسني الجديدي متعدد الرياضات ، وكان المرحوم كذلك أمين ماله ، وكان لي شرف أن أكون ضمن التشكيلة المسيرة التي كانت تضم اسماء بارزة منها عبدالله منصف والمرحوم رشيد حسان .تعرفت كثيرا عن سيدي أحمد الذي جاورنا بدرب البركاوي وهو زوج للا خديجة الشرقاوي كريمة المرحوم مولاي أحمد الشرقاوي ، أحد اعرق العائلات بالجديدة .وفي ظرف وجيز حتى ولو لم يكن سيدي احمد من أبناء درب البركاوي ، فقد صار من أبنائه البررة ، فلم يسجل قط على المرحوم أنه تخلف عن مشاركة ساكنته أفراحهم وأقراحهم ، بل كان مبادرا إلى مواساة المرضى والسؤال  عنهم والوقوف إلى جانبهم .احتضنه سكان درب البركاوي من خلال الدائرة 28 بمناسبة الانتخابات الجماعية لسنة 1976 ، يوم ترشح سي بوافي مع مجموعة المرحوم الدكتور عبدالكريم الخطيب ، في حملة انتخابية حامية الوطيس ضد المرحوم محمد أرسلان الجديدي ، وأكيد أن حجم ميول السلطة للورقة البيضاء  فوت على درب البركاوي فرصة الاستفادة من التجربة الكبيرة للمرحوم " أحمد بوافي " عندما آل الفوز إلى المرحوم " أحمد الغربي " وبرغم ذلك ظل سيدي أحمد بوافي " من حكماء الحي الذين يستشارون في أموره ، ودائما استمر قريبا من الرياضة من موقع رئيس للدفاع الجديدي لكرة السلة ، ولم يتراجع لأن حبه للرياضة ضعف وانتهى ، وإنما لمرض عضال ألم بالرجل وانهك قواه ، إلى ان أسلم الروح إلى خالقه في ذلك الاثنين الحزين الذي أبدا لا نريد أن نتذكره ، نم قرير العين يا أباعمر ومريم ونورة ، لقد كنت خلوقا وشامخا في عطائك الرياضي  الله يرحمك أيها البطل . عبد الله غيتومي 

  • ...
    يوسف الحمداوي.. ''شيخ الاتحاديين'' باقليم الجديدة الذي لم ينصفه النضال

    عندما نتحدث عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بإقليم الجديدة خلال الفترة بين 1970 و 2000  وهي تكاد تكون الفترة الذهبية لهذا الحزب اليساري الذي كان مزعجا للسلطات في مرجعيته السياسية وارضيته المذهبية ، لا يمكن أبدا أن ننسى " شيخ الاتحاديين " المناضل الكبير يوسف الحمداوي ، الذي ناضل فأخلص النضال طيلة مساره الذي لم يتوقف لحظة ، لأن الرجل كان يحمل بداخله هموم شعب ، ومطالب شرائح اجتماعية فقيرة اكتوت بلهيب التهميش وغلاء الأسعار والتضييق على الحريات ، أحرز ثقة ناخبي الجديدة عضوا بالمجلس البلدي ، قبل أن ينتقل إلى أولاد غانم مسقط رأسه وهو اﻵن يشغل منصب النائب الأول لرئيس الجماعة .له سجل حافل في الأجهزة المحلية والمركزية للكونفدرالية الديمقراطية للشغل ، إلى جانب توأمه الذي كان كظله والأمر يتعلق بالمرحوم علي القضيوي الإدريسي .هو ذا الرجل الذي لم يكن يخاف في قول كلمة الحق لومة لائم ، يردد وباستمرار " صامدون صامدون في الاتحاد مناضلون " ، مواقفه جرت عليه الكثير من الويلات والصدمات ، لكن لسان حاله يردد " الضربة التي لا تقصم الظهر تقويه " ، لقد تلقى ضربات موجعة من مولاي العربي الوزاني عامل الجديدة الأسبق ، الذي اتهمه بتكوين خلايا المس بالنظام ، وعندما لاحت له أول فرصة دبر له مكيدة وزج به في السجن مع مجموعة من المناضلين الاتحاديين ، الذين عانوا ولكنهم لم يبدلوا تبديلا .أذكر أنه في سنة 1979 عندما أسقطت ثورة الخميني شاه إيران ، حل بطائرته في المغرب طلبا للجوء سياسي ، أشعل ردة فعل من التقدميين المغاربة ، الذين رفضوا ان يفتح وطنهم أحضانه لامبراطور ظالم ، وفي صباح يوم حلول الشاه بالمغرب قبل أن يغير وجهته نحو مصر التي استقر بها ودفن ، استيقظ أمن الجديدة على كتابات حائطية تطالب بطرد الشاه وتضمنت عبارات ماسة بالمقدسات ، يومها ألقي القبض على مجموعة من الاتحاديين ، بتهمة تحريض مختل عقلي على تلك الكتابات الحائطية .وحوكموا جميعا وزج بهم في سجن العدير ، وظلت السلطات تتربص بالحمداوي شرا  إلى حين زجت به هو اﻵخر عقب إضرابات 1979 ﻷنه من الذين تخندقوا في الصفوف اﻷمامية لإضرابات رجال التعليم حيث أمضى ثلاثة أشهر في السجن ، وعادت السلطات لتلقي عليه القبض في إضرابات " الخبز " سنة 1981 وأيضا في حملة الاعتقالات سنة 1984 .وبرغم بلوغه اليوم سن 78 يعطي المثل بالمنتخب المنضبط ، لكنها هكذا الأيام التي تجعلنا   نلخص سيرة يوسف الحمداوي في عنوان كبير " رجل لم ينصفه النضال " دامت لك الصحة والعافية أيها الهرم الكبير . عبد الله غيتومي 

  • ...
    ذكريات عن ''الكيران'' والمحطة الطرقية بمدينة الجديدة

    ظلت دكالة وكبقية المناطق ببلادنا تعتمد الوسائل التقليدية في تنقلات الأشخاص والبضائع ، إذ  كان الاعتماد بالدرجة الأولى على الدواب ، ولم تحدث الطفرة في اتجاه اعتماد وسائل نقل  إلا بدخول فرنسا إلى  المغرب سنة 1912 ، التي كانت مضطرة لمد الطرق وتطوير المواصلات ، ليس  لسواد عيون المغاربة ، ولكن ذلك كانت تمليه رغبتها في تيسير الوصول إلى خيرات بلادنا وتسريع نقلها نحو البلد الأم ومنطقة دكالة هي الأخرى عرفت نزوعا لتطوير وسائل نقلها ، تذكر مصادر من عائلات امتلكت حافلات مسافرين بالجديدة ، أن النقل العمومي بدأ بكيفية ملموسة مع مطلع سنة1920.بدأ الأسطول بحافلات ليس كما اﻵن ، سرعتها محدودة إذ كانت المسافة بين الجديدة وسطات وطولها 120 كيلومتر ، تقطع في ظرف أربع ساعات أي بمعدل 30 كيلومتر في الساعة ، وهي حافلات كما في الصورة كان يطلق عليها الأهالي آنذاك " رأس الخادم " و" باكير "وتشغل ب" المانيفيل "  من صنع فرنسي ، وكانت الشاحنات مشغلة بالفحم " الفاخر " وكان " الكريسون " يتولى زيادة كميات من الفحم طيلة مشوار السفر ، وكانت أيضا مشغلة بالغاز وجين .ومن العائلات التي امتلكت حافلات لنقل المسافرين يومذاك ، بوشتية والعروصي والنحيلي والحمري وبولقنادل وبوملحة وولد الجزار وفتحي وبلفقير ومازدات والشرقاوي وبن إدريس ، وكانت هذه العائلات هي التي تعد من علية القوم ، وتشكل طبقة أرستقراطية في مجتمع كانت معظم فئاته خاصة بالمدينة من الطبقة الفقيرة .وعلى سبيل المثال لا الحصر وفي سنة 1920 اشترى " بوشتية " المزداد في 1896  وكان عاملا في البناء من الذين بنوا بنك المغرب سنة 1925 والبريد والمحافظة العقارية والمسرح البلدي بالجديدة ، وكان الناس يلقبونه " المعلم " حافلة نقل مسافرين هي التي تظهر في الصورة ، وكان " الكراج " الذي تنطلق منه بدرب الصوميك ، وكانت تعبر شارع ابن خلدون في اتجاه سطات عبر أولاد افرج وبعد وفاته ورث عنه الحافلة ابنه سي بوشعيب بوشتية بن محمد ولد خديجة ، وهو الذي سيترأس لاحقا الدفاع الحسني الجديدي خلال الموسم الرياضي 1959/1958 ، واضحت الحافلة معروفة لدى عموم الناس ب " كار ولد المعلم " وكان ثمن الركوب على متنها درهمان تزيد أوتنقص بحسب المسافة  ، وكما يظهر في الصورة في إحدى رحلاتها إلى مدينة سطات سنة 1920 ، ان البعض من المسافرين يركبون في الأعلى مع الأمتعة والدواجن ، وذلك راجع لسببين ثمن التذكرة الرخيص ثم في بعض الأحيان الضغط على الحافلة خاصة في فصل الصيف .ورغم قلة حوادث السير في ذلك الوقت كان الناس يثقون في بعض " السواق " شايفورات ومنهم آنذاك غراب وولد العكدة وموسى الهايج وموسى ولد برشيد ، ويرفضون السفر مع سواق آخرين .في بداية عهد الجديدة بحافلات نقل المسافرين لم تكن هناك محطة طرقية كما اضحت تفرضه الحاجة اليوم ، بل كانت كل حافلة لها " كراج خاص بها ، فحافلات بوشتية بدرب الصوميك وحافلات بلفقير في المكان الذي تحول اﻵن إلى مقهى " بالميي " قبالة المحافظة العقارية وحافلات بوشريط قرب مسجد الباشا حمو ومنها جاءت تسمية شارع بوشريط قبل أن يحمل فيما بعد شارع محمد الزرقطوني وحافلات ولد الجزار بشارع الحسن الثاني قرب مارشي النصارى .بينما كانت حافلات مقرها بالبيضاء تمر عبر الجديدة في اتجاه آسفي والصويرة ومنها " الكشاف السريع " و" الصباغ " وكان لأهل المدينة  قصة مع حافلة تأتي من البيضاء بولمان ويسمونها " الكار السلوقي " لأنها تحمل رمز كلب سلوقي في إشارة إلى سرعتها ، لأنها كانت بمحركين اثنين واحد في الأمام وواحد في الخلف ، وكانت تمر ليلا على الساعة الثانية صباحا وتملأ الدنيا صخبا ، وكانت تساعد الناس في رمضان لأنها توقظهم من نومهم لتناول وجبات السحور خاصة في اﻷحياء التي تمر بجوارها وخاصة درب البركاوي ، ودأب الناس كذلك على " تحقيق ساعاتهم " على وقت مرورها المضبوط .وبزيادة عدد الحافلات بالمدينة بدت الحاجة ملحة  إلى محطة طرقية ، وبالفعل كانت المحطة الطرقية أو كما كان يطلق عليها الأهالي " كارج الكيران " ، وكانت بجوار ميناء المدينة عبارة عن أكشاك صغيرة لأخذ التذاكر ، ومما يحكى من طرائف مرتبطة بذلك أن سينيما " مدام ديفور " كانت قريبة من المحطة ، وأن أحد أهل البادية عندما رأى الناس مصطفين أمامها لأخذ تذاكر مشاهدة أحد الأفلام ، اصطف معهم ولما جاء دوره لأخذ تذكرته سأله " با صالح " أحد أشهر مسيري الدفاع الحسني الجديدي ، " واش بغيتي ورقة بالكون ولا بروميير " أجابه البدوي " بغيت ورقة لأولادعبو " ظنا منه أن السينما هي المحطة الطرقية .ولازلنا نذكر ونحن صغارا أنه قبل انطلاق أي رحلة على متن حافلات المسافرين ، كان يصعد بعض الباعة ويعرضون منتوجاتهم ومنها نوع من " الكعك " يضم عشرة قطع في شريط من الدوم .وعلى جوار كراج الكيران نشطت الكثير من المقاهي الشعبية كمقهى تافيلالت والنهضة وسوس ، والمطاعم كمطعم السمك تشيكيطو ومطعم البيضاوي .وكان أول عهد للمدينة بالفنادق هي تلك التي نشأت بوسط المدينة ، بالقرب من المحطة كفندق بروفانس وبروكسيل وبوردو فرنسا وكانت المحطة الطرقية القديمة قرب الميناء شهدت نشوب حريق في حافلة صغيرة كانت تؤمن النقل بين الجديدة وأزمور ، كانت تعرف بالرونو ، وأسفر الحريق عن تفحم ركابها لأنها كانت مشغلة بالبنزين ، وأبوابها كانت مقفلة ولا تفتح إلا عند انتهاء الرحلة .ولأن الناس الذين كانوا يمتلكون سيارات كان عددهم قليل ، فإن النقل العمومي هو الذي كان يؤمن تنقلات الناس بين المدن والأرياف بنسبة 95 بالمائة ، لم تعد المحطة الطرقية قرب الميناء ، قادرة على استيعاب عدد الحافلات المتزايد ، فقر رأي المسؤولين على تحويلها إلى حي الصفاء في المكان الذي توجد به حاليا ، وكان ذلك سنة 1980 في عهد المجلس البلدي الذي كان يترأسه المرحوم محمد أرسلان الجديدي ، وبعد 40 سنة تقرر أن تحول إلى مكان قرب محطة القطار وتلك الأيام نداولها بين الناس.

  • ...
    شيئ من التاريخ... اعتقال عبدالله بشيكر بتهمة إهانة مدير ثانوية

    في سنة 1989أمر نورالدين الرياحي وكان آنذاك وكيلا للملك بالمحكمة الابتدائية بالجديدة وكان مقرها بشارع الجيش الملكي ، بإيداع عبدالله بشيكر السجن المحلي " الصوار " بالحي البرتغالي ، بعد أن وجه إليه تهمة إهانة مدير ومدرسين بثانوية بئر إنزران .وكان عبدالله بشيكر زار المؤسسة التي كانت تدرس بها زوجته لغرض إداري ، ثم انصرف لحال سبيله ، قبل ان يفاجأ بتحريك شكاية ضده انتهت بالاستماع إليه واعتقاله .وكان خبر اعتقال بشيكر آنذاك راج في كل أنحاء دكالة ، لأن الأمر كان يتعلق باعتقال رئيس جماعة أولاد احسين وأحد القياديين المحليين للاتحاد الدستوري الذي كان يترأسه المرحوم المعطي بوعبيد .واعتبر اعتقال بشيكر من طرف الرياحي ، ضربة موجعة للحزب البرتقالي الذي كان يهيئ نفسه للظفر بولاية أخرى على معظم جماعات الإقليم .بل إن الدستوريين اعتبروا إطلاقه مسألة حياة أوموت ، وخاضوا من أجله نضالا مستميتا ، إلى حين إطلاق سراحه بعد أن أمضى 15 يوما في حبس الصوار .ولكن الكثيرين لا يعرفون السبب الرئيسي الذي جعل نورالدين الرياحي ، قاسيا على بشيكر ولم يمتعه بظروف التخفيف وما يقتضيه وضعه الاعتباري كرئيس جماعة ، بل سارع إلى تمريغ أنفه في التراب .لأن الرياحي أراد أن يرد الدين لبشيكر وحزبه ، في قضية سابقة عاشها إقليم الجديدة ، وتتعلق باعتقال الرياحي لمحمد الصالحي " بن الدروش " رئيس جماعة أولاد افرج ، عندما وجه إليه تهمة تبديد محجوزات بالمستودع الجماعي ، عبارة عن دراجة نارية مضى على حجزها أزيد من سنتين كان سلمها بن الدروش إلى أحد افراد القوات المساعدة بأمر من رئيس الدائرة .قرار الرياحي لم يرق عبدالله بشيكر ، الذي تزعم عصيانا ضد الرياحي بتجييش عدد كبير من رؤساء الجماعات والمنتخبين ، الذين قاموا بوقفة احتجاجية أمام وزارة الداخلية ، انتهت بأمر إلى الرياحي من وزير العدل آنذاك مولاي المصطفى بن العربي العلوي ، واطلق سراح بن الدروش ، ذلك اعتبره الرياحي تنقيصا من وضعه كواحد من وكلاء الملك الأقوياء الذين عرفتم مدينة الجديدة .ولأن المخزن آنذاك يناصر بعضه البعض ، تحركت السلطة لتؤدب عبدالله بشيكر ، واستجمعت ثلثي توقيعات أعضاء مجلس أولاد احسين في عهد العامل فريد الوراق ، وأسقطت بشيكر من رئاسة الجماعة على بعد شهرين من الانتخابات الجماعية التي جرت في اكتوبر من سنة 1992 .بل أثناء مراجعة اللوائح الانتخابية تم التشطيب على بشيكر من لوائح أولاد احسين بدعوى أنه يمتلك أراض فلاحية بها ولكنه لأيؤدي ضرائب لأن الفلاحة أصلا معفية منها ، وتم نفيه إلى جماعة مولاي عبدالله حيث سجل بلوائحها الانتخابية ، وفاجأ السلطة بالفوز برئاسة جماعة مولاي عبدالله ، وخلق لها الكثير من المتاعب في الانتخابات التشريعية لسنة  1993 عندما ترشح بلون الحركة الشعبية ، ضد زميل الأمس الطاهر المصمودي ، وكانت واحدة من أعنف وأسخن الحملات التشريعية التي شهدتها انتخابات دكالة ، وانتهت بفوز الطاهر المصمودي .

  • ...
    الجمعية الثقافية بالجديدة.. مدرسة للفكر للتقدمي تم تشميعها من طرف الكوميسير كولومبو والباشا بندلة

    لعبت الجمعية الثقافية بالجديدة التي كان مقرها بجوار " بيرو عرب " دورا رئيسيا ومتميزا في نشر الثقافة التقدمية لدى فئة عريضة من شباب المدينة ، وكانت ملاذهم الوحيد كي يغرفوا من العديد من الكتب ، التي كانت تضمها رفوف مكتبتها وهي كتب كانت تبدو في تلك الفترة خاصة بين 1970و1980 ، محظورة وقراءتها يتعين أن تتم في السر لا في العلن .كانت مكتبة الجمعية الثقافية تزخر بكتب مفكرين تقدميين نظير كارل ماركس وغيره من الذين جاءت كتابتهم لتخلخل الجاهز ، وأذكر ان قراءة هذه الكتب كانت تتم بنظام الاستعارة الأسبوعية وبنظام انخراط سنوي لا يتجاوز 20 درهما .ولم يكن دور الجمعية يقتصر على مكتبتها ، بل كانت منبرا لاستقطاب مفكرين كبار من طينة المرحوم عزيز بلال وابراهيم بوطالب ومحمد زنيبر ومحمد جسوس  وأدباء بارزين نشطوا القراءات القصصية منهم محمد زفزاف وإدريس الخوري  ، ومع مرور الأيام أضحى مقر الجمعية مقلقا لسلطات المدينة وللعمال المتعاقبين وخاصة مولاي العربي الوزاني الذي صرح علانية ، أن الجمعية الثقافية ذراع دعوي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، ومكان لاستقطاب الشباب إلى صفوفه عبر شحنهم بالفكر التقدمي وأنه آن الأوان لدك أسوارها .كانت الجمعية الثقافية قبل أن تتحول إلى مكتبة ، ملكا للفرنسيين إذ كانت تضم مقر القنصلية الفرنسية الذي كان يمثلها " أديكار "ولما رحلت القنصلية الفرنسية مكنت الجمعية من آلة لعرض الأفلام من حجم 16 ملم ، سيتم استخدامها لاحقا في أنشطة " النادي السينيمائي " الذي كان يعرض كل أحد تناوبا في قاعتي مرحبا وديفور ، أفلاما ملتزمة لا زلت أذكر منها فيلم " وشمة " و " ألف يد ويد " وأفلام من أوربا الشرقية والاتحاد السوفياتي .وأضحت الجمعية مكانا للإنتاج المسرحي الملتزم ، وأذكر من الأعمال المسرحية ، " مسرحية بدل أن تلعن الظلام ، اشعل شمعة " وشارك في تمثيلها عاهد سعيد والجيلالي فجار  وعبدالله بلعباس وعبدالمجيد فخر الدين ومحمد بلحدبي .ومن الأشياء التي ورثتها الجمعية من القنصلية الفرنسية " مانيطوفون " كبير الحجم ، كانت تطلق منه أغاني الشيخ إمام من كلمات الشاعر أحمد فؤاد نجم ، ولا زلت أذكر أن الذي كان يشرف على تذييع هذه الأغاني صديقي الأستاذ صلاح الدين عبد العزيز ، ومنها أغنية شيد قصورك على المزارع من كدنا وعمل يدينا والخمارات جنب المصانع والسجن مطرح الجنينة كانت هذه الأغاني التقدمية التي تروم استنهاض همم المصريين ضد نظام أنوار السادات ، نجد لها رجع صدى لدى الشباب التقدمي ببلادنا .نشاط الجمعية الثقافية أضحى يوما بعد آخر يقض مضجع السلطة ، التي كانت تزرع مخبرين بجوار مقرها للإحاطة بما يجري داخلها ، لكن ذلك لم ينل من توهجها واستمرارية امتدادها داخل أوساط المثقفين والشباب .ذلك حتما ماجعل السلطة تنتقل إلى السرعة القصوى للتخلص من الجمعية ، فعلا ذلك ماحدث في ليلة باردة من ليالي سنة 1980 ، كانت المناسبة نهاية ولاية رئاسة الجمعية من طرف الأستاذ المصطفى أبوالهول المدير الأسبق لثانوية أبي شعيب الدكالي ، وانتخاب رئيس جديد للجمعية ، واتذكر أنه ترشح للمنصب المذكور النقيب محمد فجار الذي مثل تيار الاتحاد الاشتراكي والمرحوم محمد معناوي الذي كان مسنودا من طرف حزب الاستقلال ، وأن نتيجة التصويت كانت لصالح محمد فجار ، وتظاهر اتباع معناوي بالغضب وكسر احدهم زجاج نافذة من نوافذ الجمعية ، وكان ذلك مبررا لتدخل بوليسي قاده الكوميسير الميلودي الحمدوشي الشهير ب " كولومبو" مؤازرا أنذاك بالباشا بن دلة وكان يتحدر من وجدة ، تم إفراغ مقر الجمعية من كل الحاضرين ، وقام كولومبو بتشميع بابها الرئيسي ، كان ذلك إيذانا بذبح الثقافة بمدينة الجديدة في ليلة باردة خطط لها بكل دقة العامل الأسبق " مولاي العربي الوزاني " الذي كلف القائد عبدالله فجري الذي سيصبح لاحقا رئيس دائرة سيدي إسماعيل ثم واليا على الداخلة ، كلفه بتصفية ماكانت تزخر به الجمعية من آلاف أمهات الكتب ، التي سلمت دون سند قانوني لبلدية الجديدة ، والتي كدستها في مكان ما بقاعة نجيب النعامي ، وكان ذلك موضوع شكاية رفعها محمد فجار إلى عامل الجديدة بواسطة مدير ديوانه آنذاك العلمي الزبادي .لكن العامل تظاهر بأن به صمم ، وراح بواسطة عبدالله فجري ينفذ أجندته المتمثلة في القضاء على أي أمل في عودة الجمعية إلى سالف نشاطها ، وبعد شهر من تشميعها حولها إلى مقاطعة كان على رأسها المرحوم الخليفة  عبدالعزيز البحبوحي قبل أن يترقى إلى قائد .واستمر الحال كذلك إلى أن أضحت مقرا رئيسيا للأمن الإقليمي إذ اشتغل فيه فريق أمني ضم آنذاك رئيس الأمن الإقليمي " البدني " والعميد المركزي محمد أصيب ورئيس الهيئة الحضرية الحراق ورئيس الاستعلامات الحايل الزيتوني .وبذلك أضحت الجمعية ومنذ 1980 تقوم بثقافة من نوع آخر ، وتلك الأيام نداولها بين الناس .عبد الله غيتومي