ذاكرة الجديدة
  • ...
    ''كازينو مازغان'' وأسراره التاريخية النادرة.. قمار واغتيال وماسونية !!!

    لا يعدو أن تكون بقايا كازينو مزغان، من ركام الأحجار وبقايا السواري، عند الجديديين سوى أجزاء  من صخور البحر مطمورة في الرمال، مزركشة بالطحالب والمحار، وملجأ للأطفال لصيد السمك والقنافذ من الحفر، ومنظرا للشباب الرومانسي من أجل التقاط الصور، غير آبهين بأن أقدامهم تدوس على جزء مهم من عمر مدينة الجديدة، يعود تاريخه لأزيد من 97 سنة، يخزن في طياته قصصا وأسرارا خطيرة طمرتها الرمال، وتتلاعب بها الأمواج والرياح.كانت موسوعة المعارف الفرنسية لمستعمرات ما وراء البحار، في بداية القرن الماضي، ترمز الى منطقة دكالة او لمدينة الجديدة بمعلمة “كازينو مزغان”، على اعتبارها تحفة نادرة في العالم، كما أن عامة المغاربة يذكرون فقط من الجديدة مآثر الحي البرتغالي، المسقاة والمنارة …، ولا أحد منهم يذكر تاريخ “كازينو مزغان” الحقيقي، الذي ميز مدينة الجديدة عن باقي المدن الساحلية المغربية آنذاك، تلك البناية العائمة فوق مياه المحيط، التي كانت تشق الأمواج شقا وكأنك راكب على باخرة “التيطانيك”.احتضن هذا الكازينو الكثير من الحفلات والأنشطة، العديد من السهرات وعروض الأزياء، شاهدة على أناقة الطبقة الارستوقراطية من عائلات المعمرين الفرنسيين ، وحينما يلج الليل في النهار تبدأ “قهقهات” الزبائن تشق السكون الدامس، وتسافر “طقطقات” رقصة “الطانغو” نحو المشائين على جنبات الرصيف، ممزوجة بروائح الطحالب البحرية العبقة، أما زجاج النوافذ فضيائها يشع كقناديل البحر في الهواء،  لتزيد في جمال المكان بهاء، كل هذه المواصفات جعلت من جزيرة “الكازينو” العائمة سرابا حقيقيا، يسلب انتباه الزائرين من بعيد سلبا.كان شاطئ مدينة مزغان هو المكان المفضل لذى “المارشال ليوطي”، الحاكم الحديدي للمغرب المحتل، من سنة 1912 الى غاية 1925، فسمى الجديدة آنذاك بمدينة “دوفيل المغربية” نسبة الى “دوفيل الفرنسية” الجميلة سنة 1913، ليزيد ذلك من اهتمام المعمرين في التشييد والتعمير والفضاءات الترفيهية، خاصة على يد مهندس المناظر الطبيعية لإدارة الحماية الفرنسية “مارسيل زابورسكي”، فعلى يده جاءت فكرة بناء الكازينو كما تذكر بعض الروايات.انبثقت فكرة بناء كازينو على البحر من فكرة كازينو مدينة نيس الفرنسية، المشيد فوق مياه  البحر الابيض المتوسط على “ساحل الازور”  سنة 1882، فوق سواري إسمنتية، قبالة منتزه البريطانيين، كان هذا الكازينو تحفة عالمية ناذرة، إلى أن تم هدمه خلال الحرب العالمية الثانية سنة 1944 من طرف الجيش الالماني، بهدف استعمال معادنه من حديد ونحاس في صناعة الأسلحة.يعود تاريخ تشييد “كازينو مزغان” الى ما قبل العشرينيات من القرن الماضي، من مادة الخشب،  خاصة وأن خليج الجديدة كان يتميز بهدوء أمواجه مع تواجد الحيد البحري، بعدها تمت إعادة البناية بإضافة سواري وأسوار من الإسمنت المسلح وسط المياه ابتداء من سنة 1925، مع تشييد قنطرة تصل البحر بالبر فوق الشاطئ الرملي، لتشكل امتدادا لشارع “لويس بارتو” الذي هو الجيش الملكي حاليا.كان “كازينو مزغان” يضم مقهى ومطعم وفضاء للقمار وغرفا للمبيت، تزين حانته “كونطوار” من النحاس الذهبي، وتحتل الكراسي بطاولات لامعة فضاء المطعم، عليها  غطاءات بيضاء مطرزة بالنمط الفرنسي، ومزينة بكؤوس بلورية، وقنينات من نبيذ “بوردو” العنابي، ولهذا السبب كان فضاء الكازينو حكرا على الزبناء الاوروبيين الذين استقروا مبكرا في الجديدة، زيادة على الفرنسيين هناك أيضا الايطاليين والاسبانيين والبريطانيين، بل حتى بعض المعمريين من أمريكا الجنوبية كالارجنتين أمثال عائلات “باليسترينو” التي استقرت بالجديدة قديما.كان المكان خاصا بالأجانب وضيوفهم من مختلف بقاع العالم، مادام أن “كازينو مزغان” قد كسب شهرة عالمية، وكان بتحفه ورونقه مفخرة للعائلات الفرنسية، فاستضافتها لصديق عزيز بالكازينو يعد قمة في الكرم الحاتمي، أما أهالي مدينة مزغان من المسلمين فكانوا يتحاشون دخول هذا المكان لتفادي شبهة التعاطي للمحرمات كالخمر والقمار.ترسو بقايا هذا الكازينو الشهير الآن تحت مياه ورمال شاطئ الجديدة، وترسو معها الكثير من  المعلومات والاسرار الغريبة والخطيرة، لا يعرفها كل الجديديين الذين يفتخرون بهذا المكان الغامض.لقد كان الهدف الأساسي لبناء الكازينو هو لعب القمار المحرم دينيا، وبناؤه فوق الماء جاء من أجل الابتعاد أكثر عن الساكنة المسلمة، نظرا لحساسية المسلمين من لعب القمار، فحتى العائلات اليهودية المزغانية لا تحب تواجد كازينوهات القمار بالقرب من مساكنهم، لأنه محظور في شريعتهم اليهودية.كما كانت هذه البناية مقرا رئيسيا لتجمعات “الماسونيين”، التي عرفت أوج نشاطها في المغرب المستعمر بين سنوات 20-1925 ، بهدف نشر المذهب الماسوني بين المغاربة، لكن بسبب التعارض السياسي القوي بينهم وبين “المارشال ليوطي”، أسسوا “فدرالية الماسونيين المغاربة” بالجديدة من أجل إنهاء حكمه العسكري بالمغرب وتبديله بحكم مدني، فنجحت هذه الجماعة، انط لاقا من “كازينو مزغان”، في إيقاف أقوى حاكم فرنسي في عهد الحماية، بعد مصادقة “بول بانلوفي” رئيس المجلس الفرنسي على القرار.كما شهد هذا الكازينو سنة 1953 جريمة بشعة في حق مالكه الحقيقي، وتروي حكايات الكثير من “المزغانيين” بأن صاحب هذا الكازينو الفرنسي الجنسية تم اغتياله من طرف مجهولين، لكن روايات المسنين الجديديين، الذين عايشوا هذا الحادث، تحكي أن ذلك ناجم عن تصفية حسابات مع المدمنين على القمار، والمهددين بالإفلاس وكثرة الرهونات، وهناك من يقول أن ذلك الاغتيال له علاقة بالجماعات الماسونية، أما الطرف الأخير فيقول بأن تصفيته جاءت على يد رجال من المقاومة الجديدية.جل المصادر تشير الى أن قرار تهديم بناية الكازينو، وإزالتها بصفة نهائية، راجع بالأساس لمشروع بناء فندق “مرحبا”، الذي صممه المهندس الاسباني على شكل سفينة، ولما أكملت الشركة الإسبانية بناء الفندق بالمكان الذي يوجد به حاليا عام 1952، بدأت مباشرة عملية هدم هذه المعلمة السياحية البحرية سنة 1953، حتى لا ينافس مشروع الفندق السياحي الجديد، لتطوى بذلك صفحة أخرى من صفحات تاريخ مدينة الجديدة المنسي.  بقلم حسن فاتح عن ذاكرة دكالة

  • ...
    فندق مرحبا بالجديدة.. بات فيه الحسن الثاني ومنه أخد أمهر الطباخين الى القصور الملكية

    أماكن كثيرة بهذه المدينة لازالت شاهدة على أن التاريخ ذات مرة مر منها، وجدرانها تنطق بحكايات وقصص نادرة هي طبعا جزء من تاريخ هذا الوطن الكبير.سأتوقف اليوم عند معلمة سياحية سرت بذكرها الركبان، ويحز في النفس أن تصبح الآن أطلالا شاهدة على الزمن الجميل لهذه المدينة التي كانت فعلا جميلة، الأمر يتعلق بفندق مرحبا أول مؤسسة فندقية عصرية بالجديدة ، الذي كان بناؤها إيذانا بدخول الجديدة قائمة المدن المغربية التي يتوفر بها فندق يليق بأعيانها وبالوفود الأجنبية القادمة إليها. ففي سنة 1952 أكملت مقاولة إسبانية بناء فندق مرحبا بالمكان الذي يوجد به حاليا ، ورفع فوقه العلم الفرنسي من إدارة شركة "باكي" الفرنسية التي كانت صاحبة المشروع.وجاء تصميم فندق مرحبا على شكل سفينة وكان ذلك من براعة مهندس إسباني كلفته شركة " باكي" بذلك.تحكي روايات متطابقة أن شركة "باكي" الفرنسية ، كانت تمتلك بواخر تجارية ترسو بميناء الجديدة، وكان العاملون بتلك السفن والقادمون على متنها، يبيتون في محل كبير تمتلكه الشركة وقامت بتجهيزه، والمكان هو حاليا مقر المقاطعة الحضرية الثانية وأول مقر لبلدية الجديدة قبل نقلها إلى المقر الحالي.وتؤكد روايات شفوية أن موسى سعيد أول رئيس لأول مجلس بلدي للجديدة، اقترح على شركة "باكي" الفرنسية قطعة أرضية مطلة على الشاطئ كانت عبارة عن مرجة مليئة بالدوم والسمار بمقابل ذلك سلمته محلها الذي هو الآن مقر المقاطعة الحضرية الثانية الذي كان أول مقر للمجلس البلدي للجديدة إلى غاية نقله إلى البلدية الحالية سنة 1982.وكانت شركة "باكي" الفرنسية اشترطت لبناء فندق مرحبا، ضرورة هدم كازينو المدينة الذي كان بني بين 1935 و1936 ، وذلك حتى لا ينافس الكازينو الفندق الجديد المتطلع إلى فرض نفسه كمنتوج جديد، وفعلا جرى هدم الكازينو سنة 1953 لتطوى بذلك صفحة من تاريخ الجديدة ارتبطت بهذه المعلمة السياحية البحرية.وبمجرد افتتاح فندق مرحبا الذي كان يشتمل على 30 غرفة و8 غرف سفلية ومسبح وحانة وملهى ليلي، أصبح مكانا مفضلا للوافدين على الجديدة ولعلية القوم بها. واستمر الحال كذلك إذ يذكر جديديون أنهم حيوا طلعة المغفور له محمد الخامس وهو يزور فندق مرحبا.وفي سنة 1963 أمضى جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله تراه ليلة بفندق مرحبا، في طريقه إلى مدينة أسفي التي كان يخصها يومذاك بزيارة رسمية، قطعها بكيفية مفاجئة وعاد إلى الرباط العاصمة بفعل اندلاع حرب الرمال بين المغرب والجزائر في 14 أكتوبر 1963 ، والتي كان قادها الجنرال إدريس بن عمر واستولى فيها الجيش المغربي على تنجوب وحاسي بيضة ، وكانت الجزائر مدعومة في هذه الحرب من طرف قوات مصرية جرى أسر البعض منهم وضمنهم الرئيس المصري السابق حسني مبارك.وتذكر الروايات أن جلالته أعجب كثيرا بطريقة طهي الأطعمة التي قدمت إليه أثناء مقامه بفندق مرحبا ، فأمر بالتعرف على "الشاف" الذي برعت يداه في حضرة صاحب الجلالة، ولم يكن الطباخ الماهر سوى لحسن جوهري، بربري قادم من تفراوت، راكم تجربة كبيرة في ميدان الطبخ وأنواعه ، ومعه طاقم من الطباخين المهرة ضمنهم سعيد الشنيوي و آخرين ، جرى نقلهم للاشتغال بمختلف القصور الملكية. وتستطرد الروايات أن الشاف لحسن جوهري هو من تولى الإشراف على كل الأكلات التي قدمت إلى المدعوين في حفل زفاف المرحوم الأمير مولاي عبدالله سنة 1964 ، وأن سعيد الشنيوي كان طباخا لجلالة الملك محمد السادس بقصر سلا لما كان وليا للعهد.وخلال فترة اشتغال فندق مرحبا والتي امتدت من سنة 1952 إلى متم شهر يونيو 1986 تاريخ إغلاقه ، استقبل شخصيات بارزة من عالم السياسة والفن ، ففي سنة 1965 أحيى فيه أعجوبة الأغنية الفرنسية المغني العالمي شارل أزنافور ، سهرة خالدة غنى خلالها العديد من أغانيه الشهيرة وفي مقدمتها أغنية الذائعة الصيت " الوالدة "، ومن دكان للتبغ آنذاك عند "أوكريون" بوسط المدينة اشترى علبة سجائر "جيتان" وأخذ معه بعض من سكان الجديدة صورا تذكارية. ومن الشخصيات التي زارت فندق مرحبا الوزير الأول السابق أحمد عصمان ومحمد بوستة الأمين العام السابق لحزب الاستقلال وعبدالرحمان الخطيب الوزير الأسبق للداخلية وإدريس البصري وأحمد بن سودة والداي ولد سيدي بابا الرئيس الأسبق لمجلس النواب والفقيه العلامة المكي الناصري ومامون الطاهيري وعالم كاتب الدولة في الداخلية وشخصيات لاحصر لها ولاعد.وكان فندق مرحبا يحظى بتقدير سلطات المدينة ، فذات يوم كان طائر "عوا" ، تكاثر بشكل كبير وعشش في أشجار بالفندق ذاته ، فأمر الباشا مولاي الطيب العلوي بإطلاق رصاص لإزعاج طيور "عوا" ، كي تغادر أشجار الفندق ولاتزعج زواره ونزلاءه بضجيجها وبرائحة فضلاتها الكريهة ، وفعلا حدث ما أمر به الباشا ، أطلق الرصاص ورحلت طيور "عوا" غير بعيد ، رحلت لتستقر بأشجار مشابهة ولكن هذه المرة بإقامة العامل وكان يومذاك هو فريد الوراق، الذي استدعى الباشا على عجل ليطلق الرصاص مرة أخرى على طيور "عوا " لإرغامها على العودة من حيث أتت ، لينعم الوراق بالراحة والطمأنينة التي كان بحاجة إليها وهو الذي كان يقضي اليوم كله لإرجاع الدفاع الحسني الجديدي إلى حظيرة القسم الوطني الأول ، الذي كان غادره سنة 1986.وفي الثمانينات من القرن الماضي بدأت مشاكل تدب داخل فندق مرحبا ، عجلت بإغلاقه في شهر يونيو1986 واستمر الحال كذلك إلى أن تحولت ملكيته إلى محمد الزهراوي الذي أعاد فتحه مطلع سنة 1992 لكن الأمر لم يستمر طويلا ليغلق بصفة نهائية مخلفا وراءه صفحات مشرقة من تاريخ هذه المدينة ، ومن غرائب صدف هذا الزمان أن الفندق تحول إلى فندق بفتح الفاء لما اتخذه مصور بالشاطئ مبيتا لناقة وصديقها الجمل ولكن تلك أيام نداولها بين الناس ، ضمن مسلمة لا يجادل فيه إثنان أن دوام الحال من المحال. 

  • ...
    من ذاكرة الجديدة.. صورة تؤرخ لمرحلة صراع قوي بين العامل الفاسي الفهري والبرلماني الراحل بوشعيب لهلالي

    مما لاشك فيه أن أحداثا كثيرة تمر وتنقضي ولكن تبقى الصور شاهدة على وقوعها ، والأشخاص الذين كانوا صناعا لها كل من موقع مسؤوليته .هذه الصورة التي تضم المرحوم بوشعيب لهلالي الرئيس الأسبق للمجلس الإقليمي للجديدة رفقة فريقه الانتخابي بتلوينات متعددة ، ضمنهم عبدالجبار بوملحة والعوني الوزاع ومحمد عمار ومحمد بوزغار وأحمد وصفي وإبراهيم العارف ومحمد البحبوحي وبوشعيب الكناني وأحمد حكار ومحمد منان والمرحومون علي القضيوي ومحمد لفحل بنشرقي ومحمد سجدة .هي صورة التقطت بمقر عمالة الجديدة سنة 2000 تؤرخ لانتخاب بوشعيب لهلالي رئيسا للمجلس الإقليمي للجديدة خلفا لعلي القضيوي .وبالعودة إلى وضع الأحداث في سيرورتها الزمنية ، فنحن نعرض لمرحلة ولاية المجلس الإقليمي بين 1997 و 2002 ، وهي المرحلة التي تميزت بصراع قوي بين قطبين سياسيين كبيرين يتعلق الأمر بالمرحومين بوشعيب زاهيدي وبوشعيب لهلالي ، وكان بداية هذه الولاية تطلبت الإطاحة بطموحات لهلالي والحيلولة دون وصوله إلى الرئاسة ، وكان الاستقلاليون رفضوا الانضمام إلى أي من القطبين ولسد الطريق على لهلالي أعطيت لهم الرئاسة في شخص إبراهيم بنبراهيم ، الذي كان في حالة تناف لأنه كان يتراس بلدية البير الجديد وفضل منح الرئاسة لزميل له من نفس الحزب وهو عبداللطيف التومي ، الذي تراس المجلس الإقليمي لسنة واحدة بين 1997 و 1998وللتذكير أن القانون التنظيمي لمجالس العمالات والأقاليم كان يفرض تجديد الرئاسة والأجهزة المساعدة مرة كل سنة .وفي سنة 1998 استجمع بوشعيب لهلالي قوته وعاد إلى حلبة الصراع حول الرئاسة وكان العامل يومها هو أحمد شوقي الذي لم يعمر أكثر من سنة على رأس السلطة الإقليمية بالجديدة ،وخلفه العامل محمد الفاسي الفهري ، وبالفعل استرجع لهلالي لقب رئاسة المجلس الإقليمي بين 1998 و 1999 .ولم تكن الأمور في أحسن حال بين الفهري ولهلالي بسبب مشكل ارتبط برئيس سابق لجامعة شعيب الدكالي ، ولأن لهلالي كان في نظر السلطة عصي الطباع ، ومنها أنه لم يؤازر العامل في صراعه مع والي جهة دكالة عبدة يومذاك الشيخ بيدالله  ، وكان على  العامل انتظار فرصة تجديد الرئاسة ، وتمكن من حشذ أغلبية مريحة لصالح المرحوم الاتحادي علي القضيوي الإدريسي والإطاحة بلهلالي .لكن بوشعيب لهلالي كان من الذين يؤمنون بأن الضربات التي لا تقصم الظهر فهي تقويه ، توارى بين 1999 و2000 ، لكن هو تراجع مرحلي لإعادة تنظيم صفوفه لشن حملة جديدة لاسترجاع الرئاسة المنزوعة .لكن خلال هذه المرحلة كشف الصراع الخفي بين العامل ولهلالي عن تقاسيم وجهه ، وكانت البداية لما تقدم عبد الجبار بوملحة بطعن لدى المحكمة في انتخاب علي القضيوي الذي كان منافسا له عبدالله بشيكر ، هو طعن لم يرق العامل الفهري الذي كشف  عن تهديدات صريحة  إزاء بوملحة ولهلالي بلغت حد عدم استدعائهما إلى الاجتماعات الرسمية بالعمالة .واستشاط بوشعيب لهلالي غضبا ونقل الصراع إلى قبة البرلمان ، في إطار " إحاطة المجلس علما " وهي موجهة إلى وزير الداخلية آنذاك أحمد الميداوي ، وأبلغ المجلس تهديدات العامل له ولبوملحة وطالب أمام نواب الأمة والحكومة ب " حماية ملكية " وضجت القاعة بمطالبة لهلالي الذي كانت له جرأة الإقدام عليها ، وهو ما أحرج فعلا الوزير الميداوي الذي كلف مدير ديوانه بالتدخل لإصلاح ذات البين بين لهلالي والفهري وهو ما تم بالفعل .وفهم يومها من أن ما أقدم عليه لهلالي كان يندرج ضمن دهائه السياسي الكبير ، الذي توخى من خلاله تحييد مؤسسة العامل حتى يتسنى له الانقضاض مجددا على رئاسة المجلس الإقليمي للجديدة ، وهو ما كان تأتى له بين  2000 و2002 .وتلك الأيام نداولها بين الناس عبدالله غيتومي 

  • ...
    المسجد العتيق بالحي البرتغالي بالجديدة.. معلمة دينية ظلت صامدة على مدى قرنين من الزمان

    بني المسجد الكبير (المسجد العتيق حاليا) داخل القلعة البرتغالية "مازكان" بأمر من السلطان العلوي مولاي عبد الرحمان بن هشام (1822-1859م) في إطار أعمال ترميمه وإعادة تأهيله لهذه القلعة خلال عشرينيات القرن التاسع عشر الميلادي، وذلك بغرض تشجيع المغاربة المسلمين على الإقامة والعيش بداخل القلعة البرتغالية. ويشرف هذا المسجد على الساحة المركزية للقلعة (Praca Terreiro) ، غير بعيد عن الكنيسة البرتغالية "سيدة الصعود". ويتميز هذا المسجد بمئذنته الفريدة ذات الأوجه الخمس التي توجد فوق برج الرباط أحد أبراج المراقبة في الحصن البرتغالي الأول. وكان هذا الأخير يمثل أعلى أبراج هذا الحصن، حيث كان يعلوه عمود دائري للإشارات للتبليغ عن أية هجمات مرتقبة.تم تحويل برج الرباط إلى مئذنة للجامع الكبير بعد سنة 1880م، في عهد السلطان مولاي الحسن الأول (1873–1894م). وذلك حتى يتمكن الناس من سماع الآذان للصلاة بصوت أعلى، نظرا لعلو المنارة الجديدة مقارنة مع المنارة القديمة للمسجد. وقد تم ربط البرج المحول بالمسجد بواسطة جسر صغير تعلوه غرفة صغيرة. المئذنة الأصلية لمسجد مازكان هي رباعية الأوجه وهي مازالت قائمة للآن بمحاذاة الجامع في الواجهة المشرفة على الزقاق.

  • ...
    سيدي علي قاسيمي.. صقر دكالة، نخوة فارس ومسار برلماني متميز

    تفرض علي المناسبة وهي شرط كما يقولون أن أعرض لمسار رجل استثنائي في قبيلة أولاد افرج ، هو اﻵن طريح الفراش بأحد المستشفيات بالرباط ، ندعو له جميعا بالشفاء العاجل ليعود معافى إلى أهله وذويه .سيدي علي قاسيمي هو واحد من الأبناء 27 الذين أنجبهم المرحوم القائد سي بوبكر الذي امتد حكمه خاصة فجر الاستقلال على مجموعة من المناطق وخاصة على قبائل سيدي إسماعيل .سيدي علي هو صقر دكالة الذي ترأس أول جمعية للشرفاء القواسم تنشط في مجال الصيد بالصقور ، الذي نتقاسمه مع قبائل شهيرة خاصة بالإمارات العربية المتحدة .كان تأسيس هذه الجمعية لأول مرة بأمر من جلالة الملك المرحوم الحسن الثاني ، وبإشراف من وزير الفلاحة الأسبق عثمان الدمناتي وجاءت العناية الملكية السامية بالصقور ، إثر أبحاث معمقة قام بها العلامة المرحوم عبدالهادي التازي ، وخلص فيها إلى كون الصقور كانت أحسن الهدايا الدبلوماسية  من ملوك المغرب إلى ملوك أوربا بصفة خاصة .بذل سيدي علي مجهودات كبيرة للعناية بموروث الصيد بالصقور ، ولأن الصيد بالصقور اقترن في أكثر من مناسبة بالفروسية التقليدية ، شكل " علفة القواسم " وكان علامها الذي لا يشق له غبار ، وشهدت له العديد من المواسم وخاصة موسم الولي الصالح مولاي عبدالله أمغار صولات وجولات فارس بنخوة لباس تقليدي ، كان يحرص فيه كل الحرص أن يكون موحدا بين فرسان علفة القواسم ، التي نالت شهرة عريضة .سيدي علي قاسيمي خبر العمل السياسي في عنفوان شبابه من بوابة منتخب بجماعة أولاد حمدان التي كان يترأسها المرحوم العلمي بندغة ، وقبيل انتخابات أكتوبر 1992 شاءت الظروف أن يرحل بندغة إلى دار البقاء ، فأكمل سيدي علي مشوار رئاسة جماعة اولاد حمدان .بحلول سنة 1992 صدر تقسيم إداري جديد  خرجت بموجبه جماعات محدثة من صلب جماعات كبيرة ، وهو ما حدث فعلا بميلاد جماعتي القواسم والشعيبات من صلب أولاد حمدان ، و ترأس سيدي علي جماعة القواسم المحدثة طيلة 21 سنة من 1992 إلى غاية 2013 عندما قدم استقالته تحت ضغط المرض .وخلال مساره التمثيلي للساكنة تقدم سيدي علي للانتخابات التشريعية التي جرت سنة 1993 بلون الأحرار  ، لم تكن حظوظه قوية بداية الأمر أمام منافسين كبيرين واحد امتلك الجاه والمال هو محمد الزهراوي الذي يعيش حاليا في كندا والثاني الاستقلالي عبدالله السرحاني الذي كان يمتلك رصيدا نضاليا كبيرا .كانت كل التكهنات تضع الفوز بين الزهراوي والسرحاني ، وفجأة دخل على الخط محمد بوحدو قادما من متوح على متن دراجته النارية التي خاض بها حملة فريدة بلون التقدم والاشتراكية ، ودخوله المفاجئ بعثر تكهنات السلطة الإقليمية التي كان على رأسها العامل فريد الوراق .لكن خلال الأسبوع الثاني من الحملة سطع نجم سيدي علي قاسيمي وتمكن من الظفر بمقعد نيابي عن دائرة أولاد افرج ، ليصبح رايع نائب برلماني في صفوف حزب الأحرار إلى جانب المرحومين الحاج بوشعيب زاهيدي وعبدالفتاح الصباغ ومحمد زاهيدي الذي نجح في الانتخابات التشريعية الجزئية سنة 1994 ، مكان المرحوم الطاهر المصمودي الذي قضى نحبه في حادثة سير بين الرباط والقنيطرة .وحلال مساره النيابي لم يأل جهدا في الدفاع عن قبائل أولاد افرج التي طوقته بثقتها ، هذا غيض من فيض مسيرة رجل استثنائي في قبيلة القواسم بمنطقة أولاد افرج التي أنجبت رجالا ومشاهير ....دعواتنا جميعا لمولاي علي بالشفاء العاجل .

  • ...
    محمد فتح الخير.. أقدم اثري وجامع تحف أثرية بدكالة / بقلم خالد الخضري

    في البلدان المتقدمة يحتضن المسؤولون عن شؤون الثقافة، الفن، الآثار والتاريخ، الأثريين Les antiquaires والمنقبين عن التحف الغابرة أو الحافظين كما المرممين لها، بل ويسعون إلى تمويل مشاريعهم وأبحاثهم، وإنشاء متاحف لمدخراتهم ومقتنياتهم لوضعها رهن إشارة الباحثين والمهتمين كما عامة الناس.. ومن ثم تستمر المؤسسة المتحفية ملكا عاما للدولة يزورها ويطلع على كنوزها هواة وعشاق التحف الأثرية جيلا بعد جيل حتى في حال تقاعد أو وفاة أولئك الأثريين.هذا يقع في البلدان المتقدمة التي تحترم آثارها وأثرييها، ولا وجود له في المغرب.. فكم من باحث وأركيولوجي وأثري لدينا، كان يذخر تحفا نفيسة تندثر بمجرد اختفائه لسبب من الأسباب (هجرة، مرض، وفاة...) دون أن يلتفت إليه المسؤولون ممن ذكر، ولا سلطات أو منتخبون... وكم من آثار معمارية تتآكل أو تتساقط جدرانها حاليا أو تنهب أبوابها ونوافذها وأخشابها، أو تتلف معالمها بفعل بنايات أو رعي بهائم ودواب أمامها، أو باستنبات أسواق شعبية في ساحاتها دون أن يحرك المسؤولون ساكنا، بل تراهم يمنحون رخص بناء أو يأذنون للباعة المتجولين بفرش سلعهم أمامها.. والأمثلة كثيرة في الجديدة كما في إقليم دكالة. وهكذا يطال الإهمال والتجاهل الآثار كما الأثريين. هذا هو حال رجل تعليم وأثري دكالي هو في حد ذاته تحفة حيث جمع على امتداد أزيد من نصف قرن ما لا يحصى من التحف الأثرية والنفائس الفنية والأدوات الغرائبية التي لا تقدر بثمن، هي الآن مركونة ببيته يلتهم بعضها الرطوبة ويهدد البعض الآخر الكسر والتلف، وغدا مآلها الضياع في حال اختفاء صاحبها لا قدر الله لسبب من الأسباب المذكورة.. حينذاك لا ولن يتبق لدينا أثري ولا آثار من بعده تدل عليه ولا علينا.1 – متحف فتح الخيرهو الأستاذ محمد فتح الخير بن مبارك بن عبد القادر وعائشة بنت محمد.. يقع بيته (متحفه) بدوار أولاد بوعشة في حضن المدينة الأثرية "مْدينة الغربية" على بعد 5 كلمترات من اثنين الغربية في اتجاه الوليدية، قيادة هذه الأخيرة، دائرة الزمامرة، عمالة سيدي بنور، إقليم الجديدة. أسعفني حظ الاطلاع على غرفتين كبيرتين ببيته لا تقل مساحة أصغرهما عن 60 متر مربعة مملوءة بالتحف عن آخرها، أرضا، جنبات وسقفا... لو شرعتَ - في تفحص وتأمل – ليس تحفة بعد تحفة، فهذا من رابع المستحيلات، لكن على الأقل مجموعة بعد مجموعة، لن يكفيك أسبوع بكامله، وليس في الأمر أية مبالغة.. هذا إذا كنت فقط هاو تحف وذخائر قديمة أو قطع غرائبية، أما إذا كنت باحثا أو دارسا فإنك لن تخرج من هذه الغرفة متى ولجتها.قطع من مختلف العصور والأحجام والأشكال والألوان والمواد: فضة، نحاس، حديد، ورق، خشبت، عرعار، جوز، برتقال، جلد، عاج، فلّين، دوم، عظام، حجر، رخام، زجاج، كريستال، مرجان، لوبان، عقيق...شمعدانات، صواني، براريد، مقاريش، أسلحة بيضاء ونارية، ثريات، لوحات تشكيلية وأكواب خشب، بلّار وكريستال، أصداف، وعقيق تعد حبيباته الصغيرة بالآلاف، صنع منها السيد فتح الخير المئات من القلادات والصدريات وأقراط الأذنين، طاسات حمام، أباريق، ملاعق، حلي، قطع نقدية، قناديل زيت، قدور نحاسية، "بابورات" إعداد الشاي التركية، أجهزة مذياع وتلفون وتلغراف وغرامافونات تعود للقرنين 18 و19.. عشرات القطع من المكاوي الحديدية التي كان الفحم يوضع بداخلها لكي الملابس...ولعمري بقدر ما تمتعت منبهرا بالاطلاع على هذه التحف، بقدر ما اعتصر الأمل قلبي بالسؤال عن مصيرها باختفاء الرجل الذي يناهز عمره السبعين سنة ومازال مستمرا في التنقيب عن غيرها! وترميم ما يحتاج منها إلى ترميم أو صنع أخرى محاكية لها! دون التفكير في بيع ولا واحدة منها؟ فالأثري كما صرح زميله المحاور في هذا الكتاب السيد محمد الزرقي شليحة: "عاشق تحف فنان وليس تاجرا"فأقل ما يمكن أن يجازى به السيد فتح الخير على إفناء عمره في جمع وصيانة هذه الذخائر، هو تخصيص متحف يحمل اسمه في عاصمة دكالة مع تعيين لجنة من الخبراء والدارسين في هذا المجال لتحديد هويات هذه التحف، أصنافها، تواريخها وحقبها... والمسؤول الأول عن هذا الفعل هو وزارتا الثقافة والسياحة كما سلطات وبلديتا سيدي بنور والجديدة ومجلساهما الإقليميان، زائد جمعية دكالة وسائر جمعيات المجتمع المدني الذات صلة بالشأن الأثري بصفة خاصة والدكالي بصفة عامة.2 – بطاقة تعريفولد السيد محمد فتح الخير بدوار أولاد بوعشة "مْدينة الغربية" سنة 1949، حفظ القرآن الكريم وهو ابن 12 عاما (1959) على يد الطالب المرحوم السي علال بلختيري سنة 1960. رحل للدراسة بجامع ابن يوسف في مراكش فيما كان يسمى بالتعليم غير النظامي إلى أن حصل على الشهادة الابتدائية فانتقل إلى دار البارود التابعة لجامعة ابن يوسف سنة 1962.. وهناك درس اللغة العربية وآدابها، الفقه، الرياضيات، الهندسة، الفيزياء والكيمياء إلى أن حصل على الشهادة الثانوية سنة 1965.. ولا زال حتى الآن يحفظ عددا من المتون الفقهية مثل ألفية ابن مالك.. وكثيرا من القصائد لكبار الشعراء العرب قدامى ومحدثين ويستدل بأبيات شعريه لهم في مجمل كلامه، على رأسهم أمير الشعراء أحمد شوقي.سنة 1967 ولج سلك التعليم بمدرسة ابن عبد ربه في سيدي بنور كمدرس لمادة اللغة العربية التي كان يديرها آنذاك السيد ابن الصغير. قضى بعد ذلك سنة في مدرسة التكوين بالدار البيضاء ثم عاد للتدريس بعدد من مدارس الإقليم، بدءا من "اثنين الغربية" مرورا ب "ابن يفو" فمدرسة "العساعسة" إلى أن عين مديرا لمدرسة "الدهاهجة" قبل أن يتقلد نفس المنصب بالمدرسة المركزية باثنين الغربية ويستمر بها حتى حصوله على التقاعد عام 2007. منذ 1973 عمل إماما لمسجد "الرحمة" بقريته حيث ولد ونشأ ولازال يقوم بنفس المهمة حتى الآن ليكون أقدم إمام في المنطقة.بعد تقاعده، تفرغ لهوايته في اقتناء التحف الأثرية والنقش على الخشب والحجر والعظام، إذ كان يشتري كوارع البقر من عند جزاري اثنين الغربية وخميس الزمامرة ب 15 درهما للكيلوغرام، ويعمل على غسلها وعرضها تحت أشعة الشمس والهواء إلى أن تجف فتصبح صالحة للاستعمال. عن هوايته هذه وشغفه بالصناعة التقليدية يقول السيد فتح الخير: "وأنا طالب بمدينة مراكش كنت أغشى أسواق الصناعة التقليدية يوميا حيث كانت تغويني مهنتهم.. فكنت أتفرج عليهم وهم يشتغلون لاسيما أصحاب الروابيز والخرّاطين وصانعي المسدسات والبنادق... وفي أوقات الفراغ بدأت أشتغل كمساعد "امْعلم" عند بعضهم مبتدئا بجلو أنابيب المسدسات والبنادق بالفرشاة والسلك.. ثم شرعت أركِّب بعضها كما أُقوِّم اعوجاج البعض الآخر إلى أن تعلمت وفي ظرف لم يتجاوز شهرين. وحين عينت معلما بسيدي بنور، اكتريت بيتا ملأته عن آخره بكل ما كان يصادفه بصري من تحف ومواد قديمة أو مستعملة مما كنت أعثر عليه سواء في السوق الأسبوعي بهذه البلدة (الثلاثاء) أو في أسواق الخردة بالدار البيضاء. وحين عدت إلى قريتي حيث ولدت وأقيم حاليا، نقلت معي جميع تحفي وذخائري، وأضفت طبعا حيث لم يعد تكفي هاتان الغرفتان فهناك قطع نفيسة أخرى داخل البيت وفي "توفري" تحت الأرض كما في أماكن أخرى لا يمكنني الإفصاح عنها".3 – أشتري.. أعرض.. ولا أبيعسألته:- ألا تطمح في أن تخصص لتحفك ومدخراتك هذه متحفا كبيرا بإحدى المدن المغربية بدل أن تبقى مغمورة هنا - وأنت معها - مهددة بالاندثار والثلاشي؟ أجاب مصعدا زفرة أسى عميقة:• "وانا كرهت أولد الفقيه؟ - ثم صمت قليلا وهو يتمتم بالرحمة على والدي الذي كانت تجمعه به صداقة وتقدير كبيران - وأردف: طبعا أتمنى أن يُخصص لي محل بإحدى المدن المغربية كي أعرض وأبيع بعض القطع الفنية.. ولم لا؟ فقد أنفقت أموالا طائلة في سبيل هذا بل رزق أولادي، لاسيما أني أصنعها بنفسي مثل الخواتم والقلادات والأقراط وقواطع الورق التي أنجزها من العظام.. لكن ما باليد حلية فأنا مجرد معلم متقاعد وإحداث متحف من هذا القبيل يتطلب أموالا طائلة".- ألم يسبق لك أن عرضت بعضا من هذه التحف في مهرجان فني أو ثقافي ما؟ وهل سبق أن أجريت معك لقاءات صحفية؟• "بلى سبق أن شاركت في عدد من المتلقيات والأسابيع الثقافية ببعض المدن والقرى المغربية مثل: مراكش – أكادير – الجديدة – الوليدية – الزمامرة – سيدي بنور... لكني أحجمت عن فعل ذلك لأنه يتم سرقة كثير من تحفي في غياب حراسة وأمن. كما سبق أن أجريت معي لقاءات صحفية من طرف بعض القنوات مثل إذاعتا طنجة ومراكش.. و 2M حيث حاورتني من هذه الأخيرة الصحفية نعيمة بوعلاق".- وهل سبق لك أن التقيت بأحد المسؤولين وعرضت عليه فكرة إنشاء متحف خاص بك؟ أو كاتبته في الموضوع؟ • "صراحة لم أتقدم بأي طلب لأنني لا أعرف بالضبط الجهة المعنية بالأمر.. ولكني في إحدى دورات المعرض السياحي بالجديدة، زار رواقي عامل المدينة آنذاك السيد عَرَفة وكان برفقته الوزير بوزبع كما المندوب الإقليمي لوزارة الثقافة، وكلهم وعدوني بإحداث هذا المتحف دون أن يحصل ذلك حتى الآن".كثيرة هي الأسئلة المحرجة التي ظلت عالقة بوجداني بخصوص هذا الرجل الموسوعة والتحفة.. لكن تعمدت أن أحمِّل سؤالي الأخير قدرا من التأنيب أو الاستفزاز لعل الرجل يفيق من سباته فيتدارك أمر المتحف معتمدا على نفسه بالدرجة الأولي، فواجهته:- لكن سامحني أستاذ فتح الخير، إن مسؤولية إحداث متحف لهذه الذخائر تقع على كاهلك أنت بالدرجة الأولى، فلا أحد أولا سيجيئ عندك من تلقاء نفسه عارضا عليك هذه الخمة. وثانيا إنك تملك من بين هذه الذخائر النفيسة متى بعث منها قطعة واحدة أو اثنتين، ما يكفيك لإنشاء ما تتطلع إليه وفي أية مدينة تشاء.. ألم تقل لي بلسانك إنك تملك دررا تقدر بالملايين؟ إن لم أقل الملايير قيمة هذه التحف مجتمعة والتي انفقت عليها "رزق أولادك" حسب تعبيرك، بل وعمرك كله؟رد بحزم وهو يرمقني بنظرة حادة من عينيه الصغيرتين اللتين لا تزالان تشعان ذكاء وتوقدا:• "اسمع أولد الفقيه.. سأظل أشتري.. وأرمم.. وأعرض.. ولكني لا ولن أبيع.. لأنني إذا بعث هذه التحفة أو تلك لن أعثر على مثيلها مرة أخرى"!!حلل وناقش4 – غيض من فيضلو حاولت الوقوف عند كل تحفة من تحف السيد فتح الخير لشرحها والإحاطة بتاريخها، وكيفية صنعها ونوعية موادها إلخ... ما كفاني كتاب بكامله، لذا سأكتفي ببعض النماذج بالصوت والصورة عبر الرابط التالي:المرجع: كتاب "الجديدة بين الأمس واليوم"تأليف : نورس البريجة - خالد الخضري 10 صفحات من: 68 إلى 77 

  • ...
    شذرات من تاريخ التواجد اليهودي بمدينة مازغان/ الجديدة

    كانت حياة اليهود بمدينة الجديدة تمتاز بكونها ظلت مفتوحة على هندسيات اجتماعية بنيوية عاشت بدون عقدة "الآخر" وسط شرائح المجتمع الجديدي العربي المسلم من غير داع رئيسي إلى إعلان الاختلاف وجعله حكما و ضابطا للعلاقات الاجتماعية، التي كان "الملاح" مركزا جامعا لها.تقتضي مقاربة التواجد والحضور اليهودي بالجد منهجية خاصة تجعلنا أمام حالة استثنائية بكل المقاييس في تاريخ وذاكرة هذا الفصيل وهذا المكون البشري المغربي, انطلاقا من كون الجديدة ظلت دوما المدينة المغربية المنفردة التي لم تعرف وجود ما سمي ب "الملاح اليهودي"، كبنية سكنية مادية واجتماعية وسياسية عرفها المغرب عبر تاريخه القديم والمعاصر.ومن منطلق انمحاء الفرق ، كان ليهود الجديدة وضعا اعتباريا لا يختلف عن باقي بنيات المجتمع الجديدي ، فأحياء المدينة عرفت كلها تواجدا يهوديا ومسلما لا يقيم الضوابط على أسس عرقية أو دينية، مما سهل على اليهود العيش بجوار دور ومنازل وبيوت جديدية مسلمة.وبالرغم من كون الملاح كبنية سكنية اجتماعية كانت قد ظهرت مع التواجد البرتغالي بالمغرب ،  فإن مزاكان أو الجديدة  ظلت وفية لنموذجها الخاص في التعايش بين الأديان الذي لا يقيم الفوارق ولا يؤسس للاستثناء في العيش والسكن، وهنا نشير عرضا إلى أن اليهود كانوا مكلفين من طرف المخزن المغربي بتمليح رؤوس المجرمين وقادة القلاقل والقيام بتعليقها على الأبواب الرئيسة للمدن، وهي إحدى الروايات الشفوية المفسرة لإطلاق اسم "ملاح" على أحيائهم.البنية البشريةوعلى مستوى البنية البشرية المكونة ليهود الجديدة ، فقد نقف بتأن حول مرجعيات أساسية تجعلنا نقسمهم إلى ثلاث فئات، منهم العنصر الإيبيري الوافد من اسبانيا والبرتغال بعد سنة 1492 م، في المرحلة التي تلت سقوط الأندلس وغرناطة، وهي الفترة التي عرفت دخول موجات هجرة يهودية مكثفة إلى المغرب استقرت بشكل أساسي في المدن الساحلية المغربية, ومن ضمنها الجديدة ، حيث استقرت بالمدينة عائلات يهودية ومسلمة حاملة معها الإرث الأندلسي في المطبخ والملبس والأدب والموسيقى والعلوم .وبخصوص الفئة الثانية المكونة ليهود الجديدة فهم "الطوشافيم"، وهم يهود الأصل الذين ينحدرون من فترة ما قبل الفتح الإسلامي للمغرب، وهم اليهود الذين كان لهم انصهار اجتماعي وثقافي مع الأمازيغ، واشتركوا معهم في كثير من العادات والتقاليد المشتركة، نجالجديدةبالجديدة  أسماء وألقاب عائلات يهودية تحمل هذه الهوية كعائلة أما الفئة الأخيرة فهي تضم خليطا من "الطوشافيم" (يهود الأصل وما قبل الفتح الإسلامي) و"الميغوراشيم" (يهود الأصل الأندلسي)، ممن هاجروا للاستقرار بالجديدة  من مدن مغربية مختلفة لضرورات اجتماعية واقتصادية..أسماء وألقاببقيت أسماء وألقاب الكثير من يهود المغرب حاملة لهوية مندمجة بين الأصل البربري والعربي والإيبيري الأندلسي، فأسماء مثل بوطبول تعني بالعربية صاحب الطبل أو أبو الطبل، وبودرهام تعني صاحب الدرهم أو أبو درهم، وهو اسم كان يحمله في الأعم يهودي يتحصل الضرائب أو يضرب سكة النقود، وأدهان تعني بالعربية الدهان وهو شخص كان يمتهن الصباغة بالزيت، وأفلالو تحيل إلى عائلة يهودية من منطقة مزكًيتة بواد درعة، وأفريات عائلة يهودية مغربية أمازيغية من منطقة سوس، وأكنين هو تصغير اسمي بالأمازيغية ليعقوب، وأسراف تعني بالعربية الصراف، وعائلة أزروال وهي تعني بالأمازيغية صاحب العيون الزرق، وأزويلوس وهي عائلة يهودية تنحدر من مدينة أزوويلو الاسبانية.وكأسماء الكثير من العائلات المغربية العربية اتخذ يهود المغرب أسماء مرجعية تحيل إلى المهن أو إلى اسم الأب المرجعي، وهنا نجد عائلات بن عطار، وبن يعيش، وبن حاييم، وبن كًيكًي، وبن حمو، وبن يشو، وبن لولو، وبن ميمون، وبن زكري، وبن الشرقي، وبن حداد وبن كتان، وبن سلامة.وفيما يتعلق بطبيعة التواجد اليهودي بالجديدة، تشير المراجع التاريخية في هذا الصدد إلى بداية الاهتمام بأخبارهم مع نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، وهي الفترة التي صادفت التواجد البرتغالي على السواحل الأطلسية المغربية، كما صادفت لعب اليهود أدوارا سياسية واقتصادية بدأت تؤرخ لحضور متميز وغير عاد في التاريخ السياسي والاجتماعي للمغرب.تعداد يهود الجديدةيعود تواجد اليهود بمدينة الجديدة أو مازكان كما يحلو لليهود تسميتها الى  بداية القرن التاسع عشر ، اذ ارتفع عدد اليهود بالجديدة من  300 نسمة إلى 3500 عام 1900. ولم يقتصر  الوجود اليهودي في إقليم دكالة على مدينتي الجديدة وأزمور لكنه امتد أيضًا إلى مناطق قروية أخرى في المنطقة مثل الغربية والوليدية وأولاد عمران.واذا كان ارتباط اليهود كقاعدة بلا استثناء في كل بلد ومكان يعيشون فيه شرقًا وغربًا بـ(العزلة السكنية) في حي خاص من المدينة التي يعيشون بها، وكان من أشهر هذه التجمعات السكنية الانعزالية اليهودية "الملاح Mellah" في كل مدن المغرب، الا أن اليهود بمدينة الجديدة كانت لهم خصوصية الأخرى للجديدة ، حيث  أن هذه المدينة لم يكن بها ملاح بالمعنى الحقيقي للكلمة. يمكن لليهود العيش في أي مكان يحلو لهم. إذا سميت القلعة البرتغالية باسم الملاح خلال فترة الحماية ، فهذا خطأ لأن القلعة لم يكن يسكنها اليهود حصريًا ولكن أيضًا المسلمون والأوروبيون. علاوة على ذلك ، كانت القلعة ، حتى سنوات 1915-1920 ، المكان الوحيد الآمن والسكن في مدينة مازاغان.وستكون الخمسينيات بداية الاندحار بالنسبة للتواجد اليهودي بالجديدة والمغرب، حيث ستعمل الوكالة الصهيونية الدولية، مباشرة بعد إعلان قيام دولة إسرائيل في ماي 1948، على تهجير شبان يهود المغرب ابتداء من سنة 1951، وستستقطب عبر عملائها العديد من الشبيبة اليهودية المازكانية التي رُحلت إلى إسرائيل وأُلبست البذل العسكرية وأقحمت في الجيش وتم استعمالها في حروب إسرائيل ضد الدول العربية.فبعد سنة 1950 سيتقلص عدد اليهود إلى حوالي 500 نسمة في بداية سنة 197مجموعة بشرية مصغرة من 50 فردا في الثمانينيات، أما حاليا فعدد اليهود بالجديدة يحسبون على أصابع اليد, فيهم 3 عائلات مستقرة بشكل دائم، والآخرون فضلوا الاستقرار بالدار البيضاء أو الهجرة المتأخرة إلى إسرائيل..في نهاية الحرب ، غادر العديد من أفراد الجالية إلى فرنسا ولكن أيضًا إلى إسبانيا وإنجلترا وهولندا والولايات المتحدة الأمريكية. في وقت مبكر من عام 1947 ، كانت هناك أولى حالات المغادرة السرية إلى إسرائيل. وافقت الوكالة اليهودية والحكومة الفرنسية على إضفاء الشرعية على الهجرة إلى فلسطين. تم إنشاء معسكر انتقالي مهم يعرف باسم "مخيم مازاغان" بين الجديدة والدار البيضاء من قبل المنظمة الصهيونية كديما (إلى الأمام). حيث تم تجميع المهاجرين الذين تم توجيههم بعد ذلك إلى مرسيليا.مزار مزاكان / الجديدة اضحت مدينة الجديدة محطة أساسية ضمن المزارات اليهودية بالمغرب، و يحظى بأهمية خاصة من قبل اليهود. حيث تتم زيارة المقبرة اليهودية بالجديدة سنويا  والتي  تؤوي 1800 دفين يهودي ذكرت مصادر أن معظمهم قضوا في طاعون ضرب المدينة في 1941.وبها ضريح  دفينه هو الحاخام يحيى حاييم أسولين. التي ذكرت مصادر أنه توفي سنة 1857, أي منذ 162 سنة وكان عمره لا يتجاوز 32 سنة.وتدل القبة المنقوشة فوق ضريح الحاخام حاييم أسولين، أن له وضعا اعتباريا ليس فقط عند يهود مازغان، بل وأحفادهم من مختلف بقاع المعمور.صلة رحمعاش اليهود بالجديدة ردحا طويلا من الزمن بالملاح، أو القلعة البرتغالية وأفرد لهم المصطفى الجماهري كتيبا عن تاريخهم بمزغان.لقد عاش يهود الجديدة  ضمن نسق سياسي مغربي قديم جعلهم يحظون بأهلية أهل الذمة، التي لم تكن سوى شكل من أشكال التدبير السياسي للاختلاف الديني، فكان وضعهم الاعتباري من منطلق أنهم أهل ذمة شبيها بإطار مؤسساتي يتيح لهم فرصة الاستقلال الذاتي في تدبير أموالهم وميراثهم وأحوالهم الشخصية، وهنا نستحضر مقولة المؤرخ اليهودي المغربي حاييم الزعفراني الذي أقر ب«تمتع المجموعات اليهودية المغربية باستقلال ذاتي كامل إداري وثقافي بنظام الخاص، كانت له محاكمه وماليته، وكانت يضمن لتابعيه حقهم في التدين والرعاية والتعليم وتطبيق قانون الأحوال الشخصية، وكانت للطائفة سلطة تنظيمية تلزم أفرادها بكل ما يتعلق بالجوانب الضرائبية والمصالح العامة».لقد شكلت الجديدة أو مزكان  عبر تاريخها نموذجا خاصا أسس للطبائع الأولى للتعايش والتسامح غير المبني على خلفيات سياسية أو عرقية، فكانت مدينة الجديدة بذلك نموذجا ثريا واستثنائيا بهذا الخصوص، يكفي أن تحتفظ لنفسها عبر تاريخها بنماذج حية من حالات زواج مختلط بين اليهود والمسلمين، هي حالات عديدة تحفظها الذاكرة تماما، كما أنهم نشطوا في عدد من المجالات في بيع المجوهرات والصياغة وناعورات الحبوب خاصة بشارع محمد الخامس، بل وساهموا في ترسيخ أسس التعليم بالمدينة على يد أساتذة منهم النحماني الذي كان يدرس الرياضيات بثانوية أبي شعيب الدكالي وسيليي الذي درس الفرنسية الثانوية نفسها، وكانت الأستاذة الرويمي بارزة في المحاماة وبلعطار في ميدان التأمين والخدمات.مصادر :_من مداخلة الباحث مصطفى  جماهري بباريس مارس 2020 تحت عنوان l'histoire de la communauté judéo-marocaine d’El-Jadidaمن كتاب دفاتر الحديدة للباحث مصطفى جماهري الصور من موقع دفينة

  • ...
    سيدي أحمد الحطاب.. مدير ثانوية شعيب الدكالي الذي حزنت لموته كل الجديدة سنة 1970

    في مساء ذلك السبت الأسود يوم 7 مارس من سنة 1970 على الساعة الخامسة مساء ، تلقت الجديدة خبرا حزينا وصادما " مات سيدي أحمد الحطاب " مدير ثانوية أبي شعيب الدكالي ، في حادثة سير مفجعة قرب أولاد الغضبان وهو في طريقه إلى ضيعته الفلاحية بالقرب من الجرف الأصفر .في ذلك اليوم الحزين بكت الجديدة مديرها الشاب ، الذي لم يتجاوز عمره 37 سنة فهو من مواليد 8 مارس  1933 ، وكان يعد من الرعيل الأول للمديرين المغاربة الذين تولوا مسؤولية إدارة المؤسسات التعليمية في إطار المغربة  ، خلفا لأسماء بارزة من الفرنسيين الذين كانوا يتولون أمور تعليمنا منذ بسطت فرنسا حمايتها على بلادنا سنة 1912.أن تكون مديرا لثانوية في السبعينات فأنت من الأطر البارزة بالمدينة ، لذلك كان حجم الصدمة كبيرا على ساكنة الجديدة ، لدرجة لم يصدقوا معها الخبر القادم من أولاد الغضبان ، إلا عندما عاينوا بأم العين جثمان الفقيد يوضع بمستودع الأموات بمستشفى محمد الخامس في مكانه القديم .تحول آنذاك الملاح حيث منزل العلامة محمد الحطاب والده ، إلى مأتم رهيب وتقاطر الناس من كل المدينة ، يتبادلون فيما بينهم التعازي ويلتمسون لبعضهم الصبر والسلوان .وفي الغد كانت المدينة مقفلة عن آخرها حتى ليخيل أنها في إضراب عام ، لقد أقفلت المحلات التجارية أبوابها ، ليتفرغ الجميع لتشييع الفقيد إلى مثواه الأخير ، هكذا كانت الجديدة متعاطفة مع ذاتها حنونة ومتضامنة .انطلق الموكب الجنائزي من الملاح يتقدمه والده العلامة سيدي محمد الحطاب والأعيان والسلطات ، وسط بكاء ونواح الساكنة ووسط ذهول الكثيرين منهم ولسان حالهم يردد " هل فعلا مات سيدي أحمد " ، عبر الموكب شارع الحسن الثاني إلى أن توقف في مقبرة " سيدي أحمد النخل " المجاورة لمستشفى محمد الخامس في القلعة ، حيث ووري الثرى في جنازة مهيبة ، تليق بوضعه الاعتباري مديرا شابا متفانيا لم يمهله الموت لمواصلة الإسهام في ترسيخ دعائم المدرسة العمومية .دفن المرحوم في مقبرة سيدي أحمد النخل أحد أجداد أسرة الحطاب أصله من برشيد ، الذي حل بدكالة قبل 239سنة ، مبعوثا من السلطان العلوي مولاي سليمان ، الذي كلفه بتلقين القرآن وعلوم الدين  بمازغان .والفقيد سيدي أحمد الحطاب هو نجل العلامة الكبير سيدي محمد الحطاب الذي تبحر في العلم مع ثلة من العلماء منهم القاضي سعيد بلهيبة والمفتي محمد الريفي ووزير العدل الشيخ شعيب الدكالي والفيلسوف محمد الرافعي .وفي سنة 1923 تم تعيين سيدي محمد الحطاب في مرتبة " الإمام الأكبر " لمسجد مازغان ، فضلا عن دوره البارز أستاذا في المدرسة الإسلامية الفرنسية ، وهو ما كان موضوع رسالة تنويه تلقاها إثر زيارة محمد الخامس للجديدة ، وفي سنة 1956 تقاعد من التعليم بعد مسيرة امتدت ل 35 سنة كلها عطاء وسخاء ، وتفرغ للإمامة ونشر العلم ، وفي مقال نشره الفرنسي " بولي " بجريدة LE PETIT  MAROCAIN يوم 1 يوليوز 1956 عدد فيه مناقب العلامة الحطاب ، ومما قاله أن تقاعده في التعليم سيترك فراغا كبيرا ، لا يمكن أن يسده إلا ابنه سيدي أحمد الحطاب الذي كان أستاذا للغة العربية منذ سنة 1951 وتتوفر فيه مؤهلات خلف بإمكانه حمل مشعل والده .لم تكن تنبؤات الموسيو بولي كاذبة عندما صار الإبن على نهج والده ، أستاذا متميزا سيتم تعيينه مديرا على واحدة من أكبر ثانويات المغرب من المرجح ان ذلك كان في سنة 1963 ، لكن الموت لم يمنح سيدي أحمد ذلك الوقت الكافي الضروري لتفجير طاقاته الخلاقة ، لكن وبرغم قصر حياته بصم على مشواره متميز كواحد من المديرين الشباب ، الذين اخلصوا لمدينتهم ولوطنهم ، رحم الله سيدي أحمد الحطاب رحمة واسعة وأجزاه خير الجزاء على ما أسداه من خدمات جليلة . عبد الله غيتومي 

  • ...
    الوقاية المدنية بالجديدة.. 80 سنة مضت على ظهورها أول مرة بعاصمة دكالة

    تمر أمامك سيارة إسعاف تملأ الفضاء صخبا بصوتها الإنذاري ، حتما أنا جد متأكد أننا لم نطرح أبدا سؤالا لإشباع فضول يسكننا باستمرار ، منذ متى أضحت هذه السيارة مألوفة لدينا في حياتنا اليومية ، كيف كنا ندبر حوادثنا في زمن كانت فيه الوقاية المدنية في بداياتها الأولى ؟ من هم الرعيل الأول الذي شكل العمود الفقري لرجال المطافئ بالجديدة ؟هذه كلها وبكل تأكيد تساؤلات تحيل على جزء من الماضي المنسي لهذه المدينة التي كانت سباقة إلى استقبال عدد من الخدمات المتميزة ، نظير أول قاعة مغطاة وأول مستشفى سنة 1916 .فالوقاية المدنية خدمة ولدت من صلب الحروب والكوارث التي عاشتها القارة الأوربية ، وكانت نشأتها الأولى بشكل منظم ومهيكل على يد الطبيب الفرنسي " جورج سان بول " سنة 1931 وأطلق عليها أول مرة " الخماية المدنية " واختار باريس مقرا لها قبل أن تتطور لتصبح فيما بعد المنظمة الدولية للحماية المدنية .ويبدو بديهيا أن فرنسا التي فرضت الحماية على بلادنا سنة 1912 ، كان من الطبيعي أن تنقل إلى مستعمراتها ومنها المغرب مجموعة من الخدمات من تلقيح ووقاية وغيرها ، ليس لسواد عيون المغاربة يومذاك  ولكن لتحصن رعاياها المعمرين من كل الأوبئة المنتشرة في ذلك الوقت .وكان على مدينة الجديدة أن تنتظر حتى 1940 لاستقبال أول تجربة لرجال المطافئ " البومبية " كما كان يحلو لأهل المدينة تسميتهم ، كانت الثكنة " القشلة " الأولى على عهد الفرنسيس بدرب السوميك في المستودع البلدي أوما كان يعرف " سربيس مانيسيبو " الذي كانت به " كروسة بيضاء " لنقل الأموات مكتوب عليها بأحرف بارزة " لا إله إلا الله محمد رسول الله ، كل نفس ذائقة الموت " وترأس هذه الخدمة الفرنسي " جانير " وبعده إسكيش "وواصل الفرنسي " فينيي" الإشراف على الوقاية المدنية بالجديدة حتى بعد الاستقلال ، وهو مهندس بلدي لأن الوقاية المدنية كانت تابعة إلى البلدية كما في باقي المدن المغربية واستمرت كذلك إلى غاية سنة 1984حيث انتقلت من مسؤولية الجماعات إلى مسؤولية الدولة التي أضفت عليها لاحقا الطابع العسكري .كانت البداية الأولى بثكنة السوميك بوسائل ضعيفة ، قوامها شاحنة واحدة للإطفاء وسيارة إسعاف فرنسية فضلت عن الحرب العالمية الثانية وفي كثير من الأحيان كان رجال المطافئ يستعينون ب" سطول " من المياه لإخماد حرائق لعدم توفر فواه مياه بالعديد من أحياء الجديدة .واستمرت الحالة كذلك إلى سنة 1962 وبالضبط في شهر يونيو ، حيث انتقلت الخدمات الوقائية إلى الثكنة الحالية قرب الدرك الملكي بزنقة القاهرة .وتعاقب على رئاستها عدد من المسؤولين إلى غاية سنة 1969تولاها " صالح ديا " وكان العامل هو " صالح لمزيلي " والكاتب العام هو " صالح جبران " وكان الجديديون يتندرون بالقول أن مدينتهم يسيرها  " الصالحون " لتطابق أسماء المسؤولين الثلاثة .وترأس الوقاية المدنية بعد ذلك العذراوي وامحمد البطيوي وسعد وعدد آخر إلى من يتراسها اليوم وهو الكولونيل بوعسرية .كان عدد رجال المطافئ آنذاك لا يزيد عن 20 يؤمنون خدمات التصدي للحرائق والفيضانات والغرقى وحوادث السير رغم قلتها آنذاك في ربوع كل دكالة التي كانت تشمل إقليمي الجديدة وسيدي بنور وهم يبلغون اليوم بغقليم الجديدة 140 فردا قياسا بتطور ساكنة الغقليم وامتداده العمراني .الرعيل الأول لرجال المطافئ الذين يظهرون في الصورة رفقته ، كان يتكون من العرابي و الملازم أحمدبومطيرة والساقي وبنسعود وبياضة والصمام وبوغركة وبنغاموس وبكار ومرواني وسي خليفة والغرباوي ومنومر وبشار وأبوالنعيم والطيبي وسفيان وقميح وباشري ولعقيري .والملاحظ أن عددا من لاعبي الدفاع الحسني الجديدي كانوا رجال مطافئ ضمنهم الصمام وسي خليفة والغرباوي والزوفري .تحسنت الأحوال شيئا ما في المعدات بالانتقال إلى الثكنة الجديدة صيف 1962 ، إذ كانت سيارة إسعاف بيضاء التي تظهر في الصورة من تركة الفرنسيين ، وكانت تستخدم في الحرب العالمية الثانية ، ويذكر كل الجديديين أنها كانت بباب خلفي ومنظرها مخيف لحد كبير ، لأن ناس زمان كانوا يعتقدون أن كل من حملته تلك السيارة إلى المستشفى ، حظوظ نجاته من الموت ضعيفة ، ولنا مع تلك السيارة ذكريات منها أن الناس كانت تركب رقم الوقاية المدنية ببلاغات كاذبة عن وقوع خطر ما بأحد الاحياء ، ويسرهم حضور رجال المطافئ لأجل واقعة كاذبة .ونذكر لهذه السيارة أنه ذات يوم حضرت لنقل سيدة مريضة في فيلا قبالة مخبزة شارلوت بشارع الحسن الثاني ، وأن رجلي الوقاية دخلا لحمل السيدة ، فلما عادا لم يجدا سيارة الإسعاف البيضاء ، واعتقدا انها سرقت قبل أن يتأكدا بأنهما نسيا " الفرانمان " وسحبتها العقبة إلى أن توقفت قرب المارشي سنطرال .كما أضحى رجال المطافئ يمتلكون قاربا مطاطيا لانتشال الغرقى وبضع سيارات تظهر في الصورة وتحيلنا على " المغرب العميق " هذه قصة رجال المطافئ بالجديدة على مدى 80 سنة خلت كانت كلها عطاء برغم قلة الإمكانات اللوجيستيكية ، وهي مناسبة نترحم فيها على الأموات منهم وندعو للمتقاعدين بالصحة والعافية ، وللمزاولين بالتوفيق في رسالتهم النبيلة .

  • ...
    مقهى ''فيخرة '' أشهر مقهى شعبي للشاي المنعنع والقهوة المعطرة بالجديدة

    تعد مقهى " فيخرة " في مدينة الجديدة من اشهر المقاهي الشعبية ليس فقط في عاصمة دكالة ولكن على الصعيد الوطني ، عمرها يربو على 85 سنة ، ولا تزال شامخة في حي الرجيلة تحكي عن مراحل تاريخية متعاقبة ، وعن أجيال عشقت هذا المكان الذي لا تزيد مساحته عن 15 مترا مربع واستهواها الاستمتاع بكؤوس شاي منعنع وقهوة مخلوطة بالقرفة والزنجبيل والمسكة الحرة .ففي سنة 1935 وفي ظل ظرفية تاريخية مشتعلة بالنضال الوطني ضد الوجود الفرنسي ، اختار المرحوم سي أحمد سرداوي المعروف بفيخرة ، وهذا الإسم ليس لأن إعداد كؤوس الشاي والقهوة " المنسمة " كان يتم على " الفاخر " وإنما لأن والده المرحوم سي بوشعيب كان يبيع " الفاخر .اختار سي أحمد وهو الذي يظهر في الصورة بالطربوش التركي بملامح رجل قادم من الأناضول ، الزاوية التي توجد بها المقهى اليوم ، محلا لنشاطه " قهوجيا " اخلص وإلى وفاته في سنة 2000 ، لصنعته التي استطاع بواسطتها أن يأسر أذواق المترددين على المقهى الشعبي الشهير ، إذ كان رواده من المغاربة والجالية اليهودية التي كانت  بعدد كبير في مدينة الجديدة .مقهى فيخرة استطاع أن يتربع على عرش الشهرة امام مقاه معروفة بالجديدة  ومنها مقهى الصوردو التي تحولت إلى مختبر التصوير لبنزهة ، ومقهى ولداللاوية قبالة مسجد بلحمدونية .لم يكن المقهى يتوفر في بدايته على كراس وطاولات ولكن على حصائر كان يقتنيها المرحوم سيدي أحمد من منطقة أولادترية بجماعة مكرس قرب سيدي إسماعيل .وكان متشددا في فرض قانون داخلي ينظم علاقة الزبناء بالمقهى ومنها عدم دخول المقهى بأحذيتهم في نظام صارم ليس فيه تساهل ، الذي يرتاد مقهى فيخرة حتما تستهويه طريقة تحضير الشاي والقهوة على " الزيزوة" وهي إناء نحاسي " انظر الصورة " أصله من تركيا سعته 25 لترا من الماء يوضع فوق جمر ملتهب ، وبعد أن يفور الماء يتم إعداد كؤوس الشاي بالنعناع واليازير والسالمية وسكين جبير والحبق ومرددوش ، وهي الأعشاب التي تجعل الإنسان ينتشي بمشروب شاي تستيقظ معه جميع الحواس ، وبالمقهى ذاته تلفحك رائحة القهوة الشعبية المعطرة بالقرفة والزنجبيل وراس الحانوت ، وهي " الخلطة العجيبة " التي يتنسمها الزبناء بولع شديد .والزيزوة التي تظهر في الصورة يزيد عمرها عن 65 سنة كان اقتناها المرحوم سيدي أحمد فيخرة من مراكش ، وهي تحظى بعناية خاصة من حيث الصقل والتنظيف ، ولاتزال محافظة على لمعانها ، حتى ليخيل للناظر إليها أنها صنعت فقط منذ أمد قصير ، وهي بهذا العمر الضارب في تارخ الجديدة ، توأم للزيزوات المنتشرة في أحياء القاهرة العتيقة بمصر ودول الشام .وأنت تجلس اليوم في مقهى فيخرة لا تتذوق الشاي المنعنع والقهوة المعطرة  ، بل تتذوق قصة مكان عريق عمره أزيد من ثمانية عقود بالتمام والكمال ن هي وبكل تأكيد تحكي عشقا أبديا رسخته المقهى مع روادها ، بل ويستمر بتعاقب السنين .للمقهى اليوم زبناء أخلصوا لها العهد يأتونها من كل حدب وصوب ، وخاصة من المتقاعدين الذين يتخذونها مكانا للقائهم اليومي المسائي ، للعب أوراق النرد وتبادل نقاشات حول عدد من المواضيع المشتركة .ومن الزاوية التي يقع فيها المقهى تنتشر كراسي اليوم جاءت لتعوض حصائر الأمس ، ليس فقط بواجهة المقهى ولكن أيضا امام الحديقة المقابلة لها ، ذلك شاهد على أن لها روادها الذين شرب آباؤهم كأس شاي عند فيخرة في الثلاثينات بعشر ريالات ، يشربونه اليوم بستة دراهم ممزوجا بعبق تاريخ مدينة وتقاليد ساكنة لم يتغير فيها الشيء الكثير .من سنة 1935 إلى اﻵن تقترب المقهى من تسعين سنة ، وتظل بمرور الأيام ذلك العنوان البارز للشاي المنعنع والقهوة المعطرة المنسمان بالتاريخ .