أعمدة الرأي
  • ...
    زلزال الحركة الانتقالية لرجال السلطة بالجديدة لم يسلم منه إلا العامل وقائدة المقاطعة السادسة

    لم تأت الحركة الانتقالية لرجال السلطة بالجديدة بجديد فقد كانت الاوضاع تنذر بالخطر جراء ارتكاب مخالفات مهنية كبيرة من طرف بعض ممن المفروض فيهم السهر على احترام القانون وتطبيقه بكل حذافيره.ففي حدود الثالثة من بعد زوال امس الجمعة بدأ رجال السلطة بإقليم الجديدة يتوصلون بقرارات تنقيلهم من مقرات عملهم بالجديدة الى مقرات اعادة تعيينهم وكان اول قرار وصل هو تعيين رئيس جديد للشؤون الداخلية بعد ان كانت الداخلية قد عينت بشكل مؤقت قائد من البيضاء ويتعلق الامر بوافد جديد من اقليم الراشيدية فيما تم توصل مدير الحي الجامعي بالجديدة بقرار تنقيله الى فاس سايس ليشغل ذات المنصب .وتبقى اولى الملاحظات حول هذه الحركة الانتقالية التي همت إقليم الجديدة، انها نزلت بكل ثقلها على عاصمة دكالة، حيث شملت تنقيل  قياد 6 ملحقات إدارية من بين 7 ملحقات واستثنت فقط قائدة الملحقة السابعة مريم بودرة فيما شملت ايضا تغييرات في مناصب رئيس قسم الشؤون الداخلية وباشا المدينة والكاتب العام للعمالة ومدير ديوان عامل الإقليم فيما كان الكروج هو رجل السلطة الوحيد الذي حافظ على مركزة بعاصمة دكالة.قرار تنقيل القائدة رئيسة الملحقة الأولى بالجديدة التي تحمل في ملفها الاداري العديد من الملاحظات من بينها انذار، الى ورززات لم يكن مفاجئا خاصة وانها ظلت الصوت النشاز خلال كل الاجتماعات العاملية وهو ذات القرار الذي نقل رئيس الملحقة الادارية الثانية من الجديدة الى تازة هو الذي عرفت الساحات التابعة له مرتعا خصبا للباعة المتجولين  والفوضى العارمة ويحمل هو الاخر فوق رأسه انذارا  ٠فيما نقل قائد المقاطعة الثالثة الى طنجة لشغل ذات المنصب بعد ان كان يملي النفس بتعيينه باشا التي حصل عليها مؤخرا . قائد المقاطعة الرابعة الذي كان قد تم توقيفه جراء ارتكابه العديد من المخالفات في البناء العشوائي ورفض تنفيذ قرارات عاملية، نقل الى "اكادير اداوتنان" لشغل ذات المنصب، بينما نقل قائد المقاطعة الخامسة الى اولاد بني عليم الشمالية بسيدي سليمان. فيما تم الاحتفاظ بالقائدة رئيسة الملحقة السادسة التي تعتبر من بين انظف مسؤولي السلطة المحلية. اما قائد الملحقة السابعة التي تشير اليه اصابع الاتهام بالانتشار الفادح للبناء العشوائي حيث بنيت على عهده عشرات الدواوير وانشأت المستودعات العشوائية ورفض الالتحاق بعمالة الاقليم على عهد العامل السابق، فقد نقل الى املشيل التي تقع بين اقليمي الريش والراشدية وهي القبائل التي اشتهرت بالمقاومة، كان يحمل هو الاخر في ملفه الاداري انذارا .التنقيلات الاخرى لم تحمل اي جديد باستثناء ترقية باشا الجديدة الى كاتب عام حملته الى مناجم جرادة المقفلة التي تستدعي اليوم واكثر من اي وقت مضى رجل حوار وليس من يستعرض العضلات .فقائد اولاد غانم صاحب الانذار ايضا نقل الى وادي شبيكة بطانطان ، فيما نقل قائد اولاد احسين الى مدينة تازة ، بينما عين بسيدي قاسم قائد خميس متوح ، ونقل قائد اولاد افرج الى مراكش ، فيما نقل قائد المهارزة الساحل الى تازة بينما كان مصير قائد هشتوكة مدينة طرقية. فيما نقل حسن هياب قائد الحوزية الذي اشتهر بالبناء العشوائي وشهادات القسمة والشهادات الادارية التي كان يستصدرها بطرق ملتوية  الى  مدينة سيدي قاسم ٠ فيما عين رئيس دائرة الحوزية في منصب جديد  بسيدي قاسم .قائدي ازمور نقل الاول الى العيون فيما الثاني العرائش بينما عين باشا البئر الجديد الموقوف عن العمل باشا على  باشوية سيدي بيبي المستحدثة مؤخرا فيما احتفظ قائد سيدي على بنحمدوش بمنصبه ونقل رئيس دائرة سيدي اسماعيل الى مصالح وزارة الداخلية حيث لم يعد يفصله الكثير عن التقاعد.. التعيينات الجديدة حملت باشا العيون الى باشوية الجديدة بينما عين قائد احمر على رأس باشوية البئر الجديد فيما عين المسؤول الترابي بأولاد انعام بالراشيدية باشا على ازمور وقائد كتامة رئيسا على دائرة الجرف الاصفر فيما عين رئيس دائرة تافراوت رئيسا لدائرة الجديدة ورئيس دائرة اولاد زيدوح رئيسا على دائرة ازمور.

  • ...
    استقالة المثقف من الشأن العام يدق ناقوس خطر المجتمع المغربي

    مما لاشك فيه ،أن للمثقف والمناضل الحقوقي دور أساسي في مجتمعه، يتمثل في إفادة الأحزاب والسياسة بوجوده في فضائهما وتأليف كتب عن الإستقلال السياسي والحزبي وكيفية التعامل معهم بإعتبارهم مصدر تحشيد وتعبئة، حيث أنه من المؤكد القول أن المثقف هو مصدر الإنفضاض العام على السياسة والأحزاب، غير أن الإشكال المطروح هو على الرغم من تمتع المثقف بقدرات فكرية ومعرفية إلا أن مشاركته في المجال السياسي كفاعل اجتماعي تبقى محدودة بحسب قدراته على الإندماج في السلطة حيثما نجح في الإندماج السياسي فإنه سيصبح سياسيا محترفا ،أما المثقف الأكاديمي فيظل على مسافة من التاريخ ولا يتورط بأي شكل من الأشكال في اتجاهات معينة.فإيمانه بإتجاه هو إيمان يخصه وحده لكنه لايتعصب له ولا يفرضه على الجميع.حيث إنطلاقا من خاصية النقد التي تميز المثقف الأكاديمي على غيره تجعله في غنى  عن التورط في إتجاهات معينة مجتهدا بدوره في نشر المعرفة والتنوير،بما لاتعصف به الرياح إلى مناحي أخرى بعيدة كل البعد عنه .لكن، يبقى السؤال الأساسي هو ،لماذا هذا العزوف للمثقفين من المشاركة والولوج في الحقل السياسي والنضال الحقوقي؟ يخبرنا الأستاذ ''محمد سبيلا'' أنه وجب علينا مراعاة المعطيات الملموسة للمثقف وتفهم أسباب إنعزاله عن الحدث التاريخي السياسي نظرا لكونه يجهل، مايحدث وراء الكواليس من مزايدات وخصومات سياسية بين الفاعلين السياسين والأحزاب،حيث وجود فئة أخرى أقدر منه على مشاهدة ووصف مايجري بدقة عالية.إنه لمن الجميل أن يكون المثقف الأكاديمي صاحب، مبادرة ومسئولية، في القدرة على خوض نقاشات عمومية ويومية متعلقة بالشأن العام والدفاع عن المواطن وحقوقه وتنويره لمعرفة ما عليه من واجبات وحقوق، والتصدي لوحشية السلطة التي تنفي الثقافة والإنسانية عن المجتمع المغربي لكن لايجب أن يكون ذلك على حساب معركته الأساسية هي عمله الأكاديمي والفكري ،كأستاذ جامعي وجب عليه إعطاء الأولوية لما يحتاجه عمله من جهد وطاقة، لتكوين شباب وشابات المستقبل القريب بالمعرفة والعلم.مما لا ريب فيه أن حاجتنا للمثقف، تزداد كل يوم خاصة وأن وضعية العالم اليوم أصبحت تتطلب من الجميع ،إعلاء صوت الثقافة وإعطاء المثقف المكانة الإعتبارية اللائقة به، فبدون تخطيط ثقافي لا يمكننا تصور أي تخطيط سياسي ،أو إقتصادي ،أو إجتماعي،يجد طريقه للعمل والإنجاز ،مما يجعل حديثنا عن أي تصور سياسي ممكن دون ثقافة حبرا على ورق فقط، مدام يعوزه التخطيط الثقافي .فحاجة السياسة للمثقف هي حاجتها إلى النقد والتمييز والتي لن تجدها بعيدا عن المثقف والذي يثمتل دوره الأساس في الكشف عن المستور ونقده وتغليب كفة المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.إن خطورة تراجع أدوار المثقف في النقاش العمومي وإنحسار أدواره المؤثرة في المجتمع والحياد والتفريط في استقلاليته ،لهو فسح المجال لبلاطجة سياسين أغلبهم أميين، لن يساهم  هذا لأمر سوى في تفشي أنواع من الإنتهازين مما يتحكمون في عقول الشعب والمشاريع المستقبلية .مما يفسح المجال أيضا لتغليب الكفة لأبناء هده الفئة من الوصولين للتمتع  بإمتيازات التعليم والصحة إلى آخره ...على حساب أبناء الشعب المنحط.     إن تخليق السياسة هو من اختصاص المثقف والمدني الذي إضافة إلى روحه المتمردة في التفاعل السياسي والاجتماعي يتميز بخاصية النظر إلى الأشياء من أعلى وخارج منطق النزاع المحدود للفاعلين السياسيين.إن ما أهدف إلى قوله من خلال هذا الرأي المتواضع هو أن يلتزم كل من السياسي والمثقف بوظيفته الخاصة والأدوار المنوط بهم القيام بها ..فلا يجب على المثقف أن يكون  بمثابة ذيلا للسياسي ..ينتظر أوامره ليعرف متى يتكلم ومتى يصمت وينساق بذلك المثقف لإغراء السياسة فيتخلى عن دوره  الشريف والنبيل والممثل في النقد وطرح السؤال.. أو يتقمص السياسي وظيفة المثقف فيترامى على القيم الرمزية والميثالية ويفسدها...بجعلها خادمة لمطامعه ومصالحه الفاسدة.وهذا ما وضحته السنوات الأخيرة التي بينت عن تطفل السياسي على بعض المجالات وفرض هيمنته السياسية المتمثلة في السلطة والمؤسسات عليها.أما في المغرب فقد اكتسح السياسي لكل الفضاءات مما أدى إلى عزلة الطبقة السياسية في الاهتمام بمصالحها الخاصة ومتطلعة إلى المستقبل تاركة أدوارها الأساسية المتجلية في تدبير الشأن الاجتماعي للأفراد..فاسحة المجال لمؤطرين متطرفين دينيين يؤطرون المجتمع على هواهم ..فاسحة المجال أيضاً لتزايد الصراعات والمآسي والحروب.في الحقيقة يصعب علي الحسم بلغة العروي، بخصوص مسئلتين أساسيتين:_هل أحاسب المثقف على التفكير في تقديم استقالته وهناك من استقال فعلاً عن النضال الحقوقي والسياسي ما دام انعزالهم سيعطي فرصة لزعماء بمستويات معرفية هزيلة جدا..تجعلهم لا يخجلون من أنفسهم حينما يقولون الشيء ونقيضه في نفس الوقت ويتظاهرون بشعارات لا يعملون بها على مستوى التطبيق ويدعون أموراً لا يقبلها عقل إنسان..ويقدمون وعودا لا يوفون بها ويقومون بأعمال اليوم ويتنكرون لها غذا ويدعون إلى الحرية وفي بواطن عقولهم عبودية...وهذا كله سببه غياب الثقافة وبتغييبها يصبح كل ما يقال لا فائدة منه ولا قيمة له مما يفتح المجال للسياسة باللعب على الأهواء والعواطف والأخطر شراء أصوات الشعب بسبب فقره وجهله...والتي لا أحد يتحمل مسئوليتها سوى هؤلاء الإنتهازين الذين لم يعفو عنهم الله بعد في الكف عن استنزاف طاقات وخيرات بلادهم ليدفع الشعب المسكين في مقابل ذلك الثمن.-أم أقدر الوضعية المتدهورة التي أصبح عليها اليوم المثقف ومعاناته منها وهي ضعف قدرته على التصدي للأمية الموغلة في أوساط مجتمعه نتيجة تزايد إفلاس التعليم..والتطلع إلى المستقبل بعيون الماضي وتقديس التقليد ولغة الأجداد..ومحاربة كل ما له صلة بالنقد وطرح السؤال والتخلف الذي يسكن عقول شباب اليوم ..فأين هي الوضعية المتفائلة التي تسمح لهذا المثقف في الإستمرار في النقد والسؤال والتفاعل الاجتماعي والسياسي في ظل كل هاته الأزمات التي يشهدها المجتمع؟وهل المثقف وحده من يتحمل مسئولية أوضاع بلده نتيجة استقالته؟فحسب هذا الطرح السابق أريد أن أنبه أنه إذا لم ينجح المثقف في الدعوة إلى ما دعا إليه الأستاذ ''عبد الله العروي''  حينما قال ''نُوَدِّعُ نِهائيّاً المُطْلَقَات جميعَها، نَكُفُّ عن الاعتقاد أَنّ النّموذج الإِنْساني وراءنا لا أَمامنا وأَنّ كُلّ تَقَدُّم إِنّما هُو في جَوْهَره تجْسيد لأَشْباح الماضي وأَنّ العِلم تَأْويل لأَقْوال العارفين وأَنّ العَمل الإِنساني يُعيدُ ما كان، لا يُبْدع ما لم يَكُن، وبذلك نَتَمَثَّلُ لأَوّل مرّة معنى السّياسة كتوافُق مستمرّ بين ذِهْنِيّات جزئيّة تُمليها ممارسات الجماعة المستقلّة وتتوحّد شيئاً فشيئاً عن طريق النِّقاش الموضوعي والتّجارب المُسْتَمِرَّة، بحيث لا يمكن لأَحد أن يدّعي، فرداً كان أو جماعة أنّه يَمْلِكُ الحَقيقة المُطْلَقَة عن طريق الوَحْيِ والمُكاشَفَة ويَفْرِضُها على الآخرين'' عبد الله العروي، الإيديولوجية العربية المعاصرة، مقدّمة الطبعة العربية، ص. 16  بيروت. ط. 3  - 1979فإنه لا مجال للاستمرار في استنزاف طاقة المثقف من أجل التنوير والتثقيف ..مادامت النتائج سلبية...وهذا ما يعكسه طرح الأستاذ ''العروي'' حينما قالأن ''صَيْرورَة الواقع الاجتماعي، نسبيّة الحقيقة المُجَرّدة، إِبْداع التّاريخ، جَدَلِيّة السِّياسة: هذه هي مَعالِم الفكر العصري وقوام المجتمع العصري، عرفها حقّاً البعض منّا وفسّرها ونادى بها، ولكن المجتمع العربي كَكُلّ، منذ القرن الماضي، يتردّد في تبنّيها تَبَنّياً كُلِّياً، ينكرها لا في دائرة الأُسْرَة والمَسْجِد والكُتَّاب فحسب، بل داخل البرلمان والمدرسة العصريّة وحتى في قلب المصنع، يتردد في عرفانها لا في كُتُب تراثنا القديم حين يُعاد طبعها فحسب، بل في التّأليف المعاصر، على صفحات الصُّحُف اليوميّة وشاشة التَّلْفزة، وباختصار في ذهن كُلّ منّا..وهذا التّردُّد قبل كل شيء تردُّد المُثقفين مِنّا، كيف ننعي على الشّعب العربي أو الطّبقة الكادحة العربية خمولها والنّعْيُ كُلّه على المُفَكّرين العرب منذ القرن الماضي الذين جعلوا من الكتابة والخطابة ناموس عَيْش، فانساقوا للتّرجمة واجترار الأفكار والتّلفيق بدون معيار ولا مقياس[…] إذا كان لِتَجارِب الأُمم مغزى فإِنّ أمرنا لن يصلح إِلاَّ بصلاح مفكِّرينا، باختيارهم اختياراً لا رجعة فيه المُسْتَقْبَلَ عَوَضاً عن الماضي، والواقع عن الوهم، وجَعْلهم التّأْليف أداة وانْتِقاداً لا أداة إغراء وتنويم، وإذا قيل إِنّ أَوضاع الحكم وأَوضاع الحرب لا تساعد على ذلك، فأقول إِن أَوضاعنا ستكون دائماً غير ملائمة لأَنَّها لو عادت ملائمة لَمَا احتجنا إِلى ثورة على التَّخلُّف الفكري''. نفس الصفحة والمرجع.فأنا لا أشجع ..لا على استقالة المثقف ولا على بقائه في ظل نضاله الحقوقي كباحث أكاديمي ولكن شيئين أركز عليهما:_ألا يكون المثقف بمتابة ذيلا تابعا للسياسين، ينتظر أوامرهم متى يتكلم ومتى يصمت..ويستفيد في مقابل ذلك من ريعهم وانتهازيتهم للسلطة.فكما قال الفيلسوف التنويري ''بيير بايل'' في كتابه القاموس النقدي..''أن على الكاتب أن يكون مهتما فقط بمصالح الحق واهتمامات الحقيقة حيث ينبغي له أن يضحي على مذبحها بالأحقاد وبذكرى أفضال الأغيار عليه وحتى لحبه لوطنه، ويتوجب عليه أنه ينتمي لأي بلد أو أنه نشأ على أي مذهب معين أو أنه يدين بالفضل إلى هذا أو ذاك الإنسان أو أن هؤلاء الناس هم أهله وهؤلاء هم أصدقاءه ..فالمؤرخ الحقيقي هو كملكي صادق لا أب له ولا أم ولا نسب وإذا سأله أحدهم من أين أنت؟ ومن أنت؟ فعليه أن يجيب ..أنا لست فرنسيا ولا ألمانيا ولا إنجليزيا ..أنا إنسان مقيم في العالم ..وأنا لست بخادم الإمبراطور ولا بخادم ملك فرنسا بل أنا خادم الحقيقة.''_ثم أنه لا سبيل إلى رفع الوصاية ونشر المعرفة والثقافة إلا بالشجاعة والجرئة ورفع الحجب على المستور وهذا هو دور المثقف.فعل الأقل إذا وهنت قدرة المثقف على التثقيف نظراً لظروف مجتمعه البائسة والتي تزداد بؤسا يوما بعد يوم ..فإنه على الأقل يجب عليه ألا يخسر نفسه...فحتى إذا خسر رهانه في التنوير داخل مجتمعه فإنه لن يخسر يوما ما شهادة ناس الذين سيقولون في حقه أنه كان مناضلا صبورا.فبالفعل يشهد التاريخ على نفسه أنه كان رديئا لكنه لا يستطيع أن يشهد على صمت المثقف الذي لم يوقف قلمه يوماً على نشر الثقافة والتنوير من خلاله ...ولقد كان مناضلا شريفا. جيهان نجيب: تخصص في الفلسفة والمجتمع.

  • ...
    الداودي.. أول وزير في العالم يتظاهر أمام البرلمان ضد الحكومة وضد الشعب

    على ما يبدو، السياسة في المغرب، في واد، والسياسيون في واد آخر. هذا ما يستشف بالواضح والملموس من  التفاعلات والمواقف الرسمية وغير الرسمية، التي أعقبت حملة المقاطعة التي يخوضها الشعب المغربي، من طنجة إلى لكويرة، على منتوجات 3 شركات تحتكر السوق، وتفرض أسعارها التي يكتوي بلهيبها المغاربة.  مواقف لعل أكثرها إثارة للغرابة والاستغراب، موقف الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة، المكلف بالحكامة والشؤون العامة، لحسن الداودي، الذي يستميت، في جميع المناسبات المتاحة، تحت قبة البرلمان، وعند ظهوره مؤخرا على القناتين التلفزيتين "الأولى" و"ميدي 1 تيفي"، اللتين استضافتاه،  (يستميت) في الدفاع عن مصالح شركة "سنطرال– دانون"، المملوكة بنسبة 99.68 في المائة ل"دانون" الفرنسية. حيث عزز الوزير الداودي، المحسوب على كثلة الأغلبية الحكومية، صفوف الوقفة التي خاضها، مساء الثلاثاء، أمام مجلس النواب بالرباط، عمال ومستخدمو شركة "سنطرال– دانون"، احتجاجا على حملة المقاطعة، التي كانت لها انعكاسات اجتماعية، وكبدت "شركة  "سنطرال– دانون" خسائر جسيمة،  برسم النصف الأول من العام الجاري، بلغت 150 مليون درهم، أي 15 مليار سنتيم، وتراجعا في رقم المعاملات السنوي، بلغ ناقص 20 في المائة.ولم يكتف الوزير الداودي بالظهور في التظاهرة العمالية، التي دعت إلى تنظيمها نقابة عمال ومستخدمي شركة "سنطرال"، بل بدا ناشطا وفاعلا "حكوميا" مؤثرا فيها. وكان تارة يردد شعار: "هذا عيب هذا عار.. الفلاح في خطر"، وتارة أخرى، يملي على عامل محتج، يحمل مكبر الصوت (mégaphone)، شعار: "هذا عيب هذا عار.. الاقتصاد في خطر" (..).وهكذا، يكون لحسن الداودي، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة، المكلف بالحكامة والشؤون العامة، أول وزير في العالم بقاراته الخمس، يخرج للتظاهر في الشارع العام، وأمام البرلمان، هذه المؤسسة الدستورية ذات الرمزية، ضد الحكومة، وضد الشعب.. ولا يخفي استماتته في الدفاع عن مصالح الشركات الكبرى التي تحتكر السوق، وتفرض أسعارها على المغاربة.هذا، وقد تعودنا وعودتنا التجارب سواء في المغرب، أو في دول العالم، أن الوزراء والمسؤولين الحكوميين في المناصب السامية، قد يخرجون للتظاهر في الشارع العام، في الاحتجاجات، وفي المسيرات، من أجل قضايا مصيرية، تهم الوطن.. ولكن ليس ضد حكوماتهم، التي هم مكون أساسي من مكوناتهأ، ويتحملون فيها مسؤوليات عن القطاعات التي يمثلونها، ويديرون شؤونها. وعليه، فعلى من كان الوزير الداودي يحتج، عندما انخرط في الوقفة الاحتجاجية أمام مجلس النواب.. ؟! وبغض النظر عن حملة المقاطعة، أو التعاطف مع هذه الجهة أو تلك الجهة.. فالوزير الداودي الذي كان يتأهب للولوج إلى قبة البرلمان، كان يحتج، من خلال انضمامه إلى الوقفة الاحتجاجية، على حكومته، وعلى سياساتها الحكومية، التي كانت سببا في الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في المغرب، وبالتالي، كان يحتج على نفسه، باعتباره مكونا أساسيا من مكونات الحكومة. ومن ثمة، فإن في احتجاجه، و"شهد شاهد من أهلها"، إقرار صريح بفشل سياسات الحكومة، وبفشله في تدبير سياسات الحكومة، وفي القطاع الحكومي الذي يمثله، بصفته وزيرا مكلفا بالحكامة والشؤون العامة.  وبالمناسبة، هل كان الوزير الداودي مؤذونا له من قبل رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، بالانخراط في هذه الوقفة الاحتجاجية.. ؟!فإن كان كذلك، فالأمر خطير، وإن لم يكن كذلك، فالأمر في غاية الخطورة. وعلى رئيس الحكومة أن يتحمل كامل مسؤولياته، أمام الحكومة التي يرأسها، وأمام الشعب المغربي، حيث إن عليه أن  يحدد موقف حكومته مما أقدم عليه الوزير الداودي، الذي هو وزير في الحكومة، وذلك بإصدار بلاغ رسمي إلى الرأي العام، الذي من حقه أن يعرف حيثيات النازلة، وموقف الحكومة الرسمي. ومن جهة أخرى، فإن انضمام الوزير الداودي إلى الوقفة الاحتجاجية، لا يمكن بأي حال تبريره واعتباره بكونه مبادرة شخصية، تعبر عن موقف شخصي، وإلا سيكون ذلك تهربا وتنصلا من المسؤولية، ومن المساءلة التي يتعين أن تتم أمام لجنة حكومية. وهذه مسألة تبدو مستبعدة.. لكن الأمل يبقى معقودا على السادة البرلمانيين،  أن تكون لهم الشجاعة والجرأة في أن يطرحوا، خلال انعقاد جلسة البرلمان المقبلة،  سؤالا شفاهيا في الموضوع، ليس على الوزير الداودي، وإنما على رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني. هذا، وفي حال إن كان انفرد في اتخاذ قرار الانخراط في الوقفة الاحتجاجية، فإن الوزير الداودي يكون قد أضر بصورة الحكومة، وبأخلاقيات العمل الحكومي. وهذا ما لا نجده البتة في دول ما وراء البحار، كفرنسا مثلا، حيث إن أول ما قام به (إيمانويل ماكرون)، عقب انتخابه رئيسا للجمهورية الفرنسية،  منع الوزراء في الحكومة، سواء  في الأغلبية أو المعارضة، من الاقتراب من الصحافة، أو اتخاذ أية قرارات أو مواقف، خارج تداولها في مجالس الحكومة.. لأن الوزير أو المسؤول الحكومي في فرنسا، كما في سائر الدول الغربية، هو وجهان لعملة واحدة، تجمع بين وجه الشخص الاعتباري، ووجه الشخص الذاتي، ولا يمكن الفرق بينهما، أو حتى تخيل أحدهما دون الآخر، مادام المسؤول الحكومي يمارس، طيلة ولايته، مهامه في منصبه الحكومي.     إلى ذلك، فإن الوزير الداودي، بانخراطه في الوقفة الاحتجاجية، لم يضر  فقط  بالحكومة التي ينتسب إلى كثلة الأغلبية فيها، أو بحزب العدالة والتنمية، الذي هو من كوادره وقيادييه السياسيين، أو بالشعب المغربي، الذي اصطف في التيار المعاكس له، أو ب"شركة سنطرال– دانون"، التي انحاز إليها، ودافع باستماتة  عن مصالحها، أو بنفسه وبشخصه.. بل أضر كذلك كثيرا بالوقفة الاحتجاجية التي خاضها العمال والمستخدمون. حيث أعطى الانطباع بالركوب عليها، وبكونها "مسيسة".وبالمناسبة، تابعت الجريدة مجريات الوقفة الإحتجاجية، منذ انطلاقتها. وأبدى ممثل لنقابة عمال زمستخدمي شركة "سنطرال–دانون"، التي دعت إلى التظاهر أمام مجلس النواب، في تصريح له، تذمره من حضور الوزير لحسن الداودي، وركوبه على الحدث، مضيفا أن الحكومة لا علاقة لها لا من  قريب ولا من بعيد، بهذه الانتفاضة، وأن دورها يجب أن تلعبه في البرلمان، وحملها مسؤولية التأخر في  التدخل لإيجاد الحلول الناجعة، والحد من تداعيات المقاطعة التي أضرت بشريحة كبيرة من أبناء الشعب. كما ألح المتحدث ذاته على  أنه آن الأوان للوزير الداودي أن يبرز دوره كمسؤول حكومي في هذه النازلة، ووضع ما يجب من تدخلات من شأنها إيقاف النز يف".هذا، وتهكم "فيسبوكيا" الدكتور عادل بنحمزة بالقول:  "الداودي يستحق أن يدرج ضمن موسوعة "كينيس"، كأول وزير في العالم، يتظاهر ضد الشعب، والحكومة التي هو عضو فيها"، مضيفا: "شفتو لحليب منين كيريب أش كايدير ".هذا، وكما تمت الإشارة إلى ذلك، فإن انخراط الوزير الداودي في الوقفة الاحتجاجية، لا يمكن بأي حال تبريره واعتباره يعبر عن موقف شخصي، وإلا سيكون ذلك تهربا وتنصلا من المسؤولية ومن المساءلة، التي يتعين أن تتم أمام لجنة حكومية، وفق ميثاق وأخلاقيات العمل الحكومي. وإلا، قد يعتبر الأمر ضوءا أخضر وتشجيعا لوزراء آخرين، منتسبين إلى أحزاب سياسية بتلوينات معينة،  للانخراط في وقفات احتجاجية، ومسيرات.. مناوئة لسياسات الحكومة. وقد نسمع غدا أو بعد غد أن الوزير "الفلاني" قد انخرط في وقفة احتجاجية أو مسيرة احتجاجية، في جهة من جهات المملكة!إلى ذلك، فإن للسياسة قواعدها، وساستها وسياسييها الذين يثقون لعب الأدوار،  كما الحال في ديمقراطيات  العالم المتحضر. فالسياسة ليست فقط قراءة في الجامعات التخصصية، وفي القوانين.. وفي فلسفات الفلاسفة، وفي فكر كبار المفكرين والساسة والسياسيين، أو في استيعاب مضامين كتاب "الأمير" ل(ماكيافيل) (الغاية تبرر الوسيلة)، بل هي ممارسة "علمية"، وصقل للتجارب، وانفتاح على سياسات ومدارس السياسيين. هذا، فإن أية خطوة في السياسة، يضرب لها ألف حساب.. وقد تحرق ويحترق بلهيبها، بسبب عواقبها غير الحسوبة، من يدعي ممارسة العمل السياسي، ولو كان يظن نفسه داهية في السياسة.  

  • ...
    في عز حملة المقاطعة.. الفلاحون في دكالة يتدبرون تسويق إنتاجهم من الحليب

    تتوالى تصريحات حكومة سعد الدين العثماني، المنبثقة عن حزب العدالة والتنمية،  حول آثار حملة المقاطعة، التي يشنها الشعب المغربي، من طنجة إلى لكويرة، على منتوجات ثلاثة شركات كبرى، تحتكر السوق، وتفرض أسعارها التي يكتوي بلهيبها المغاربة، (حول آثارها) على الاستثمار، وعلى الاقتصاد الوطني، وحتى على ظفر المغرب بتنظيم "مونديال 2026".هذا، ويأتي تغيير مواقف الحكومة، باختيار لغة المهادنة، وتليين لهجة الخطاب،  لتلطيف الأجواء، بعد النجاح الذي حققته على أرض الواقع حملة المقاطعة، والذي أبهر دول العامل المتحضر، وبعد استيعاب حجم الخسائر الجسيمة، التي تتكبدتها الشركات التي تتم مقاطعتها. فالتغيير في المواقف الرسمية للحكومة، قد جاء بعد لتدبدب الذي شاب تدخلات وزرائها،  والتي تنم عن غياب التنسيق فيما بينهم،  وعقب الصمت الذي لزمته الحكومة في بداية حملة المقاطعة، والتشكيك فيها، من قبل بعض المسؤولين الحكوميين، وخروجهم الاستفزازي أمام الصحافة، ونعت المقاطعين المغاربة أو بالأحرى المغاربة المقاطعين، ب"المداويخ" و"المجهولين"، و"خيانة الوكن"، و"القطيع" (..)، وتهديدهم بالملاحقة القضائية. ما صب الزيت على النار. هذا، وذكر بلاغ لرئاسة الحكومة أن الحكومة تتابع باهتمام بالغ تطورات مقاطعة مادة الحليب، والتي تميزت أساسا بقرار الشركة المعنية تقليص كمية الحليب التي تقتنيها من تعاونيات الحليب، بنسبة 30 بالمائة ، مع ما لذلك من تـأثير على الفلاحين والقطاع الفلاحي.وأشار بلاغ الحكومة إلى التأثيرات السلبية لهذه المقاطعة، مؤكدا أن استمرارها قد تكون له تأثيرات سلبية على الاستثمار الوطني والأجنبي، وبالتالي، على الاقتصاد الوطني، مشددا على حرص الحكومة على القيام بمبادرات تهدف إلى تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وحزمها في مراقبة السوق، وجودة المنتوجات، والتصدي للمضاربين والمحتكرين".

  • ...
    المقاطعة.. حملة افتراضية لتغيير الواقع

    يطرح هذا المقال ثلاثة أسئلة تبحث في مسألة المقاطعة الشعبية لثلاثة منتوجات وطنية. السؤال الأول يبحث في الدوافع التي تحرك هذه المقاطعة كشكل من أشكال المنازعة السياسية و التي يفترض المقال أنها ليست دائما اقتصادية محضة و لا تحركها فقط المصلحة الشخصية المباشرة. السؤال الثاني يتعلق بالتوقيت و بالخصوص السبب الذي دفع المواطن المغربي لاختيار المقاطعة كشكل من أشكال الاحتجاج و المنازعة. السؤال الثالث يتعلق بالوسائط المستعملة و التي هي في مجملها افتراضية و مدى قدرتها على تحقيق الغاية من الاحتجاج و الذي يتمثل في تغيير السياسة العامة للدولة في مراقبة الأسعار و التدبير الاقتصادي للمجال العام.مما لا شك فيه فإن القارئ المغربي يعرف حيثيات الموضوع و يتتبع يوميا الجديد. سوف نتناول الموضوع فقط من خلال الأسئلة المطروحة حتى نغني النقاش حول موضوع المقاطعة كشكل احتجاجي. دراسة الأشكال الاحتجاجية و الحركات الاجتماعية أسالت الكثير من المداد في العلوم الاجتماعية و برزت للواجهة خصوصا بعد الربيع العربي. نذكر على سبيل المثال كتب مانويل كاستيل و سدني طارو.تحدث سياسة المنازعة [CONTENTION] عندما يتحالف الناس العاديون و يوحدون قوتهم في مواجهة النخب و السلطات و ذلك بسبب تغير في المزاج العام و عندما تخلق الفرص و الإكراهات السياسية المتغيرة دوافع للفعل بالنسبة لأشخاص يفتقدون أصلا إلى الموارد و يتعذر عليهم الوصول إلى المؤسسات التمثيلية. عرف التاريخ منذ القدم أشكالا من المنازعة و الاحتجاج حول مواضيع مختلفة، الخبز و المعتقد و الأرض و الموت، حيث حاول الناس العاديون إصلاح التجاوزات أو الانتقام ضد من يعارضون مستعملين فعلا جماعيا مباشرا و محليا و مرتبطا بموضوع الشكوى و التظلم.تتحول حركات المنازعة إلى حركات اجتماعية عندما تتحقق الشروط التالية:-التحدي الجماعي – الأهداف المشتركة – التضامن الاجتماعي – المنازعة الدائمة.هذا يعني أنه يجب أن تكون الحركة الاجتماعية تحديا جماعيا منظما و مبني على أهداف مشتركة و مدعوما بتضامن اجتماعي معلن و يستمر لوقت كاف يسمح له بتحقيق أهدافه. تبدأ الحركات الاجتماعية بالتمدد و الانتشار لكن قد يصيبها فتور إن لم تتحقق الأهداف بالسرعة المطلوبة، و قد تتجه إما إلى التطرف باستعمال العنف أو يتم احتوائها بالتفاوض و التمثيل المؤسساتي.إذا ما حاولنا وضع المقاطعة التي بدأت منذ نهاية أبريل و تستمر إلى حدود اليوم في سياق هذه التعريفات النظرية فإن العديد من الشروط تتحقق في حين أن أخرى مازالت في علم الغيب أو يستحيل توفرها نظرا للطابع الافتراضي للمقاطعة.قام بالمقاطعة و الدعوة إليها ناس عاديون و حاولوا نشر الفكرة على أوسع نطاق و انضم إليهم الآلاف من رواد الفيسبوك و مواقع أخرى للتواصل الإجتماعي. كان النقاش الأول الذي رافق بداية الحملة هو مصدرها و دوافعها. فقد كان اليساريون والليبراليون يتهمون حزب العدالة و التنمية بدعم هذه الحركة الاحتجاجية و خصوصا تيار بنكيران و ذلك للانتقام من أخنوش لدوره في تعطيل تشكيل الحكومة التي كان سيترأسها بنكيران، بالإضافة إلى وجه آخر من النخبة السياسية و الاقتصادية، مريم بنصالح. لم يظهر الحس المابعد الكولونيالي إلا فيما بعد حيث وضعت فرنسا كهدف للمقاطعة بوصفها مستعمرا سابقا للمغرب. السبب السياسي لم يكن كافيا لتفسير المقاطعة لأن عددا متزايدا من المقاطعين لا علاقة لهم بحزب العدالة و التنمية، كما أن أحزابا يسارية أيدت المقاطعة. برز بالموازاة تفسير اقتصادي مصلحي للمقاطعة، حيث يُظن أن المقاطع هو أصلا متضرر من ارتفاع أثمان المواد المقاطعة. الخطاب المعارض للمقاطعة يعتبر الأمر انتقاما سياسيا و ليس تعبيرا عن تأثر بضرر اقتصادي لأن الكثير من المقاطعين لا يستعملون بعض المواد المقاطعة، كالماء المعدني.من الواضح أن التضامن الاجتماعي لم يؤسس أصلا على موضوع المقاطعة بقدر ما هو دعم لفكرة المقاطعة و دخولها إلى مخزون وسائل الاحتجاج و الممانعة و المنازعة الشعبية لسياسات الدولة في المغرب. المقاطعة هي شكل جديد في المغرب لفرض رأي الناس العاديين الذين يفتقدون أصلا إلى موارد ووسائل سياسية و تنظيمية للتعبير عن رأيهم و انتقادهم لتجاوزات الحكومة و النخب السياسية. التضامن هو مع الفكرة في حد ذاتها لأن المقاطعة وحدت الناس بعيدا عن انتقام الدولة و تدخلها المباشر و منحت الفرصة للإنسان العادي للتأثير على سير و تدبير السياسة العامة.نقودنا الملاحظة الأخيرة إلى السؤال الثاني لهذا المقال و هو التوقيت الذي اختار فيه المغاربة استعمال وسيلة احتجاجية جديدة لمنازعة سياسة الدولة في تدبير الأسعار و الشأن الاقتصادي. يعرف المتتبع للأحداث بالمغرب ما وقع بالحسيمة و جرادة من انحسار للحركة الاحتجاجية بسبب تدخل الدولة بكل الوسائل لإفشال هذه الحركات و إفراغ مطالبها و الالتفاف عليها إما باحتوائها عبر مفاوضات و مبادرات أو قمعها بالمتابعات القضائية. النتيجة الظاهرة هي توقف هذه الحركات أو فتورها  نظرا للاحتكاك المباشر للمحتجين مع قوات النظام. هذا الاحتكاك أدى إلى انسحاب المؤيدين الذي كانوا على الهامش و الذين يسمون الركاب المجانيين [free riders] و بقيت فقط  النواة الصلبة. قدمت هاتين الحالتين درسا للمحتجين المغاربة و قدمت نتائجها الدليل على صعوبة و خطورة التحدي المباشر للنظام في الشوارع نظرا لتقهقر الخطاب الحقوقي بعد الربيع العربي في معظم الدول العربية و حتى في العالم. أصبحت المقاطعة حلا سهلا يتماشى مع الظروف التي وصفناها، بحيث أصبح الاحتجاج عن بعد من وراء شاشات الهواتف و الكمبيوتر نضالا آمنا و يحقق بالإضافة إلى ذلك نتائج مفاجئة. لكن ما ذا تحقق و ما ذا سيتحقق فعلا من هذه المقاطعة؟المقاطعة هي افتراضية لكن بنتائج واقعية حيث تراجعت مبيعات الشركات المستهدفة باعتراف مسؤوليها. لكن السؤال الذي يطرح ذاته هو هل سيتحقق شرط المنازعة الدائمة في هذه المقاطعة أم سيفتر المقاطعون مع قدوم الصيف و سيضعف الخطاب الاحتجاجي الذي يقود المقاطعة أمام مراجعات بعض القادة من النخب السياسة كما فعل بنكيران اليوم بدعوته إلى إيقاف المقاطعة ضد سنطرال؟ شق آخر من السؤال يتعلق بفكرة المقاطعة ذاتها و طبيعتها الافتراضية و الذي يجعل غياب القيادة منها حركة غير محددة المعالم و لا التوجهات و قد تكون عرضة لتضليل و توجيهات متعارضة قد تقود مع مرور الوقت إلى تفتتها. على العموم تعتبر تجربة المقاطعة إلى حد الآن تجربة سياسية ناجحة أعطت للمواطن العادي الإحساس بقوته كصوت وازن إذا ما تم إسماعه داخل تحدي جماعي متضامن و مستمر بالقدر الكافي لتحقيق أهدافه. لكن هذا التحول في سياسة الاحتجاج يشير إلى شيء سلبي و هو الاستغناء عن الاحتجاج المؤسساتي الذي كان يمر عبر الأحزاب و المؤسسات التمثيلية. إلى ان تعود الثقة أو لا تعود بين الشعب و من يمثله، تعطي حملة المقاطعة مهلة للتفكير لمن يسيرون الشأن العام. أستاذ باحث بجامعة أبو شعيب الدكالي

  • ...
    جامعة بدون مكتبة تتحول إلى دار العجزة!

    ما هو تعريف الجامعة؟ أ هي فقط مجموعة من الأقسام و البنايات التي تمنح برامج أكاديمية وتخصصات وشهادات تأهيل لولوج سوق الشغل، أم هي مركز إشعاع معرفي يهدف إلى تحسين جودة الخريجين، وتطوير الخطط والبرامج الأكاديمية؟ كيف يمكن للجامعة تقويم الذات ومواجهة التحديات بدون دعامة للبحث العلمي، أي بوجود مكتبة شاملة ذات جودة تنافسية عالية، فالمكتبة الجامعية المفروض بناؤها اليوم مطالبة بإدارة الجودة الشاملة والارتباط بالبيئة الرقمية الافتراضية، وبدون مكتبة ولو بمستوى بسيط من الجودة، سيظل إشعاع الجامعة باهتا، بل يهرَم بحثها العلمي ويشيخ، فتضعف فحولته، و قد يأخذ طريقه نحو دار العجزة. إن الجامعة ليست سوى مجموعة من المباني تم تجميعها حول مكتبة، فبدون مكتبة ذات جودة عالية، لن تختلف الجامعة كثيرا عن دار العجزة المزمع تشييدها بالحرم الجامعي، ومن هذا المنطلق، نساءل قرار السلطات المحلية بإلغاء مشروع المكتبة أو تجاهله، ووضع مشروع لبناء دار العجزة؟ أليس هذا قرار مؤسساتي بمصادرة مستقبل البحث العلمي بهذه المدينة؟ ما هي دلالات هذا القرار وانعكاساته على الوسط الجامعي؟  ألا يكشف هذا القرار مدى إغفال رئيس الجامعة الدفاع عن مكتسباتها، واستخفاف مجلس المدينة بدور المكتبة في مستقبل البحث العلمي بهذه الجامعة؟ ما معنى إلغاء مشروع بناء مكتبة أو حتى تعديل هذا القرار باقتسام الرقعة الأرضية بين مشروعي دار العجزة والمكتبة؟ هل الأمر يتعلق بإقامة بنايات إسمنتية، أم بخلق مؤسسات مستقلة تحتاج مرافق وفضاءات ومقومات وشروط لإنجاح تجرتبتها؟ لماذا يصر المسؤولون على اقتسام المجال الجامعي واقتطاع جزء منه لبناء دار العجزة؟ ماذا قدم المجلس وعامل الإقليم من مساعدات مادية ومعنوية لبناء هذه المكتبة؟ أليس من مسؤوليات مجلس المدينة وعامل الإقليم الأخلاقية مساعدة رئاسة الجامعة في توفير أغلفة مالية لتغطية تكاليف بناء المكتبة، بالإضافة إلى الاعتمادات المالية الذاتية للجامعة، ماذا استفادت الجامعة من المقاولة المحلية في التعجيل ببناء هذا المشروع؟ فعوض الترامي على مجال الجامعة، كان من الأجدر للمجلس والسلطات المحلية مساعدتها في بناء دعامة مستقبلها العلمي!  من يسير المدينة يا ترى؟ هل يسيرها مجلس، هل يسيرها عامل الإقليم، أم تخضع قراراتها لتأثير لوبيات العقار؟ إن قرار بناء  دار العجزة بحرم جامعي (campus)، في سابقة تاريخية من نوعها، تضرب بالأعراف الجامعية عرض الحائط، إذ يتضح لنا جليا أن قرارات مجلس المدينة تخضع لضغوطات لوبيات وسماسرة العقار، التي حولت مساحات خضراء ومرافق بهذه المدينة إلى تجزئات سكنية، و شوهت تصاميمها من أجل الاغتناء السريع، إذ عوض اختيار مكان مناسب لبناء دار العجزة، تم اقتراح المجال الجامعي حتى لا تتم التضحية بوعاء عقاري غالي الثمن بطريق الكولف أو مزكان مثلا، قد يسيل لعاب سماسرة العقار.       انظروا كيف أصبحت المدينة عبارة عن تجمعات إسمنتية تفتقد إلى الحدائق والتشجير وغيرها من المرافق الضرورية، هذا بسبب تهافت السماسرة على البقع بجميع أنحاء المدينة، فحي السلام مثلا، يفتقد إلى حدائق وساحات ومستوصفات ومدارس، كما هو الحال بمناطق أخرى. انظروا كيف تم تشييد عمارة في الزاوية المغلقة بطريق بئر انزران قرب محطة البنزين إفريقيا على أرض من المفروض أن تظل مساحة خضراء، هي عمارة من عدة طوابق تتسبب دوما في حوادث سير خطيرة، نظرا لأنها تحجب رؤية السائقين، لكن لا حياة لمن تنادي!  هل يعلم عامل الإقليم ورئيس الجامعة أن الباحث الجامعي، خصوصا في هذه المدينة، قد مُسخ إلى أستاذ قرصان بامتياز، إذ يقوم بتحميل الكتب و المقالات بطرق غير قانونية من مواقع القراصنة، حتى يتمكن من مطالعتها، بينما في المجتمعات المتقدمة يتوفر الباحث على "ليسانس" ترخيص و قن سري تمنحه إياه المكتبة الجامعية للقيام بالإبحار في مواقع متخصصة تقوم بشراء حقوق الملكية وتضعها تحت رهن إشارة الباحث، كما تمكنه من معرفة وضعية المرجع داخل حقل الدارسة،َ وكم من مرة تم الاستشهاد به. نحن اليوم نعيش بدون مكتبة تتوفر على كتب أكاديمية متخصصة، تخضع لوائحها للتحيين، و حقوق رقمية لمئات المواقع العالمية مثل (EBESCO, wiley online Library, ingentaconnect)، فيمارس جلنا القرصنة العلمية، ونعلّم طلبتنا كيف يقرصنون الكتب والمقالات لقراءتها...   أليست هذه مفارقة يا سيدي الرئيس: نحن نسرق الكتب، ثم نزجر الطلبة إذا سرقوا منها الأفكار بدون إحالة! متى كانت السرقة تُبعَّض؟؟ كيف نمنع السرقة الأدبية وسرقة أفكار الآخرين، لكن في الوقت نفسه نستبيح سرقة الكتب والملكية الخاصة؟ سيدي الرئيس، نحن معشر القراصنة، مازلنا منخرطين أساتذة وطلبة في سرقة الكتب والمقالات عبر مواقع القراصنة على إثر غياب مكتبة جامعية تمكن الباحث من الولوج بكرامة إلى البحث العلمي. لقد سئمنا سرقة الأبحاث العلمية وقرصنتها، وهرمنا  من أجل لحظة مكتبة في مستوى تطلعاتنا، نعتمد عليها في البحث والكتابة، وتأوي الباحث القرصان المشرد بين مقاهي المدينة!   ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

  • ...
    قصة طالب جديدي في كلية الطب بالدار البيضاء تحكي واقع قطار الجديدة

    لا أظن أنه ستنتهي معظلة تأخر القطار بين الجديدة و الدار البيضاء بسبب عطل أو تأخر خارج عن الإرادة  !! كما يبرره عمال السكك الحديدية الكرام  الى متى هذا الاحتقار لسكان مدينة الجديدة و هل احتكار قطارات الخليع لجميع خطوط السكك الحديدية بالمغرب تخول لهم التسيب في التدبير و تطبيق سياسة الأمر الواقع على مسافرين لا حول ولا قوة لهم  !!؟  ، وما هذا الصمت الغريب من طرف إدارة هذه المؤسسة على شكايات المسافرين!!؟  ام ينتظرون حتى يرفع المواطنون شعار " مقاطعون " لنسمع منكم " دابا فهمناكم أجيو نتصالحو "  لقد اثارني صبيحة اليوم و أنا أتجول في العالم الأزرق " فايسبوك " تدوينة لطالب بكلية الطب بالدار البيضاء من ابناء مدينة الجديدة  كان من بين المسافرين المنطلقين من محطة الجديدة على الساعة 7:22 صباحا نحو الدار البيضاء ، لاجتياز امتحان مهم بكلية الطب على الساعة 11:00 في تخصص طب الأطفال  ،   و قد أخد طبيب الغد احتياطه اللازم و المفترض بتأخر قد يصل لساعة أخرى ليبقى تركيزه على الامتحان الذي استعد له أياما و ليالي ، بعد الركوب و أخد مقعد يذكرنا بقطارات أفلام ( الكاوبوي ) الأمريكية القديمة و انطلاقة للمجهول و بعد حوالي نصف ساعة من الإنطلاقة حصل ما كان في الحسبان ... وقوف مفاجيء للقطار وسط الحقول بدعوى عطب تقني كما العادة ، لتبدأ الأسئلة الروتينية للمسافرين ، كم سنبقى واقفين ننتظر .. و إجابة  ' المراقب ' الدائمة و الحسرة على وجهه كأنه السبب في العطب ...بعد قليل عطب بسيط سنتحكم فيه ... ،  الأكثر من هذا استنشق الركاب رائحة دخان منبعتة من محرك القطار الذي أكل عليه الظهر و شرب ، ليضطر  أغلبية الركاب المغادرة إلى الخارج خوفا من ما لا تحمد عقباه ، و بعد تأخر الصيانة ، اضطر صديقنا طبيب المستقبل الترجل للمشي وسط الحقول مستعملا تقنية GPS ، ليجد نفسه قريب من مركز اتنين اشتوكة و هنا بدأت قصة المعانات ليتصل بوالده الذي كان المخلص من هذه المحنة و التي لم يجد الدكتور الا الفيسبوك ليعبر على سخطه من الواقع المر لقطارات الخليع التي تميز بين مدينة مغربية و مدينة أخرى في نوع القطار حيث تجد بين الرباط و طنجة قطارات في المستوى و بين مدينة الجديدة و الدارالبيضاء قطارات العصر الحجري أو الفحم الحجري كما تجد الفرق الكبير في بناية المحطة و جودة المعاملة  نتمنى ان يصل صوت هذا الطالب المكافح و تصل معانات المسافرين عن طريق القطار للمسؤولين النائمين في مكاتبهم و أخد هذا المشكل بجدية اذا كانت مصلحة الشعب تهمهم  و أتمنى أن يقرأ طبيب المستقبل مقالي هذا ليعرف أن الصحافة في خدمة المواطن لإيصال صوته و التعريف بمشاكله لتصل للنيام في مكاتبهم ،

  • ...
    الحموشي يبعث برسائل قوية إلى من أهانوا ''المداويخ'' و''المجهولين''!

      إنها سلوكات تنم عن التشبع بقيم المواطنة الصادقة، ونبل ومكارم الأخلاق، والتواضع، والتقيد بالتوجيهات الملكية، تلكم التي أبان عنها عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني، وهو يتفاعل إيجابا، وإحقاقا للحق، مع نازلة اعتداء ضابط أمن ممتاز على مواطن في الشارع العام. الحموشي الذي اعتمد، منذ أن حظي بثقة الملك محمد السادس، وبتفضل جلالته بتعيينه مديرا عاما لجهاز الأمن الوطني، استراتيجية مديرية جديدة، تقضي بتخليق المرفق الأمني، بتبني سلوكات قويمة، وترسيخها بالصرامة اللازمة، وعدم التساهل مع المخالفين في الممارسة اليومية لرجال ونساء الأمن، سواء بالمصالح المركزية (المديرية)، أو المصالح اللاممركزة. وهذا ما يستشف بالواضح والملموس من الزيارات التي تقوم بها لجن تفتيش مركزية، ومن الدوريات المديرية التي مافتئت تعممها على مديرياتها ومصالحها الداخلية والخارجية، والتي كان آخرها الدورية المؤرخة فيال28 أبريل 2018، في موضوع واجب تحفظ رجال ونساء الشرطة، الذين  يخضعون لعدة مستويات من المرقابة القضائية والإدارية، الكفيلة برصد أي تجاوز محتمل، وترتيب المسؤولية اللازمة بشأنه. ما يسمح بتوطيد مرتكزات الحكامة الأمنية، من جهة، ويضمن التطبيق السليم والحازم للقانون، من جهة ثانية. هذا، فأن يأخذ مسؤول رفيع المستوى من حجم المدير العام للأمن الوطني، عبد اللطيف الحموشي،  المبادرة، ويدعو إلى مكاتبه بالرباط، "المواطن المغربي" الذي تعرض من قبل موظف أمني بالزي الرسمي، لاعتداء لفظي وجسدي، في الشارع العام.. فتلك سابقة غير معهودة في المغرب، منذ فجر الاستقلال، لا في مديرية الأمن الوطني، ولا في عهد الحكومات المتعاقبة، بمختلف تلويناتها الحزبية، وشعاراتها السياسية.  فهذه المبادرة تنم عن البعد الحقوقي والإنساني والأخلاقي والقانوني، الذي يتشبع به عن قناعة واقتناع المدير العام الحموشي، في مغرب الألفية الثالثة، الذي قطع مع الممارسات البائدة، في المغرب الذي يتساوى فيه 'السيرور مع الوزير" من حيث الحقوق والواجبات.. في ظل العهد الجديد، الذي يمثله الملك الشاب محمد السادس. إن تفاعل الحموشي إيجابا مع نازلة المواطن المعتدى عليه، والتي تحدث بالمناسبة مثيلاتها وأخطر منها  في كل لحظة وحين، حتى في أعرق الديمقراطيات، وكبريات عواصم العالم المتحضر، لم يكن تحت ضغط الشارع، أو ضغط منظمة "هيومن رايتس ووتش"، أو ضغط الإعلام الغربي الموجه.. أو .. أو .. فتفاعله كان عفويا وتلقائيا، ونابعا من مبادئ وقيم مسؤول من جيل الملك الشاب، هو من الشعب، وقريب إلى الشعب.. لا يحمل "تيكيت  سياسية"، ولا خلفيات إيديولوجية، همه حماية الثوابت والمقدسات التي يختزلها شعار المملكة الخالد: "الله – الوطن – الملك"..  إن تفاعل الحموشي، ابن الشعب، في بعده الإنساني والأخلاقي والحقوقي،  يكون قد أحرج  مسؤولينا، وبعث برسائل حول الكيفية التي يجب أن يتعاملوا معها مع الشعب المغربي، هذا الشعب "العظيم" الذي يتحد ويتوحد، من طنجة إلى لكويرة، حول ثوابت ومقدسات الوطن. هذا الشعب "العظيم" الذي بالاحترام والمحبة المتبادلين، اللذين يكنهما الملك لرعاياه الأوفياء، خدام الأعتاب الشريفة، يستهل جلالته خطاباته السامية،  بعد حمد الله والصلاة  والسلام على خاتم الرسل والأنبياء، بمخاطبتهم: "شعبي العزيز". ففي رد الاعتبار إلى هذا "المواطن المغربي"، وإنصافه، إحقاق للحق، وتشبع بمضامين الخطابات والتوجيهات السامية، وتفعيل لمبدأ "ربط المسؤولية بالمحاسبة"، وعزم وحزم على "نبذ الحكرة"، وترسيخ "الكرامة" و"المساواة". والأهم أن في ذلك رسائل قوية وصريحة إلى من أهانوا المغاربة: إلى  سعادة الوزير الذي نعت المغاربة ب"المداويخ" (écervelés)، والذي لم يجرأ على تقديم الاعتذار؛  وإلى المسؤول الذي نعت المغاربة ب"خونة الوطن"؛  وإلى سعادة الوزير الذي نعت المغاربة ب"المجهولين"؛ وإلى سعادة الوزير الذي هدد المغاربة بالمتابعة القضائية، والذي أراد أن يعيد عقارب الساعة في المغرب، إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما صرح رسميا أمام الصحافة: "سندرس مراجعة القانون الحالي"، ما مفاده أن الحكومة تعتزم مراجعة القانون الجنائي أو قانون الصحافة، أو هما معا، ليس من أجل توسيع دائرة حرية الرأي والتعبير، وإنما لمزيد من التضييق عليهما في مغرب الألفية الثالثة، الذي يتباهى بكونه دولة ديمقراطية، تحترم حقوق الإنسان، والحريات العامة والفردية؛   وإلى من نعتوا المغاربة بأبشع النعوت والأوصاف؛ إلى هؤلاء الذين  انحازوا بشكل مفضوح  إلى من أفقروا الشعب المغربي، إلى أصحاب الشركات الكبرى، وإلى من جمعوا بين سلطة المال والجاه والمنصب الحكومي، والمسؤولية الحزبية، ووو.. الذين  يحتكرون  السوق، ويفرضون الأسعار الحارقة، ويستفزون المغاربة في خرجاتهم الإعلامية. هؤلاء الذين قتلوا  القدرة الشرائية للمستهلك، في ظل سياسة تحرير الأسعار التي تشوبها "السيبة والتسيب"، وتغييب الدور الفعلي لمجلس المنافسة، الذي أنشئ سنة 2008، والذي من المفترض والمفروض أن يؤدي مهامه على الوجه الأكمل، والتي تكمن في  دراسة أداء الأسواق، ومحاربة الممارسات غير الأخلاقية، والمنافية للمنافسة؛ وإلى المسؤولين الذين  لن يزيدوا، ب"تعويم الدرهم" (le flot du dirham)، إلا إفقارا وتفقيرا  لفقراء و"بؤساء" المغرب، لكون تعويم العملة الوطنية ستكون له تبعات سلبية على الاقتصاد المحلي، وعلى القدرة الشرائية، لا يعلمه "المداويخ".. رغم أن الجهات الرسمية روجت بكونه يرتكز على الانتقال التدريجي نحو نظام صرف أكثر مرونة، بغية تعزيز تنافسية اقتصاد المغرب، وقدرته على مواجهة الصدمات الخارجية. فليكن للمغرب والمغاربة العبرة في ما حصل في مصر، التي بات المواطنون فيها تحت عتبة الفقر، بسبب تعويم الجنيه المصري! فعلا، المغرب سيصبح  وجهة سياحية رخيصة، وربما "الأرخص".. لكن بالنسبة للسياح من خارج أرض الوطن. كما سيقود تحرير العملة إلى انتعاش قطاع التصدير في المغرب،  لكون السلع المنتجة محليا، سيكون عليها إقبال في الأسواق الدولية، ل"انخفاض أسعارها"، مقابل "ارتفاع أسعار" الواردات، التي ستكون من النتائج المباشرة ل"تعويم الدرهم".  الأمر الذي سيلمس المغاربة، بمرور الوقت،  تأثيره على جيوبهم. فأسعار السلع المستورة، ستصبح مرتفعة، نظرا لارتفاع قيمة العملة الأجنبية، مقارنة مع القيمة المنخفضة للعملة المغربية (الدرهم). ومن يكون "المستفيد" في المغرب، الذي يزداد فيه الأغنياء ثراء  فاحشا، والفقراء  فقرا وبؤسا تحت درجة الصفر. المغرب الذي ينعم بالثروات والخيرات، ما ظهر فوق أرضه، وما خفي تحتها وفي بطنها، وفي واجهتيها البحريتين المطلتين على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وفي أعماق سواحله الممتدة على طول 3500 كلم (أزيد من 500 نوع من الأسماك).. مغرب السدود المائية، التي شيدها الراحل الملك الحسن الثاني، وفي مغرب المخططات بمختلف ألوانها (المخطط الأخضر – المخطط الأزرق..)، وفي المغرب الذي غنى عنه العندليب الأسمر رائعته: "الماء والخضرة والوجه الحسن"، وفي مغرب "مليون هكتار" (..). المغرب الذي كانت  ثروته الضخمة، سنة 1999، في حدود 5 تريليون و904 مليار درهم، قبل أن ترتفع سنة 2013، حسب تقرير الثرة الإجمالية للمغرب، إلى 12 تريليون و833  مليار درهم.  ثروة  إذا ما تم توزيعها على المغاربة، فسيكون نصيب كل مواطن يحمل الجنسية المغربية، 320 ألف درهم.. ؟! المغرب الذي، من أجل لقمة العيش، ماتت نساء دهسا تحت الأقدام.. وأقبر شباب أحياءا  في مناجم الموت، وابتلع البحر حالمين على قوارب الموت،  بالهجرة إلى "ألدورادو" ما وراء البحار..! لقد وصلت بالواضح والملموس رسائل المدير العام عبد اللطيف الحموشي، من خلال تفاعله إيجابا مع نازلة "المواطن المغربي"، الذي رد إليه اعتباره، وأعاد إليه كرامته وإنسانيته، 'لقد (وصلت) إلى من يهمه الأمر، إلى من أوصلهم الشعب المغربي "العظيم"، عن طريق صناديق الاقتراع،  إلى قمة هرم السلطة، إلى قمة المجد، الذين عليهم أن يعوا بأن "المدوايخ ديال المنغاربة"، مغاربة ما بعد حملة المقاطعة، وما بعد نيل المسؤولين من كرامتهم ومن وطنيتهم، ولعل هذا ما كانت بالمناسبة تخشاه الحكومة (أن يعيق ويفيق الشعب)، ليسوا هم مغاربة ما قبل ذلك، وأن عليهم أن يستحضروا التوجيهات السامية، ومضامين خطاب الذكرى 18 لعيد العرش، الذي شدد فيه جلالته على خدمة الشعب المغربي، وعلى ضرورة التطبيق الصارم لمبدأ" ربط المسؤولية بالمحاسبة". ويجب على من تخلوا عن المغاربة في محنهم، والذين يعتبرونهم مجرد "خزان انتخابي"، يقتربون منهم في الحملات الانتخابية، ثم ينبذونهم بعد ذلك، كما ينبذ في الهند "المجاديم" (les parias)..أن لا ينسون أو يتناسون أن المناصب آيلة إلى الزوال، وأن "الكرسي لو كان يدوم لغيرك، ما كان ليئول إليك!".. وأن التاريخ يسجل، وأن ذاكرة المغاربة ليست قصيرة، وأن الشعب المغربي سيعاقبهم في الاستحقاقات الانتخابية القادمة. لقد أبهر المدير العام للأمن الوطني، عبد اللطيف الحموشي، بتفاعله إيجابا وعفويا مع نازلة "المواطن المغربي، الذي اعتدى عليه موظف من جهاز الأمن، (أبهر) بحسه الوطني، وبمواطنته الصادقة،  وبمكارم الأخلاق، ونبل السلوكات، التواضع، وعدم الاستعلاء والاستقواء، وبتقيده بالتوجيهات السامية، وباحترام إنسانية الإنسان، أسمى حق من حقوق الإنسان الكونية. الحموشي الذي كانت مديريته سباقة إلى أجرأة مبدأ التخليق والتطهير والترشيد، وإلى تنزيل مقتضيات دستور المملكة، سيما الفقرة الثانية من الفصل الأول، وإلى "نبذ الحكرة"، وترسيخ  "الكرامة" و"المساوة". الحموشي الذي لا فرق عنده "بين السيرور والوزير". الحموشي الذي كان سباقا إلى تفعيل مضامين الخطاب السامي، وترجمتها على أرض الواقع، وتنزيلها في الممارسة اليومية لرجال ونساء الأمن الوطني.. الخطاب الذي قال فيه جلالته: "وهنا أشدد على ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية، من الفصل الأول من الدستور التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة. لقد حان الوقت للتفعيل الكامل لهذا المبدأ. فكما يطبق القانون على جميع المغاربة، يجب انم يطبق أولا على كل المسؤولين بدون استثناء أو تمييز، وبكافة مناطق المملكة. إننا في مرحلة جديدة لا فرق فيها بين المسؤول والمواطن في حقوق وواجبات المواطنة، ولا مجال فيها للتهرب من المسؤولية أو الإفلات من العقاب". الحموشي الذي حصن المغرب والقارة العجوز، من الخلايا التخريبية، وجعل من المغرب نموذجا ومرجعا للأجهزة الاستخباراتية والأمنية العالمية، في محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة. الحموشي الذي وقع رئيس الجمهوية الفرنسية (فرونسوا هولاند)، في ال5 يناير 2016، على مرسوم رئاسي، يقضي بتوشيحه بوسام الشرف من درجة ضابط،  بعد أن أصبح بفضله المغرب يحظى بجهازين، استخباراتي وأمني، قويين، فاقا وتفوقا حتى على أقوى الأحهزة الاستخباراتية والأمنية الغربية، وفي دول الجوار، شمال أفريقيا. الحموشي الذي منحه الرئيس الفرنسي السابق (نيكولا ساركوزي)، وسام جوقة الشرف من درجة فارس. وهما وساما شرف انضافا إلى وسام كانت منحته إياه ملكة إسبانيا. الحموشي الذي تعتبر هذه الأوسمة الرئاسية والملكية التي منحتها دولتان أوربيتان (فرنسا وإسبانيا)، من أكبر دول الاتحاد الأوربي، اعترافا بالدور المركزي والفاعل للمغرب وجهازيه الاستخباراتي والأمني، في "الحرب العالمية" على الإرهاب والتطرف، الذي بات يتهدد أوربا. الحموشي الذي، لعل أكبر وسام توشيح حظي به، هو الثقة المولوية التي وضعها فيه الملك السادس، عندما تفضل جلالته، وعينه على رأس المديرية العامة للأمن الوطني، وأصبح من ثمة يجمع بين جهازي ال"ديستي" وال"دي جي إس إن". فإذا كان رعايا التاج البريطاني في المملكة المتحدة، يبدون تشبثهم بملكتهم وملكيتهم التقليدية، ويدعون لها في النشيد الوطني: "فليحفظ الله الملكة" (God Save the Queen)، فإن المغاربة يفتخرون، من بعد العرش، ونظام الحكم الدستوري، بحماة الوطن وثوابته ومقدساته، وفي طليعتهم عبد اللطيف الحموشي، مدير جهازي الاستخبارات والأمن الوطني، وبرجله الأول عبد الحق الخيام، رئيس المكتب المركزي للأبحاث القضائية (بسيج)، اللذين حصنا الوطن ضد الإرهاب والتطرف.

  • ...
    المدرسة المغربية تحت شعار ''حمّل مّو !''

     يستحضر فيديو تعنيف التلميذة المشاغبة من لدن أستاذها لمادة الرياضيات بمدينة خريبكة ذكريات طفولية نتقاسمها أفرادا وجماعات حول دور الأستاذ في ضرب الناشئة وتأديبها، بل وترويضها على احترام منظومة السلطة الأبوية  بجميع أشكالها الرمزية والمعرفية والإدارية. لقد اعتقد جيل الأستاذ "العويني" في استخدام العقاب البدني واللفظي باعتباره وسيلة لتهذيب وتقويم سلوك التلميذ، حيث شهدت المدرسة المغربية منذ عهد الاستقلال تقنين استخدام العصا لفرملة التلميذ الرذيل الجَلف الخشِن، وردع المُشاغب وشكْم المُشوِّش، فانخرطت العوائل في منظومة العصا لمن عصا، وارتكز العمل التربوي بالمدرسة المغربية على عقاب السلوك الفظ غير المستقيم، بل تمت معاقبة التلميذ داخل الفصل، إذا هو أخطأ في الجواب أو لم يحفظ الدروس. لنكن صرحاء مع بعضنا البعض، من منا ليست له ذكريات مع عصا الأستاذ والمعلم؟ مَن مِن القضاة يا ترى، أولئك الذين سيُنتدبون للحكم على أستاذ الرياضيات، لم  يتعرض خلال حياته الدراسية لضرب المعلم والأستاذ، فليحاكم الأستاذ العويني؟ متى كانت العصا و العقاب البدني جريمة في ثقافتنا الشعبية؟ متى كانت تعتبر قمعا و تعنيفا وجلدا؟ أليست هذه هي العصا التي خرجت من الجنة؟ ألم تعتبر العصا نبراسا في بناء مستقبل الأجيال، فشب عليها الكبير والصغير بالمغرب؟ كيف لا، وجميعنا بما فيهم وكيل الملك الذي أمر باعتقال من درّس المهندس والطبيب والمقاول وغيرهم من كوادر هذا البلد، كلنا نتذكر كيف  تفنن المدرسون في اختيار أجود الأغصان "للفلقة"،  فشكلوها لتصير عصا جاهزة لأداء وظيفة التأديب، ألم يتذكر قضاة خريبكة كيف كنا نأتي الأساتذة بأدوات ضربنا، بل حرضت أسرنا على عقابنا تحت شعار (أنت ذبح وأنا نسلخ). اسألوا أساتذة الرياضيات من الجيل القديم ليحدثوكم  عن كيفية عقاب كل من سولت له نفسه أن يتغاضى عن حفظ جدول الضرب، وما أدراك ما جدول الضرب، ذلك الجدول الذي رُسِم على أغلفة الدفاتر لكي يَسهُل حفظه عن ظهر قلب، وكأنه آيات مصحف كريم! يا من أمر باعتقال الأستاذ، ألا تتذكر قصة الولد والبطاطس في سلسلة اقرأ، تلك القصة التي حفرت في ذاكرتنا وهي تُقعِّد للعصا باعتبارها وسيلة لتهذيب السلوك، فبعد رفض الولد أكل البطاطس، ورفض العصا ضرب الولد، انقلب نظام الكون عند الطفل، فلولا تدخل القط في آخر لحظة بقبوله أكل الفأر، لما تسلسلت الأحداث لتصل إلى العصا التي قبلت بضرب الولد، فقبل بدوره بأكل البطاطس مُطأطأ الرأس منحنيا خوفا من عقاب العصا، هو جيل بأكمله أكل البطاطس بما فيهم جيل الأستاذ الجليل الذي رُمي ظلما في سجون النسيان وعدم الاعتراف برد الجميل.     وإليكم حكايتي مع أكل البطاطس يوم التحقت بالمدرسة الابتدائية، حيث قام معلم الأجيال سي بوشعيب بمدرسة التازي بالجديدة بـ"تحميلي"، على إثر شكاية شفوية تقدمت بها أم أحد الزملاء بعد أن قمت بتعنيف ابنها، فاغتنم خصومي الفرصة للانقضاض علي، و قاموا بمساعدة المعلم بتحميلي، فمنهم من شدني من قبّية معطفي، ومنهم من شدني من ذراعي، و آخرون من حزامي، ثم شرع المعلم في ضربي على مستوى أسفل الرجلين بمسطرة حديدية مربّعة، وجدت بعدها صعوبة في المشي لمدة ساعات، و لم يتدخل أحد من أسرتي في قرار المعلم التأديبي، بل على العكس، ثمّن والدي هذا العقاب واعتبره درسا لي حتى لا أعود للشجار مرة ثانية. لا أحد يجادل في حدوث تجاوزات خلال استخدام أسلوب العقاب البدني لتقويم سلوك التلاميذ المشاغبين خلال العقود الماضية، ونقصد بسلوك الشغب هنا عرقلة السير العادي للدروس أو إهانة الفاعل التربوي أو الشجار أو إتلاف المرافق العامة وغيرها من السلوك المنحرفة، لكن ظل المجتمع متمسكا بالعقاب البدني بوصفه وسيلة ناجعة في تنشئة الأطفال، إذ مازالت الأسر تقوم بضرب أبنائها لتقويم الاعوجاج السلوكي،  و مازال جيل من المدرسين يستخدم العصا في تلقين الدروس، فحتى نهاية القرن المنصرم، والكتابة العامة للمؤسسات التربوية تواظب على تقويم سلوك التلاميذ عن طريق معاقبتهم بشتى الطرق، بما في ذلك "التحميل" و "الفلقة" و الوقوف لساعات على رجل واحدة، و غيرها من العقوبات البدنية. إذن، ماذا حدث لهذا العقد الديداكتيكي التقليدي الصريح الذي تشبث به أجيال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم؟ لماذا تم التخلي عن بيداغوجية العصا في المدارس بجرة قلم وزارية في إطار الاستجابة لنداء منظمات عالمية واستيراد مقاربات جاهزة من الغرب باسم الحداثة والمعاصرة؟  صحيح، أن المدرسة المغربية اليوم تشهد قفزة نوعية نحو أسلوب الحوار وبيداغوجية  الكفايات والإدماج، و هي مقاربات جديدة تعيد إبرام عقد ديداكتيكي جديد، يتسم بنقل المعارف المدرسية على شكل مهارات وكفايات معرفية تواصلية ومنهجية ثقافية، يستضمرها المتعلم بغية التكيف والتأقلم مع المحيط، جميل هذا الكلام على الورق، وجميل أن يكون الهدف هو أن يكتسب المتعلم هذه المهارات، و أن يحصِّل هذه المعارف لكي يستعد لمجابهة الواقع الحي الذي ينتظره خارج أسوار المدرسة، لكن كيف ستجدد هذه المؤسسة عقدها الديداكتيكي بهذه الشروط، وهي مازالت ترزح تحت نير منظومة الهيمنة والخضوع؟ أو بعبارة أخرى تحيا باستعارة الشيخ والمريد؟ كيف تستطيع المدرسة اليوم أن تبرم عقدا تفاعليا ينبني على دينامكية الحوار، بينما هذا الأسلوب تفتقده جل الأسر المغربية، ويغيب تقعيده في مؤسسات الدولة؟ ما هذه المدرسة النشاز التي طلع "بدرُها" علينا؟  كيف نستورد بيداغوجيات ومقاربات وبرامج إستراتيجية كبرى فوق-تحتية (من الأعلى نحو الأسفل) دون توطين أو تكييف أو حوار نقدي مع الفاعلين المنفذين للبرامج التربوية؟ هل هؤلاء مخلوقات آلية مبرمجة على  تفعيل الإرشادات والتوجيهات فقط؟ لماذا تستمر عقلية الابتعاد عن عملية اتخاذ القرار؟ إذ لا يعتبر العديد من الفاعلين التربويين بأن المشاركة في إعداد الإصلاحات التعليمية من مسؤولياتهم، بل يعتبرونها من مسؤولية صناع القرار و الحكومات الوطنية، فتنعكس هذه النظرة الأبوية للتغيير سلبا على النظام التعليمي، حيث يمكن أن يتحول الأساتذة إلى منفذين سلبيين لبرامج تربوية جاهزة بدون وعي نقدي، ومن غير اتخاذ مبادرات لاقتراح أفكار جديدة تمكنهم من مساءلة الوضع القائم، وهكذا يظل السياسي يستورد تحت الضغط الاقتصادي، و الفاعل التربوي ينفذ بشكل آلي.  وفي السياق نفسه، نتساءل عن الأبحاث الميدانية التي قام بها الفاعلون التربويون لتقييم إيجابيات وسلبيات العقاب البدني "المقنن" سابقا داخل المدارس؟ هل جاء المنع نتيجة أبحاث أكاديمية بينت هشاشة الأسلوب، أم هو قرار فوق- تحتي اتخذ لتحقيق مآرب سياسية؟ كيف تتخلى الدولة المغربية اليوم عن مأسسة العقاب البدني بجميع مناطق المغرب، في إطار الانفتاح على تقاليد الحداثة دون مراعاة الخصوصيات الثقافية، ومنها أن الحداثة ليست فقط حزمة من المنهاج التربوية، ولكن نمط حياة غربية راكم قيما وتصورات لمدة قرون، فكيف نستورد نحن أفكارا جاهزة مبعّضة لسجنها بين أوراق الدفاتر التربوية؟ أليست هذه مفارقة عجيبة أن دولة متخلفة كالمغرب تسوق نفسها بصورة حقوقية متمدنة، اعتقادا منها أن الضرب والتأديب أساليب تربوية رجعية بالية، بينما تتشبث ولايات أمريكية بهذا الأسلوب في المدارس وتقننه؟ تتحدث واشنطن بوست سنة 2014 عن تسعة عشر ولاية وهي : (Alabama, Arizona, Arkansas, Colorado, Florida, Georgia, Idaho, Indiana, Kansas, Kentucky, Louisiana, Mississippi, Missouri, North Carolina, Oklahoma, South Carolina, Tennessee, Texas and Wyoming.)، مازالت تعمل بمبدأ التعنيف الجسدي المقنن، والمؤدي أحيانا إلى الكدمات، كما تستأذن المدارس الأسر التي توافق على هذا الأسلوب التأديبي،  ويبلغ عدد التلاميذ المُعَنَّفين داخل المدارس الأمريكية إلى عدد 838 تلميذا يوميا، حقاً هو رقم هزيل مقارنة مع الساكنة في هذه الولايات، لكن له دلالته، وذو معنى يرمز إلى الطريقة التقليدية المحافظة التي يتشبث بها الأمريكيون في تربية الناشئة، خصوصا لما يعنف طفل كل ثلاثين ثانية! يبدو أن الضرب والتعنيف الجسدي  يشكل مخيال التربية لدى العوائل المغربية، حيث تتنمذج علاقة الأب بالأبناء حسب خطاطة الشيخ والمريد التي فاضت بها محفوظات الثقافة المارابوتية منذ قرون داخل نظيمة الزوايا. تتجاوز سلطة الشيخ تلقين المعارف الدينية لفائدة مريديه، لتضم خدمة المريد لشيخه خلال حياته اليومية، و طقسنة الخضوع لسلطته، فيتحول المريد إلى خادم لشيخه، إذ من المريدين من يغسل ثياب الشيخ، و منهم من يطهو طعامه، و منهم من يحرث أرضه، و منهم من يسقي بهيمته، ومنهم من يتبضّع في الأسواق لقضاء مآرب الشيخ، وقد تتعدد مهام المريدين بتعدد أوامر الشيخ ومتطلباته ونزواته، و من يعصى أوامر الشيخ، يتعرض لغضبه وعقابه من ضرب وحبس وكي بالنار، هكذا تبلورت علاقة الشيخ بالمريد، تلك هيمنة وخضوع، انتقلت إلى باقي مناحي الحياة، و انبلجت مدارسنا القرآنية و العصرية بحلة التسلط الأبوي الحمائي الشائع في عهد المدارس الصوفية، إذ انتقلت خطاطة الشيخ والمريد لتشكل علاقة الفْقيه بالمْحْضار في رحاب مؤسسة "الجامع/ المسيد"، أو المدرسة القرآنية، التي مازالت تعتبر في بعض القرى المغربية أول مختبر تعليمي تتشكل بين أحضانه علاقة المتعلم بالمعلم.  يجلس المعلم القرآني في حلقية مع تلامذته متربعين على الحصير يحفظون القرآن، ويكتبون على الألواح، بينما قد يجلس الفْقيه فوق منبر خشبي يراقب من فوق، و هو يحمل غصن شجر( زلاّط)، يستخدمه لتأديب المحضار وإجباره على الانصياع لأوامر الفْقيه والامتثال إليها، هذا و يقضي المحضار بعض وقته في خدمة الفْقيه عبر السهر على تنظيف المكان، و جلب الطعام، وحش الحشائش لبهيمة الفْقيه، والقيام بالسخرة، إنها علاقة الشيخ بالمريد في أبسط حللها بالمدارس القرآنية. ولما جاءت المدارس العصرية، تحول الفْقيه إلى معلم يقف فوق منصة السلطة بالقسم، يحمل مسطرة حديدية أو عصا، ويباشر التعليم والتهديد بالضرب عند شغب التلاميذ، وعلى الرغم من قلة أعمال السخرة بالمدرسة النظامية، إلا أنها مازالت تجسد علاقة الشيخ بالمريد في مظاهر سيطرة المدرس على تلامذته، تلك ثقافة مارابوتية نشأت بفضلها أجيال تقدس المعلم الشيخ، فتنحني له إجلالا وإكبارا وخوفا من سطوته، بل تخدمه أحيانا، فحتى بعد كبرهم، مازال الكثير يتذكر سلطة المدرس داخل القسم، ومازالت أذناه تسمع طنين وعيده بالعقاب لكل من لا ينضبط للأوامر والتوجيهات.  إن الدرس الذي نستخلصه من تجليات سلطة الشيخ في ثقافتنا المارابوتية هو ارتباطها الوثيق بتمثلات السلطة الأبوية والحماية التي تقدمها للمجتمع، حيث يحتل دور الأب كل فاعل اجتماعي من المعلم إلى الملك، إذا توفرت فيه عناصر الحماية، فالمعلم مثلا، يتميز بهذا الدور نظرا للحماية التي يقدمها للطفل داخل الجماعة، ونظرا لسيطرته المطلقة على نظامها، فهو المعلم و القاضي والحكم والمحامي، إذ يلعب مجموعة من الأدوار الأساسية في حياة المتعلم، فهو القدوة والنموذج إلى درجة أن الأحلام الطفولية تجسد المعلم، وهو  يتحكم في تنظيم الجماعة، فيلعب الأطفال لعبة المعلم والتلاميذ، ويقوم من خلالها طفل بدور المعلم الذي يحمل العصا، فيضرب كل تلميذ لا ينتبه إلى الدرس أو يتحدث إلى صديقه، تلك لعبة ترمز إلى الهيمنة الرمزية للأستاذ التي تستدعي  الخضوع والانضباط. لقد حافظت الثقافة الشعبية على نمط هذه السلطة الأبوية وهيبتها عبر اللجوء إلى آلية العصا بوصفها أداة تأديب للسلوك الاجتماعي وتهذيبه قصد مقاومة التمرد، فانتشرت حكم وأمثلة  شعبية  تبريرية ترسخ مخيال الضرب والتأديب باعتبارهما ضرورة ملحة لتقويم سلوك الناشئة، تبث الرعب في قلوب الأطفال، إذ منذ بدايات تَشَكُّلِ شخصية الطفل تبدأ عملية الضرب لنهيه عن السلوك غير المستقيم، و يتم تخويفه بكائنات أسطورية ترمز إلى العقاب، "كرحمة الله" و "الغول"، فضلا عن أقوال مأثورة تبرر استخدام العصا، "فهي  التي نزلت من الجنة"، "والعصا لمن عصا"، "واللي دار شي ذنب يستهل العقوبة"، "والعين ما تعلا على الحاجب"، "واللي بغا العسل يصبر لقرص النحل"، "واللي كلاه فمو يأكلها فعضامو"، وما إلى ذلك من الحكم الشعبية التي تُقعِّد لاستخدام العصا في تأديب الناشئة. إن العصا طِبقا لمخيالنا الشعبي تُشفي المريض وتعالجه من سقمه، أليست "الكلخة"، أداة علاج؟ ذلك الغصن البري الذي يلتقطه الشرفاء من الخلاء، و يعالجون به المرضى، مُطَقطِقين به على مفاصل المريض؟ نُذكِّر وزارة "الاقتباس" والتربية بالمغرب أن المصاب باضطراب نفسي أو شعور بالضيق والعجز في المجتمعات الأوروبية، يذهب فورا لزيارة أخصائي في الأمراض النفسية، حيث يجلِسُه على أريكة مريحة، و يحاوره ، وينصت إليه، بل يبحث على منافذ لولوج مشاعره العميقة وأفكاره المظلمة، إن علاقة الطبيب بالمريض تتشكل عبر تمثلات ثقافية يطبعها الحوار والسيطرة الناعمة، فماذا يا ترى مصير المصاب بالاكتئاب والضيق في مجتمعنا؟ غالبا، ما تأخذه العائلة لزيارة معالج تقليدي أو ولي صالح، عندها يخضع للرقية الشرعية أو "الصريع" المطقسن، تلك عملية يتخللها العنف والضرب والحبس إذا دعت الضرورة، حيث تستخدم "الخَلوة"داخل المزارات لممارسة الصريع الغيبي، و ترويض الجن المتمرد على الأعراف والقيم الاجتماعية، مما يؤدي في غالب الأحيان إلى تعافي المريض أو على الأقل استقرار حالته النفسية، أين هي علاقة الحوار في عملية "الصريع"؟ إن علاقة المعالج التقليدي بالجني تشبه علاقة الشيخ بالمريد، فهو يبذل قصار جهده لإجبار الجن على الخضوع والانصياع لأوامر "الشريف"، ومن الشرفاء من "يعفس" الجن لصرعه، كما يحصل في طقوس أولاد بن يفو، وهكذا تبرر طقوس "الصريع" اللجوء إلى العقاب البدني قصد التأديب، فتشرعن الضرب عبر الطقوس والتمثلات الثقافية، و تصبح العصا التي "هبطت من الجنة" أداة شافية في ترويض الإنس والجن معا.   إذا كانت نظرة المغاربة للوجود (cultural worldview)، تعودت على استخدام العقاب البدني، واستأنست به منذ زمن، لماذا يجرمه القانون اليوم؟ ولماذا يظل هذا القانون ورقيا، بمعنى أنه نادرا ما تقوم المحكمة باستدعاء أب قد يعنف ابنه؟ وكيف تمنع وزراة التعليم العقاب البدني، بينما يعمل به أساتذة في السر؟ ما هذه المفارقات؟ لماذا هذا التناقض الصارخ بين الورق والواقع؟ كم تبدو قرارات منع العقاب البدني غريبة عن سياقانا الثقافي؟ هل شارك الأساتذة في اتخاذ هذا القرار الوزاري؟ هل تمت مشاورتهم ومشاورة جمعيات الآباء؟  هل نحن أمام قرارات تفرزها أمزجة سياسية بعيدة عن البحث والنقاش الأكاديمي؟ ما مصير هذا النقل الحرفي من ثقافة تعيش الحوار بوصفه نمط حياة إلى ثقافة تعيش فترة انتقالية نحو قيم "حضارية حداثية مستوردة" مازالت في إطار التوطين؟ أليس من حرية العوائل المشاركة في اختيار القرار التأديبي المناسب عن طريق تفعيل جمعيات الآباء؟ كيف يمكننا أن نحاكم اليوم أستاذا يتبنى قيم مجتمعه، ونشأ بين أحضان العصا؟ أليست محاكمة الأستاذ العويني محاكمة مجتمع بأكمله يختار العقاب البدني بوصفه وسيلة للتأديب؟ أليست هذه الحكومات المستلبة والمنفصلة عن قضايا شعوبها، هي السبب في سن قوانين وبرامج مستوردة جاهزة بدون توطين وتكييف؟   ذ، محمد معروف ، جامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    تدشين دار للعجزة في ''قلب'' جامعة شعيب الدكالي

    تعرف مدينة الجديدة هذه الأيام حركة غير عادية بمناسبة الزيارة الملكية للمدينة، بالإضافة إلى عمليات "التجميل السريعة" التي خضعت لها بعض المرافق والشوارع، ضمنها شارع جبران خليل جبران، حيث يُرتقب تدشين دار للعجزة من قبل الملك بهذا الشارع.وإذا كان بناء دار للعجزة بمدينة الجديدة تعتبر مبادرة تستحق كل الاهتمام، فإن ما يثير الاستغراب في هذا الأمر هو أن البقعة الأرضية المخصصة لبناء هذا المرفق، تحيط بها رئاسة جامعة شعيب الدكالي وكلية الآداب والعلوم الإنسانية، وغير بعيدة على كلية العلوم والحي الجامعي، أي أنها توجد في قلب فضاء جامعي بامتياز.عندما سمعت هذا الخبر لم أصدقه في بداية الأمر، وأكاد أجزم أن الرأي العام الجامعي سيصاب بصدمة قوية وخيبة كبيرة عند تلقيه هذا الخبر، وذلك لسبب بسيط هو أن بناء مكتبة جامعية تابعة لجامعة شعيب الدكالي، هو أمر محسوم منذ تسعينيات القرن الماضي، حينما صادق مجلس الجامعة في عهد الرئيس الراحل محمد قوام على مشروع بناء هذا المرفق الحيوي والضروري، بعد أن أجمعت كافة مكونات الجامعة على أن أفضل مكان لبناء هذه المعلمة هو البقعة الأرضية المجاورة لرئاسة الجامعة وكلية الآداب والعلوم الانسانية.جدير بالذكر أن رئاسة جامعة شعيب الدكالي وخلال ولاية ثلاث رؤساء، قامت بكل المحاولات والإجراءات من أجل اقتناء هذه البقعة الأرضية، وتمت مراسلة كافة الجهات المعنية في هذا الشأن دون نتيجة، إلى أن نزل خبر تخصيص هذه البقعة الأرضية لبناء دار للعجزة كالصاعقة.وإذا كانت المكتبة الجامعية تعتبر الشريان الرئيسي والقلب النابض والعمود الفقري لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، باعتبارها مؤسسة ثقافية وتثقيفية وتربوية وعلمية تعمل على خدمة مجتمع من الطلبة والأساتذة والباحثين، فإن "صفقة" تخصيص بقعة أرضية توجد في قلب فضاء جامعي لبناء دار للعجزة عوض مكتبة جامعية، تطرح أكثر من علامة استفهام، وتؤكد بما لا يدع مجالا للشك الارتجال والعبث وغياب رؤية واضحة من قبل كل من يتحمل مسؤولية تسيير شؤون مدينة الجديدة.في الختام.. ألا يستحق إقليم العلامة أبي شعيب الدكالي والمفكرين عبدالله العروي وعبد الكبير الخطيبي مكتبة جامعية بمواصفات عالمية؟ذ. غريب عبد الحق كلية العلوم بالجديدة