أعمدة الرأي
  • ...
    ثيمة الماء في المخيال الشعبي المغربي / هشام بن الشاوي

    "احتل الماء في الحضارة والتراث الإسلاميين مكانة عظيمة، وتبدو مكانته هذه بجلاء من خلال اهتمام القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بهذا السائل المبارك، باعتباره أصل الحياة كلها"، وقد ارتبط الماء بحياة البشر ارتباطا وثيقا، وتكمن أهميته في ضرورته لاستمرار الحياة، فهو أصلها ومنشؤها بالسند القرآني، وقد تجاوزت مساهمته في الحياة حدود الاستعمال اليومي، وما يرتبط به من أمور العبادات والحاجات اليومية من شرب، وطهارة ووضوء ليتجلى في خوارق وكرامات وخرافات تضمنت مجموعة  من الدلالات الرمزية ذات الأبعاد الاجتماعية والخلفيات التربوية والدينية، ولعل ذلك مرده إلى أن الإنسان لم يعرف أصل الماء في الوقت الذي أدرك أهميته الكبيرة وحاجته الماسة والمستمرة إليه فأحاطه بهالة من التقديس وصنع حوله كما من القصص والاعتقادات، بتعبير فاطمة الزهراء الدبياني.حسب المعتقد الشعبي تظل "الولية" فاعلة في حياة من يزورها بعد وفاتها وبركتها لا تنقطع بحدث غيابها الجسدي، ومكان دفنها- ضريحها- يصبح مكانا للتبرك والتضرع به والحج إليه طمعًا في قضاء الحوائج.فعائشة البحرية مثلا، وكما تروي الأسطورة، قدمت من المشرق للقاء الولي مولاي بوشعيب، المعروف بمول السارية، قرب الجديدة (90 كلم جنوب البيضاء) بأزمور قصد الزواج منه، ولكنها غرقت بمصب وادي أم الربيع لتدفن عند المصب، قرب ملتقى النهر  والبحر.هذا المصير التراجيدي لامرأة قطعت مسافات طويلة للقاء أحد أولياء الله (الولي بوشعيب) قصد الزواج منه سيضفي على عائشة هيبة في النفوس وسيصبح ضريحها مزارًا للنساء الباحثات عن الزواج والمعتقدات في قدرتها على جلب السعد، الذي هو الرجل. منحت المعتقدات الشعبية لهذه المرأة قدرةً على جلب الزوج، وهي التي لم تستطع أن تحقق أمنيتها بالزواج. هنا نلاحظ كيف حوّل المخيال الشعبي مسار الحياة العادية لامرأة إلى كرامة تعمل على تحقيق ما عجزت عن تحقيقه هي بنفسها في الواقع.وهو ما نلاحظه في حالة الولي بوشعيب كذلك، الذي اشتهر بلقب "عطاي لعزارا" لقدرته على تحقيق رغبة النساء بإنجاب الذكور، رغم أنه ظل عازبًا، هكذا تحولت العزوبية إلى إنتاج قداسة وتبرك نقيض.وأسست المعتقدات الشعبية لتخصص لكل واحد من هاتين الشخصيتين، التي شاءت الأقدار أن تفرق بينهما في موقف تراجيدي ليصبح مختصًا في النساء وأحوالهن العائلية. كل واحد تأتيه النساء محملات بالهدايا متوسلات ببركته وخاضعات لطقوس مقننة قصد الوصول إلى المبتغى، وإذا تحقق المطلوب تنشأ علاقة تعاقدية بين الطرفين، إذ أن المرأة التي تزوجت أو أنجبت ستحمل في عمقها تقديرًا وعرفانًا دفينًا للولية، وقد تواصل زيارتها للتبرك والامتنان، بل تصبح هذه الزيارة واجبًا على المرأة إن هي أرادت استمرارية مفعول بركة الولية وتجنب  غضبها.والنساء الزائرات "للّا عايشة البحرية" أو "عائشة مولات لمواج" أو "للّا يط"و أو "عائشة السودانية"، يخضعن لطقوس وممارسة معينة إبان الزيارة إن هن أردن أن يتحقق طلبهن المرتبط دوما بالزواج.لا يتوقف الأمر عند مجرد التبرك والتضرع، بل إخضاع الجسد لطقوس معينة، فبالنسبة إلى للا عايشة البحرية مثلا،  على المرأة العاقر أن تمرر على جسدها الحناء الممزوجة بماء البحر، وبعد ذلك تغتسل -بمساعدة المشرفة على الضريح، المقدمة- بماء سبع أمواج متتابعات، وعند الانتهاء تتخلى عن بعض لباسها الداخلي، وبعد ذلك تمنحها المقدمة حزامًا أخضر عليها أن تضعه.ومنهن من يجب عليها أن تستحم في خلوة وتهجر ملابسها الداخلية وتخطو فوق بخور سبع خطوات، ومنهم من يقمن بالاغتسال قرب الضريح ويكتبن أسماء عشاقهن أو من يراد الزواج بهم.يتداخل في هذه الطقوس المرتبطة بزيارة الأضرحة ما هو ديني مع ما هو سحري، والممارسات والطقوس التي كانت سائدة في  الجزيرة العربية وشمال إفريقيا والبلدان الأخرى.إن بعض نماذج القداسة النسائية وثيقة الارتباط بالماء، والماء يحضر بقوة كرمز للطهارة بالنسبة للنساء، فالأمواج والماء تطهر من النحس، فحين تأتي الزائرات لعائشة مولات لمواج، فعلى  الموجة أن تحمل هداياهن للولية عربونا لقبولها زيارتهن ويغتسلن كذلك بماء الحوض، الذي يوجد فيه حجر ينسب إلى الولية.تتكثف صورة الماء في المخيال الشعبي من مادة مطهرة إلى مسكن للقوى الخفية.  وفي جل الحضارات كان البحر والبحيرات موضع أساطير تروي عن كائنات غريبة تخرج من الماء، وظهرت عبادات منابع المياه والمغارات في المغرب، كما ورد لدى هنري باسي في كتابه حول الطقوس التي تمارس أمام المغارات في المغرب منذ عهد الرومان إلى بداية القرن العشرين. إن بعض منابع وعيون المياه لم تتحول إلى أماكن مقدسة وذات بركة إلا بعد دخول الإسلام بقرون، فالأمر يتعلق باستمرارية شروط وضرورية حضور الماء في الطقوس.لقد قام جون لويس كادو بوضع تصنيفين للماء :الماء المقدس وماء الولاية، وإذا اعتمدنا  ترجمتنا والمرجعية الإسلامية، فالقداسة بالنسبة له ترتبط بكل ماهو وثني والولاية بكل ماهو مسيحي. إن الماء يستقي ويجد خصوصيته المقدسة من الولي الصالح الذي يوجد قربه، سواء القدرة على الشفاء أو جلب السعد، فهو المانح لهذا الماء قدسيته لأنه يدخل في كرامات وخوارق العادات التي تميز الولي عن باقي البشر. ويعد الماء من المواد الأكثر استعمالا من قبل العامة من أجل ربط الاتصال الملموس والتبرك بالولي،  فضلا عن كونه يتمتع بالصفاء والشفافية التي تضفي عليه طاقة في تحقيق التواصل المادي والروحي مع الولي؛ فالمجتمعات المغاربية تتعهد على هامش التصورات الإسلامية المهيمنة "شبكة بكاملها من المعتقدات الوثنية … تقر هذه المعتقدات بوجود جماعة لا مرئية من الجن لها قدرات فوق بشرية، ومن أجل تحييدها، يلزم كسب ثقة هذه الكائنات…وتوقير الأماكن التي يعتقد أنها تقيم بها مثل السراديب المظلمة، والأمكنة المعتمة، ومجاري الأنهار، والمياه الآسنة الراكدة… إلخ، وبالضبط في أوقات محددة من اليوم كالفجر والزوال والغروب"، بتعبير مالك شبل.

  • ...
    الاسلوب هو الرجل

    لطالما تساءلت في طفولتي عن معناها بهذا المبنى، فارتباط كلمة ” Style ” بكلمة ” Homme”، هي التي حيرتني حينها، إذ تساءلت بعفوية الطفولة لماذا لم تقترن كذلك بعبارة”Femme”؟ لماذا ارتبط الأسلوب بالرجل فقط ولم يرتبط بالمرأة؟قمت ببعض البحث فوجدت بأن الكاتب الفرنسي جورج لويس المعروف ب ” بوفون” استعملها في خطابه بالأكاديمية الفرنسية في 25 غشت 1753 وأضاف أن أول مواصفات الأسلوب هو الوضوح” La première qualité du style, c’est la clarté”وهناك من أشار إلى أنه استعمل عبارة humain وليس “homme”، أي أنه قال بأن الأسلوب هو الإنسان.وعلى أي فإن من قالها وقرن كلمة الأسلوب بالرجل إنما قد اجتهد في البلاغة والتعبير وإلى حد يفوق في قيمتها ومعناها اقترانها بالإنسان، فكلمة الرجل في اللسان العربي تدل على فعل يصدر من الكائن الذي يتحرك ويجتهد ويعتمد على نفسه، ويبذل الجهد، وأنه يقال للإنسان (ذكرا أو أنثى) رجل اذا كان في شؤون حياته مجدا، فعالا، مسؤولا فالأنثى العاملة المنتجة هي رجل في معيشتها ويقال لها في لسان العرب” الرجلة”، ومن هنا اعتبروا ان كلمة رجل في مواضيع عديدة من السياق لا علاقة لها بنوع الانسان كذكر او أنثى وإنما ترتبط بوصف الانسان المجتهد المعتمد على نفسه ذا دور وأثر في حياته ولا تطلق على النكرة السلبي، الكسول، الإمعة، فكما يقال ليس كل ذكر رجلا ولا كل رجل ذكرا.وأظن أن ما يزكي ذلك هو أنه سبحانه وتعالى عندما أراد التمييز بين النوع في الإنسان لم يقل رجلا أو امرأة وإنما استعمل عبارتي الذكر والأنثى، كما جاء في الآية 45 من سورة النجم { وانه خلق الزوجين الذكر والأنثى}، وعندما أراد التمييز بين الإنسان في الصفة والقيمة استعمل لفظ” رجل” فقد قال في محكم تنزيله في الآية 37 من سورة النور{ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تنقلب فيه القلوب والأبصار}، فالمفسرون هنا أعربوا كلمة رجال باعتبارها” اسم جنس جامد” يشمل الذكر والأنثى على السواء.فكلمة الرجل تطلق على الذكر والأنثى في السياق الخاص الذي يراد منه استعمالها كصفة يتحلى بها الإنسان وليس بغرض التمييز بين النوعين، ففي لسان العرب أن الرجل بمعنى ترجل وتعني مشي الشخص على قدميه دون مساعد أو معين، ومنه اشتقت كلمة الرجولة ليس للتمييز بين الذكر والأنثى وإنما لإبراز معاني الاعتماد على النفس والاجتهاد في الوصول إلى الهدف والغاية والمسؤولية.ومن هنا يتضح أن استعمال عبارة الأسلوب هو الرجل جاءت في أبلغ معانيها للدلالة على أن الأسلوب يختص به الذكر والأنثى كلما اجتمعت في أحدهما معاني الرجولة من مسؤولية واجتهاد وعمل وأخلاق وسلوك وكلمة طيبة وأثر طيب.“فالأسلوب هو الرجل” عبارة اختصرت في عمقها فقرات طويلة من الشرح والتفسير للمقصود من الأسلوب الذي كتبت فيه مؤلفات وكتب ولم تستطع أن تحسم في تحليله.فأسلوب الإنسان هو طريقة تفكيره وكلامه وكتابته وتعامله وعيشه ومذهبه في جميع أوجه الحياة مع خالقه ونفسه وغيره، مع الإنسان والجماد والحيوان، إنه ذلك الطفل الذي يزداد صغيرا وبرعايته يصير رجل وكهلا عاش كل تراكمات الحياة وتجاربها وأحداثها ووقائعها التي أثرت في شخصه وعقله وفكره ورسمت شخصيته. فالأسلوب هو الشخص نفسه، وعينه، هو تجسيد لعصارة فكره وفهمه واقتناعه وذبذبات وجدانه التي قد تترجم كلمة أو قولا أو سلوكا، لذلك يقال أسلوب كتابة، وأسلوب حديث، وأسلوب تعامل.فالأسلوب هو ذوق صاحبه الذي لن ينال الرضى من الناس إلا إذا كان راقيا في طرحه وعرضه بأسلوب مختلف يميزه ولا يضيع في ردهاته المعنى والمغزى، يحظى باحترام العدو والصديق، والمثمن والناقد.فالأفكار والمقترحات والأفعال وغيرها هي شحنة مشتركة بين الإنسان، إلا أن الأسلوب هو الذي يميزها وينقلها من العمومية إلى الخصوصية، فتصبح بأسلوبها الخاص، خاصة بقائلها وفاعلها وكاتبها، تعيش معه وتحيا في مماته، لذلك قال الدكتور علي الحمادي أن ” لكل إنسان وجود وأثر… ووجوده لا يغني عن أثره، ولكن أثره يدل على قيمة وجوده”.فأسلوبك هو أنت ستوصف به وتقيم وتوزن به، فهو صورتك وصوتك وروحك ودمك، فهو سيرتك التي تبقى أطول من العمر، فمهما طالت حياتنا يوما ما سنرحل لكن سيرتنا باقية بقاء أثرنا وعارفينا، فلنحرص على بناء سيرتنا بخطوات وإن كانت بطيئة فلتكن ثابتة لأن السيرة الحسنة كما يقول ويليام شكسبير” كشجرة الزيتون لا تنمو سريعا ولكنها تعيش طويلا”.فلا ينبغي الاستخفاف بأهمية الأسلوب في تجسيد الفكرة، فهو الذي يظهر قيمتها وهو الذي يحط منها، فأسلوب معالجتها هو الذي قد يسيء إلى جماليتها وقوتها وصحتها أو يجعلها في حلة ترفع متلقيها وصاحبها إلى قمم الواقع والخيال، فكما قال المفكر الفرنسي فلوبير: “العناية الدقيقة بالعبارة سبيل إلى إجادة التفكير وإحسان التخيل” علما بأن لكل موضوع أسلوبه ومفاهيمه وقواعده، ولكل قائل وكاتب أسلوبه الخاص في التعبير والتعامل والحديث، والصمت والكلام، والحركة والسكون، مع شخص ونفسه وعدوه وحبيبه.والأسلوب يا سادة لا يرتبط فقط بالتعبير والكتابة، وإنما هو: أسلوب قول وحديث وكتابة وتعبير وتعامل وأخلاق وحياة وسلوك، فلكل أسلوبه الخاص به في كل هذه الأوجه الذي تتحكم في رسمه ظروفه وتربيته ودراسته، ومحيطه وحياته وتجاربه، فتتراكم كلها لترسم له خارطة حياة يشب ويشيب عليها.الأسلوب قول وكتابةقال تعالى في الآية 24 من سورة السماء {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء}.فقولك وكلمتك هي أسلوب ليعرفك الناس، فمتى تحدث الإنسان عرفه الآخر، ومتى صمت ظل غامضا. لذلك قال الفيلسوف سقراط” تكلم حتى أراك”، فقولك مباشرة أو كتابة هو عنوان حقيقتك وهويتك الذي يجعلك مختلفا عن غيرك.والاختلاف هو ما يميز الأسلوب، فقد تكون للمتحدث أو الكاتب أفكار جميلة وزاد من المعلومات والمعارف القيمة، إلا أن أسلوبه يخونه فلا يستطيع أن يرقى في طرحها إلى جمالية مضمونها، فيجعلها فكرة عادية أو أشبه بالميتة، سواء بتبخيس أهميتها لفظا في وصفها أو تحليلا في استيعابها وإدراكها، فالمفكر والكاتب، وإن كانت أفكاره ترجمة لاقتناعه، إلا أنه قد لا يكتب لنفسه فقط وإنما للناس، فحتى مذكراته الخاصة قد يقرأها غيره عند مماته.فأسلوب القائل أو الكاتب ينبغي أن يفهمه الحاضر منهم وغائبهم، لذلك قيل بأن “الناس يتكلمون ليفهم الشاهد، ويكتبون ليفهم الغائب”، فلا قيمة لكاتب وقائل من دون قارئ ومتلقي، ولن يفهم الحاضر أو الغائب ما لم يتوخى صاحب الأسلوب اختيار عباراته بدقة، تلك العبارات التي تخرج معتقدات وآراء صاحبها من عالم الصمت والسكون الى عالم الحركة، من حياة الممات إلى حياة الحياة.لا أقول له كن عقادا، أو توفيق الحكيم أو يوسف السباعي، أو طه حسين أو نجيب محفوظ أو إحسان عبد القدوس، أو المنفلوطي أو غيرهم، لا أقول له أن الأسلوب هو البلاغة، وإنما البلاغة نوع من الأسلوب، بل اقول له أن أحسن الكلام ما صدق فيه قائله وانتفع به سامعه، فما خرج من القلب يصل إلى القلب، فليس بين القلوب إذن ولا رسول، أما القول المحكم إنما هو القرآن الكريم فقط أما قول الإنسان وكتابته من المستحيل أن لا تصحح فكل كاتب أو قائل إلا وتمنى لو غير ما سبق له كتابته وقوله، وفي هذا قال الشاعر:كم من كتاب قد تصفحته **** وقلت في نفسي أصلحتهحتى إذا طالعته ثانيا **** وجدت تصحيفا فصححتهفالكتابة تعبير نسبي يخص صاحبه وينتفع منه هو وغيره كلما كان فيه من الفائدة ما لا ينكر، وإن أنكره البعض لأنه لم يجد فيه متعته، فاختلاف أسلوب العرض والتلقي مسلمه بين الأشخاص، فرضه اختلاف ذوات الأشخاص التي لا يمكن لذات أحدهما أن تنصهر في ذات الآخر، فالتوافق والانسجام في الأمور كلها بين اثنين ليس بالأمر المطلق، حتى في الحب فتوهم بعض المحبين بانسجامهم التام يبقى وهما يكشفه العيش والمعاشرة، فتظهر العيوب التي أخفتها أشعة الشمس اللاهبة، فلكل ذاته التي تميزه عن غيره في التفاصيل والجزئيات.فقد تختلف عن الناس في أسلوبك لكنك قد تصل إليهم بأسلوبك، فهو مفتاحك لعقل البشرية، فمتى كان طرح الأفكار عن إيمان وتصديق بها واقتناع بها، كلما وصلت الرسالة المتوخاة منها بأسلوب أنيق، بليغ، مؤثر، فكما يقول المثل الإنجليزي أن ” الطائر يعرف من تغريدته، والرجل من كلامه”.فاختيارك للكلمة تجعلها تتحدث عنك في غيابك، فالقول الحسن يجذب القلوب والعقول وقد أوصى به الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، في الآية 53 من سوره الإسراء {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ان الشيطان ينزغ بينكم}، وقد قيل أن” بائع العسل سأل بائع الخل، لماذا يقبل عليك الناس ويدبرون عني، فأجابه: لأني أبيع الخل بلسان من عسل، وأنت تبيع العسل بلسان من خل”.فأول الحرب كلمة، وأول الخصام والعداء كلمة، وكل إناء بما فيه ينضح، فمتى كانت طيبة تركت أثرا طيبا، ومتى كانت فظة جعلتك منبوذا مكروها متروكا، فقد قال تعالى في الآية 159 من سوره ال عمران {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}، فأسلوب طرح الموضوع والحديث والكلمة هو الذي يحكم على كيفية تلقيها، فكما قال ونستون تشرشل:” نحن سادة كلمات لم تنطق، ولكننا عبيد تلك التي تركنا ألسنتنا تزل بها، وأن الأسلوب دائما هو الذي يجعلنا نكمل الحديث مع أحدهم أو نتجنبه تماما”.فالكلمة رسالة من صاحبها إلى الناس أو إلى فئة منهم بحسب موضوعها، فليختر صاحبها أسلوبا مناسبا في طرحها في احترام تام للجميع دون إهانة أو مذلة أو تنقيص، أو غطرسة أو نبرة صوت غليظة، فقد قال الفيلسوف الألماني نيتشه” كثيرا ما نرفض فكرة ما لمجرد ان النبرة التي قيلت بها تثير النفور”. والأسلوب ما لم يكن موزونا، رصينا، حكيما في مضمونه، فإنه لن يبرح فاه صاحبه أو قلمه، إذ لا بد لصاحبه من رصيد علمي ومعرفي، ولابد له من بناءه بتجاربه، المتراكمة في الحياة بحلوها ومرها والعلم هو شحنة الكلمات ومنبع المفردات والأفكار والحكم فتثقيف النفس بالعلم والخبرة والتجارب هو الزاد لتحديد الأسلوب الخاص بكل فرد يصقله بموهبة تجعله متميزا.وفي العلم قال إمامنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه” المال تحرسه أنت، أما العلم فيحرسك”، فهي حكمة عميقة تنم عن ارتباط العلم بصاحبه وبقائه ما بقي، فهو ليس كالمال إذا أغفلت عنه ولم تحرصه ضاع واندثر، أما العلم الذي نهلته، فاغفل عنه ما غفلت، وابتعد عنه ما ابتعدت، وتجاهله كما شئت فإنه يحرسك ولصيقك الى اللحد، فمتى احتجته تفاجئت به يمطرك بغزارة في وقت ظننت أنك نسيته، إلا أنه لم ينساك، فتجده قد رفعك بين الخلق عند جلوسك فكما قيل” لباسك يرفعك قبل جلوسك وعلمك يرفعك بعده”.والعلم ليس له حدود أو نهاية، فكما قال الإمام علي بن أبي طالب” كل شيء يضيق بما فيه إلا وعاء العلم فهو يتسع”، فكلما تعلمت شيئا ظهرت لك أشياء كثيرة لتتعلمها، فالعلم ينمو ولا يموت أو يقل، لذلك ليكن أسلوب الشخص في العلم هو تجنب الغرور في العلم لأنه فوق كل ذي علم عليم، وأنه يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، فليطلع الإنسان ما استطاع على كل ممكن الاطلاع عليه، فما لم ينفعه في حاضره قد ينفعه في مستقبله، فكل التراكمات الإيجابية منها والسلبية تبني الشخصية الإنسانية وتؤثر فيها وتكون لدى صاحبها بذلك أسلوبا متميزا، فالأسلوب كما قال الفيلسوف سينيكا هو لباس الفكر.الأسلوب سلوك وتعامل:إن الأسلوب هو الذي يترجم حقيقة الإنسان ويكشف عن ذاتيته وأسراره ومكنوناته وسلوكه، ويتحدث عنه في حضوره وغيابه، فالسلوك الخلوق، الجميل الطيب، كأسلوب لصاحبه هو مفتاحه لقلوب وعقول الناس، والتعامل هو أساس الدين فإنما الدين معاملة.وحسن التعامل ينبغي أن يكون مع الجميع دون تمييز بين الوزير والغفير أو الغني والفقير، فكما قال الملاكم المعروف محمد علي كلاي” لا أثق في شخص لطيف معي وقح مع النادل، لأنه كان سيعاملني نفس المعاملة لو كنت مكانه”، فالمعاملة الطيبة كما يقول فيكتور هيغو هي جواز مرور إلى قلوب الآخرين، ففن التعامل مع الناس كما يقول تيودور روزفلت هو اهم عنصر في معادله النجاح.والتواضع أسلوب معاملة” فمن تواضع لله رفعه” كما قال رسول الله الكريم، ولطالما ذكرنا معلمونا منذ طفولتنا بأن “ملء سنابل تنحني تواضعا والفارغات رؤوسهن شوامخ” فلا يتواضع إلا كبير ولا يتكبر إلا حقير وناقص.والقيادة والمسؤولية أسلوب معاملة، فالجرأة والعمل والإبداع والإشراف والتسيير والتخطيط هو أسلوب تعامل في اتخاذ المبادرة الحسنة كقيادي مسؤول في أي موقع من مواقع القيادة سواء كرب الأسرة أو العمل وغيره، فلا بد من القدرة على تحدي عراقيل الحياة واتخاذ القرارات والسيطرة على المشكلات بشجاعة القيادي، فكما قال القائد الفرنسي نابليون بونابارت ” جيش من الأرانب يقوده أسد، أفضل من جيش أسود يقوده أرنب”.واحترام الناس أسلوب قد يجعل العدو منهم حبيبا والغريب قريبا، فقد قال سبحانه وتعالى في الآية 34 من سورة فصلت {و لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}، فمجرد تبسمك في وجه أخيك صدقة كما قال الرسول الكريم، وشق الطريق بابتسامة خير من شقها بالسيف كما يقول شكسبير” فتقديرك للناس وارتقائك بأسلوبك من دون قدح أو جرح أو إساءة، لكفيل بأن يزرع حبك في قلوبهم، أما الإهانة فلا تموت لأنه يلثم ما جرح السنان ولا يلثم ما جرح اللسان.فمتى كان أسلوب التعامل حميدا ترك أثرا طيبا، فالأثر الطيب هو ثمار العيش وإرث الحياة التي وإن لم يتمتع بها صاحبها في حياته، فحتما سيجني ثمارها غيره، لذلك قيل في حكمة عميقة “غرسوا فأكلنا… ونغرس فيأكلون” فهو كالمتعطر بقى عطره في ثيابه رغم خلعها، وفي مجلسه رغم مغادرته.فأسلوب تعاملك هو الذي قد يجمع الناس حولك حبا أو قد يبعدهم عنك كرها، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بجنازة فقال” مستريح ومستراح منه” فقالوا يا رسول الله: ما المستريح والمستراح منه؟ قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها الى رحمة الله والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب”، فليختر الإنسان بأسلوبه وتعامله ماذا يريد أن يكون مستريحا أو مستراحا منه”.فالأولى أن يرسم الانسان بأسلوبه حياة راحة له بين الخلق بأخلاق كريمة، وأجملها أخلاق القرآن، فقد كان محمد رسول الله خلقه القرآن، حتى قالت فيه السيدة عائشة أم المؤمنين لقد كان قرآنا يتمشى، فالمحسن حي حتى وإن نقل إلى منازل الأموات، ومن الأفضل للإنسان أن يكون ” غيثا إذا أقبل استبشر به الناس وإن رحل ظل أثره فيهم”.“فليست العبرة أن تضيف سنوات إلى حياتك لكن العبرة أن تضيف حياة إلى سنواتك”.فاختر أسلوب تعاملك مع الناس واحذر أن يكون بالمثل متى كان سلبا، لأن ذلك لن يزيد الأمر سوى تعقيدا، فكما قيل فرجال الإطفاء لا يطفئون النار بالنار، وإلا ازدادت نارا التهمت اليابس والأخضر ولربما احترق بها كل شيء حتى صاحبها.فتعاملك ينبغي أن يكون وليد تربيتك وأخلاقك لا وليد تصرفات غيرك ولربما بحلمك غيرت في الناس بأسلوبك ما لم تغيره فيهم السنون، فقد سئل حكيم لماذا تحسن لمن أساء إليك؟ وتصل من يقاطعك؟ فقال لأني بالإحسان أجعل حياتهم أفضل ويومي اجمل ومبادئي أقوى وروحي أنقى ونفسي أصفى وأترك أثرا طيبا لمن بعدي” .والأسلوب هو حب الخير للجميع لا العمل بفكرة” أنا ومن بعدي الطوفان”، فلا ” يكون المؤمن مؤمنا حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه” كما قال الرسول الكريم، فإن كانت نملة أعطت القدوة والعبرة والمثال في حب الخير للغير قبل نفسها فكيف بالإنسان ذي عقل وفكر وقلب فقد قال سبحانه وتعالى في الآية 18 من سوره النمل{ حتى إذا اتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} ، فقد آثرت النملة على نفسها وقدمت التحذير لغيرها لاتقاء الخطر والتحطيم فسعت الى حماية عشيرتها قبل حماية نفسها.والتواضع أسلوب كذلك فمن تواضع لله رفعه، والتواضع سلوك محمود والغرور سلوك مذموم، فالمغرور كالطائر كلما ارتفع في السماء كلما صغر في أعين الناس، وقد أشار الله في آية بليغة إلى ضعف المغرور عندما خاطبه في الآية 30 من سورة الاسراء {لا تمشي في الارض مرحا إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا} لذلك رحم الله من عرف قدره وجلس دونه.والأسلوب أمل وإرادة وعزيمة تنبع من داخل صاحبها لتدفعه إلى العطاء مواجها كل الأزمات التي لن تكون له إلا ركيزة وسندا، فكما قال مرسيه الفرنسي أن” الإنسان لن يكون عظيما إلا بألم عظيم”، ” فحتى عاهاتنا ينبغي أن تساعدنا على النجاح” كما قال بتهوفن.والأسلوب إتقان، فالممارسة فن وجودة، وبالجهد والاجتهاد والنضج الفكري المستوعب للمهارات والقدرات والمكاسب، يستطيع الإنسان إنتاج أسلوب حضاري متقن” فرحم الله من عمل عملا فأتقنه” كما قال رسول الله الكريم، فبذلك ينتقل صاحبه من ذي الأسلوب المستهلك إلى الأسلوب المتميز المنتج، يتحول من شخصية مستهلكة لما يقدمه الآخرين فقط إلى اخرى متميزة، منتجة قادرة على النقاش والنقد البناء.والأسلوب فن إصغاء وإنصات وليس فقط فن كلام وكتابة، فهو فن نقاش وعدم تعصب للرأي، فقد قال في ذلك الإمام الشافعي رحمه الله “ما جادلت أحدا إلا تمنيت، أن يظهر الله الحق على لسانه دوني”.إذن فمسك الختام هو أن الأسلوب هو الرجل، في قوله وكلمته وسلوكه.ذ/ سعيد بوطويل / دكتور في القانون

  • ...
    هل يمكن اعتبار ما بعد كورونا نهاية الأحزاب المغربية؟

      عهد كرونا بالمغرب، دفع بالعديد من المهتمين بالشأن السياسي الى تتبع الكيفيات  والممارسات والمواقف والتناولات التي صدرت عن معظم الأحزاب السياسية المغربية، حول تعاملها مع جائحة كوفيد19 ، والخدمات والمهام التي ساهمت بها لتوعية المواطنين والمواطنات، وتحسيسهم بأهمية الانخراط الفعلي والفعال، في مواجهة أخطار وعواقب هذه الجائحة. بكل تأكيد، وبإجماع أغلب المهتمين بالشأنين السياسي والتنموي يعتبرون أن هذه الأحزاب  لم تستطع أن تقدم الخدمات الضرورية للمساهمة في تطويق انتشار هذه الجائحة، والتخفيف من حدة تناميها وتطورها وخطورتها وانعكاساتها السلبية على مجتمعنا واقتصادنا وتنميتنا الشاملة، إذ أنها لم تشارك بشكل فعلي وفعال، في مختلف المحطات التي شهدتها مجريات وأطوار هذه الجائحة، ولم تتمكن من تسخير مواردها البشرية والمادية والمالية لمساعدة ودعم الفئات الهشة من المجتمع التي تضررت من تداعيات هذا الوباء، ولم ترق أيضا، الى مستوى المساهمة في تأطير المواطنين والمواطنات، وتوجيههم وتوعيتهم بالشكل الذي يجعلهم قادرين على الالتزام بالتوجيهات الرسمية، والقواعد والإجراءات الضرورية، للوقاية أو الحد من انتشار هذه الكارثة الوبائية، ولم ينخرط جلها كذلك، وبكيفية جدية، في تقديم اقتراحات للحلول والبدائل والسيناريوهات التي يمكن اللجوء اليها للخروج من هذه الانتكاسة الاقتصادية والاجتماعية التي ألمت ببلادنا، وألحقت بجل قطاعاتنا ومجالاتنا الحيوية العمومية والخصوصية، أضرارا جسيمة. فإلى ما يمكن ارجاع ذلك؟ وهل يمكن اعتبار هذا الموقف السلبي راجع بالأساس، إلى كون الانتخابات الجماعية والتشريعية قد اقترب موعدها، وبالتالي ، فإن أي تحرك لهذه الأحزاب في هذه الاونة، قد يفسر بأنه حملات انتخابية سابقة لأوانها، أم أن معظم هذه الأحزاب اعتادت تجميد أنشطتها وأعمالها، طيلة المدة التي تفصل بين الاستحقاقات الانتخابية السابقة واللاحقة،أم أنها لا تريد أن تستنزف مواردها البشرية والمادية وامكانياتها المتنوعة، في مثل هذه الكوارث الوبائية، لتجعل كل قواها وطاقاتها ووسائلها رهن اشارة انتخابات 2021 المقبلة؟   إن المتأمل في القوانين الأساسية والبرامج والمشاريع والخطط المرتبطة بأحزابنا السياسية يدرك على أن جل هذه الأحزاب تعلن التزامها بممارسة وانجاز المهام والوظائف التالية:    •تعبئة وتوعية وتأطير المواطنين والمواطنات من مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية، بكيفية مستمرة ودائمة، والدفع بهم إلى الانخراط في العمل السياسي والاجتماعي والثقافي النقي، والبعيد عن المصالح الانتهازية الشخصية؛    • توجيه المناضلين والمنتمين والمتعاطفين معها...والعمل على تكوينهم واطلاعهم وإخبارهم بكل الحقائق والمستجدات والمعلومات التي تعنيهم وتعني خط وتوجه هذه الاحزاب، والسعي إلى استقطاب واجتذاب عناصر بشرية أخرى؛    • مساعدة المناضلين والمنخرطين على القيام بالمهام والأدوار التي تناط بهم، وتحميلهم المسؤوليات والصلاحيات، والاهتمام بهم، والتعامل معهم بأساليب وقيم الديمقراطية والشفافية والوضوح والانصاف، وفسح المجال للكفاءات والمؤهلات التي تستحق الترقي واحتلال مواقع المسؤولية والقرار؛    • العمل على تطوير برامجها ومناهجها ومشاريعها وخططها بالشكل الذي يجعلها تساير المستجدات وتستجيب للرهانات وتواجه التحديات وتقاوم الاختلالات والانحرافات، وتتصدى للمشكلات والصعوبات، وتساهم في التحولات والتغييرات والتطورات الايجابية التي ينتظرها مجتمعنا؛    • انفتاحها الايجابي والتفاعلي على محيطها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بالكيفية التي يجعلها قادرة على المساهمة في ايجاد الحلول والبدائل للمعضلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية  الثقافية التي تعاني منها بلادنا؛    • سعيها الدائم لتحقيق التكامل والتلاحم والانسجام والترابط بين مختلف مكوناتها ومسؤوليها ومنخرطيها ومناضليها بالشكل الذي يمكنها من ارساء أسس ومبادئ الديمقراطية الداخلية، والحوار الهادئ والتشاور المثمر.   بعد عرضنا لأهم المهام والوظائف والأدوار التي من المفروض على أحزابنا  السياسية أن تقوم بممارستها باستمرا، وعلى مدار السنة، وكلما دعت الضرورة الى ذلك، نجد أنفسنا أمام سيل من الأسئلة التي ننتظر من المهتمين بالشأن الحزبي السياسي البحث عن ايجاد أجوبة عنها: لماذا لا تمارس أحزابنا هذه المهام والأدوار بكيفية مستمرة ودائمة ؟ ما الذي يمنعها من ذلك؟ أوليس من  واجبها المساهمة في تأطير وتوعية المواطنين والمواطنات ؟ وكيف أنها لم تنخرط بفعالية، في عملية التصدي لجائحة كورونا التي اجتاحت بلادنا كما اجتاحت باقي بلدان العالم؟ وماذا بقي لهذه الاحزاب أن تقوم به وتمارسه؟ وما الغاية من بقاء تواجدها؟ وهل أصبح دورها الأساس، يكمن الآن فقط، في استجماع قواها ومواردها وامكانياتها لخوض غمار الانتخابات  والفوز فيها بأية وسيلة، حتى وإن تطلب الأمر منها ، اللجوء الى استخدام طرق التوائية وتضليلية وتغليطية؟ ألا يمكن اعتبار وجودها الحالي، بما هي عليه، وبما تمارسه، بمثابة إعلان صريح بموتها ونهايتها، ودعوة واضحة للبحث عن بدائل تعوضها، وتستوعب المرحلة، وتستجيب لمطالب وانتظارات الشعب المغربي بكل طبقاته وشرائحه الاجتماعية؟   هكذا، حاولنا رسم صورة واضحة للموقف السلبي الذي اتخذته معظم الأحزاب السياسية بالمغرب تجاه مختلف مجريات وأطواركارثة كوفيد19 التي  فاجأت مجتمعنا وهاجمته، ملحقة به أضرارا جسيمة بشرية ومادية ومالية.هدفنا من ذلك، أن نثير الانتباه الى  أن أحزابنا السياسية انتهت صلاحيتها، وانتهى مفعولها. فهل من بديل  بعد انتهاء جائحة كورونا؟د.عبداللطيف الجابريأستاذ مكون بالمركز الإقليمي لمهن التربية والتكوين بالجديدة

  • ...
    استقلالية الجامعة العمومية حبر على ورق (عبد الحق غريب)

    منذ تعيين السيد سعيد أمزازي على رأس وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، تعرضت الهياكل الجامعية القانونية (مجالس الجامعات ومجالس المؤسسات)  لتهميش ممنهج على حساب ما يسمى بندوة رؤساء الجامعات وشبكة العمداء غير القانونيتين، وتعرض القانون 00-01 المنظم للتعليم العالي إلى خرق سافر ومقصود  وغير مسبوق، سواء من قبل الوزير نفسه أو من طرف رؤساء الجامعات، أمام صمت مريب للمكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي. لا يسمح المجال هنا للتفصيل  في هذا التهميش الممنهج للهياكل الجامعية والخروقات السافرة والمقصودة لمقتضيات القانون 00-01، يكفي أن أُذِكّر هنا، على سبيل المثال لا الحصر، بعض الإجراءات والقرارات التي تمّ اتخاذها بشكل أحادي/انفرادي (مذكرات أو بلاغات) من طرف الوزير ورؤساء الجامعات، خارج الهياكل الجامعية المخول لها قانونيا ذلك:- المذكرة التي يرسل السيد وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي في نهاية كل سنة جامعية إلى رؤساء الجامعات يحدد من خلالها مراحل الموسم الجامعي المقبل، وتواريخ تسجيل الطلبة الجدد وإعادة تسجيل الطلبة القدامى وكذا تواريخ إجراء مباريات الإجازات والماستر والدكتوراه، بالإضافة إلى موعد إنطلاق الدراسة بشكل فعلي، وكذا إجراء الامتحانات العادية والاستدراكية للدورة الخريفية والربيعية؛- سلسلة من البلاغات/القرارت المتعلقة بالتعليم الجامعي في سياق جائحة كورونا (توقيف الدراسة من شهر مارس إلى شهر شتنبر، التدريس عن بعد، ارجاء الامتحانات إلى شهر شتنبر، إلخ...)؛- بلاغ رؤساء الجامعات الأخير حول امتحانات الدورة الربيعية ومناقشة البحوث وأنشطة البحث العلمي برسم سنة 2019-2020...  جدير بالذكر أن المادة 5 من القانون 00-01 المنظم للتعليم العالي تنص على أن الجامعات تتمتع في إطار مزاولة المهام المسندة إليها بالاستقلال البيداغوجي والعلمي والثقافي.. والمادة 11 من نفس القانون تنص على أن مجلس الجامعة يتمتع بجميع السلطات والصلاحيات اللازمة لإدارة الجامعة، والمادة 22 تنص على أن مجلس المؤسسة يتداول في جميع المسائل المتعلقة بمهام المؤسسة وحسن سيرها، ويتخذ جميع الإجراءات الرامية إلى تحسين سير المؤسسة.ويدل صريح منطوق فقرات مواد القانون 00-01 المشار إليها أعلاه، على أن الجامعات المغربية تتميز بالاستقلال البيداغوجي والتدبيري الكامل، مما يعطي للأساتذة الجامعيين وحدهم فقط صلاحية وضع البرامج والمضامين البيداغوجية والحق في اتخاذ كل القرارات المتعلقة بالدخول الجامعي ومراحل الموسم الدراسي وبرنامج الامتحانات وكيفية تدبيرها وتنظيمها وما إلى ذلك.فِي نفس السياق، يمكن القول أن المكاتب الجهوية والمحلية للنقابة الوطنية للتعليم العالي في العديد من المواقع الجامعية تحملت مسؤوليتها، وعبرت عن استيائها  ورفضها لكل تطاول على صلاحيات واختصاصات الهياكل الجامعية وتشبثها باحترام مقتضيات القانون 00-01 المنظم للتعليم العالي، أما المكتب الوطني فإنه ملزم بتحمل مسؤوليته كاملة في الدفاع عن استقلالية الجامعة، والتصدي لمؤامرة تهميش هياكلها القانونية (مجالس الجامعات ومجالس المؤسسات) على حساب ما يسمى بندوة رؤساء الجامعات وشبكة العمداء غير القانونيتين، والتعبير عن موقفه مما يحاك نهاراً جهاراً ضد استقلالية الجامعة العمومية، قولاً وفعلاً.

  • ...
    صاحب محل تجاري بساحة الحنصالي يطالب عامل الجديدة برفع الضرر في زمن كورونا

    طالب محمد الصواف صاحب محل تجاري لبيع الألبسة الرياضية في ساحة الحنصالي بالجديدة بانصافه من أجل فتح محله التجاري مع احترام كامل الإجراءات الوقائية المعمول بها في اطار للبروطوكول الصحي بالمغرب..وجاء في الرسالة..وعلاقة بالموضوع المشار إليه أعلاه أحيطكم علماً سيدي أني مواطن جديدي مغربي غيور على وطني رياضي سابق وواحد من أبناء الجالية بالخارج ، أملك محلاً تجاريا بمركز المدينة على سبيل الاستثمار محلياً يحمل إسماً تجارياً مسجلاً كماركة تجارية عالمية للملابس الجاهزة "ماراطون" "Marathon " أعتمد في رواجي التجاري بصفة أساسية على الاستيراد ولدي إلتزامات مالية كبيرة مع الممونين بحكم حلول فصل الصيف ، بالإضافة إلى إلتزاماتنا العائلية الثقيلة التي تسير بنا نحو حافة الإفلاس أنا ومن يشتغلون معي ، كما أن  محلي تبلغ مساحته حوالي 70 متر مربعاً و بتهوية كافية لاستيعاب أكثر من أربعة أشخاص  بالشارع الرئيسي وسط المدينة وبمعزل عن جميع المحلات التجارية الاخرى بحكم تواجده وسط مقهيين أي في عزلة تامة عن التجمعات الكبرى التي تزيد من خطر نقل العدوى . الأمر الذي دفعني سيدي أن ألتمس من سيادتكم السماح لي بفتح محلي التجاري على غرار باقي المحلات الكبرى وأن تأخذو بعين الاعتبار مساحته وموقعه ، لأني فوجئت بالسيد قائد المقاطعة الثانية يمنعني لما فتحت المحل تزامناً مع فتح المحلات الكبرى خاصة المتواجدة بطريق البيضاء ، وألتزم لكم سيدي أنني سأكون مطبقاً و ملتزماً بجميع التدابير الوقائية والاحترازية المفروضة من طرف الجهات الصحية وباحترام تام للتباعد الاجتماعي اللازم لتفادي أي سبب من مسببات نقل العدوى .كما لا يخفى عليكم سيدي أني قمت بإغلاق محلي بمحض إرادتي تضامناً مع بلدي لنجنبه المخاطر الوبائية بأسبوع قبل فرض حالة الطوارئ الصحية التي إمتثلث للإجراءات المتخدة من خلالها بعد ذلك إلى حدود الآن .و أنهي طلبي لكم سيدي بكثير من الاحترام والثناء على مابذلتموه من جهود إعترف بها البعيد قبل القريب خلال هذا الظرف العصيب الذي يمر به بلدنا وراء ملكنا الهمام صاحب الجلالة أيده الله ونصره ، راجياً منكم أن يحظى طلبي بالقبول والتفاعل الإيجابي ، وشكراً لكم .

  • ...
    عبد الحق غريب : هذه حقيقة تعييني نائب مدير المدرسة العليا للتكنولوجيا بسيدي بنور

    بعد مرور ثمان سنوات على مصادقة مجلس جامعة شعيب الدكالي على خلق المدرسة العليا للتكنولوجيا بسيدي بنور (وأنا عضو بذات المجلس)، فتحَت هذه المؤسسة أبوابها داخل أسوار كلية الآداب بالجديدة، في انتظار بناء مقر لها بسيدي بنور. وقد تم تعيين رفيقي مديرا بالنيابة.انطلقت هذه المؤسسة من الصفر، مثلها في ذلك مثل باقي المؤسسات الجامعية المستحدثة في عهد الرئيس الراحل،  أي بدون مقر وبدون إمكانيات مادية وبشرية.. لهذا، يمكن القول أن مهمة المدير بالنيابة لن تكون سهلة البتّة، وأنه سيكون بحاجة ماسة إلى طاقم منسجم يساعده في تسيير المدرسة ويعوّل عليه لانطلاقة جيّدة، خاصة وأنها تعتبر اللبنة الأولى لبناء نواة جامعية بسيدي بنور، المدينة الصغيرة التي طالما طالب سكانها بفتح مؤسسات جامعية بمدينتهم، تعفيهم من تحمل مصاريف دراسة أبنائهم بمدينة الجديدة أو بمدن جامعية أخرى.وذات لقاء، أخبرني رفيقي بأن ضغط العمل بات يزداد يوما بعد يوم، وأنه أصبح في حاجة ماسة لمن يساعده، فاقترح عليّ أن أكون نائبا له.. وجدت نفسي بين المطرقة والسندان، مطرقة مساعدة رفيق لإنجاح التجربة، وسندان قناعتي وموقفي من تحمل المسؤولية الإدارية.بعد أخذ وردّ، ومحاولات إقناعي دامت شهورا، ومشاورات بعض الرفاق، وافقت أخيرا على تحمل مسؤولية نائب مدير المدرسة العليا للتكنولوجيا، وذلك لاعتبارين اثنين:الاعتبار الأول، هو إلحاح رفيقي وحاجته للمساعدة؛الاعتبار الثاني، هو الانسجام مع ما كنت ولا زلت أطالب به، بخصوص التعويضات التي يحصل عليها المسؤولون بجامعة شعيب الدكالي، سيَما عندما كنت عضوا في مجلس الجامعة ومجلس التدبير أو عبر كتاباتي. لذلك قررت خلق جمعية لدعم الطلبة المحتاجين بجامعة شعيب الدكالي، أحوّل إلى حسابها كل التعويضات التي سأحصل عليها من وراء هذه المسؤولية.ومن أجل ذلك، طلبت من رفيقي بشعبة الرياضيات أن يتكلّف بهذه المهمة (كان على علم بكل تفاصيل الموضوع)، وأن يقوم بالإجراءات المطلوبة لخلق هذه الجمعية، في أفق توسيع رقعة المساهمين (من مسؤولين وأساتذة باحثين..) ورقعة المستفيدين (الطلبة الباحثين..)، خاصة وأنه استشهد لي بعدة تجارب مماثلة، ضمنها تجربة رائدة لجمعية بأكادير.بعد أن أعطيْتُ الموافقة لتقلّد مسؤولية نائب مدير المدرسة العليا للتكنولوجيا، وقبل أن أتسلم قرار التعيين، كتبت مقالا مقتضبا حول تدشين الملك لمشروع بناء دار المسنين فوق أرض مجاورة لرئاسة الجامعة كانت مخصصة لبناء مكتبة جامعية متعددة الوسائط. وقد أحدث هذا المقال ضجة وسط الرأي العام الدكالي والجامعي، حيث أصدر المكتب الجهوي للنقابة الوطنية للتعليم العالي بلاغا في الموضوع، وسال كثير من المداد، ليتم إلغاء الزيارة الملكية، بعد أن كانت أشغال تزيين شوارع مدينة الجديدة على قدم وساق، ليل نهار.وبعد توصلي بقرار التعيين، تقدمت برسالة شكر موجهة إلى رئيس الجامعة وإلى السيد مدير المدرسة العليا للتكنولوجيا على الثقة التي وضعاها في شخصي... ثم اعتذرت لهما عن قبول تحمل مسؤولية نائب المدير لأسباب موضوعية.ذ. عبد الحق غريبكلية العلوم بالجديدة

  • ...
    وزراء يتحولون إلى منشطين ومحللين إذاعيين.. في زمن كورونا!

    لم يسبق لتاريخ الإذاعة المغربية  أن أفرز لنا أو تابعنا في مساره الطويل تحول بعض الوزراء إلى محللين ومنشطين إذاعيين دائمين على برنامج إذاعي. لكن إذا كان يقال "عش رجبا،  ترى عجبا"،   فنحن نقول "مع كورونا، لا تُنكر أمرا إذا حدثوك عن وقوعه"؛ فمعها يمكن لكل عجيب أن يحدث. حقيقة هذا الكلام هو ما  تعرضه إذاعة وطنية، منذ عدة حلقات، في أحد برامجها التي تحظى بمتابعة كبيرة.  فقد كان لوزراء أن يكونوا ضيوفا على برنامج إذاعي أو تلفزي.. مرة مرة؛  ولكن، ليس بصفة دائمة ومستمرة. كما يحصل بالنسبة لوزيرين سابقين، وهما بالمناسبة يعملان  بيافطة حزبية؛  أحدهما عضو فاعل ونشيط في حزبه؛ والثاني  كان مناضلا من الصف الأول في الحزب العتيد، قبل أن يستقيل منه. فهذان المسؤولان الحكوميان الساميان، السابقان، أصبحا ضيفين مداومين على تنشيط  البرنامج الإذاعي بصفة مستمرة، وتقديم تحليلاتهم فيه. وهذا ما يجعلنا نطرح سؤالا مهما يؤرق بعض المتتبيعن لهذا البرنامج الإذاعي: هل مشاركة الوزيرين السابقين في هذا البرنامج، هي  مشاركة "نضالية"، لا يتقاضيان عنها أجرا، رغم أنهما يداومان على الحضور في هذا البرنامج.. ؟ فالمجانية يمكن أن نتكلم عنها، حينما يحضران كضيفي لحلقة أو حلقتين؛ أما وأنهما حاضران في العديد من الحلقات، ويحللان وينشطان البرنامج لعدة ساعات؛ فليس من العدل والإنصاف أن ينشطا برنامجا بصفة مجانية.. اللهم إلا إذا كانت لديهما مآرب أخرى، قد تكون، مثلا، ذات طبيعة انتخابية، تجعلهما يُقبلان ويَقبلان بالحضور كضيفين دائمين على هذا البرنامج المعروف، الذي ينقل مباشرة على الأثير، ويناقش قضايا متنوعة، تخص المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.فما السر إذن، الذي يجعل الوزرين السابقين يقبلان على إتيان ما لم يأته وزراء سابقون من أمثالهما، ومن زملائهما؟ فهل هي الرغبة أو الحاجة لكسب مزيد من المال، أم لتجزية وقتهم، أم لاستراتيجيات انتخابية.. هم أعلم وأدرى بها، أم فقط لتغذية رغبة في الحضور في المشهد الإعلامي المغربي..؟ جزء من الجواب عن هذا السؤال، سنجده عند المعنيين بالأمر، وجزء آخر سنجده عند مسؤولي الإذاعة التي تنشط البرنامج.

  • ...
    معاناة المحامين مع محنة كورونا والنيران الصديقة

    مهنة المحاماة هي مهنة حرة، يجب أن يمارسها المحامي في مكتب في غالب الحالات يكون مُكترى بمبلغ كبير، ويجب عليه أن يُشغل معه على الأقل كاتبة أو كاتب يؤدي لها أو له مبلغ شهري يختلف باختلاف عمل  كل محامي ، وعدد كبير من المحامين مع تعزيز قطاعهم  مؤخرا بمجموعة من الشباب الواعدين أصبح لديهم محامي متمرن على الأقل يشتغل معهم ، يُصبح من اللازم عليه أن يسلمه كل شهر تعويضا شهريا عن تمرينه وعمله  بالمكتب والجلسات والمحاكم ، المحامي كذلك  لديه مصاريف أخرى كأداء فواتير هاتف المكتب والماء والكهرباء  والأنترنت وعاملة النظافة  وأداء مجموعة من الضرائب السنوية المتنوعة ، ويجب عليه بالإضافة لكل هذا  أن يؤدي مبلغا شهريا عن واجبات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لفائدة كل من يشتغل معه ، وبالإضافة إلى مصاريف المكتب لديه مصاريف منزلية مكلفة كذلك  ، ومثل هؤلاء المحامين والمحاميات  ومنهم العدد الأكبر يجب أن تكون بين أيديهم كل شهر على الأقل ستة آلاف درهم تكفيهم فقط لأداء مصاريف المكتب  دون  أن نتكلم عن مصاريف عيشهم التي يجب أن تكون مراعية لمستوى وضعهم كأفراد فاعلين في الطبقة المتوسطة يحظون بتقدير واحترام  وطمع إكراميات متواصلة من قبل طبقات فقيرة يجاورون مكاتبهم ، كحراس السيارات والعمارات وبعض الفقراء الذين يحسبون أن كل محامي هو غني بطبيعة عمله لذلك فهم يقصدونه في كل مرة وكل عيد من أجل أن يتكرم عليهم ببعض المساعدات  المالية، وبالمقابل هناك مكاتب كبيرة  تُدار كل شهر بمبالغ تتراوح بين المليونين وعشرات الملايين بسب كثرة الكتاب المشتغلين بها والمحامين الرسميين والمتمرنين الذي يعملون بها  وارتفاع تكاليف تسييرها.الآن نحن ندخل في الشهر الثالث من العطالة التي فُرضت علينا بفعل تعليق كل الجلسات ماعدا جلسات المعتقلين التي مازالت مفتوحة واعتمدت فيها  تقنية المحاكمة عن بعد وبعض القضايا القليلة المستعجلة جدا ، وعُلقت كذلك  كل إجراءات المحاكم ، وتوقف دخل كل المحامين اليومي أو الأسبوعي أو الشهري  ، وبدء كل واحد منهم يرجع إلى محفظته المالية التي قد يكون ادخر فيها بعض الأموال ، لكي يصرف على نفسه وأسرته والعاملين معه ويؤدي ديونه وواجباته الشهرية التي أضحت  تُثقل كاهله كل شهر ،  يرجعون إلى الأموال التي قد يكونوا احتفظوا بها في أيام الرخاء لكي يستمروا في العيش بنفس المستوى الذي كانوا يعيشون به أو بمستوى يقترب منه  ، ولكن ما يؤسف هو أنني  سمعت أن بعض الزملاء وبسبب  حدة الأزمة يحاولون بيع بعض عقاراتهم  أو سياراتهم في وقت لا بيع فيه ولا شراء لكي يستمروا في الاستجابة  لمصاريفهم المتنوعة والكبيرة الشهرية  ، ولكي لا يردوا بعض الأيدي التي  تلجأ إليهم في أوقات الشدة هذه وتطلب المساعدة منهم  ،  وهم يعرفون أنهم لجؤوا  لأصحاب مهنة أغلب المنتسبين إليها أهل كرم وجود  ، ويجب أن لا ننسى أن هناك طائفة كبيرة من المحامين ممن ترهقهم شهريا قروض بنكية  لمنازل وسيارات وتجهيزات منزلية ،  تستنزف منهم كل شهر مبالغ كبيرة ، كانت تظهر صغيرة في أيام عملهم ورخائهم مما شجعهم على الدخول في قروض متنوعة أصبحت  الآن مع أزمة كورونا تكبر ومشاكلها تتوسع ، وقد بلغني من بعضهم أن منهم من توقف عن أداء ديونه لأنه لا يمكن أن يؤدي قروضه بمداخيل تساوي الصفر ومنهم من بات قريبا من التوقف عن دفع قروضه الشهرية .  منذ إعلان الحجر الصحي أقفل كل  المحاميات والمحامين مكاتبهم وقصدوا بيوتهم   في احترام تام لإجراءات الحجر الصحي الذي  أعلنت عليها الحكومة  بكل حيوية ونشاط وهم يعتقدون أن الأمر سينتهي  بعد أسبوعين أو ثلاثة أو حتى شهر على أبعد تقدير ، ولكن ها نحن ندخل على الشهر الثالث ، وتزداد مشاكل الكثير من  المحاميات والمحامين المادية  ، وأغلبهم كانوا يعيشون على مداخيلهم اليومية، ولم يكونوا يوفرون أو يحلموا بمثل الكابوس الذي يعيشونه  ولكن تغيرت الصورة وهاهم يشهدون بألسنتهم وتقفز أيديهم وأرجلهم لتحكي جزءا من المعاناة والمأساة التي باتوا يرزحون تحتها ،  و يحُدثوا بما عاناه ويعانوه زملائهم وما سمعوا ، كل هذا يجري ووقت الانتظار يطول ولا يظهر من فُتحته ولو بصيص أمل،  وجمهور المحامين بالمغرب في عطالة لا يظهر أنها ستنتهي قريبا أو بعد حين  ، ونحن مازلنا نجد أن أغلب المحامين والسادة النقباء الساهرين على أمورهم  لا يرفعون صوتهم ليصل إلى المسؤولين عن قطاع العدالة في المغرب ، حتى يتم إيجاد آليات جديدة ومستجدة  وفاعلة لكي يخرجوا  أو يخرجوا أبنائهم من عطالة كورونا التي بات مقامها بيننا يُقلقنا ورياحها أصبحت تحمل بين هوائها ذرر الفقر والخصاص الذي أصاب وسيصيب كل محامي المغرب، عطالة المحاميات والمحامين هذه التي دخلت  شهرها الثالث يجب أن تدفع  السادة النقباء وأعضاء المجالس  المحترمين وجمعية هيئات المحامين بالمغرب  إلى أن يفتحوا باب النقاش بدون حياء وبكل صراحة وفي تحمل كامل لمسؤولياتهم  مع المسؤولين الوطنيين المكلفين بقطاع العدالة بالمغرب حوار مستمر لا يتنهي إلا ليبدأ من جديد  لإيجاد صيغ جديدة وسريعة لإعادة نبض الحياة إلى قلب القضاء المغربي والمحاكم المغربية ، فالانتظار والاستمرار في الانتظار كما يقال  هو سلاح العاجزين الذين ينتظرون فرجا وانحسارا للوباء ليست هناك أية مؤشرات  إيجابية ولو تقريبية لذهابه ، بل حتى التنبؤات المتفائلة جدا تجرنا إلى ما بعد الصيف، وهي مجرد تخمينات غير مبنية على معطيات علمية دقيقة ، في قطاعنا الذي نعمل فيه مع فعاليات أخرى نعرف جيدا أننا القطاع الذي وصل سكين الألم  والحاجة  فيه إلى العظم   بفعل العطلة الجبرية للمحاكم ، فإذا كان  كل العاملين في قطاع العدالة المغربية من السادة القضاة والسادة الموظفين لهم أجرة شهرية  يتقاضونها كل شهر و إن تضرروا معنويا فلا يمكن أن يتضرروا ماديا من توقف  وشلل جهاز القضاء كما تضررت المحاميات والمحامين ، وإن كانت قلوبهم معنا ومع معاناتنا لأنهم أقرب من يعرف ما نعانيه كل يوم في سبيل الحصول على أتعاب هذه المهنة ، لنخلص  إلى أن الخاسر الأكبر من خلال الوضع الحالي  واستمراره دون تفكير في حل يُنهي المصيبة التي نزلت عليهم  هم رجال الدفاع  ، ورغم كل ما نعانيه حاليا ومازلنا نتجرع مرارته يوما بيوم ، ينفلت  استغرابي بشكل أكبر لا أفهمه ولا أستطيع أن أعرف له سببا  ، حين تخرج علينا  الدولة  في هذه الأوقات الصعبة التي نمر بها لكي تُقرر البدأ بالعمل  بالمحاكمات عن بعد في قضايا المتهمين المعتقلين ، وهو إجراء سمح على الأقل لبعض المحامين على قلتهم  بالتوجه للمحاكم والعمل وتقاضي أتعاب عن دفاعهم ، ومع كل هذه الهدايا التي نحتاج للكثير منها في مثل هذه الأوقات لننقذ جسم المحاماة من الغرق  نجد  بعض الأساتذة المحترمين من قبيلتنا يشحذون الهمم ويستدعون كل مبادىء المحاكمات الشرعية والعادلة  لمناهضة  هذا الإجراء  ومعارضته دون أن يقدموا بديلا يُنهي عطالتهم وعطالة زملائهم ، ويعتبرون تلك المحاكمات  مخالفة  للقانون ولشرعية المحاكمة ويطلبون تأخير كل الملفات إلى ما بعد رفع الحجر ، وهم غير عالمين بوقت رفع الحجز الذي يُمكن أن يستمر لأشهر أخرى أو سنوات لا قدر الله  ، قد تجعل بعض المتهمين ممن كانوا سيحاكمون عن بعد وينالون البراءة أو حكما مخفف  بشهرا أو شهرين يقبعون في السجن حتى  يتكرم علينا سيادة الفيروس بعد عدة أشهر  أو عدة سنوات لا قدر الله ، لنحاكمهم ونحكم ببراءتهم أو ببضعة أشهر بعد أن قضوا في السجن مددا طويلة ، والسند  في كل ذلك هو أن لا نتكيف مع الظروف التي نعيشها ونعمل على الاجتهاد لحل مشاكلها التي تجري تجت أرجلنا وأصبح زجاجها يُدمي أقدامنا ، ونعيش على ذكرى قوانين ومبادئ ربما تجاوزها واقع الحال وخطورة النتائج التي قد تترتب عن الاستمرار في احترامها والعمل بها ، و انتابتني كذلك  ألوان غامقة  من  مشاعر الذهول وأنا أرى محامين آخرين بعد أن راسلت  وزارة العدل السادة النقباء بمذكرة مُرفقة بمشروعين  تطلب فيها منهم أن يُدلوا بدلوهم في التعديلات المرتقب إدخالها على قانون المسطرة المدنية والجنائية والرامية إلى عصرنه العدالة المغربية واعتماد التقنية الحديثة بين أروقة مؤسساتها ، يشحذون أسلحتهم البلاغية والقانونية  المعارضة المملحة بشروط المحاكمة العادلة  وضرورة التريث في تمرير مثل هذه المشاريع في مثل هذه الأوقات  رغم أن الإسراع باعتماد هذه التقنية يمكن أن يُرجع فئة عريضة من المحامين إلى العمل  مع احترام لقواعد الحجر الصحي  ودون تفريط وتوقيف كلي لعملهم وأعمالهم وإقفال مكاتبهم  إلى أجل غير مسمى  ، الآن ومع كل أسبوع يمر هناك عشرات ومئات المحاميات والمحامين  يعانون في صمت كبير وخطير من تعطيل نظام الجلسات والإجراءات في المحاكم ، والسادة النقباء المحترمين  مدعوون أكثر من أي وقت مضى على المسارعة  للعمل دون انتظار  لتشكيل خلايا أزمة داخل كل نقابة ووضع توصيات ترفع للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة ووزارة العدل يكون كل لُبها محاولة إيجاد الحلول السريعة للخروج من حالة الشلل التي تعيشها المحاكم  ،  ووضع سيناريوهات تُطرح للنقاش للخروج من الأزمة بشكل تدريجي في شكل اقتراحات لتدبير عقلاني ومنطقي وواقعي للأزمة المادية التي ستصيب كل المحامين إذا استمر الوضع لا قدر الله لأشهر أخرى، ويجب أن يجتهدوا لإيجاد حلول أنية وعاجلة لكي تفتح أبواب  المحاكم ومكاتبها في وجههم  وتعقد جلساتها  بالشكل الذي يُمكن أن يختاروا طريقته و يكون متماشيا مع الخطوط العريضة للحجر الصحي والتباعد المهني والاجتماعي  ، و يمكن لهم أن يعتمدوا في سبيل ذلك على  التقنيات الحديثة في العمل حتى يتم الرجوع إلى العمل في ظروف تمنع من تفشي الوباء وتحترم إجراءات الحجر الصحي المعلن عنها من قبل الحكومة  ( كالأداء عن المقالات  عن بعد ، إرسال مذكرات المحامين  بواسطة البريد، محاكمة المتهمين في حالة سراح عن بعد مع إدراج ملفات  محددة  في الجلسات لا يكون عددها  كبيرا،  تبليغ المقالات والمذكرات للمحامين عن طريق هيئات المحامين أو بالهاتف أو الايميل  ، تجهيز الأحكام  والنسخ التنفيذية ، تكليف محاميين فقط في كل جلسة بالحضور في كل جلسة يعملون على الحضور في كل الملفات المدرجة بالجلسة عن المحامين وتقوم هيئة المحامين بتنظيم ذلك مع رئاسة المحاكم  والنيابات العامة، منع دخول المتقاضين إلى المحاكم ماعدا الشهود وأطراف القضايا  مع إنشاء كل محكمة لصفحات لها على مواقع التوصل الاجتماعي تنقل فيها الجلسات لمن يريد متابعتها لضمان علنية الجلسات ومقترحات أخرى يمكنها  أن ترجع المحاكم إلى سابق عهدها ولو بنسبة ضئيلة من حيث جهوزيتها، عودة المحاكم إلى العمل بمسطرة القاضي المقرر ، وتجهيز الملفات عن طريق التبادل الإلكتروني، هذه فقط مقترحات بسيطة لم أتوسع فيها لأن المقال ليس موضوعه هو وضع المقترحات ولكن موضوعه هو تسليط الضوء على المصيبة التي نزلت على قطاع المحاماة ويجب علينا جميع في شراكة مع السلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة وزارة العدل أن نجد لها حلولا آنية) وكل هذه المقترحات الهدف  الرئيسي الذي تسعى إليه هو إنهاء عطالة آلاف المحامين وإبعادهم عن الوصول إلى درجة مد اليد للآخرين في سبيل ضمان لقمة عيش كريمة حرمتهم منها  توقيف الجلسات وإقفال أبواب المحاكم واعتماد وسائل التقاضي التقليدية ، ولكن ونحن ندعوا إلى ضرورة التفكير بجدية في عصرنه العدالة المغربية في الوقت الحالي لكي نُخرج جموع المحامين من عطالتهم التي فرضت عليهم ، قد يخرج علينا بعض أصحاب نظرية، لا يا زميلي  اتركنا ننتظر حتى يفرجها الله علينا ونحن أصحاب مبادئ ورجال يدافعون عن القانون والحقوق  ولسنا طلاب كسرة خبز ، ليقولوا بأن هذه الأمور يجب أن تُنظم بقوانين وبإجراءات مضبوطة ودقيقة ولا يمكن أن نتسرع في الدخول في غياهب أروقتها ، وأنا متفق معهم ولكن ظروف ما نعيشه أو يعيشه العالم،  يُحتم علينا أن نكون واقعيين في تفكيرنا ونظرتنا للأمور لأن الرأي الواحد المخالف لآراء الأغلبية في عرف الديمقراطيات لا وزن له ولا يُلتفت له ويمكن أن يوضع في لوحة مرسومة بألوان طوباوية ومثالية ولكنه لا يمكنه أن يحل مشكل الكثيرين وينهي معاناتهم  ،  فإذا كان لدينا العزم المطلي بعملنا ورغبتنا الملحة  فيمكننا أن نشترك جميعا في أسابيع قليلة في اقتراح النصوص وتجويدها ووضع المقترحات المنقحة لها ، وبعدها يمكن أن تُحال هذه القوانين  على الحكومة التي تُصادق عليها و تُمررها إلى البرلمان الذي يصادق عليها بكل سرعة ، ويبدأ العمل  بتطبيقها بسرعة يمكنها أن تعطي انطلاقة البدأ لإنهاء عطالتنا  ، وإذا كانت هذه القوانين ستنهي بشكل تدريجي عطالة المحامين فمرحبا بها وألف مرحبا ، وإذا كان لدينا زملاء سيجدون صعوبة في التعامل مع هذه التقنيات ، فيجب أن نزرع نبتة التكافل والتعاون بيننا حين نطلب من  زملائهم الشباب كما درجوا وتعلموا في كنفهم  أعراف وتقاليد المهنة أن يكونوا  قريبين منهم يساعدونهم في تجاوز الصعوبات ويقدمون لهم يد المساعدة  كلما طلبوها وهو دين في رقبة شباب المهنة  وقادرون على الوفاء به ، و السير في طريق اعتماد التقنيات الحديثة في التعامل مع المحاكم يمكن أن تجعل المحاميات والمحامين  يشتغلون  مع المحاكم وهم بداخل مكاتبهم دون أن يتحركوا أو يُشغلوا مفاتيح سياراتهم باحثين عن أماكن يركنون فيها سياراتهم ، غالبا لا يجدونها أو يستمرون في البحث عنها وحين يجدونها بعد وقت ليس باليسير يدخلون قاعة الجلسة ليجدوا أن الملف الذي تعبوا منذ الصباح الباكر لكي يحضروا  جلسته قد مر دون أن يحضروا  به ودون أن يدلوا فيه بمذكراتهم التي كانت بين أيديهم  ، وفي حالات أخرى يمكن للزميلات والزملاء أن  يدخلوا إلى المحاكم ويحضروا في جلسة يمكن أن تستمر في أقل الأحوال لمدة ساعتين في انتظار ساعة  ملفه ليدلوا بمذكرة كانوا يمكن أن يوجهوها عبر البريد الإلكتروني وتوضع بالملف دون أن يحضروا وينتظروا ويتعذبوا في سبيل الإدلاء بها  ، وإذا كان تحديث العدالة المغربية في هذا الوقت   سيُنهي عطالة أكثر من عشرين ألف محامي ما بين رسمي ومتمرن وعشرات الآلاف من العاملين معهم  فنحن نرحب به ولو اتخذ بسرعة وعجلة لأن عجلته وسرعته وإن كانت مضرة لا يمكن أن تكون بالضرر الخطير والكبير الذي يحدق مع مرور الأيام بآلاف المحامين الشباب والمحامين القدماء الذين كانوا يعيشون على الكفاف ولم يدخروا لمثل أوقات الشدة هذه  ، وإذا كان حقن إكسير الحياة في شريان العدالة المغربية عبر استعمال وسائل التقنيات الحديثة  سيُحرك قطاع العدالة ويكَب في عروقها نعمة الحركة  الذي سيسري ويُنعش  قطاع من أهم القطاعات المغربية الذي هو مؤتمن وموجود لإرجاع  الحقوق إلى أصحابها وإيقاف الظالم عن حده  ، ووقف استمرار هتك حقوق المغاربة من قبل بعض المارقين على القانون والمستغلين لظروف الطوارئ  الصحية، ونظرا لعدم تمكن  أصحاب الحقوق المهضومة من  اللجوء إلى المحاكم  بسبب إغلاق مكاتبها، ولأن الجواب الذي يجدونه على لسان كل واحد يقصدونه هو: المحاكم  لا تعمل  الآن إلا للنظر الآن  في بعض القضايا المستعجلة جدا جدا، وقضايا المتهمين المعتقلين؛ انتظر رفع الحجز؛ واستمرار تعطيل العدالة إلى وقت لا نعرف له أجل، يمكن أن يكون مضرا بشكل كبير جدا؛ فنحن لا ندعو إلى خرق إجراءات الحجر الصحي التي دعت إليها الدولة المغربية، ونجحت فيها بشكل كبير، وجنبت المغرب كوارث في الإصابات والأرواح لا يُنكرها أحد؛ ولكن ندعو المحاميات والمحامين  إلى أن يبدؤوا في بذل جُهد أكبر من أجل  التفكير بصوت مرتفع، يسمعه الجميع  والتنظير  للوسائل الممكنة والعاجلة  التي يمكنها أن تخرجهم  من عطالتهم  التي ستكلفهم الكثير من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والأسرية، و التفكير دون انتظار  في أساليب تجديدية ومحفزة لكي يُساهموا في إخراج العدالة من نومها  الغير الطبيعي  الذي فُرض عليها ، ويبدؤون في التحرك من جديد من أجل تحريك قطاع كبير من المحامين والعاملين معهم ، ممن يرتبط عيشهم ويحيى بحياة قطاع العدالة ويتوقف دخلهم بتوقف العدالة. فالكرة الآن عند السادة النقباء لكي يُدحرجوا كرة الثلج التي بردت بسببها كل جيوب المحامين  ويبدؤوا على الأقل في الكلام عن ضرورة إيجاد حلول آنية لكي تعود الحياة للعدالة المغربية في احترام لإجراءات الحجر الصحي ، أما الاستمرار في السكوت وانتظار فرج غير مؤكد تاريخ حلوله فهو أمر يجب أن نتفاداه وأن نعمل على محاولة نسيانه  ، فالمحامون الذين يجدون الحلول القانونية  لكل مصائب ومشاكل موكليهم ويتميزون في الدفاع عن حقوق الموكلين بذكاء وتميز يجب أن لا ينسوا أنفسهم وينتظرون من سيدافع عن سرعة عودتهم للعمل أو يفكر لصالحهم  في طرق مُستجدة لممارسة عملهم ، ويجب على من يعارضون كل جديد يتم اقتراحه لتحديث عمل المحامين وتيسيره أن يضيعوا جهدهم المحترم والكبير  في البحث لزملائهم عن مخرج جديد لأزمتهم  المادية والمالية التي يعيشونها بسبب توقف العمل بالمحاكم  لأنه إن كان منهم من يَقدر على أن يصبر لعدة أشهر أو سنوات وهو ينتظر جلاء مصيبة كورونا عنا وله العدة المادية لكي يقاوم  ويستمر في إغلاق باب مكتبه وإغلاق المحاكم ، والتي تجعله يُفكر ويُنظر  لضرورة التريث في تغيير القوانين وعصرنة العدالة المغربية واعتماد التقنيات الحديثة ويُعارض المحاكمة عن بعد ويَطلب وقف محاكمة المتهمين حتى يتم رفع الحجر الصحي ،  فيجب أن لا ينسى أن الآلاف من زملاءه فرغت جيوبهم وقل معينهم وباتوا أقرب إلى مد اليد للأخرين  وهم لا يفكرون من برج عالي كما يفكرون  ويدعون فيها  الجميع إلى  الانتظار ولا شيء غير الانتظار دون أن يقدموا حلولا واقعية تخرج الغالبية العظمى من زملائهم من فقر العطالة التي أصبحت تُهددهم، يجب عليهم أيضا أن  لا يعارضوا  ويفتحوا نيرانهم وشظايا طلقاتهم في وجه  كل من يفتح نافذة ولو صغيرة لعمل المحامي في ظل ظروف كورونا ويقفون في وجه مبادرات إن نفذنا إلى جوهرها سنجد أنها  أصلا تريد أن تُخرج الكثير منهم  من حالة البطالة التي فُرضت عليهم ، ويكتفون بالمعارضة والممانعة  دون أن يقدموا الحلول  التي ينتظر سحرها خلال كل هذه الأيام كل المحاميات والمحامين  ، و لا يجب أن يتلذذوا بطعم معارضة   كل المقترحات الجدية  بنصوص وُجدت أصلا في ظروف عادية ورُفعت الحناجر لاحترامها في أوقات عادية ، ولم يكن يدري المشرعين لها أو المدافعين عنها  بألم ووقع وخطورة الظروف الطارئة والاستثنائية التي نعيشها  ، و الحلول التي تُقترح علينا في هذه الأوقات هي  في حقيقتها  وكنهها حلول ونوافذ رغم صغر فُتحتها تُريد في مرماها النبيل أن تُخرج أغلب المحامين ولو بشكل تدريجي  من حالة البطالة التي فرضت عليهم ، ولسان حال القائد العام لجيوش كورونا يقول لنا تدبروا أموركم بسرعة ودون انتظار لأنني اكتريت محالات في أجساد الأدميين وأعجبني المقام فيها ولا تنظر فرجا قريبا، لا يستطيع أي أحد ول كتان قارئ فنجان لا يُشق له غبار  في الوقت الحالي أن تكون له الشجاعة حتى ليُسِر لنا  في مكان قصي أو منزوي  أو منعزل بقرب هزيمة جيوش كورونا.الدكتور رشيد وهابي المحامي بهيئة الجديدة[email protected]

  • ...
    لهذه الأسباب يجب أن نحمد الله على وجودنا بالمغرب وبالجديدة ونفتخر بمغربيتنا في زمن كورونا

    القصة التي سأنقلها إليكم هي قصة حقيقية، حكاها لي أحد المغاربة الذين يسكنون بإحدى المدن الفرنسية  الصغيرة، وهو يسكن في شقة تقع فوق شقة يسكنها  مسن ومسنة فرنسيين، يتجاوز عمرهما السبعين سنة، وكانت عادة  الفرنسيين أنهما حين يريدان التدخين، يطلان من نافدة منزلهما؛ وخلال الأيام الماضية، كان سعالهما يملأ المكان، حتى اعتقد صاحبي أن الزوجين قد يكونان مصابين بفيروس كوفيد – 19. وبعد ثلاثة أيام من تخمينه، في مساء إحدى الليالي، وجد سيارة الإسعاف تقف بأسفل العمارة، لتحمل الزوج الذي ارتفعت درجة حرارته وفقد وعيه. بعد نقله إلى المستشفى وإجراء التحليلات  الطبية عليه، سيما تلك المتعلقة بالفيروس، تبين أنه أصيب به. وصباح الغد، سأل صديقي  زوجته المصابة،  وهي امرأة مسنة؛ هما إذا أخذت منها عينات لإجراء فحوصات، بغية لتأكد من عدم إصابتها بالفيروس اللعين؛ لكن المفاجأة كانت هي ردها المتهكم والحزين، حين صرحت له بكون الطواقم الطبية، ومن يتابع ملف هذا الفيروس في البلد، أصبحت لا تهتم بحياتهم، ولم يستغرب الجار فقط  عدم إجراء التحليلات الطبية على الزوجة التي تعيش معه في البيت نفسه؛ بل استغرب كيف لا يتم إجراء الفحوصات الطبية لكل سكان العمارة التي تتكون من أكثر من عشرة شقق، يتشاركون في درج العمارة وسلاليمها، ويستعملون نفس مقبض أبواب العمارة، لفتح باب العمارة، ويستعملون نفس المفاتيح الكهربائية، لإشعال ضوء درج العمارة؛ وكيف لا يتم إجراء الفحوصات لكل المخالطين من جيران المسن وعائلته. وأخبرني  ذلك المغربي  كيف كان يطلع على الأخبار المغربية في المواقع الإلكترونية المغربية؛ وكيف يتم تتبع كل مخالطي أي شخص تظهر عليه الإصابة، من عائلته ومحيطه، وحتى من التجار الذين تعامل معهم أو مع من يعملون معه؛ وكيف يتم تطويق الحي الذي ظهرت أو تطهر فيه الإصابة،  وتجرى حراسة مشددة على الخروج منه أو الدخول إليه؛ وكيف تجري عشرات ومئات التحليلات الطبية، يخضع لها المحيطون بالشخص الذي تأكدت إصابته؛ وكيف تساهم السلطات الترابية والمحلية، وأفراد القوات المساعدة، ورجال الأمن والدرك، في تتبع الحالات ومخالطيها من العائلات والجيران والعاملين معهم، والسهر بكل صرامة وتتبع دقيق لخرقهم الحجر الصحي، وخروجهم من منازلهم.. إلى درجة تصل، في بعض الأحيان، وضع رجال من الشرطة والقوات المساعدة أمام باب منازلهم؛ عندما يصاب أحد ساكنيها؛ ويسهرون كذلك على كل المئونة الغذائية  التي يحتاجونها،  خلال مدة حجرهم، بعد جلبها لهم على حساب السلطات؛ ويطلبون منهم فقط المكوث في منازلهم،  وعدم الخروج منها.. ويستمر تواصل السلطات مع عائلات المصابين وجيرانهم  بشكل دائم، أكثر من مرة  في اليوم، بغية تطويق المرض والعدوى.هي مجهودات جبارة مافتئت تبذلها السلطات العمومية بالمغرب، لمحاصرة المرض، من خلال التتبع على نحو مستمر ودقيق لمخالطي المريض؛ ما ساهم بشكل ملحوظ في السيطرة على تفشي المرض الفتاك، والحد من انتشاره بين المخالطين الذين لا يتم بالمناسبة الكشف عنهم وتتبعهم في بلدان أخرى.لقد كنت شاهدا على ما حكاه لي المغربي الموجود في فرنسا، بلد الأنوار الذي يفتخر بحمل شعاره التاريخي: "حرية – مساواة – أخوة"، هذا البلد  حيث أجريت فيه التحاليل على الزوج الفرنسي المسن، واتضح مخبريا أنه مصاب؛ فيما أهملت، أو بالأحرى حرمت  الزوجة  والجيران من تلك التحاليل المصيرية، للتأكد من خلوهم من الفيروس القاتل. وهذا ما جعلني ويجعلني أفتخر بمغربيتي  وبوطني ووطنيتي، وبسلطات بلدي المغرب، وأفتخر أيضا بانتسابي إلى عاصمة دكالة،  وبسلطاتها العمومية، وعلى رأسها المسؤول الترابي محمد الكروج، ممثل صاحب الجلالة على إقليم الجديدة، الذي يعتبر تكريسا على أرض الواقع للانفتاح وممارسة سياسة القرب، وللقطيعة مع بعض ممارسات الماضي، ومع البيروقراطية التي كانت سائدة إلى أمد غير بعيد، ومع تدبير الشأن العام بواسطة "التيليكوموند"، من داخل المكاتب المكيفة، ومن على الكراسي المريحة.. إلى جانب باقي  المتدخلين بالمدينة والإقليم، من أطقم طبية وتمريضية، ورجال السلطة والأمن الوطني والدرك الملكي، والأجهزة الأمنية الموازية.. على المجهودات والتضحيات الجسام التي يبذلونها بتفان ونكران الذات، 24 ساعة / 24 ساعة، وطيلة أيام الأسبوع، تحت قيادة ملكنا الطيب والمحبوب  محمد السادس حفظه الله وأطال الله عمره، في مواجهة فيروس كورونا، هذا العدو الفتاك غير المرئي.

  • ...
    مشروع القانون 20.22 يعري الجبن السياسي للحكومة ومكوّناتها

    بعد  تسريب بعض المواد من مشروع القانون 20.22، وخبر المصادقة عليه في مجلس الحكومة يوم 19 مارس الماضي، أي عشية دخول المغرب حالة الطوارئ الصحية، انتشر الخبر كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وخلق نقاشا وجدلا قلّ نظيره وسخطا عارما، بين من ينفى هذا الخبر ومن يؤكده.. وبين من يعتبره مشروع قانون ومن يقول أنه مسودة.. وبين من يقول أن تسريب بعض مواد هذا المشروع هو تصفية حسابات داخل الحكومة ومن يعتبر ذلك تسخينات البعض لانتخابات 2021.. وبين من يقول أن هذا المشروع جاء عقابا للمغاربة على حملة مقاطعة حليب سنطرال وماء سيدي علي ومحروقات إفريقيا ومن يتحدث عن أنه جاء تحسبا لأيام عصيبة قادمة بسبب الحجر الصحي، وما إلى ذلك.الغريب في الأمر أن الحكومة لم تتحمل مسؤوليتها، على غرار ما هو معمول به في كل دول العالم، لتنوير الرأي العام بخصوص هذا المشروع المثير للجدل، وفضلت الصمت رغم السخط العارم الذي خلفه هذا القانون وسط المغاربة، والقيل والقال حول استغلال الحكومة لحالة الطوارئ الصحية، وانشغال المغاربة بتداعيات الحجر الصحي لتمرير قانون جهنمي، حسّي مسّي، الهدف منه تكميم الأفواه والاجهاز على ما تبقى من حرية الرأي والتعبير، خدمة لمصالح جهة ما.أما الأحزاب المكوّنة للحكومة والتي ناقشت وصادقت على مشروع القانون 20.22، فإنها لم تصدر أي بلاغ أو تصريح في الموضوع لتخبر المغاربة بكل جرأة وشجاعة أنها ناقشت المشروع وصادقت عليه، وأنها  أدلت بدلوها في بعض مواده، أو لتعتذر وتعترف أنها أخطأت أو أساءت التقدير أو أي شيء من هذا القبيل.وما يثير الضحك والاشمئزاز أن من ضمن هذه الأحزاب  من بدأ يتحدث عن تشبث حزبه بمكتسبات الشعب المغربي وبمقتضيات الدستور، سيما الفصل 25 منه الذي يكفل حرية الرأي والتعبير، وأن الحزب لن يقبل بمثل هذا القانون في دولة الحق والقانون وما إلى ذلك. وأكاد أجزم أننا سنسمع غدا أن كل الأحزاب المشكلة للحكومة ستتبرأ من مشروع القانون 20.22 جملة وتفصيلا، وأنها ستذهب للقول أن إثارة هذا الموضوع  في هذا الوقت بالذات الهدف منه هو زعزعة استقرار البلاد والتشويش على هذا التلاحم والتضامن الذي عبرت عنه كل مكونات البلاد لمواجهة تفشي جائحة فيروس كورونا.الآن، وأمام هذا السخط العارم وسط المغاربة تجاه مضامين مشروع القانون 20.22 المشؤوم، والإجماع الشعبي حول ضرورة سحبه، يجب على رئيس الحكومة أن يتحمل مسؤوليته، ولو مرة واحدة في ولايته، ليس فقط في سحب هذا المشروع، بل في الإجابة على الأسئلة التي يطرحها الرأي العام بخصوص كل ما يتعلق بهذا القانون الجهنمي، وخاصة لماذا تم طرحه عشية بداية الطوارئ الصحية ولماذا كل هذا التكتم حوله؟. عبد الحق غريب