أعمدة الرأي
  • ...
    الرغبة عبر المحاكاة كنموذج تحليلي للصراع السياسي و تطور للثقافة

    كثيرة هي الأشياء التي نقوم بها دون أن نكون فعلا واعين بدوافعها، نرغب في امتلاك نوع محدد من السيارات، أو شراء نوع ما من الملابس، أو احتلال منصب أو موقع سلطة معين، أو الزواج بامرأة ما و غيرها من الرغبات التي لا تنتهي و لا حدود لها لدى الجنس البشري في كل المجتمعات. لكن هل سألتم أنفسكم يوما ما عن مصدر هذه الرغبة. هل هي فعلا صادرة عنكم، رغبة أصلية و أصيلة ناتجة عن حاجة مُفكّر فيها؟إذا كنت تعتقد أن رغباتك أصلية، فقد يضعك الفيلسوف روني جيرار في لائحة الرومانسيين و يضع اعتقادك في خانة الوهم.  عندما ترغب في شيء ما فأنت تفعل ذلك لأنك تقلد و تحاكي بطريقة لاواعية إنسانا آخر. هذه هي المقدمة الأساسية لنظرية المحاكاة كما طورها روني جيرار. هذا المقال ليس استعراضا لهذه النظرية بل توظيفا لها كنموذج تحليلي للصراع الاجتماعي و السياسي و التطور الثقافي.لنبدأ بأبسط الأشياء كاللباس مثلا. عندما تختار نوعا ما من الألبسة، فإنك تقلد نموذجا ما بطريقة لاواعية. و أنت تقرأ هذا المقال قد ترفض الاعتراف بهذا التقليد و تزعم بأن اختياراتك هي ذاتية و شخصية. تفترض هذه النظرية وجود نموذج يتوسط بينك و بين موضوع الرغبة [اللباس]. قد يفعل شخص آخر نفس الشيء و يرغب في نفس النوع من اللباس، و قد يستعمل نفس النموذج التي استعملته أنت، لكن ما دام اللباس متوفرا و معروضا للبيع بوفرة فلن يحدث أي تنافس أو نزاع مع الشخص الثاني الذي يرغب في نفس اللباس. قد يكون النموذج الوسيط بينك و بين موضوع الرغبة وسيطا داخليا أي معني بالحصول على نفس الشيء الذي تريد الحصول عليه و قد يصبح منافسا لك إذا ما كان موضوع الرغبة نادرا أو واحدا، و قد يكون الوسيط خارجيا كشخص مشهور يتميز بلبسه نفس اللباس أو قائدا سياسيا أو نبيا. هنا لا مجال للتنافس لأن الوسيط هو مُلهم فقط وخارج عملية التنافس و غير مشارك في عملية الرغبة و الحصول على موضوع الرغبة.لنغير موضوع الرغبة و نفترض مثلا أن شخصا ما رغب في الزواج من امرأة ما، رغبة استمدها من محاكاة لنموذج ما[وسيط خارجي]، ديني أو اجتماعي أو عائلي أو غيره، لكن شخصا آخر رغب في الزواج من نفس المرأة و بالتالي أصبح منافسا للشخص الأول الذي أصبح بالنسبة إليه وسيطا داخليا، أي معني بالمنافسة و الحصول على موضوع الرغبة الذي هو المرأة. هنا يعتبر عنصر الندرة [نفس المرأة] محفزا على التنافس و الخلاف و قد يؤدي إلى صراع مباشر بين المتنافسين.إذا انتقلنا إلى أمور أكثر اتساعا لتشمل سلوكيات اجتماعية، أو مهنية أو سياسية، فسنرى أن معظم الخلافات التي  نجدها في الواقع هي ناتجة عن هذا النوع من التنافس حول موضوع رغبة يكون فيه الوسيط داخليا [أو عائقا أو منافسا] و معني بالحصول على موضوع الرغبة. قد يكون موضوع الرغبة الذي يهمنا أي شيء يرغب فيه أكثر من شخص، سواء كان وظيفة، أو مركزا اجتماعيا، أو منصبا أو سيارة أو سلطة أو حكما أو زعامة أو أي شيء يمكن أن يرغب فيه الناس. قد يرغب عدة أشخاص في نفس الوظيفة أو المنصب، لكن القانون ينظم تصريف هذه الرغبات و التنافس حول المنصب. غير أنه في حالات أخرى، لا يمكن للقانون التحكم في هذه المسارات. يدخل في هذا الإطار التنافس على المناصب السياسية سواء داخل الأحزاب و النقابات أو داخل أجهزة الدولة، و غالبا ما ينتج عن هذا التنافس خلافات قد يتم التحكم فيها و تدبيرها أو قد تخرج عن السيطرة و تؤدي إلى انشقاقات. يمكن للقارئ أن يستحضر أمثلة لذلك من داخل الأحزاب حول سياستها [الاتحاد الاشتراكي و المحافظة على سمعة الحزب كحزب يساري قوي كموضوع للرغبة] أو من داخل الأحزاب حول منصب داخل أجهزة الدولة [ التنافس بين بن كيران و العثماني على منصب الوزير الأول] أو الصراع على وكيل اللائحة في الانتخابات المحلية أو التشريعية، و غيرها. غير أن الخلاف الناتج عن التنافس حول موضوع للرغبة يبدو في ضوء هذا التحليل مسألة عادية؛ قد يكون الشيء الجديد هو إدراكنا للطبيعة اللاواعية لرغباتنا التي تتم في أغلب الأحيان عبر المحاكاة. لكن ما يثير الانتباه هو أنه حتى في خلافنا مع الآخر حول موضوع ما للرغبة، فإننا نقوم دون وعي منا بمحاكاة نموذج خارجي كمصدر للإلهام، غالبا ما يكون شخصا تاريخيا، و قد يكون قائدا معاصرا. يدخل هذا التماهي إطار التوظيف الأيديولوجي للرموز. قد تختلف الأحزاب و التيارات السياسية من حيث الأيديولوجيا لكنها قد تتفق من حيث الهدف و قد يكون موضوع الرغبة متماثلا، الوصول إلى السلطة لتنفيذ برنامج سياسي و مجتمعي معين مثلا. قد يوظف الإسلامي نماذج خارجية تكون، افتراضا، بعيدة عن المنافسة و لا تدخل في أي خلاف في الواقع لأنها تنتمي للتاريخ و للماضي، كابن تيمية و سيد قطب أو الرسول [ص] أو غيرهم، و قد يوظف الشيوعي أو الإشتراكي وسائط خارجية ملهمة كتشي غيفارا، أو المهدي بنبركة أو عمر بنجلون و قد يوظف العلماني أو الملحد رموزا أخرى.قد يتحول الصراع من صراع واقعي بين فرقاء واقعيين إلى صراع أيديولوجي يستهدف رموزا إما تاريخيين أو معاصرين أحيانا. فاليساري ينكر أفكار ابن تيمية و يشيطن أطروحات سيد قطب و قد يلتفت حوله ليبحث في التاريخ المعاصر ليفضح تناقض الإسلاميين، و ما قصة ماء العينين ببعيدة عنا [سواء صحت أم لم تصح] و "جرائمهم" كالمشاركة في القتل لحامي الدين. يتساءل الإسلامي كذلك عن تناقض اليسار، و إن لم يحقر من رموزهم التاريخية، فقد يستهدف رموزهم المعاصرة و ابتعادهم عن هموم الشعب أو تبنيهم لقضايا خاسرة أو استهدافهم للدين. أما العلماني، فيلعن توظيف الإسلامي للدين في السياسة لدغدغة مشاعر الناس و استمالتهم و تضليلهم.ينتقل الصراع حول موضوع الرغبة من المواجهة المباشرة إلى تحقير الرموز و المعتقدات و فضح التناقضات. غير أن هذا قد يدخل في إطار الصراع السياسي المقبول مادام لا يستعمل العنف و يحاجج الفكرة بالفكرة، رغم بعض التجاوزات كالتدخل في الحياة الشخصية للأفراد و البحث عن الفضائح كوسيلة للضغط السياسي و التدمير الرمزي لسمعة المتنافس السياسية. لكن بنية السلطة في المغرب تضع طرفا غير مشارك رسميا في الصراع و هو الدولة [المخزن] الذي يبقى تاريخيا  و دستوريا حكما بين الفرقاء، رغم أن هناك من يرى أنه يحرك دواليب السياسة من وراء ستار و قد يشكل وسيطا خارجيا لبعض الفرقاء السياسيين و ملهما لهم.غير أن هذا النقاش لن يقف عند حدود الخلاف و الصراع، بل سيتعداه ليبحث في مآل هذا الصراع إذا ما أصبح سببا مباشرا لفوضى سياسية أو فتنة دينية أو اجتماعية أخلاقية. من الناحية النظرية، يفترض أن موضوع الرغبة هو دائما شيئا نسعى للحصول عليه، لكنه قد يكون هدفا نسعى إلى تدميره. يعني هذا أن الفرقاء قد يتفقون على موضوع واحد للرغبة أي أن تتماثل المصالح و الغايات و يصبح التنافس تعاونا [من له مصلحة في إعادة محاكمة حامي الدين مثلا؟ عدة أطراف على ما يبدو. و من له مصلحة في فضح تناقض ماء العينين؟ و من له مصلحة ضرب وحدة اليسار حاليا؟ و غيرها من الأسئلة التي ستتغير موضوعاتها كلما تطورت الأحداث و تغيرت الظروف]. هذه هي السياسة؛ كل يسعى إلى تدمير منافس محتمل قد يرغب في السعي لنفس الشيء الذي تسعى إليه. شيء عادي جدا على ما يبدو. إذا كان الصراع يسعى إلى تدمير الآخر، على الأقل رمزيا، فليكن في إطار يحترم الأخلاق و العرف. لا أخلاق في السياسة؟ ستختفي السياسة و لن يبقى سوى الأخلاق. ماذا يحدث عندما تعم الفوضى و يختل النظام؟ عرف المغرب عدة لحظات حرجة في تاريخه المعاصر أدت إلى إحساس عام بالفوضى و بالخطر. لنذكر بالهجمات الإرهابية و بالربيع العربي و بالاحتجاجات الأخيرة في الشمال و الشمال الشرقي. في مثل هذه الحالات يبحث الفرقاء السياسيون عن حل ما يعيد الأمن و الأمان إلى المجتمع و الاستقرار السياسي. يتم غالبا البحث عن كبش فداء، أي ضحية ليست بالضرورة مسئولة عن ما وقع من انفلات. هناك حالات يكون فيها الإجماع تاما، كالإرهاب، و هناك حالات يبقى فيها النقاش مستمرا حتى بعد تعيين كبش الفداء التي سيحمل على كاهله مسؤولية الفوضى و يسمح اختفاءه أو عقابه بعودة الأمن و الأمان و الاستقرار.عدم التفكير في الضحية و في ما إذا كان فعلا مسئولا أم لا عن الفوضى و اللاإستقرار هو الضامن لاستمرار السلم و النظام. هذا ما تفترضه النظرية و تفترض كذلك أن يكون الضحية "حائطا قصيرا" كما نعبر عن ذلك باللغة العامية، أي بدون سلطة داعمة أو حاضنة اجتماعية قوية. هكذا تتطور الثقافات و هكذا تستعيد المجتمعات استقرارها. قد يكون للموضوع حساسية على المستوى السياسي لرفض البعض تقبل آلية التضحية بكبش فداء، لكننا في الحقيقة نمارس هذه العملية باستمرار على المستوى الثقافي و الاجتماعي. زبدة القول، إذا كان الصراع يؤدي، افتراضا، إلى تطور ما، فلن يكون ذلك صحيحا إذا ما تم تدبير هذا الصراع بآليات تثبت نفس الوضع و توظف وسائل تزيد من تخلف الممارسة السياسية و تعطل تطور الثقافة. صراع بهذه الآليات ينتج دياليكتيكا بطيئا و عقيما.   أستاذ باحث/جامعة أبو شعيب الدكالي 

  • ...
    استقالة عميد كلية العلوم بالجديدة ضرورة ملحّة

    لن نملّ، ولن نكلّ، ولن نتوقف من القول، بل من التأكيد على أن القانون 00-01 المنظم للتعليم العالي، لم يعد فقط متجاوزاً، بل أمسى مصدرا للرداءة.. وقنطرة لوصول كل من هبّ ودبّ إلى  كرسي المسؤولية.. لماذا؟ لأن المادة 20 من القانون المشار إليه أعلاه تنص على أن المترشح  لمنصب عميد أو مدير مؤسسة جامعية يجب أن يكون أستاذ التعليم العالي وأن يقدم مشروع تطوير المؤسسة فقط.. أي يمكن لأستاذ التعليم العالي، لم يمارس قط أي مسؤولية إدارية، وجاهلاً لقواعد التسيير الإداري والتدبير المالي، وغير قادر على صياغة جملة واحدة في مشروع تطوير المؤسسة، أن يترشح للتباري ويفوز بالمنصب، مادام المترشح يمكنه أن يشتري مشروع مؤسسة جاهزاً، وفوزه رهين بمعيار "بّاك صاحبي" (إلاّ من رحم ربّك).. أما معيار الكفاءة فهو مجرد كلام للاستهلاك ليس إلاّ.. ومن يدري، قد يكون الفائز إنساناً قد بلغ من الكبر عتيّا، أو مصاب بمرض لا تظهر أعراضه للعيان، كمرض النسيان أو مرض "أنا ومن بعدي  الطوفان" أو مرض "كم من حاجة قضيناها بتركها" وما إلى ذلك. بكلية العلوم بالجديدة، وبعد أشهر قليلة على تعيين العميد الجديد، وقف السيدات والسادة الأساتذة الباحثون على حقيقة صادمة ومؤلمة، مفادها أن العميد الجديد غير مبال بما يجري في مؤسسته وغير متحمّس لتحمّل مسؤولية تسييرها، وغير مهتم بمشاكل الكلية ومتطلبات الأساتذة الباحثين والموظفين، وأن كل همه هو متى يغادر الجديدة في اتجاه الدا البيضاء للمبيت في مقر سكناه إلى جانب "وليداتو".. وقد وجهنا في حينه دون لفّ أو دوران وبشكل مسؤول، تحذيرا لمن بهمهم الأمر، على رأسهم رئيس الجامعة، وقلنا أن الرجل يفتقد لمقومات القيادة والتسيير وأنه لن يقدر على تدبير شؤون مؤسسة بحجم كلية العلوم وما أدراك ما كلية العلوم.. يطول الحديث هنا عن الأزمة التي باتت تعيشها الكلية والمشاكل والأخطاء الجسيمة التي يرتكبها العميد ومن يساعده.. يكفي أن نشير هنا إلى فضيحة يوم الاثنين 31 دجنبر 2018، والتى يتداولها الأساتذة الباحثون والموظفون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تارة بالسخرية وتارة بالمرارة، والتي إن دلّت على شيء، فإنما تدل على أن العميد ارتكب خطأ يصعب وصفه..  كارثة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.. ويمكن القول أن استمراره في المسؤولية لا محال سيؤدي إلى مصيبة قد يصعب أو يستحيل حلها.. يوم الاثنين الفارط توصل رؤساء الشعب عبر بريدهم الإلكتروني بإعلان مختوم وموقع من قبل العميد، واطلع عليه الأساتذة الباحثون والموظفون في السبورات بمختلف مرافق المؤسسة (أنظر الصورة)، يعلن فيه عميد الكلية إلى كافة السيدات والسادة الأساتذة الباحثين أن دروس مسلك الماستر ستُعلّق ابتداء من 27 يونيو 2016 تزامنا مع انطلاق امتحانات مسلك الإجازة.. خُدو بالْكم، حسب تعبير إخواننا المصريين، نحن الآن في دجنبر 2018، والإعلان يتكلم عن يونيو 2016!!!!! والمصيبة العظمى، كما تُبين الصورة، هو إن التاريخ مكتوب بالبنط العريض ولا يمكن أن تخطأه حتى عيون "العميان"، فما بالك بإدارة طاقمها البشري عيونهم في صحة جيدة.. بعبارة أخرى، لا أحد ضمن كل هذا الطاقم البشري في عمادة الكلية قرأ إعلانا يضم ستة أسطر فقط.. ماذا يعني هذا؟ أولا، هذا يعني أن العميد لا يقرأ بدوره. ولا يدري على ماذا يوقع كل يوم.. ربما لأن عقله في "التران" الذي سيُقلّه إلى الدار البيضاء ليبيت بين أحضان "وليداتو"؛ ثانيا، هذا يعني أن لا أحد اطلع على الاعلان وقرأه، بدءً مِن مَن كتبه وطبعه إلى من علّقه أو أرسله عبر البريد الالكتروني، مرورا مِن مَن وقعه.. ثالثا، هذا يعني أنه يمكن للعميد أن يوقع وثيقة تخص بيع الكلية بدرهم واحد رمزي، أو  حتى فابور، بمعداتها وتجهيزاتها وأساتذتها وموظفيها. ما هو الحل الآن؟ بدون لف أو دوران، ورأفة بالعميد الذي أكن له كل التقدير والاحترام، بصفته أستاذا باحثا، ليس هناك من حل غير تقديم استقالته من مهمة عميد وهو الذي لا يفصله عن سن التقاعد إلاّ القليل، ليعيش بين أحضان أسرته، بعيدا عن وجع رأس الإدارة، وعلى رئيس الجامعة أن يتحمل كامل المسؤولية .. قبل فوات الأوان، إن لم يكن قد فات. بقي أن نشير في الأخير، وحتى نكون منصفين، أن العميد لا يتحمل لوحده مسؤولية الأزمة التي تعيشها الكلية، والأخطاء الجسيمة التي تُرتكب، وإنما يتقاسمها معه  نائبه الذي أوكل إليه مهمة مساعدته  في تسيير الكلية، والذي للأسف الشديد يُسيّر  بمنطق القبيلة والعشيرة.   ذ. غريب عبد الحق  كلية العلوم بالجديدة

  • ...
    كلية العلوم بالجديدة على صفيح ساخن

    لا حديث في الساحة بكلية العلوم إلاّ عن عدم استقرار السيد العميد بالجديدة،  وانعكاس ذلك سلباً على المؤسسة..  تنقّله يوميا بين الجديدة (مقر العمل) والدار البيضاء (مقر سكناه) بواسطة القطار  أمسى يعيق السير العادي بالكلية ويعرقل تدبير شؤونها اليومية.. كلية العلوم تعيش أزمة.وإذا علمنا  أن رحلات قطارات لخليع تكون على رأس كل ساعتين بين الدار البيضاء والجديدة ذهابا وإيابا، ابتداء من الساعة 6 والنصف، فإن تنقّل السيد العميد بين الدار البيضاء والجديدة "يفرض" عليه الحضور إلى كلية العلوم غالباً بعد الساعة 10 صباحاً، ومغادرتها قبل الساعة 2 بعد الزوال، وفِي أحسن الأحوال قبل الساعة 4.. أي أن السيد العميد يمكن أن يقضي في كلية العلوم 4 ساعات فقط أو 6 ساعات في أحسن الأحوال، في الوقت الذي يجب  عليه، بصفته هو المسؤول الأول عن المؤسسة، الحضور منذ الساعات الأولى صباحا، وألاّ يغادرها إلاّ في ساعات متأخرة، خاصة هذه الأيام التي يبقى فيها الطلبة في الكلية إلى ما بعد الساعة 8 مساء يهيؤون للامتحانات.في نفس السياق، لاحظ الأساتذة الباحثون والموظفون أعضاء مجلس المؤسسة ورؤساء الشعب أن السيد العميد لا يعقد اجتماعاته بالمرة بعد الظهر، وأنه همّش مجلس المؤسسة وجمّد اللجن المنبثقة عنه، وخاصة لجنة تتبع الميزانية، التي يُفترض أن تجتمع على الأقل مرة في الشهر طبقا للنظام الداخلي لمجلس المؤسسة، وأكثر من مرة في الأسبوع هذه الأيام لتهيئ مشروع ميزانية 2019.. ويرجعون ذلك إلى ضيق وقته، وإلى حرصه الشديد على ألاّ يتأخر عن موعد رحلة القطار، للعودة إلى مقر سكناه بالدار البيضاء..الآن، كلية العلوم تعيش أسوء وأحلك أيامها: إهمال شديد في المجال البيداغوجي وفوضى عارمة.. تسيّب داخل المؤسسة وعلى كافة المستويات.. تهميش مجلس المؤسسة وتجميد اللجن المنبثقة عنه.. كل هذا خلق تذمرا واستياء عميقين وسط صفوف الأساتذة الباحثين والموظفين والطلبة، والكل يتسائل: من يسير الكلية؟ما هو الحل؟يجب على رئيس الجامعة أن يتحمل مسؤوليته.. يجب أن يجد حلاًّ عاجلاً، قارا ونهائيا لهذه المعضلة.. حل التنقل بين الدار البيضاء والجديدة عبر القطار عِوَض سيارة المصلحة التي كانت تستنزف ميزانية الكلية ليس حلاّ، بل عقّد الأمور أكثر.. يجب أن تعود كلية العلوم إلى سابق عهدها، وأن تلعب الدور الذي كانت تلعبه كقاطرة لجامعة شعيب الدكالي.. يجب أن يلعب مجلس المؤسسة الدور المنوط به، ويجب أن تعود اللجن المنبثقة عنه إلى حيويتها المعهودة، وهذا لا يمكن أن يحصل وعميد  الكلية غير مستقر بالجديدة وغير حازم في تسيير وتدبير شؤونها. إن الوضع بكلية العلوم جد متأزم، والسيد رئيس الجامعة الذي تحمل مسؤولية تسييرها لمدة 8 سنوات سابقا يعرف حق المعرفة أن الأساتذة الباحثين والموظفين بها لن يقبلوا البتّة أن يروا ما بنوه لمدة عقود من الزمن يتهاوى أمامهم.. ولعل تذمرهم واستيائهم من سوء التسيير ومن الوضع المتأزم بالكلية، قد عبروا عنه في الجمع العام للنقابة الوطنية للتعليم العالي بتاريخ 10 أكتوبر الفارط، وأصدروا بيانا يعلنون فيه عن خوضهم لإضراب إنذاري لمدة 24 ساعة سيعلن المكتب المحلي عن تاريخ تنفيذه قريباً.   عبد الحق غريب

  • ...
    هل الدين شأن خاص؟

      طالما تغنى دعاة الفصل اللائكي بهذه المقولة السحرية الهادفة لاستبعاد الدين وحشره في الركن القصي؛ بيد أنها حقيقة ليست سوى انعكاس لسريان مفاعيل التغريب الفرنكوفوني والأوربي. فإذا كان التحضر الغربي انتهى إلى صيغة الفصل وتنحية الدين ولو نظريا من الأزمنة الغربية المعاصرة، وهي تنحية تظل موضع شك وريبة بفعل استمرار توظيف الدين في عدة مواقع ومواقف وأحداث تاريخية وحاضرة، فإن التحضر الإسلامي قام تاريخيا على أساس الدين وقيمه ومفاهيمه ومبادئه وأبجدياته العقدية التوحيدية. وما موجة الصحوة الدينية المعاصرة وانبعاث الإسلام الحركي المفعم بالحيوية إلا تذكير بحاجة التحضر الإسلامي المعاصر للفاعلية الدينية على مستوى العقل والروح والإرادة لتحقيق قومته وانبعاثه من جديد. لكن السؤال المطروح هو متى يكون الدين شأنا خاصا يهم الفرد، ومتى يكون شأنا مجتمعيا عاما يهم الأمة والمجتمع ككل بما يمتنع على أي سلطة زمنية أو دينية كهنوتية أن تحتكره بموجب الحق الإلهي أو الوصاية القانونية أو العرفية؟ والحقيقة أن الدين قضية إنسانية كبرى تهم الفرد والمجتمع على السواء بما يجعله، أي الدين، هو المحرك الفعلي للتاريخ البشري، ولا يمكن مطلقا فصل مفاعيله الفردية عن أبعاده الاجتماعية وامتداداته الحضارية. فالدين يكون شأنا خاصا فيما يتعلق بالاتصال الروحي الثري بين الإنسان وخالقه؛ لكنه شأن مجتمعي عام فيما يتعلق بالإسناد الفاعل والقوي الذي يحققه الدين لمنظومة القيم والأخلاق وأثره في ترسيخها في المجتمع. وقد درج أهل الإسلام على تويصف الدين بأنه عقيدة وشريعة وأخلاق وسلوك ونسق شامل موجه للفكر والفعل، وفي هذا التحديد ما يفضح حقيقة الانتهازيين المنافقين ممن يتخذون الدين والخطاب الديني ومظاهر التدين أداة للمآرب الدنيوية، دون ان يكون الدين قضيتهم الفردية أو المجتمعية، فكل من يتاجر بالدين ينازع بالدين نفسه. وفي ذلك أيضا نقد لدعاة الفصل والقطيعة لكونهم يرومون فقط إقصاء الدين كليا ليس من الحياة العامة للمجتمع بل حتى من الحياة الخاصة للفرد لأنه لا يستقيم في التدين الإسلامي  أن يحضر الدين في الحياة الخاصة ويغيب في امتداداتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية المشكلة لأساس التحضر وروحه داخل المجتمع، اللهم إذا كان الإنسان مصابا بانفصام الشخصية وهذا ليس سوى ثمرة من ثمار التحضر الغربي القائم على الفصل بين العوالم. إن وصل الفرد والمجتمع بقيم الدين المثلى ومقصده الأسنى هو ما يجعل للحياة معنى؛ في الوقت الذي نلحظ فيه ضياع المجتمعات التي أضمرت القطيعة والفصل وافتقادها للمعنى حيث يعيش الإنسان الفرد أبترا من كل معاني الإيمان والتعبد، رغم ما حققته هذه المجتمعات على مسوى المنجز المادي من نجاحات مبهرة لا يشوبها إلا افتقادها للمعنى التعبدي الإيماني اللهم ما قد يتسرب من نفحات من خلف شقوق اللائكية العلمانية البئيسة المتهالكة.    بقلم د. فؤاد بلمودن الأستاذ بكلية الآداب و العلوم الانسانية بالجديدة   

  • ...
    هل أصبحت اللغة الفرنسية من مقدسات الدولة المغربية والشعب المغربي؟

    ينسى كثير من المثقفين والمدافعين عن اللغة الأمازيغية Tutlayt Tamaziɣt أن المنافس الرئيسي والأقوى أمام اللغة الأمازيغية في المغرب هو اللغة الفرنسية. ويغيب عنهم أن احتكار الفرنسية لكل شيء مهم في المغرب هو أحد أبرز أسباب تهميش الأمازيغية وإهمالها من طرف الدولة والشعب.فالفرنسية تستحوذ على نصف المجال العمومي (لوحات الشوارع والمؤسسات ووثائق الإدارات). والفرنسية تستحوذ على الحرف اللاتيني حتى أصبح المغاربة يتخيلون أن الحرف اللاتيني "حرف فرنسي" مملوك حصريا للفرنسية وحرام على الأمازيغية أن تلمسه وتستعمله. والفرنسية تستحوذ على نصف الإعلام المغربي الحكومي والمستقل (من حيث الكمية أو من حيث التمويل). وحتى الأفلام الأمريكية والكتب العلمية الغربية لا تصل إلى المشاهد والقارئ المغربي إلا بالترجمة الفرنسية والدبلجة الفرنسية، بينما الطبيعي هو أن تترجم وتدبلج إلى الأمازيغية والدارجة كما يفعل الألمان والبولونيون والإسبان والأتراك مثلا. وبلغت سياسة الفرنسة والتعريب في المغرب درجة أن حتى الرسوم المتحركة الموجهة للأطفال الصغار تبث بالفرنسية والعربية الفصحى من أجل تربية وبرمجة جيل مغربي مفرنس ومعرب أي "فرانكوعربي". فالدولة المغربية تتبنى منذ 1912 وإلى حد الآن "سياسة التعريب والفَرْنَسَة" وهي تعني باختصار: نشر اللغتين العربية الفصحى والفرنسية في كل مكان بالمغرب على نفقة الشعب، وإهمال اللغة الأمازيغية شفويا وكتابيا (أو حصرها في الزركشة التيفيناغية والفولكلور المهرجاني) ومنع كتابة وتدريس اللغة الدارجة. في المغرب توجد 4 لغات تتنافس على الظهور والانتشار في الدولة والمجتمع: الأمازيغية، الدارجة، العربية الفصحى، الفرنسية. وستجد في المغرب مثقفين ومتعلمين يدافعون بشدة عن كل واحدة من هذه اللغات الأربع، كل حسب لغته المحبوبة. فستجد مغربيا يدافع عن الأمازيغية باعتبارها لغة شعبية ولغة المغرب الأصلية. وستجد مغربيا يدافع عن الدارجة باعتبارها لغة شعبية منتشرة في المدن الكبرى. وستجد مغربيا يدافع عن العربية الفصحى باعتبارها لغة الإسلام والعبادات. وستجد مغربيا يدافع عن الفرنسية باعتبارها لغة الجامعات والشركات المغربية الكبرى ولغة الحداثة ولغة الصعود الاجتماعي، وستجد ذلك الشخص ربما يعرف قليلا من الإنجليزية ويتفق معك حول أن الإنجليزية أهم وأنفع للمغرب ولكن "الظروف" غير مواتية للتخلص من الفرنسية والانتقال إلى تدريس الإنجليزية! لهذا يجب الاستمرار مع الفرنسية إلى أجل غير مسمى! وإذا فتح الأمر للاستفتاء الشعبي والحوار الشعبي فالمغاربة سيختارون بالتأكيد التخلص من الفرنسية وتدريس الإنجليزية بمجرد أن تتضح لديهم الصورة عن العالم ويتحرروا من القوقعة الفرنسية. أما فيما يخص الموقف الشعبي من الأمازيغية والدارجة والعربية الفصحى فهو محكوم بالإسلام. والقاعدة العامة التي نلاحظها دائما هي أنه كلما كان المغربي مسلما متدينا إلا وارتفعت عداوته للأمازيغية والدارجة وارتفعت مساندته للعربية الفصحى كلغة وحيدة للمغرب. وكلما ابتعد المغربي عن الإسلام من حيث التدين أو من حيث الإيمان إلا وانخفضت عداوته للأمازيغية والدارجة وانخفض ولاؤه للعربية الفصحى. أما في مجال الإعلام فنلاحظ أن المثقفين والمفكرين والسياسيين المغاربة يظهرون حول موضوع الفرنسية مواقف عجيبة تتناقض مع مبادئهم المعلنة: - المدافعون عن اللغة الأمازيغية معروفون بموقفهم الرافض بشدة لـ"سياسة التعريب"، ولكنهم يسكتون سكوتا تاما مطبقا عن "سياسة الفرنسة" التي تنهجها الدولة ليلا ونهارا وجهارا "بْطايطاي" أو بالأمازيغية: Es oḍayḍay. ولا يجرؤون على مساءلة الدولة حول شرعية الفرنسية بالمغرب وشرعية "سياسة الفرنسة" وملايير الدراهم التي تنفقها الدولة لنشر اللغة الفرنسية في كل أنحاء المغرب، فما بالك بمطالبة الدولة بإخراج الفرنسية من المغرب. وهنا يسقط المدافعون عن الأمازيغية (لغة وهوية) في تناقض ضخم حيث أنهم يخافون على هوية المغرب الأمازيغية من خطر التعريب اللغوي والهوياتي ولكنهم لا يخافون على هوية المغرب الأمازيغية من خطر الفَرْنَسَة اللغوية والهوياتية. - التعريبيون والإسلاميون المدافعون عن اللغة العربية الفصحى يرفضون ظاهريا أو مبدئيا وجود الفرنسية بالمغرب (ويرفضون ضمنيا وجود أية لغة أخرى تنافس العربية الفصحى) ولكن رفضهم للفرنسية سطحي وشفوي أولا، وثانيا هو نابع من رغبتهم في إخراج المغرب من الهيمنة الفرنسية الأوروبية لإدخاله تحت الهيمنة العربية الإسلامية الآسيوية. وقد لاحظنا الحرب الهستيرية التي شنها التعريبيون والإسلاميون لإخراج كلمات اللغة الدارجة المغربية من الكتاب المدرسي، ولكنهم لم يجرؤوا على المطالبة بإخراج اللغة الفرنسية من الكتاب المدرسي المغربي. وهذا دليل على أن التعريبيين والإسلاميين يعتبرون الدارجة (والأمازيغية) أخطر على العربية الفصحى والإسلام من الفرنسية. هذا فضلا عن أن هؤلاء التعريبيين والإسلاميين يحرصون على تدريس الفرنسية ("النصرانية") لأولادهم، في سلوك منافق قل نظيره. ما زال السياسيون والمثقفون المغاربة لا يجرؤون على طرح هذه الأسئلة على الدولة المغربية: - ما هي الصفة القانونية للغة الفرنسية في دولة المغرب ومجتمع المغرب؟ - ما هو الأساس الدستوري والقانوني لوجود اللغة الفرنسية بالمغرب كلغة رسمية مكتوبة في كل الوثائق الرسمية والإدارات والتلفزة الرسمية وكل وزارات ومؤسسات الدولة المغربية؟ - ما هو الأساس الدستوري والقانوني لوجود اللغة الفرنسية كلغة إجبارية في كل المدارس والثانويات والجامعات فلا يمكن للمغربي الحصول على شهادة مدرسية أو جامعية إلا بعد اجتيازه امتحان الفرنسية؟ - إذا كان استعمال لغة أجنبية عالمية تجارية وعلمية متطورة أمرا ضروريا في التعليم والاقتصاد فلماذا يتجاهل المغرب اللغة العالمية رقم 1 (الإنجليزية) ويقنع باللغة رقم 11 (الفرنسية)؟! - أليس هذا الوفاء المغربي للفرنسية مجرد وفاء أبله للاستعمار الفرنسي الذي شاءت الصدفة أن يحتل وسط المغرب (حيث توجد العاصمة فاس/الرباط) بينما شاءت الصدفة أن يحتل الاستعمار الإسباني أقصى شمال المغرب وأقصى جنوب المغرب حيث لا توجد عاصمة الدولة؟! فهل سيجرؤ مثقفو وسياسيو المغرب على مخاطبة الدولة والشعب وطرح موضوع الهيمنة الفرنسية اللغوية على المغرب دولةً وشعباً؟ أم أن الفرنسية بدورها قد دخلت في لائحة المقدسات والمحرمات التي لا تناقش؟ [email protected]

  • ...
    دوخة المريض بين الأطباء بالمغرب

    مازال قطاع الصحة في المغرب يشكو فوضى الاستشارات الطبية، ولا يخضع لمنطق استقصائي علمي دقيق، كما يحدث في معظم مستشفيات الدول المتقدمة، إذ لا يختلف الأطباء المحليون كثيراً عن المعالجين التقليديين، فيكتفي الطبيب بالتبصّر في الوصفات بعد تأمل لدقائق معدودات، وإنصات "بُراقي" للمريض، بعيدا عن اعتماد أساليب علمية حديثة في الاستقصاء المتأني، كالسؤال عن الوسط العائلي وأسلوب الحياة، وسياق المرض، وتاريخ المريض الصحي، وعادة ما لا يتوفر الطبيب المعالج على ملف طبي للمريض، فيخمن المرض والدواء بناء على تحليل كلام المريض والفحص الأولي، تماما كالمعالج التقليدي الذي يقدّر الدواء والمرض، ثم على المريض تناول الدواء الموصوف، فإذا تحسّن وضعه وتماثل إلى الشفاء، فهو قد نفذ بجلده، وإذا تدهورت حالته الصحية، دخل في دوخة بين الوصفات والأطباء، كل يصف المرض حسب قراءته للحالة، وكأن هؤلاء الأطباء درسوا في كليات مختلفة، وعلوما مختلفة، ولا يتوفرون على مقاييس علمية مضبوطة، وما يضير المريض منا هو ممارسة العديد من الأطباء رياضة "القفز الذهني"، وذلك باستنتاجات متسرعة، نظرا لضيق وقت الطبيب، إذ لا يمنحك الوقت الكافي للإنصات والتجاوب والنقاش، فبعد دردشة لدقائق، ولمس لثواني، يجلس على مكتبه، ويدبج لك وصفة من الأدوية، يقدّرها بناء على تجربته وتخميناته في هذا المجال، وعليك أكلها ضارة أم نافعة...إنه الطبيب الذي يمتلك مؤهلات شرعية للإدلاء برأيه الطبي، وتؤكدها تلك اللافتة التي يضعها على مدخل عيادته. لا يوجد مريض بالمغرب، ولو من الفئات الشعبية، لا يزور أكثر من عشرة أطباء في القطاع الخاص لفحص حالته إذا تعلق الأمر بمرض مستعصي التشخيص كالدوخة مثلا، وهذه حالتي الآن بمدينة الجديدة، إذ استنفذت قراءة معظم أطبائها، وأنا الآن آخذ اتجاه الرباط والدا بالبيضاء لزيارة الأساتذة الجامعيين قصد تشخيص المرض، إذ تضاربت القراءات الطبية بين شك في الأذن الداخلية و في التوتر "الستريس"، و في فقرات الرقبة (سيرفيكال)، إذ قال لي أحد خرّيجي الطب الروسي بالمدينة، وهو يدير مشفى خاص، بأن الدوخة تأتيني من احتباس الدم بسبب ضغط في الفقرات في العنق، هذا مع أنه لم يصف لي أي دواء يعالج مشاكل الدورة الدموية، بينما أكد لي بروفيسور أن الدوخة(vertige) لا تأتي من "السيرفيكال" بتاتا، كما أكد على ذلك أطباء الأعصاب بالمدينة، ولكن هي ناجمة عن أعضاء أخرى في الجسد، كما أضاف البروفيسور بأن هذا الاعتقاد كان سائدا في ثمانيات القرن الماضي، وهنا أتساءل كيف تغيب هذه المعلومات عن هذا الطبيب الشاب الذي درس بروسيا، وهل نترك أطبائنا يزاولون المهنة دون تحيين معارفهم، واجتياز اختبارات دورية ، لأن الأمر يتعلق بصحة المواطن وليس بصحة قطة! وحتى القطط فلها اليوم أطباء أكفاء بأوروبا وأمريكا!  لقد أنفقت حتى الآن حوالي 8000 درهم كمصاريف علاج، ولا أحد من الأطباء في القطاع الخاص والعام استطاع الجزم في الأسباب الناجمة عن الدوخة، لماذا تصيب هذه الخسارة جيب المواطن وميزانية الدولة؟ لماذا يضطر المواطن إلى الطواف بين الأطباء فقط لتشخيص سليم للمرض؟ هل هذه مشكلة المواطن أم مشكلة تكوين الأطباء أم غياب تنسيق وتنظيم في القطاع؟ ويتحمل المريض جزءا من النفقات بينما تتحمل صناديق التغطية الصحية باقي النفقات. لماذا هذا الهدر الزمني والمادي الذي يطال المواطن والدولة في إطار غياب مراقبة صارمة و تنظيم تسلسلي لمهنة الطبيب في القطاع؟  ليست قصتي إلا نقطة عابرة في نهر يفيض بمعاناة الكثير من المغاربة في دوختهم بين الأطباء بحثا عن العلاج، إذ في ظل غياب خارطة طريق، يتم الآن إرشاد المريض إلى الطبيب الكفء في مجال تخصصه عبر قنوات اجتماعية مألوفة، تتحكم فيها تزكية الأقرباء و الجيران و المعارف و زملاء العمل، وليس عن طريق إرشادات ممنهجة لأطباء في التخصص العام، كما هو الشأن في الدول المتقدمة. وعادة ما يزور المريض الأطباء بالمغرب حسب سمعتهم في المدينة أو القرية، وهكذا تجد البروفيسور يحتل مكانة عالية، ويوجد في قمة التخصص، ثم يتبعه الطبيب المتخصص ذائع الصيت، ثم يأتي الطب العام في المرتبة الثالثة، وبهذا التصنيف التسلسلي، قد يرتكب المغاربة أخطاء فادحة في التعامل مع العلاج الطبي، إذ غالبا ما يختارون الذهاب إلى الطبيب المختص منذ الوهلة الأولى عند شكهم في مرض عضو من الأعضاء، وهذا الاختيار من المفروض أن يصدر عن طبيب مختص في الطب العام، لكن المريض منا يقوم بهذا الدور بنفسه في غياب طب عام مقنن، فإذا أصاب أحدهم تقيأ مثلا، قصد طبيبا مختصا في الجهاز الهضمي، هذا على الرغم من أن التقيؤ قد يكون ناجما عن أعضاء من اختصاص طبيب الأعصاب أو طبيب الحنجرة و الأذن، وهكذا قد يتيه المريض بين الأطباء، كالذي يطوف المزارات بحثا عن الاستشفاء.  إذا كانت مؤسسات الدولة والمواطن هم الخاسرون في هذه العملية، فالأطباء وشركات الأدوية هم الرابحون الأكبر من هذا الطواف! تُباع الأدوية بوصفات مرتجلة، ويراكم الأطباء ثروات من الاستشارات الطبية التي قد تفوق خمسين استشارة يوميا في بعض العيادات، والمعدل الذي يقف عنده الأطباء هو ثلاثون استشارة يوميا، فتخيلوا هذا العدد بالنسبة لطبيب يفحص أعضاء دقيقة! إن السؤال الجوهري هنا هو كيف يستطيع هذا الطبيب التركيز مع هذه الأعداد الهائلة يوميا؟  إن الرابح الأكبر بدون منازع في قطاع الصحة، هم أطباء القطاع الخاص الذين يستخلصون ثروات/ جبايات طائلة من جيوب فقراء هذا الوطن، إذ لا يعقل أن يراكم الطبيب ثروة طائلة من عمله في بلد فقير يضطر فيه المريض إلى السلف أو بيع ما يملك قصد علاج أسقامه، ومعظم الفئات الشعبية التي تتردد على الأطباء، لا تتوفر على تغطية صحية، مما يعتبر هدرا اقتصاديا، قد يتسبب في ضياع مصائر عوائل، كما أن الأطباء يكدسون ثروات باذخة، وهم ليسوا بمنعشين اقتصاديين، فبينما يشكل الطبيب في دولة متقدمة إطارا متوسط الدخل مثل سائر كوادر الدولة، يتحول الطبيب بالمغرب إلى ثري، يمتلك عقارات و فيلل ومسابح وسيارات وقطع أرضية وغيرها من مظاهر الترف التي تفضح جشع الكثير من الأطباء، إذ عوض اهتمامهم بصحة المريض، يتم التعامل معه كرقم في  طوابير الانتظار وسومة مادية يؤديها عند الكشف، إذ كيف تفسر أن طبيبا يفحصك بالأجهزة التي يمتلكها، ولكل جهاز يخصص قيمة مادية، ولا أحد يعلم إذا كنت في حاجة إلى تلك الفحوصات أم هي فقط "حق الزيارة"، ثم يقوم بفوترة الفحوصات بقيمة تفوق السومة العادية للفحص؟ لقد حان الوقت لتقنين قطاع الصحة ليس فقط عبر توزيع عادل ودقيق للتخصصات وفرض دورات تكوينية على الأطباء، بل اشتراط اجتياز اختبارات دورية لتجديد الرخص وتصنيفها حسب الكفاءة العلمية، وذلك لأن هناك أطباء مازالوا يعملون بمعارف قديمة، ووصفات طبية خطيرة على صحة الإنسان، إذ هناك من الأطباء في التخصص العام، من يقوم بوصف أكثر من ستة أدوية، شكا في مرض أو اثنين، وهكذا، قد  يحقق الطبيب نتائج جيدة في علاج المرضى، ويكتسب شعبيته، لكن لا يعلم زواره أنهم يتعرضون لعملية تخريب ممنهج لصحتهم، عبر وصفه لهم أدوية وجرعات زائدة، قد تضر بجسدهم على المدى البعيد، فالطب الحديث اليوم يرتكز على نوع الأدوية ودقتها، وضبط الجرعات الموصوفة، لكن مع الأسف مازال الكثير من الأطباء يقدّر الدواء في ثواني، ويكتب الوصفة، ثم يلقي بك خارج العيادة، ولك حق العودة إذا لم يلاءم الدواء حالتك الصحية، لتتحول إلى فأرة مخبرية يجرب فيك الطبيب الأدوية وتملأ جيوب شركات القطاع، ناهيك عن اختيار بعض الأطباء وصف أدوية من صنع شركات معينة مقابل عمولات سرية.  لقد حان الوقت لوضع خارطة طريق قصد إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب، إذ يجب إيقاف نزيف طواف المرضى بين متاهات الأطباء، وذلك بوضع هندسة علاجية ابتداء من الطبيب العام الكفء الذي يتوفر على ملف المريض وتاريخ أمراضه إلى  الطبيب المختص الذي يعمل بتنسيق مع هذا الطبيب، مما سيقلص حتما من مصاريف العلاج لفائدة الدولة والمريض، فعوض طواف المريض بين عيادات الأطباء، يجب انتقال المرضى بشكل منظم بين الأطباء والتخصصات المصنفة بشكل يضمن صحة المواطن ويرشّد الإنفاق، فبدون بنك معلومات حول صحة المرضى، وتقنين متابعتهم الصحية، سيظل القطاع الخاص والعام يعمل بشكل عشوائي، يشجع المرضى على التيه بين مزارات الأطباء والانتظار في طوابير وتجريب وصفات قصد طلب الاستشفاء، والخاسر الأكبر دائما في هذه العملية هم صناديق الدولة والمواطن.  ذ، محمد معروف ، جامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    الإصلاح السياسي في المنظور الفقهي المعاصر

     يشير العديد من الباحثين إلى أن كلمة الإصلاح ليست جديدة على الفكر السياسي العربي، فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم عدة مرات، وبمعانى مختلفة، منها ما يشير إلى الصلح، ومنها ما يفيد القيام بعمل صالح، وبالتالي فإن مفهوم الإصلاح ليس جديداً في العقل العربي – الإسلامي، بل هو قديم لم يبدأ بظهور الأفكار والتيارات الإصلاحية في القرن الماضي، أو القرن الذي سبقه، أو بالمبادرات الإصلاحية في الوقت الراهن، فالدعوة إلى الإصلاح بدأت قديماً في الدولة الإسلامية. ويمكن اعتبار الأفكار التي نادى بها ابن تيمية بداية الدعوات الإصلاحية في العالم الإسلامي، أو ما يمكن تسميته بالإصلاح الديني، ثم تطور ليصبح مطلباً نهضوياً طرحه المفكرون العرب قبل أكثر من قرن من الزمان "أي فترة ما يمكن أن نسميه بعصر التنوير العربي أو عصر النهضة العربية" في سعيهم نحو تحقيق نهوض أو تقدم عربي في شتى مجالات الحياة.وقد عرّفت "موسوعة السياسة" الإصلاح بأنه "تعديل وتطوير غير جدري في شكل الحكم، أو العلاقات الاجتماعية دون المساس بأساسها، وهو بهذا المعنى السياسي – خلافاً للثورة- ليس سوى تحسين في النظام السياسي والاجتماعي القائم من دون المساس بأسسه. إنه أشبه ما يكون بإقامة دعائم الخشب التي تحاول منع انهيار المباني المتداعية. ويستعمل عادة للحيلولة دون الثورة أو لتأخيرها. ويطلق كذلك تعبير الاصلاح على الحركة الدينية التي نشأت في القرن السادس عشر بأوربا وأدت إلى انتزاع قسم كبير من أوربا من سلطة الباباوات الزمنية والدينية، ومن أهم ممثليها لوثر وكالفن، على حد تعبير الكيالي عبد الوهاب في  موسوعته السياسية.وعرف قاموس "وبستر" للمصطلحات السياسية (1988) الإصلاح السياسي بأنه "تحسين النظام السياسي من أجل إزالة الفساد والاستبداد". ويعتبر الإصلاح السياسي ركناً أساسيا ًمرسخاً للحكم الصالح، ومن مظاهره سيادة القانون والشفافية والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار والعدل وفعالية الإنجاز وكفاءة الإدارة والمحاسبة والمسائلة والرؤية الاستراتيجية، وهو تجديد للحياة السياسية، وتصحيح لمساراتها، ولصيغها الدستورية، والقانونية، بما يضمن توافقاً عاماً للدستور، وسيادة للقانون، وفصلا ًللسلطات، وتحديداً للعلاقات فيما بينها، وهو التعريف الذي يتبناه برنامج الأمم المتحدة لإدارة الحكم في الدول العربية. وعرفته موسوعة السياسية بأنه "تعديل أو تطوير غير جذري في شكل الحكم أو العلاقات الاجتماعية دون المساس بأسسها، وهو بخلاف الثورة ليس إلا تحسين في النظام السياسي والاجتماعي القائم دون المساس بأسس هذا النظام، أنه أشبه ما يكون بإقامة الدعائم التي تساند المبنى لكي لا ينهار وعادة ما يستعمل الإصلاح لمنع الثورة من القيام أو من أجل تأخيرها".        أما الباحث "عمر علي باشا" فقد اعتبر أن الإصلاح السياسي هو عملية تعديل وتطوير جذرية أو جزئية في شكل الحكم، أو في العلاقات الاجتماعية داخل الدولة في إطار النظام السياسي القائم، وبالوسائل المتاحة واستناداً إلى مفهوم التدرج، وبمعنى آخر فالإصلاح يعني تطوير كفاءة وفاعلية النظام السياسي في بيئته المحيطة داخلياً وخارجياً. والإصلاح السياسي يجب أن يكون ذاتياً من الداخل وليس مفروضاً من الخارج، كمال يجب أن يكون شمولي الطابع، ويجب أن يحمل في طياته صفة الاستمرارية، وواقعياً ينطلق من واقع الدولة وطبيعة الاختلالات القائمة المراد إصلاحها، ويجب أن ينحى منحى التدرج، مرحلة تلو الأخرى، وأن لا يكون سريعاً ومفاجئاً، ويركز فيه على المضمون والجوهر لا الشكل، وباعتقادنا يجب أن يتلازم مع البنى الفكرية القائمة، لأن حالة التعديل حالة ذهنية، أي يجب أن تكون مستوعبة ومدركة عقلياً من الخاصة والعامة على السواء، ناهيك عن أهمية الشفافية والوضوح، وألاّ يكون في طياتها غموض أو قفز نحو المجهول. وبيّن الباحث أعلاه أن مفهوم الإصلاح السياسي يتداخل مع مفاهيم ومصطلحات سبقته ودرج على استخدامها مثل، التنمية السياسية، التحديث السياسي، والتغير السياسي، وجميعها تصب في حالة التحولات التي تحدث في النظام السياسي مع اختلاف في نقاط التركيز والأسلوب في التعامل مع مضامين وآليات هذا التحول ضمن إطار الجوهر أو المظهر، (الشكل أو المضمون)، فالتغير السياسي يشير إلى التحول في الأبنية أو العمليات أو الغايات بما يؤثر على توزيع وممارسة القوة السياسية بمضامينها مثل: السلطة، والإجبار، والنفوذ السياسي داخل الدولة، أو في علاقاتها الخارجية. من يتوجب عليهم القيام بأمر الإصلاح في المنظور السياسي الإسلامي؟        يعتبر الدكتور صبري خليل في مقالة له بعنوان "التغيير والإصلاح في الفكر السياسي الإسلامي" أن خصوصية الإصلاح في الإسلام تبرز أيضاً من خلال قانونية القائمين به، يقول الدكتور في هذا الشأن "هو التغير من خلال قانوني تتوفر فيه إمكانية التغيير، فهو تغيير تدريجي جزئي سلمي يتم من خلال نظام قانوني تتوافر له الشرعية التكليفية (نظام قانوني إسلامي)، والتكوينية (السلطة فيه جاءت من خلال بيعة صحيحة أو انتخابات، باعتبارها عقد اختيار لم يدخله إجبار، وهي نائب ووكيل عن الجماعة لها حق تعيينها ومراقبتها وعزلها)؛ فهو شكل من أشكال مراقبة السلطة" منطلق الدكتور هنا قائم على من له حق تطبيق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المنصوص عليه إسلامياً. من أهم مستلزمات الإصلاح عند الأستاذ محمد بريش:1.  أمن العقول المصلحة في حرية فكرها وإطلاق ألسنتها في قول كلمة الحق الكفيلة بإصلاح حال المجتمع.2.   الاستقلال الفكري للمصلحين، وكذا استقلالهم عن أي تأثير خارجي من أي نوع كان.3.   حيازة مقدار عال من الحكمة والمعرفة والعلم.4.   الإصلاح لا يكون كذلك إلا إذا كان جامعاً مانعاً، شاملاً لا يهمل أي مجال من مجالات الحياة. متى يكون/ ينبغي الإصلاح في المنظر السياسي الإسلامي؟         يختلف آنُ الإصلاح تبعاً اختلاف نوعه، فوعي الحاجة للإصلاح الاجتماعي المجتمعي يختلف عن وعي الحاجة إلى الإصلاح السياسي أو العسكري أو الاقتصادي أو غيره من أنواع الإصلاحات. وعموماً نستطيع أن نقول إن الحاجة إلى الإصلاح تجب "عندما تصل الأوضاع في المجتمع المسلم إلى ما أسماه علي أومليل بـ"غربة الإسلام"، مسترشداً بالحديث الشريف الذي يقول فيه الرسول، صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: وما الغرباء يا رسول الله، قال: الذين يصلحون عند فساد الناس" (أومليل علي، ما هو الإصلاح بمفهوم إسلامي، الرباط 1983) والذي يقوم بعملية الإصلاح هنا هو جهاز الحسبة والقائمين عليه، ولكن أغلب الفقهاء لم يجيزوا الخروج على الحاكم مخافة الفتنة. السلطة، عندهم، مهما جارت، خيرٌ من غيابها. ثم إن الحسبة لا تقوم بها إلا هيأة معينة من طرف السلطة، بل إن الشريعة الإسلامية عندهم في المبتدأ والمنتهى لا تقوم إلا بالسلطة السياسية، لذا يصبح الإصلاح رهيناً بوجود السلطة السياسية.          لكن الإصلاح أصبح حاجة ملحةً في عالمنا الإسلامي لما ازداد الاحتكاك بالعالم الغربي المتفوق، عندها تنبهت النخبة الحاكمة في الإمبراطورية العثمانية مثلاً إلى حاجتها الملحة للإصلاح، هذا الوعي يمكن التأريخ له بالقرنين الثامن العشر والتاسع عشر. لكن القرن 19 أكثر القرون كشفاً للذات الإسلامية والضعف الذي آلت إليه. فالعالم الإسلامي بدا ضعيفاً مترهلاً، أما أوربا البورجوازية فظهرت مزوهةً، منتشيةً، وقويةً، بما باتت تحققه من فائض في كل شيء، فقد وصل الأوربيون إلى الإمبريالية، باعتبارها أعلى درجات الرأسمالية، فبدؤوا يصدرون فائض قيمهم، كما صدروا فائض منتجاته إلى من يحتاجها، أو إلى من لا حاجته له بها في الأصل. الأمر الذي فرض على العالم الإسلامي تحديات مختلفة، بدأت سلمية أو متمسحة بالقوة الناعمة، وسرعان ما انتهت عسكرية فجة لا غطاء تتدثر بها غير قناع التفوق الحضاري ووهم المركزية الأوربية المستعلية.        في المبتدأ وقف القيمون على الشأن العربي الإسلامي، من نخبة حاكمة ومن يحوم في فلكها، على الحاجة الملحة إلى لإصلاح العسكري، لأن الاحتكاك الأول مع الغرب كان عنيفاً كاشفاً للذات المنخدعة بوهم قوتها التاريخي، ثم انتقلت تلك الحاجة إلى الميدان الاقتصادي بعد أن وعى أصحاب الشأن في عالمنا الإسلامي بأن مرد التفوق العسكري الأوربي تفوقٌ لا يقل عنه شأناً عاشه الغرب في الميدان الاقتصادي بمختلف تجلياته، مع توالي الاحتكاك بالغرب، طوعاً أحياناً وقصرا أحيناناً أخرى.        أما في المغرب الحديث فقد دخلت فكرة الإصلاح مجال التداول النظري منذ مستهل القرن التاسع عشر، وعرفت نمواً في كثافة الاستعمال بدءاً من العقد الرابع منه غداة هزيمة "إسلي" (1844) حيث لاقت الجيوش المغربية هزيمة نكراء في ظرف زمني وجيز، جعل السلطان وحاشيته يقفون مشدوهين أولاً، ومحاولين، ثانياً، البحث في أسباب الضعف. ثم جاءت هزيمة أخرى أشدُ وقعاً على نفوس المغاربة لما لها من تداعيات نفسية ومالية وغيرها. سميت تلك الهزيمة بحرب تطوان وكانت في 1859/1860 ضد الإسبان. بعد هزيمة "إيسلي" المدوية، وما أعقبها من شروط صلح مجحفة، من خلال اتفاقية "لالة مغنية" في 18 مارس 1845، وهزيمة تطوان المذلة وما أعقبها من شروط صلح أشد إذلالاً، وجدت النخبة المغربية نفسها في حيص بيص، بين من ينادي بالجهاد هروباً إلى الأمام، ومن يبحث في النصوص العتيقة عن تفسيرات لما وقع، هروباً إلى الوراء، وبين هذا وذاك وُجدت عناصر من داخل المخزن المتهالك، بحثت في المسألة بأدوات العصر، فخلصت إلى تبدل الأحوال، وأن الذي كان بالأمس قوياً، ولا يرى في المرآة إلا صورته، بات لزاماً عليه البحث عند الآخر عن سر تفوقه، عله يقف عن أسرار ضعفه، بعد الوهن الذي اعتراه، وكان لما خلفته رحلة المصري "رفاعة رافع الطهطاوي" كبير الأثر في تنوير من يعنيهم الأمر بضرورة الاطلاع على الكيفية التي وصل بها الفرنسيون إلى هزيمة المغاربة بتلك السهولة، وكذا الإسبان. حنان بنبوعنان، طالبة باحثة  في الدراسات الإسلامية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية أبي شعيب الدكالي.

  • ...
    جامعة شعيب الدكالي تحتل ذيل الترتيب وطنيا وإفريقيا..

    ما هي الجامعات الأفضل في أفريقيا؟للإجابة على هذا السؤال، تحاول uniRank  نشر تصنيف أفضل 200 جامعة معترف بها في أفريقيا برسم سنة 2018..وحسب uniRank فإن الهدف هو توفير جدول دوري غير أكاديمي لأفضل الجامعات في أفريقيا استنادًا إلى مقاييس "ويب" صحيحة وغير متحيزة وغير قابلة للتأثر.. مصادر مستقلة على "الويب" بدلاً من البيانات المقدمة من طرف الجامعات نفسها..ويلاحظ في هذا الترتيب أن جامعة شعيب الدكالي تحتل المرتبة 199 ضمن 200 جامعة أفريقية، والمرتبة 11 ضمن 12 جامعة مغربية.. جامعة شعيب الدكالي في ذيل الترتيب.لا أخفي سرّاً إن قلت أن هذا الترتيب لا يرضينا، ولكن تستحقه جامعتنا لعدة اعتبارات  نذكر على سبيل المثال:1- عميد كلية العلوم لا يزال يتنقل يوميا بين الدار البيضاء حيث مقر سكناه، والجديدة حيث مقر عمله منذ تعيينه، قبل حوالي 8 أشهر..  هو آخر من يلتحق بالإدارة وأول من يغادرها؛- عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية أُعيد تعيينه عميداً لولاية ثانية رغم كل الأخطاء الإدارية والفضائح التي ارتكبها خلال ولايته الأولى؛- نائبه المكلف ب "البحث العلمي"، بعد أن وصل إلى سن التقاعد في نهاية سنة 2017-2018، وبعد أن قضى بهذه المهمة الإدارية أكثر من 12 سنة، قدم طلب تمديد حد سن الإحالة على التقاعد إلى سن 67، ليستمر فوق كرسي نائب العميد لمدة سنتين أخريين قابلة للتجديد (أي إلى يتقوّس ظهره)، رغم أنه قتل البحث العلمي بهذه المؤسسة ولم يقدم أي شيء يذكر للجامعة، باستثناء الإساءة إلى سمعتها وصورتها أمام الرأي العام الوطني والمحلي؛- كلية الحقوق (المتعددة التخصصات سابقا) تعتبر نموذجا متفرّدا في السيبة على كافة الأصعدة وبكل ما تحمله الكلمة من معنى، بسبب ضعف إدارتها؛ - أما رئيس الجامعة، فهو غير مبال بما يقع في المؤسسات التابعة له.. له أولويات واهتمامات أخرى.. ها هي بناية مخصصة للبحث العلمي بكلية العلوم (الصورة) جاهزة لاستقبال الأساتذة والطلبة الباحثين، بعد أن انتهت الأشغال بها منذ أكثر من سنتين، ولازالت أبوابها موصدة أمامهم إلى حدود الساعة دون أي سبب معقول.هل فهمتم لماذا جامعتنا في ذيل الترتيب؟ذ. غريب عبد الحقكلية العلوم بالجديدة

  • ...
    قيمة الزمن بين أخلاق التسخير ومسببات التخسير

    لم يختلف مفهوم الزمن في الفكر الإسلامي الكلامي عن التحديدات الفلسفية القديمة، ومنها التحديد الأرسطي للزمن، فنجد المعري يعده هو مقدار الحركة، وعند الأشعري هو كم الحركة، فارتباط الزمن بالحركة ارتباط وجودي؛ ولا وجود للزمن الإنساني خارج نطاق الحركة، ولذلك ارتبط تحديد الزمن بجملة من الآيات والظواهر الكونية المجسدة للحركة، نحو حركة الشمس والقمر والأرض وتعاقب الليل والنهار، وهذه الحركية الدائبة و الدائمة، هي المولدة لظاهرة الزمن، والمحددة لماهيته ومعناه؛ ومن البديهي أن تجد المجتمعات الإنسانية، التي تطبع حياتها السكونية والجمود، يكتنف علاقتها بالزمن الكثير من التوثر والعبث وعدم الاكتراث، وغياب الجدية والمسؤولية، فكلما خفت هذا التماهي الوجودي الضروري و الفريد بين سعي الإنسان وحركية الكون الدائبة؛ كلما أهدرت قيمة الزمن، وإهدار قيمة الزمن مؤشر فعلي على إهدار جملة من القيم الإنسانية الكبيرة، ومنها قيمة العمل والمسؤولية والأمانة، فيكون ذلك في النهاية نحو خرق سنن العمران وانفراط عقد الاجتماع الإنساني. إن جنوح الفكر الإسلامي الأصيل نحو التحديد الحركي للزمن، قطع مع كل التصورات الميتافيزيقية الغامضة والملتبسة في تحديد ماهيته؛ بل إن التحديد الإسلامي أقر بالأبعاد الغيبية المقدسة للزمن، كما شخصها قول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله))، لكن أيضا نجح في إبراز الأبعاد الإنسانية والعملية للظاهرة، من خلال ربطه بحركة الكون وحركة الإنسان؛ لنكون في المحصلة أمام ظاهرة وجودية مركبة، تعكس جدل الغيب والإنسان والطبيعة الكونية، وتفضي لتوليد الكثير من القيم الإنسانية المثلى؛ وقد أفلح القرآن الحكيم في التنبيه على هذا الارتباط الوثيق، والوحدة البنائية للأبعاد الغيبية والقدسية للزمن، والأبعاد العملية والواقعية، والقيم الناظمة لهذه العلاقة التلازمية؛ فقال سبحانه: ((والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذبن آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)). فدل ذلك باللسان العربي الفصيح بما لا مزيد عليه من البيان، أن العصر؛ تلك الظاهرة الغيبية المقدسة، هي أعظم نعم الله التي تفضل بها على الإنسان، وأنها من أهم تجليات الاستئمان (نسبة إلى الأمانة) وأن نجاح الإنسان في الوفاء بمقتضيات الاستئمان، تقتضي التحقق بأخلاق التسخير التي أساسها الإيمان والعمل، مع الابتعاد عن مسببات الخسران و التخسير. وليس هناك تجل في واقعنا الاجتماعي لشيوع منطق الخسران والتخسير من هدر قيمة الزمن، ذلك الرأسمال غير المادي، والكنز الثمين في حياة الأفراد والمجتمعات، كما بات ينظر إليه في عرف شعوبٍ تدرك قيمته، ولو في شقها المادي الصرف. إننا بحاجة ماسة إلى تحقيق مصالحة حقيقية مع الزمن، تنتهي بإعادة النظر في تصورنا للحظة الزمنية وللأزمنة المعاصرة، وتربية الإنسان على احترام قيمة الزمن بما ينعكس على علاقاتنا الاجتماعية في الوفاء بالوعود، واحترام أوقات العمل، والالتزام بإنجاز المشاريع والأعمال والتعهدات في وقتها المحدد، بما يرقى بعلاقاتنا الاجتماعية والمهنية، وينهض بأوضاعنا التنموية والاقتصادية. إن ذلك كله يجعلنا ندرك أن الزمن بوصفه، موضوع شاسع ومفارق وممتد، بحيث يمكن مقاربته من زوايا نظر متعددة؛ لكن الخوض فيه قد يبدأ فكريا، أو فلسفيا، أو دينا، أو أخلاقيا، لينتهي نقاشا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، فلا حدود لامتداداته وأبعاده، لكنه بدون شك يظل مقياسا للتحضر، ومعيارا لمدى تمثل قيم الأمانة والتسخير.   بقلم الدكتور فؤاد بلمودن أستاذ  بكلية الاداب و العلوم الانسانية بالجديدة ، دكتور باحث في الفكر الإسلامي والدراسات المستقبلية.    

  • ...
    الأخوة ودورها في تحقيق الأمن من منظور شرعي

    ان المتمعن في السيرة النبوية يتبين له بان الرسول صلى الله عليه وسلم  عمل على جعل الاخوة صورة عملية بين أفراد المجتمع , وهذا نلمسه من المؤاخاة التي نهجها بين المهاجرين والانصار  أثناء دخوله  المدينة, و في هذا السياق يقول هيكل في كتابه حياة محمد "فلم تكن اقواله وحدها دعامة الدعوة الى هذا الاخاء الذي جعله من حجر الزاوية في حضارة الاسلام بل كانت أعماله و كان مثله هو هذا الاخاء في أسمى صور كماله."[1] و بهذا فان الرسول صلى الله عليه وسلم كما  ذكر لنا محمد علي الصالح  في كتابه الرسول صلى الله عليه وسلم وتنمية الابداع من خلال هذه المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار "رفع المجتمع الى التطبيق العملي "[2], لانه  كما قال محمد الغزالي في كتابه فقه السيرة ,جعل شعار الاخوة "عقدا نافذا , لا لفظا فارغا. وعملا يرتبط بالدماء والاموال لا تحية تثرتر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر".[3]        ثم ان الناظر ان المتأمل في السيرة النبوية لابن كثير يجده ذكر لنا  الطريقة التي أخى بها الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين  والأنصار "قال محمد ابن اسحاق : وأخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار ’ فقال فيما بلغنا ..."تاخو في الله أخوين أخوين ثم اخذ بيد علي بن أبي طالب فقال هذا أخي ...."[4]. وهكذا فمن خلال هذا القول يتبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم  جعل الاخوة  حقيقة عملية: لكونه صلى الله عليه وسلم جعل هذه الاخوة  كما قال د/ علي محمد الصلابي في كتابه السيرة النبوية عرض أحداث وتحليل وقائع "مسؤولية حقيقية تشيع بين هؤلاء الاخوة "[5] , حيث قال تاخو في الله أخوين أخوين".لقد كانت أخوة لا مثيل لها  ترتبت عنها مجموعة من الاثار تمثلت كما ورد في كتاب المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار (نظامها أهدافها أثارها) د محمد صالح جواد مهدي في"حل الأزمة التي اجتاحت المهاجرين ريثما يستعيدوا مقدرتهم المادية و يلموا شعتهم المادي و يلموا شعتهم المعنوي "[6]. كما أنها تمثلت في نشر الالفة وروح التعاون بين المسلمين  و في هذا السياق يؤكد لنا ذ/فتح الله كولن بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد " نفخ في ارواحهم  روح أصرة أخوة اقوى من أخوة النسب "[7].و الحديث التالي الذي ذكره ابن كثير في سيرته يوضح مرة أخرى اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الاخوة : "قال ... ان اخوانكم قد تركوا الأموال و الأولاد وخرجوا اليكم "فقالوا : "أموالنا بيننا قطائع. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم "او غير ذلك " قالوا وما ذاك يارسول الله ؟ قال هم قوم لا يعرفون العمل , فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر قالوا نعم"[8].    ومما ينبغي الاشارة اليه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم عمل على تثبيت مبدأ المؤخاة بزرع روح العقيدة في نفوس المهاجرين والانصار, وهذا  يفسر  النجاح الكبير لهذه الخطوة المحمدية . وبين أن الايمان لا يكتمل حتى نحب لاخواننا مانحبه لأنفسنا .و في هذا السياق يؤكد محمد هيكل هذا الامر بقوله "وحجر أساس هذا الاخاء  هو الاخاء الانساني  اخاء يجعل المرء لا يكمل ايمانه حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه وحتى يصل به هذا الاخاء الى غاية البر و الرحمة من غير ضعف ولا استكالة "[9].1)  صور من بعض مظاهر الامن لهذه المؤخاة :         ان الناظر للأمن المترتب عن هذه المؤاخاة يتبين له انها حققت أمن بكل انواعه , والدليل على ذلك شهادة المهاجرين بذلك كما ورد في سيرة ابن كثير   : مارواه الامام احمد عن أنس بن مالك قال :قال المهاجرون يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل , ولا أحسن بذل من كثير , لقد كفونا المؤونة واشركونا في المهنأ, حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله ..."[10].  فالحديث  اذن يسلط الضوء على امن نفسي تدل عليه عبارة " أحسن مواساة في قليل".كما أنه يدلنا على امن غذائي من خلال العبارة التالية  "لقد كفونا المؤونة". بالاضافة الى أمن مكاني  يدل عليه اللفظ الذي يدل عليه " واشركونا في المهنأ".و فيما يلي بعض الأمثلة لأنواع الأمن المتحقق من خلال هذه الاخوة : -       المؤاخاة و تحقق الأمن الاقتصادي و الأمن الغذائي  :         مما ينبغي الاشارة اليه أنه كان من بين أهم اهداف هذه المؤاخاة :معالجة المشاكل الاقتصادية وسد النقص  الحاصل لدى الصحابة  في هذا المجال. لأنهم تركوا أموالهم وأعمالهم وكل ممتلكاتهم في مكة.         وجدير بالذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم استطاع أن يحقق لهم أمن اقتصادي عن طريق سياسة تقاسم الأموال والاعمال والثمرات مع المهاجرين . حيث طلبت  الانصار من رسول صلى الله عليه و سلم"يا رسول لله اقسم بيننا وبينهم النخل .قال لا قال :"تكفونا المؤونة و تشركون في الثمر " قالوا سمعنا و أطعنا "[11]. وفي هذا السياق يصف لنا ذ/ فتح الله كولن هذه السياسة  "كانت هذه الأخوة قوية الى درجة أن الانصار قسموا اموالهم قسمين و أعطوا قسما منها الى المهاجرين[12]  ."  ليس هذا فقط بل نجد  أن البعض منهم أصبح يؤثر غيره على نفسه, كما جاء في  سيرة ابن كثير أن " سعيد بن الربيع قال قال لعبد الرحمان بن عفو عندما اخى النبي بينهما"انا أكثر أهل المدينة  , فانظر شطر مالي فخذه , وتحتي امرأتان فانظر أيهما أعجب اليك حتى أطلقها فقال عبد الرحمان  بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على السوق ...:"[13]. ان هذا السلوك  من الانصار أدى الى بث العزيمة في نفوس المهاجرين على الذهاب الى السوق و البحث عن عمل للزواج من دون أن يتسببوا  في اي حرج للأنصار. -       المؤاخاة وتحقق الأمن اجتماعي : ان المتأمل في الامن المترتب عن هذه الأخوة يتبين له أنها : مكنت من حل مشاكل المهاجرين الذين فارقوا الأهل و الأحباب و المسكن والاموال "و في هذا السياق نجد كتاب الادارة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يؤكد هذا الأمر" و قد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحل بها الأزمة المعيشية التي اجتاحت المهاجرين بعد مغادرتهم مكة و ينظم علاقاتهم مع اخوانهم من الانصار ريثما يستعيد المهاجرون قدرتخم المالية ويتمكنون من بلوغ مستوى الكفاية الاجتماعية "[14]. وفي هذا الصدد يقول د/احمد ابراهيم الشريف في كتابه الدولة الاسلامية الاولى "ان هذا الاجراء كان ضروريا لتفادي وقوع المهاجرين في مشاكل .. اجتماعية خطيرة و لا سيما أنهم يتقنون لتجارة في حين كانت المدينة دار صناعة وزراعة "[15]. تجلى أيضا هذا الأمن الاجتماعي في كون هذه الأخوة ساعدت في  ايواء المهاجرين و مساعدتهم وتقديم الدعم لهم  ومواساتهم .لأن  الانصار  كما قال د/ محمد صالح جواد مهدي  في كتابه المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار (نظامها أهدافها أثارها) فتحوا  "قلوبهم قبل أبوابهم وساهموا في حل مشكلة السكن ...فلم يكتفوا بمجرد ايوائهم بل وهبوا كل فضل في خططهم من أجل اسكان اخوانهم المهاجرين واشعارهم بالامتلاك و الاستقلال"[16]. وفتحت لهم الباب لتأسيس أسر  بعدما تركوا مساكنهم و أهلهم في مكة .   ان المتأمل في كتاب نظام الادارة في الاسلام يتبين له "أنه لفت الانظار الى ان هذه الأخوة "كانت ضرورية لاذهاب الوحشة والغربة عن المهاجرين ليشد بعضهم بعضا و لا سيما أن المهاجرين تركوا كل المقومات الاساسية للحياة في مكة ".[17] و في نفس السياق نجد السهيلي في كتابه الروض الانف يؤكد لنا هذا الأمر "اخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ليذهب عنهم وحشة الغربة ويؤنسهم من مفارقة الأهل والعشيرة و يشد أزر بعضهم ببعض "[18]  لذلك  كما أشار محمد الغزالي في كتابه فقه السيرة " كانت عواطف الايثار و المواساة و المؤانسة تمتزج في هذه الأخوة وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال "[19].        ان المتمعن لتجليات الأمن الاجتماعي الناتج عن المؤاخاة يتبين له أنها مكنت ايضا من انتشار و ترسيخ  مجموعة من القيم  , نذكر من بينها مايلي:  §      أنها أظهرت لنا صورا جديدة من أنواع التعاون والتكافل الاجتماعي و  تطبيق عملي للقيم الاسلامية . §      اسقطت الفوارق الاجتماعية و أذابت النظام القبلي الجاهلي. وفي هذا الصدد نجد د/ محمد صالح جواد مهدي في كتابه المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار (نظامها أهدافها أثارها)  يؤكد لنا هذا الأمر , " اذا تعد المؤاخاة اشعارا متينا بالمساواة و الوحدة بين الجماعة المؤمنة عمليا , فقد قضت على الثغرات السابقة وذلك بجمع القلوب "[20], لأنها ساوت بين الفقير و الغني , الأسود والأبيض ,المهاجر والانصاري .§       مكنت من  نبذ الفرقة و توحيد الامة , و في هذا السياق نجد كتاب السيرة النبوية عرض أحداث و تحليل وقائع يؤكد لنا هذا الأمر "أسهم نظام المؤاخاة في ربط الأمة بعضها ببعض "[21]. لأن هذا المنهج النبوىي أدى الى التأليف بين العقول والقلوب.كما انه عمل على تنطيم العلاقات لتتحرك بروح الاخوة , وكما أشار د/ علي محمد الصلابي  "لكي يتلاحم المجتمع المسلم و يتالف و تتضح معالم تكوينه الجديد"[22].§      تجلى لنا أيضا مظهر الأمن الاجتماعي للمؤاخاة في نظام الثوارت الذي أفضى الى نتائج اجتماعية و اقتصادية ونفسية , ساهمت في نشر الامن و الاستقرار . §      المؤخاة وتحقق الأمن النفسي: مما لا شك فيه أن هذا الاجراء الاخوي أدى الى حصول الاطمئنان و الارتياح في نفوس المهاجرين. واذهب عنهم وحشة الغربة و فرقة الاهل والمال والمسكن والعمل  . كما ساهم في بعث السكينة و الأمن في نفوس الانصار. لان هذه المؤخاة كانت مناسبة لهم  للامتثال لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم . كما انها كانت سببا في ذكرهم و الثناء عليهم  من فوق سبع سماوات .هذا من جهة , ومن جهة أخرى ان الامن النفسي الذي تحققللأفراد أثناء هذه الأخوة هو ناتج عن روح العقيدة التي نسجت بها هذه الأخوة النبوية . خلاصة : من خلال ما سبق يتبين لنا أن مبدأ  المؤاخاة ساهم في نشر الأمن بكل أنواعه , واشاعة روح الوحدة والأخوة والتعاون بين أفراد المجتمع ثم القضاء على جميع المشاكل  المترتبة عن الهجرة. وكما أكد لنا كتاب المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار (نظامها أهدافها أثارها) د محمد صالح جواد مهدي أنه عالجها "ماديا ومعنويا وعاطفيا ونفسيا ومن كل أنحائها وجوانبها المختلفة "[23] . مما أدى الى اطمئنان الرسول صلى الله عليه وسلم " الى وحدة المسلمين بهذه المؤاخاة و هي لا ريب حكمة سياسية تدلة على سلامة تقدير و بعد نظر ".[24] امتاز بها رسولنا الكريم . و اذا نظرنا الى الواقع نجد أننا نتعامل مع هذا  الحدث العظيم بأنه فترة زمنية من السيرة النبوية  انتهت,  ولا نكاد نسلط الضوء عليه. في حين لو أننا أحسنا استغلال هذه البدرة  التي زرعها الرسول صلى الله عليه وسلم , لحصلنا من خلالها على   مناهج مهمة وحلول للأمة الانسانية تعود عليها بالأمن والاستقرار .  الطالبة الباحثة : زهراء الشرفي حياة محمد,محمد حسين هيكل, مكتبة النهضة المصرية , ط ,13 ,  ص 230[1] [2] الرسول صلى الله عليه وسلم وتنمية الابداع من خلال المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار, مجلة كلية العلوم الاسلامية , العدد 15/2, 1435ه محمد علي الصالح ص 5 فقه السيرة محمد الغزالي ص 179[3] السيرة النبوية لابن كثير ص  325- 324[4] السيرة النبوية عرض أحداث و تحليل وقائع, د/ علي محمد الصلابي  ص,446  [5] المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار (نظامها أهدافها أثارها) د محمد صالح جواد مهدي ص308 [6]  النور الخالد, دار النيل ط 6 ,1432ه  ص 363 [7] السيرة النبوية لابن كثير ص 329-328[8] حياة محمد هيكل ص 229[9] السيرة النبوية لابن كثير ص327[10]  البخاري , الصحيح (ج5 ص 39). النووي شرح صحيح مسلم ج 12ص99   - الادارة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ص 78[11] [12]  النور الخالد  ص 363 السيرة النبوية لابن كثير ص328[13]  الابعاد السياسية لمفهوم الأمن في الاسلام د/ محمود منجود ص 92 , ابن هشام ج 2  ص 91- 93[14] الدولة الاسلامية الاولى احمد ابراهيم الشريف دار القلم 1965 ص 67و 96[15] المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار (نظامها أهدافها أثارها) د محمد صالح جواد مهدي ص 17[16]   نظام الادارة في الاسلام ص 78   [17]  الروض الانف السهيلي ج2ص252[18] فقه السيرة محمد الغزالي ص 180[19] المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار (نظامها أهدافها أثارها) د محمد صالح جواد مهدي ص300 [20]  السيرة النبوية عرض أحداث و تحليل وقائع  436[21] المرجع نفسه ص434   [22] المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار (نظامها أهدافها أثارها) د محمد صالح جواد مهدي ص 301[23] حياة محمد, هيكل ص 224[24]