أعمدة الرأي
  • ...
    الحكامة ومدى تبلور أبعادها وإنبثاق مبادئها بالمجال الحضري لمدينة الجديدة

    إن مفهوم الحكامة La Gouvernance  كمقاربة وفلسفة للتغيير تسعى لتحقيق التنمية برهاناتها وتعقيداتها وفق رؤية استراتيجية معقلنة على مدى القريب والبعيد، الحاضر والمستقبل، مع دراسة الموارد المالية والبشرية والطبيعية(...) لتحديد عناصر الضعف والقوة لرؤية واضحة للنهوض بالشأن العام لتدويب وتجاوز الرؤى التقليدية في تدبير مجال معين ونهج منهج حكماتي ذات برنامج إصلاحي متكامل للحياة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية(البيريسترويكا).إن منطق تدبير المجال الحضري لمدينة الجديدة كمسكنات الآلام بين راحة عاجلة وأضرار أجلة. فالبرامج الإصلاحية ظلت حبرا على ورق بحيث أن هذه الوضعية تتحملها المجالس التي تناوبت على قيادة المدينة بعجز تام أمام تنفيد العديد من الإنجازات سواء على مستوى المشاريع المقررة كإخراج مشروع المقبرة إلى حيز الوجود، أو في ما يخص التنمية الاجتماعية والإقتصادية وغيرها من الخدمات التي تنتظرها  الساكنة. هذه الفلسفة والسياسة التي ينهجها المجلس لم تقدم تلك القيمة التي يطمح إليها الجديديين حيث أن الأزبال في كل الشوارع والأزقة فمشكل النظافة يتفاقم يوم بعد يوم والمواطن الجديدي بعد أن نشأ وشب وأيفع  فقد شاخ وهرم وطعن للحد من هذه الظاهرة. الجديدة كما يحيل اسمها لم تعد جديدة بالنظر لتواجد هذا الكم من الأزبال. علاوة عن هذا البنية التحتية التي تستغيت نتيجة التساقطات المطرية.المطر من نعم الله المباركة فبعد أن كان يسر ويفرح أصبح يفضح ويجرح هنا تستسلم الطرقات والساكنة تشعر بوخزة الآلم الحادة. أما قطاع النقل الحضري يتخبط في فوضى عارمة حيث أن جودة الخدمات لاتتجاوب مع متطلبات الساكنة وبالتالي يجب وضع لجن مراقبة على سائقي سيارات الأجرة الصغيرة لأنهم يتلاعبون بالزبائن يحددون وجهاتهم وثمن رحلاتهم دون حسيب أو رقيب، أما شركة 'إيكينوكس' فحدث بلا حرج، لذا الساكنة مازالت تعيش نفس المعاناة اليومية مع وسائل النقل. ناهيك عن الظلام الذي يخيم على أغلب المناطق والأحياء بسبب غياب الكهرباء وعدم صيانة التجهيزات التي قد تتسبب في إنتشار الجرائم التي تهدد آمن وحياة الساكنة. فالتسول وتكاتر الباعة المتجولين في كل زمان ومكان وقلة التجهيزات العمومية وندرة المساحات الخضراء وتلوت الجو والمياه والترامي على الملك العام. اختلالات طمست هوية المدينة هنا يجب وضع حلول وإعادة النظر في المشاريع والرؤى التقليدية في تدبير هذا الشأن المحلي. مدينة الجديدة تفتقر للحكامة الجيدة على مستوى التدبير الجماعي فتراجع روح المواطنة والإلتزام السياسي وإعطاء الأولوية للمصلحة الفردية عن نظيرتها الجماعية ومحدودية الوسائل المالية والبشرية والتقنية وتقل المساطر الإدارية وأساليب الوصاية التقليدية كلها عوامل أضرت بالعمل الجماعي بالمدينة. فالساكنة لا تريد خطابات ووعود بل تريد كفاءات  بشرية ستقدم الإضافة على مستوى إعداد الملفات والمشاريع وعلى تنفيد قرارات المجلس الجماعي تحت تناسق كل الهيئات المتداخلة في تدبير المدينة مع تخفيف الوصاية القبيلة. فالحكامة الجيدة داخل هذا المجال شبه مفقودة لأن مبادئها وأبعادها في خبر كان في ظل هذه المشاكل الذي تعيشها المدينة لذا يجب إقرار المجلس لوضع مخطط استراتيجي على المدى القريب والبعيد ببرامج واضحة المعالم في كل الميادين وفق رؤية شاملة من طرف كفاءات مؤهلة ولإعادة النظر في منظومة الإعلام والتواصل، ووضع لجن مراقبة لتقييم مستمر خصوصا على رأس المجلس لحماية المال العام (المساءلة والمحاسبة) في حالة نجاح أو إخفاق لتحقيق التنمية الإقتصادية ولبلوغها يجب ربطها بالعدالة الإجتماعية. لأن الحكامة لا تتحقق إلا بالعدالة والديمقراطية خصوصا التشاركية، لذا فهذا المجال(مدينة الجديدة) يحتاج لإرادة سياسية بإصلاحات تشريعية وهيكلية وتأهيل للموارد البشرية قصد تثمين مؤهلات المدينة.

  • ...
    مساهمة الفارابي في الفكر العالمي.. موضوع ندوة علمية بكلية الآداب بالجديدة

    تم تنظيم ندوة فلسفية بمركز دراسة الدكتوراه بجامعة ابي شعيب الدكالي بالجديدة مساء 9 نونبر 2019 حول موضوع مساهمة الفارابي في الفكر العالمي بشراكة كلية الآداب والعلوم الانسانية ومؤسسة الرعاية الاجتماعية لمجموعة التجاري وفا بنك في اطار سلسلة " من أجل فهم أفضل "، شارك فيها نخبة من الأساتذة الباحثين في مجال الفلسفة بنفس الكلية ومن خارجها : ذ. محمد نعيم وذ. عادل حدجامي وذ .السعيد لبيب وذ. احمد كازا، بتنشيط من الاعلامي الشاعر عبد الحق نجيب. بعد كلمات الترحيب لمؤسسة الرعاية الاجتماعية وكلمة نائب عميد كلية الآداب اللذان أشارا أن اللقاء يدخل في اطار الإشادة بكفاءة الأطر العلمية المغربية عن طريق التفكير والحداثة، وأن اختيار اسم الندوة بعنوان :" مساهمة الفارابي في الفكر العالمي" أحد أقطاب الفلسفة العربية وشهرته واسهامه الانساني، وعن أهمية التراث العربي الاسلامي وكتابات الفلاسفة العرب ..وجاءت مداخلات الأساتذة للحديث عن أبي نصر محمد الفارابي بكونه فيلسوفا عظيما ومفكرا برع في الأدب والفلسفة والمنطق والموسيقى وكتبه المهمة ك" إحصاء العلوم" و" آراء أهل المدينة الفاضلة " و"السياسة المدنية"  ودوره في الاصلاح الاداري والسياسي ..وبكونه كان يحب العزلة والتأمل بعد رحيله الى بغداد حيث عاش حياة الزهد والتقشف ولم يكن يأخذ من سيف الدولة الحمداني إلا القليل من المال ..، كما أبدع في طرح مفهوم السعادة وفضل الأخلاق لإصلاح المجتمع ..واعتبره المساهمون في الندوة فيلسوفا علميا عالميا لغزارة انتاجاته وتنوعها وله اتباع من مختلف الديانات ومؤسسا للتفكير من  خلال الفكر الفلسفي الافلاطوني والارسطي والافلوطيني ونظرية الفيض...وقد عرفت الندوة حضورا مميزا لثلة من  الأساتذة والمهتمين والطلبة الباحثين الذين ساهموا في اغناء النقاش وإثرائه . 

  • ...
    رؤساء جماعات في الفيسبوك

    لسنا هنا بصدد الترافع عن دور وسائل التواصل الاجتماعي في التأثير على الجماهير و تعبئتها ، و صنع الأحداث ، والتواصل مع جمهور عريض ، و التفاعل مع المستجدات ، و عرض البرامج ، و التعبير عن وجهات النظر ..  فبإطلالة بسيطة على مواقع فيسبوك و تويتر وغيرها ، يمكن أن نلاحظ توفر كل الشخصيات المؤثرة في العالم على حسابات موثقة في هذه المواقع ، يتابعها الملايين ، ويتفاعلون معها ، و تعتبر مادة للصحافة ، و حديث الرأي العام ... فالفاعل السياسي الذي همه تغيير المجتمع و فهمه و التأثير فيه ، لابد له في هذا العصر من ولوج مواقع التواصل الاجتماعي التي تحتوي حسابات لأكثر من ثلاثة ملايير من سكان العالم .         في بحث بسيط أجريته بمساعدة أصدقاء من منطقة الزمامرة بإقليم سيدي بنور، تم بناء على لائحة اسمية لرؤساء جماعات الزمامرة و سانية بركيك و الغنادرة و اولاد اسبيطة و الحكاكشة و الغربية و الوالدية ، اعتمدت فيه على معيارين بسيطين  ، أولهما التأكد من توفر رئيس الجماعة على حساب معروف على فيسبوك ، و ثانيهما  ملاحظة ما إذا كانت المواد المنشورة من طرف صاحب الحساب تبين بالملموس أنشطته  كرئيس جماعة ...  بعد البحث و التقصي و الاستماع :الى مهتمين و فاعلين في الفضاء الأزرق بخلفيات متعددة ، خلصنا الى النتائج التالية     - يتوفر رئيس جماعة واحد ( يتعلق الأمر هنا بالأستاذ عبد الله الهواري رئيس جماعة الحكاكشة  عن فدرالية اليسار الديمقراطي ) على حساب باسمه الكامل على موقع فيسبوك  ، يتواصل فيه مع سكان الجماعة و ينشر فيه منجزاته و كل الأخبار المتعلقة باختصاصاته كرئيس و رقم هاتفه ، بل يتفاعل مع تعليقات المتابعين ( نحن هنا لسنا بصدد تقييم الإنجازات أو الترويج لها أو التنقيص من شأنها ،فهذه ليست غايتنا هنا ، و هذا موضوع اخر ) ... فيما يبدو أن رؤساء الجماعات الخمسة الأخرى لا يتوفرون على حساب معروف و نشيط ..     - يشاع على نحو واسع في أوساط مرتادي فيسبوك ، أن بعض رؤساء الجماعات ربما يمتلكون حسابات بأسماء مستعارة ، و هذا ما يثير الدهشة حقا ، إلا أننا لا يمكننا الجزم بصحة هذه الاخبار.      - يروج أن بعض رؤساء الجماعات الذين لا يتوفرون على حساب باسمهم ، يلجؤون الى بعض أنصارهم الذين يلجون موقع فيسبوك و يشتغلون ككتائب الكترونية  للترويج لأسمائهم و تعداد مناقبهم و منجزاتهم .     - يبدو أن رئيس جماعة الحكاكشة يستفيد من مهاراته التواصلية باعتباره أستاذا و فاعلا حقوقيا و نقابيا سابقا ، فيما يبدو أن المستوى الدراسي للبعض و مهاراتهم التواصلية ربما لا تسعفهم للدخول الى عالم مفتوح للحوار و الرأي و الرأي الاخر ...   - يبدو أن سبب عدم توفر بعض الرؤساء على حسابات فيسبوكية ، ربما يرجع لعدم رغبتهم في فتح قنوات التواصل المفتوح مع المواطنين ، لما قد يسببه ذلك من إحراج  هم في غنى عنه ، مادام لا قانون يلزمهم بذلك ...  - يمكننا الجزم بأن جل رؤساء الجماعات الخمس ، و رغم أنهم قد لا يتوفرون على حسابات في مواقع التواصل ، فإنهم يتابعون أخبار المواقع الالكترونية و مواقع التواصل الاجتماعي ، فتراهم غالبا يحرصون على أخذ الصور في كل أنشطتهم ، ويعبرون تارة لأنصارهم في مجالسهم الخاصة ، عن شكرهم لشخص ما كال لهم المديح ، أو عن غضبهم من شخص اخر انتقد سلوكهم السياسي على موقع فيسبوك...      ختاما ، هذه نتائج نسبية و غير قطعية لهذا العمل البسيط في هذا الموضوع المعقد الذي يحتاج بحثا اكاديميا رصينا ، لكننا نعتقد أنه في إطار حديث الدولة و الفاعلين السياسيين المتزايد عن الشفافية و الحق في المعلومة ، و إشراك المجتمع المدني ، و إلزام وزير الداخلية مؤخرا الرؤساء بنشر ميزانيات الجماعات للعموم ..  ربما حان الوقت لإلزام المؤسسات العمومية و المجالس المنتخبة بضرورة الانفتاح أكثر على المواطنات و المواطنين ، و ولوج عصر مواقع التواصل الاجتماعي ...

  • ...
    وأخيراً.. سقطت ورقة التوت عن رئيس جامعة شعيب الدكالي بالجديدة

    يقول إبراهام لنكولن: “تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت أو بعض الناس كل الوقت ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت”.صدق إبراهام لنكولن، وافتضح أمر رئيس جامعة شعيب الدكالي ومعه المسؤلين بكلية الحقوق، بعد أن ظلّوا لسنوات يخدعون أبناء وبنات إقليم الجديدة، وهم يبرّرون في كل مناسبة أن عدم فتح مسلك القانون بالعربية بكلية الحقوق بالجديدة  واعتماد شرط العتبة (le seuil) للتسجيل بمسلك الاقتصاد سببه هو ضعف الطاقة الاستيعابية بالمؤسسة.كيف افتضح أمرهم؟عرفت بداية السنة الجامعية 2019-2020 خلق مؤسسة جامعية جديدة تابعة لجامعة شعيب الدكالي بسيدي بنور، وهي الكلية متعددة التخصصات.. وبما أن هذه الكلية الجديدة لا تتوفر على مقر بسيدي بنور، فإن رئيس الجامعة أبى إلاّ أن تكون كلية الحقوق بالجديدة، هي الحاضنة لهذا المولود الجديد، رغم أنها تشكو وتعاني، حسب كلامه، من ضعف الطاقة الاستيعابية، والتي بسببها تعتمد عمادة الكلية شرط العتبة للتسجيل بمسلك الاقتصاد لتقنين عدد المسجلين، وترفض فتح مسلك الحقوق بالعربية.جدير بالذكر أن كلية الحقوق بالجديدة افتتحت أبوابها سنة 2004 تحت إسم الكلية متعددة التخصصات، وقد انطلقت بمسلك واحد وهو مسلك الاقتصاد، معتمدة العتبة (le seuil) كشرط للتسجيل، ضدّاً على القانون.. وإلى حدود اليوم، أي بعد 15 سنة على انطلاق هذه المؤسسة، لا يزال شرط العتبة معتمداً، ومسلك القانون بالعربية غائبا، علما أن الهدف الأول والرئيسي الذي من أجله تمّ خلق هذه الكلية سنة 2004، والذي صادق عليه مجلس الجامعة هو فتح مسلك الحقوق بالعربية، نزولا عند رغبة ساكنة الإقليم.قد يقول قائل أن عدد الطلبة المسجلين بالكلية الجديدة التابعة لسيدي بنور عدد قليل هذه السنة، وأنهم لن يستغلوا إلاّ عدداً قليلاً من القاعات بكلية الحقوق.. ونحن نقول له أن القاعات التي سيتم استغلالها داخل كلية الحقوق من قبل المولود الجديد هي أولى بالطلبة الذين يرغبون في متابعة دراستهم بمسلك الاقتصاد، والذين تحرمهم عمادة كلية الحقوق ظلماً وعدواناً من التسجيل باعتمادها شرط العتبة غير القانوني، وتجبرهم من متابعة دراستهم في مدينة سطات أو في مدن أخرى، ثم نسأله: متى ستفتح الكلية متعددة التخصصات بسيدي بنور أبوابها؟ وللجواب على هذا السؤال الأخير، لابد من الإشارة إلى أن الإجراءات لاقتناء أرض بسيدي بنور، من أجل بناء نواة جامعية لازالت جارية،  وإذا أخذنا بعين الاعتبار الوقت المتطلب لبناء هذه النواة، بدءً بإنهاء عملية الاقتناء، ومروراً بحصول الرئاسة على ميزانية مخصصة للبناء والإعلان عن طلب عروض التهيئة والتصميم  والبناء والتجهيز وما إلى ذلك، فإن مقر الكلية متعددة التخصصات بسيدي بنور لن يرى النور إلاّ بعد سنوات وسنوات، ليُطرح السؤال: كم من الوقت ستستمر كلية الحقوق بالجديدة تحتضن الكلية متعددة التخصصات التابعة لسيدي بنور؟ وعلى حساب من سيكون ذلك؟ وإلى متى سيبقى أبناء وبنات إقليم الجديدة مجبرين على متابعة دراستهم في مسلكي الحقوق بالعربية والاقتصاد بسطات أو بمدن أخرى، رغم هشاشة وضعهم الاجتماعي، ورغم حقهم في متابعة دراستهم العليا بمدينتهم؟في الأخير، لابد من التذكير بأننا كنا دائما، وسنبقى، مع توسيع جامعة شعيب الدكالي وخلق مؤسسات جامعية جديدة، بيد أننا نؤكد أن ذلك لا يجب أن يكون على حساب المؤسسات القائمة، وأننا سنستمر في الدفاع من أجل حق أبناء وبنات إقليم الجديدة في متابعة دراستهم العليا بمدينتهم في مسلك الاقتصاد دون قيد أو شرط، وفي مسلك الحقوق بالعربية.ذ. عبد الحق غريبكلية العلوم بالجديدة

  • ...
    بخصوص مباريات انتقاء أساتذة التعليم العالي بالجامعة المغربية

    سبق لنا أن نشرنا هذا المقال سنة 2016 في عدد من الجرائد والمجلات الإلكترونية نظرا لما خلفه تطبيق مساطر انتقاء أساتذة التعليم العالي بالجامعات المغربية من طعون وسجالات وكذلك اقتراحات و نظرا كذلك لكون عدم الرضا هو السمة الطاغية والغالبة عموما عند فئات واسعة من المترشحين الحاصلين على الدكتوراه الذين لم يتوفقوا في الالتحاق بالجامعة. ما من شك أنه بعد حوالي عقدين من تطبيق هذه المساطر لا زالت في حاجة إلى تطوير وإغناء لكي تواكب تطور الجامعة المغربية وتحقق نوعا من الشفافية التي تغيب عنها حاليا بشهادة سواء الجامعيين أعضاء اللجان وكذلك الملاحظين الخارجيين لا سيما المترشحون منهم لمناصب أساتذة باحثين. هكذا نعتقد، بعد مضي ثلاثة سنوات، لم يفقد المقال راهنيته ومازالت أسباب نزوله قائمة. لكن نريد منذ البداية أن نؤكد على عدم مشاطرتنا لبعض الاقتراحات التي وردت في الآونة الأخيرة كتلك التي تطالب بلجان مركزية لانتقاء الأساتذة الباحثين بدل اللجان في صيغتها الحالية. نعتقد أن وجود لجان مركزية سيطرح تناقض وتنافي مع القانون 01 00 المنظم للتعليم العالي والذي يشدد على استقلالية الجامعات على الصعيد العلمي والبيداغوجي والإداري.  وهذا يشكل نوعا من النكوص والتراجع الذي ليس في صالح الجامعة المغربية التي يفترض فيها أنها قطعت أشواطا في الاستقلالية. وفي مايلي نص المقال مع بعض التعديلات والإضافات التي أدخلناها عليه في صيغته الحالية المحينة.     تكاثرت وتواترت خلال السنوات الأخيرة السجالات والنقاشات سواء على مستوى صفحات الفضاء الأزرق أو من خلال بعض منشورات الصحافة الإلكترونية والورقية عن غياب الموضوعية والمعايير الصارمة لانتقاء واختيار الأساتذة الباحثين في المباريات الخاصة بذلك بالجامعة المغربية. ونحن نعتقد بصدق أن هذا النقاش صحي لأنه وضع الأصبع على مشكل عويص كثيرا ما قد يتسبب في انتقادات وطعون وفي الاعتقاد الراسخ بالاقصاء لدى البعض على حساب انتقاء البعض الآخر بعيدا عن أجواء الموضوعية في الاختيار ومعايير الشفافية والاستحقاق. بالتأكيد أن الموضوع جدير بأن يتم فتح النقاش العام بشأنه فيدلي الجميع برأيه من مهـتمين و أساتذة جامعيين ونقابيين وحاصلين على الدكتوراه وكذلك الطلبة الذين هم في إطار تحضيرهم للدكتوراه. هذا ما سنحاول بدورنا القيام به لندلي بدلونا في الموضوع من خلال تجربتنا المتواضعة في التدريس بالتعليم العالي. الأكيد أن تجربة الانتقاء الحالية في شقيها: أي بالاعتماد على وضع ملف يتضمن الإنتاج العلمي والتجربة البيداغوجية وإجراء مقابلة أمام أنظار لجنة خاصة مازالت تجربة فتية بالجامعة المغربية وبالتالي هي في حاجـة لتـطويرها ولتحسينها وإغـنائها بالاستفادة من بعض نـواقــص المـمـارسة الـيومـيـة في مخـتلف الـمؤسسات الـجامـعية. كـما أن أيـة شـبـكـة للـتـقـييم (grille d’évaluation ) موحدة وجاهزة قبليا، مهما كانت دقتها ووجاهتها، لن تستطيع  استيفاء و إدراج جميع المعايير مع الأخذ بعين الاعتبار كل التخصصات العلمية والأدبية والتقنية نظرا لتداخل مجموعة من  العوامل الكمية والكيفية المعقدة في اختيار المرشح المناسب للمنصب المتبارى حوله. لقد حرص المشرع من خلال مجموعة من الإجراءات على جعل المباريات الخاصة بانتقاء أساتذة التعليم العالي تخضع للشفافية وتكرس مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص ونذكر من بينها: - قيام المؤسسة الجامعية بعد توصلها بقرار المباريات من وزارة التعليم العالي بنشر إعلان مضمون المباراة بشكل إلزامي في جريدتين وطنيتين وذلك 15 يوما قبل آخر أجل لإيداع الترشيحات. وقد ابتغى المشرع كما أسلفنا الذكر من ذلك تكريس مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص و الشفافية بين جميع المترشحين في مباريات التوظيف في المناصب العمومية.- كما تعمل وزارة التعليم العالي على نشر هذه الإعلانات على موقعها الرسمي لكي يتمكن الجميع من الاطلاع عليها بكامل الشفافية. ويجب على الجامعات والمؤسسات الجامعية أن تحدو بدورها حدو الوزارة و ذلك مع الحرص أن تكون مواقعها هذه محينة وتعمل باستمرار وبدون انقطاع وهو الشرط الذي لا يتوفـر دائما.- نشر النتائج النهائية بالجريدة الرسمية.- نشر الإعلانات بموقع وزارة الوظيفة العمومية...كما سيكون من المفيد جدا لتحقيق المزيد من الشفافية جعل الاطلاع على اللائحة الكاملة لجميع المـرشحين، المقبولين والمستـوفين للشروط، الذين سيتبارون من أجل المنصب أمرا ممكنا بالمؤسسة المعنية. ولا نرى أن هذا الأمر سيؤثر بشكل من الأشكال على عمل اللجنة و سرية اشتغالها وحرية تداول أعضائها في ما بينهم لاختيار المرشح المناسب لنيل المنصب.ومن بين المسائل التي ستضفي المزيد من الدقة والشفافية على عمل اللجنة:- ضرورة تعليل قرار الاختيار نظرا لأن أعضاء اللجنة الواحدة قد يختلفون حول دواعي الانتقاء: هل هو الإنـتاج العلمي أم التجربة البيداغـوجية أم الحاجة لتخصص دقيق(spécialité pointue ) أم هـذه الأسباب مجتمعة معا ؟ لدرجة أن الأمور قد تختلط أحيانا فلا ندري هل سنختار فقط الأستاذ الجاهز الذي ستسند له ساعات التدريس أم الباحث الشاب كمشروع للمستقبل. لذا فـالتعليل سيـجعل اللجنة تكون واضحة وموحدة في معايير اختيارها. التعليل الإداري يجب أن يكون كذلك واردا في حالة عدم التمكن من احترام ترتيب المرشحين الأوائل في التصنيف واللجوء للاختيار الثاني: هل هو نتيجة تخلف صاحب المرتبة الأولى عن الحضور أم لأسباب أخرى؟  - مراعاة عامل السن نظرا لأهميته بالنسبة للجامعة المغربية التي تعاني من معدل السن المتقدم بالنسبة للأساتذة الباحثين ويطرح ضرورة التشبيب وإيجاد أجيال جديدة من الأساتذة الباحثين كخلف لأسلافهم. كما أن الرهان على السمو بالبحث العلمي والرفع من قيمته بالبلاد يجعل من التشبيب أولوية الأولويات.لكن الملاحظ أن أكبر خلل يعـتري مساطر انتقاء الأساتذة الباحثين يتعلق أساسا بطريقة تشكيل هذه اللجان المـشرفة على الانتقاء واخـتيار أعضائها. ويـمكن أن نعـتبر مسطرة تشـكيل اللجـان هي نقـطة الضعـف الكبـرى أو " وتـر آشيل" الحساس (tendon d’achillle). فهذه اللجان غالبا ما تـتـشكل من نفس الأشخاص وكأنها لجان شبه قارة أو بالأحرى بأعضاء لا يتغيرون. وهذا مخالف لما ابتغاه المشرع من أن تتغير اللجان باستمرار لكي لا تتشكل أية عضويات شبه دائمة أو شبكات لتبادل المصالح وغير ذلك من الأمور ذات التأثير السلبي والمولدة في نفس الوقت لشتى أشكال الطعونات. فعمداء الكليات ومديرو المدارس العليا يعمدون أحيانا، في إطار الصلاحيات المخولة لهم قانونيا والتي تتعلق أساسا بتعيين أعضاء اللجنة ورئـيسها، على اختيار نفس الأساتذة واقتراح نفس الأشخاص بشكل غريب ويطرح العديد من الأسئلة لدى الملاحظين. فتارة يبرر المسؤول هذا الاختيار بغياب الأستاذ المتخصص في المجال وطورا بعدم وجود إطار أستاذ التعليم العالي وغير ذلك من التبريرات التي لا تصمد أمام الواقع العنيد. هذا يظهر جزءا من التخبط الذي تعاني منه مسألة تشكيل لجان انتقاء الأساتذة نتيجة الصلاحيات، الواسعة والغير المقننة بشكل دقـيق،  للعـمداء ومـديـري الـمـدارس العـلـيا. فالمادة الخامسة من قرار وزير التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي رقم 1125.97 الصادر بتاريخ 28 من صفر 1418 موافق (04 يوليو 1997 ) الخاص بتحديد  إجراءات تنظيم مباريات توظيف الأساتذة المساعدين تنص على أن العميد أو مدير المؤسسة "يعين أعضاء اللجنة ورئيسها بناء على اقتراح من رئيس المؤسسة المعنية " وكذلك لا تفلت لجان منـاقشة الأطـروحـات و الأبحاث الجامعية من نفس الظاهرة حيث تتكون، في بعض الأحيان، مجموعات شبه دائمة أوبالأحرى بأعضاء شبه دائمين وهذا موضوع آخر لا بد من التطرق إليه وإن كان موضوع شكايات قليلة أوشبه منعدمة  إذا ما قارناه بلجان انتقاء الأساتذة الباحثين.ويكفي أن نستعرض طريقة تكوين اللجان في بعض المؤسسات للتأكد من أن نفس الأسماء تتردد باستمرار وكأنهم أضحوا أعضاء شبه دائمين لا يطالهـم التغيير في تناقـض تام مع روح النص القانوني والمذكرات الوزارية الخاصة بهذا الشأن وما توخاه المشرع من وراء تنزيلهم. كما يوجد أساتذة لا تتم المناداة عليهم بالمطلق في أية لجنة للانتقاء بشكل يثير علامات استفهام كبيرة. ولاستبعاد مثل هذه الممارسات التي تسيء للتعليم العالي وتثير الشبهات يجب التفكير في طريقة تشرك جميع الأساتذة، المؤهلين للقيام بعملية الانتقاء، في أن يكونوا أعضاء في اللجان بطريقة تناوبية. لن يتم ذلك سوى عن طريق تشكيل لائحة من الأساتذة مع مراعاة التخصصات، فتتم المناداة عليهم بالتناوب حسب ترتيب محكم يخضع لضوابط تجعل من إمكانية أو احتمال ورود نفس الأشخاص ونفس التشكيلات أمرا شبه مستحيل. ويجب الحسم في بعض الإشكاليات المطروحة مثل أولوية التخصص على الإطار. ونقصد التخصص هنا بمعناه الدقيق وليس الفج والعائم.  فالمادة الخامسة من قرار وزير التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي رقم 1125.97 الصادر بتاريخ 28 من صفر 1418 موافق (04 يوليو 1997 ) الخاص بتحديد  إجراءات تنظيم مباريات توظيف الأساتذة المساعدين تركز على ضرورة  توفر أساتذة التعليم العالي أو من يقوم مقامهم في حالة تعذر الأمر، بينما لا  تراعي إلى حد ما التخصص. نحن نرى أنه لا يجب أن يتم الواحد على حساب الآخـر كما يـقع في بعـض الأحيان عـندما نضحي بالتخصص لـصالح الإطـار " في حالة عدم التوفر على العدد الكافي من أساتذة التعليم العالي بالمؤسسة في ميدان المناصب المتبارى حولها، جاز لرئيس هذه الأخيرة أن يستدعي أساتذة مؤهلين حاصلين على التأهيل الجامعي أو دكتوراه الدولة أو أساتذة التعليم العالي خارجين عن المؤسسة أو أساتذة باحثين أجانب ممن يتوفـرون على نفس المؤهلات" نعتقد أن التخصص في تكوين اللجنة هو أولى من إيجاد لجنة مكونة فقط من أساتذة التعليم العالي. أي بمعنى في حالة عدم توفر المتخصصين من أساتذة التعليم العالي نعطي الأولوية للتخصص. والدول الأنكلوساكسونية هي جد متقدمة في احترام التخصص الدقيق على حساب الإطار فتدمج في اللجان الأشخاص ذوي الخبرة وذوي الكفاءات من غير الجامعيين وغير المنتمين للجامعة.كما نرى ضرورة استبعاد العمداء ونوابهم المكلفين بالبحث العلمي من عضوية هذه اللجان التي تنتقي الأساتذة الباحثين. نعتقد أنه من الطبيعي أن العمداء ونوابهم (أثناء فترة مزاولة مهامهم الإدارية بالمؤسسات (هم الذين يسهرون على تشكيل اللجان وبالتالي يطرح ذلك نوعا من التنافي خصوصا عندما يتعلق الأمر بميدان اشتغالهم أو تخصصهم. نرى أن هذا الإكراه لا يجب أن يطرح فقط من الناحية المعنوية كوازع أخلاقي بل ضرورة أن تنصص عليه القوانين باستحالة الجمع بين المسؤولية الإدارية في تشكيل اللجان والحصول على العضوية في إحداها.  وفي حالة استحالة وتعذر التحاق أحد الأساتذة في تخصص معين لسبب ما بلجنة للانتقاء يجب أن يخضع الأمر لتعليل إداري بمرجعية موثقة لتعويضه بمن يليه في اللائحة. التعليل قد يكون رد كتابي من الأستاذ على مراسلة رسمية باستحالة انضمامه إلى اللجنة نظرا لإكراهاته أو للالتزامات. بالتأكيد يجب أن تتطور الأمور باستمرار من خلال استقراء التجارب الواقعية والإنصات للمتضررين أو لمن يعتبرون نفسهم ضحايا هذه المنظومة. هذا لا يعني أن كل اللجان مطعـون فيها أو مشكوك في أمرها ونزاهتها لكن يجب أن نبتغي درء الشبهات واستبعاد احتمال أي تلاعب يأتي من أي طرف كان. فتشكيل لجان انتقاء الأساتذة الجامعيين لا تخضع لنفس معايير تشكيل فريق كرة قدم أو تأسيس نادي ثقافي لأن إنشاء مجموعات من هذا القبيل ينبني على تفاهم الأفراد واتفاقهم المسبق والقبلي على عدة أمور لتحقيق نوع من التناغم في ما بينهم. أما اللجان الجامعية لانتقاء الأساتذة الباحثين فـيجب أن تتشكل وتتفكك باستمرار بالاعتماد عـلى جميع الطاقات بـتـنوعها واختلافها بدون استبعاد لأحد وبدون محاباة لأي طرف لأن رهاناتها كبيرة ولا تـحتمل بتاتا أن تتم في انعدام لـلشفافية.عبد العزيز الماحيأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدةالجديدة في: 29/10/2019.

  • ...
    الإجرام كما يعبر عن نفسه

      لفهم موضوع ما لابد من الولوج اليه من الداخل، و فهم ظواهره كما يعبر عنها أصحابها، و حقل الإجرام يحمل في داخله مجموعة من المفاهيم و الدلالات التي يعبر من خلالها على موضوعاته، مثل؛ "لعدة، السِيف، مدوز، الوشم، عنيبة،...".  بينما أنا جالس في المقهى أقرأ في كتاب العنف و المقدس صاحبه رونيه جيرار، في الفضاء الخارجي للمقهى كان يجلس مجموعة أصدقاء ينتمون الى حقل الإجرام يفصلني بينهم حجاب النافدة.كانت هذه الجلسة الى جانبهم لمدة ساعة و نصف بمثابة مقابلة أجراها باحث علم الإجتماع في موضوع الإجرام. فزيادة على الخلفية الأكاديمية، فقد وفرت لي هذه الجلسة معطيات دسمة لفهم الموضوع، فقد إستطعت من خلالها سبر أغوار هذا العالم الخفي الذي قلت فيه الدراسات لصعوبة الولوج اليه من طرف الباحثين، فقط دراسات سطحية بعيدة كل البعد عن المعنى الذي يعطيه الفاعلون في هذا الحقل لأفعالهم..من خلال المفاهيم الدارجة التي عبروا بها عن الموضوع يمكن فهم هذا الحقل جيدا: السيف: السيف دلالاته لا تتعلق بما يعطيه له عامة الناس من كونه آلة حادة من جهتين، و إنما دلالاته في هذا الحقل تختلف تماما؛ فالسيف له سلطة رمزية أكثر مما هي مادية، لأن هذه الوسيلة يصعب إمتلاكها أولا، فهي تباع في سوق سوداء يصعب الحصول عليها بسهولة، لأن الأمر يتطلب معرفة عميقة بشبكة تشتغل في السر، كما أنه يتهادى بين المجرمين الكبار كنوع من التزكية و إعتراف الكبير بالصغير، كما يحكي أحدهم؛ أن كبير المجرمين في حيهم تم إهداؤه سيف من مجرمين اخرين من مدينة الدار البيضاء في سرية تامة، كنوع من تبادل الهدايا و تقوية للعلاقات. مدوز: و هو مصطلح يعني قضاء مدة معين في السجن، و لا يتم الإعتراف بالمجرم من طرف البقية إلا حين يقضي السجن أكثر من ثلاث مرات و على قضايا كبيرة جدا، فلابد لسجله العدلي أن يكون مثقلا بالجرائم، كما عبر أحدهم عن ذلك بالدارجة " صطيكة مجرم عليك، مدوز الحبس أكثر منك، انت جيت غي لبارح و باغي دير فيها عايق.."لعَدة: و هي العُدة المهيأة للصراعات و النزالات، فلابد لكل مجرم أن تكون له عدته الخاصة. و العدة تختلف من مجرم لآخر حسب درجة الإجرام، و السيف أحسن العدة و أقواها. لمنْطقة: و هي أن كل فئة ترسم لها منطقة محددة تشتغل و تحرك داخلها، و يمنع على الاخرين التواجد فيها، مستعمرة تتحدد حدودها وفق صراعات و توازنات القوى. فمن خلال حديثهم يتضح أنهم مجموعة تنتصر لرئيس معين، و تفتخر به لأنه يفعل ما يقول، و يقضي السجن بسهولة، كما أنه يتمتع ب"رجولة" كبيرة جدا. الوشم: لا يسمح لأي كان أن يرسم وشما على جسده، إلا إذا قضى مدة معينة في السجن، كما أن نوع الوشم له دلالة رمزية مهمة، و كل واحد في هرم الإجرام عليه أن يضع من الوشم ما يلازم رتبته. عنيبة: و هو مصطلح يعني الشاب المصاحب للفتيات على الدوام، إلا أنه لا يجامعهم، فهو مقبول بين الفتيات لأنه يقدم خدمة كبيرة لهن في جلب الأدوات و قضاء الحوائج، إلا أنه مثله مثل باقي الفتيات. هذا النوع ممقوت من طرف المجرمين لأنه يمنع عنهم الوصول الى الفتيات، كما أنه لا يتمتع برجولة كاملة. كما يطلقون هذا المصطلح على الشاب الذي يسمح بتقويد أخت أو أمه.كيلي ميني: و هي الفئة الأخرى من الناس من دون المجرمين، فالمجرمون فئة من دون الناس، لهم عالمه و قوانينهم الخاصة بهم، و "كلي ميني" كل شخص عادي لا يستطيع الدفاع عن نفسه ضد الاخرين و حماية عشيقته منهم. فدائما ما يتم التمييز بين نحن و هم. و يعتبر الاخر ضعيفا و غير قادر على العيش في مجتمع فيه الغلبة للأصلح و الأقوى. مما دار في الجلسة أيضا أن أحدهم يحاول الإنتقام من شخص اخر، لأنه منعه من المرور بدرب معين "دريبة" و هو حالة متابعة عشيقته، كما أنه اسمعه بعض الكلمات و المعاني القدحية التي هي سبة في حق محترف مثله، خصوصا عندما يأتي هذا الفعل من مجرم مستواه الإجرامي ضعيف جدا.كما تم في هذه الجلسة سرد الحكايات و القصص البطولية بصوت مرتفع كنوع من التفاخر و نوع من صراع الحقول بتعبير بيير بورديو، دون مراعاة للاخرين. هذا الحقل ينميه المخدرات بالدرجة الأولى، حيث أن مصدر عيش هؤلاء هو المتاجرة في المخدرات من بيع و نقل، وفي كل حي أو مجموعة أحياء هناك بائع وحيد "القراب" أو "الزطاط"، لا يسمح لأخر بالبيع في مستعمرته، و الحدود ترسم من خلال الصراع، بين من يمتلك اكثر سلطة مادية و رمزية التي تتمثل في القدم في الإجرام و عدد مرات دخول السجن و القضايا المحكوم عليها، فحدودك حيث تنتهي سلطتك و حدودي حيث سلطتي. يفرض حقل الإجرام على منتميه أخلاقا معين:تقبل الواقع: يتحدثون عن بعض الشباب الذي وجد نفسه في أسرة فقيرة، أو أسرة تبنته بعدما جاءت به من الخيرية. و شاب يعيش في أسرة الأم و الأخت تتعاطى للدعارة. هذا الشاب عليه أن يتقبل الواقع كما هو و يتعامل معه بمرونة كاملة، فهو لم يختر تلك البيئة و الظروف التي وجد فيها. عدم الإعتداء على الجيران: لا يعتدي المجرم الحقيقي على الجيران و أبناء "اولاد" الحي الذي يقطن فيه، كما يحترم الأمهات "لميمات" و بنات الحي خصوصا العفيفات، فهو يميز بين العفيفة و غيرها، و قد يستغثن به في بعض المواقف في الحي أو خارجه ليقوم بالمساعدة و المؤازة، و قد يستدعيه أحد بالوقوف الى جانبه لأن فقد هاتفه أو محفظته في مكان معينة، فهو يعرف القائمين من المجرمين على المكان الاخر أحسن معرفة. كما أن المجرم لديه علاقات مع السلطة المركزية خصوصا الشرطة، فهو يعرف كل واحد بإسمه و خصاله، و في حالة وجود تغيرات داخل مراكز الشرطة فإنه يسعى جاهدا لتقصي الأخبار عن الشخصيات الجديدة، و يسعى جاهدا في تلك الفترة إلى عدم إثارة أي بلبلة. إذا ما نظرنا للإجرام من داخله فسنجده حقلا مستقلا بذاته عن الحقول الأخرى، فهو له قوانينه الخاصة التي تنظمه و له قيمه التي ترسمه و ظروفه التي تنميه، من قبيل الفراغ او البطالة و الجنس و المخدرات. كما له وسائل الإنتاج التي تعيد تشكيله، و له رموزه التي تغديه؛ من معجمة لغوية و قدوات و مشيخة، كما له نظامه البيروقراطي الذي يسهر على تنظيمه وفق قاعدة الشيخ و المريد؛ من مجرم متعلم على يد شيخ أكبر، الى شيخ معترف به من طرف الجميع مواطنين و سلطة. و إحترام هذه الخطاطة مهم جدا، فكما يحكي أحدهم، أن أحد المبتدئين أراد حرق المراحل و الظهور بمظهر المجرم الكبير، إلا أنه لفقت له تهمة كبيرة من طرف إحدى العاهرات ليقبع في السجن مدة طويلة. عموما يبقى عالم الاجرام عصي على التفسير و الفهم لأنه مستقل برموزه و لديه ما ينميه من ظواهر إجتماعية أخرى، و يحمل في ذاته من الوسائل ما يعيد إنتاج نفسه، و التقليل منه أو القضاء عليه يتطلب وقف الظواهر التي تنميه من بطالة و مخدرات و جنس. عبد الرحيم بودلال* باحث في علم الاجتماع 

  • ...
    عندما يعجز وزير التعليم على قراءة كلمة غير مشكولة

    الفيديو الذي انتشر بالأمس كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والذي يظهر فيه السيد سعيد أمزازي، وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، وهو يحاول جاهداً أكثر من مرّة قراءة كلمة "المتوجين" بوضع الشدّة فوق حرف الجيم عِوَض وضعها فوق حرف الواو، يعتبر فضيحة بكل المقاييس. لماذا؟لأن الرجل يحمل صفتان لهما وزنهما ودلالاتهما، يحمل صفة وزير قطاع التعليم وما أدراك ما قطاع التعليم، ويحمل صفة أستاذ التعليم العالي وما أدراك ما أستاذ التعليم العالي، وهما صفتين لا ولن تغفرا له هكذا أخطاء، بل تفرض على الرجل أن تكون له الإمكانية والقدرة على إلقاء كلمة دون الحاجة إلى أن يكتبها له أحد من ديوانه، خصوصا إذا كانت المناسبة صغيرة، وهي حفل تخرج طلبة.. أي أنه سيلقي كلمته أمام آباء وأولياء الطلبة المتوّجين، وليس أمام هيأة الأمم المتحدة، حيث إن الكلمة تكون محطّ تشريح وتحليل ولا مجال للارتجال.. كلمة تحمل رسائل ولكل كلمة معنى ومغزى وما إلى ذلك.منذ عقدين من الزمن، يمكن القول إن المغرب أصبح يعيش أزمة النخب، وأصبحت الدولة  تفتقد شيئاً فشيئاً لرجالاتها، وبات بإمكان كل من هب ودبّ أن يصبح وزيرا يسيّر الشأن العام في البلاد، لا لشيء إلاّ لأن حزبه اقترحه في هذا المنصب أو ذاك .. ولا حرج على الوزير إن وجد نفسه عاجزا على قول جملة مفيدة في برنامج مباشر بقناة فرنسية، كمصطفى الخلفي عندما سأله صحافي القناة فبلع لسانه  وبدأ يردّد جملة واحدة عدة مرات: "جو سْوي كلير"، أو رئيس الحكومة "گاعْ" سعد الدين العثمان عندما قال أن مسؤولية الدولة هي: "تْحَلْ الروبيني هنا، يَتْكُبْ الْمَا، تَشعل الضُّو يَشعل الضّو" أو رئيس الحكومة السابق بن كيران الذي قال داخل قبة البرلمان، موَجها كلامه لسيدة: "ديالي كبير عليك" أو وزير التعليم هذا الذي بدأ يتهجّى عدة مرّات كلمة بالعربية لم تكن مشكولة.قد أكون مخطئاً أو مبالغاً إن قلت أن هذا الفيديو كافٍ لإعفاء سعيد أمزازي من مهمته، ولكنني أكاد أجزم أن الوزير بخرجاته يسيء إلى صورة الجهاز التنفيذي وصورة وزارة التعليم قبل أن يسيء إلى نفسه.واش هادشي لي عطا الله في هذه البلاد.. أم هذا اختيار؟

  • ...
    العمل الجمعوي بين التطوع و الإلتزام

     تعد البيروقراطية أهم الأدوات التي توصل إليها العقل الغربي في بناء تنظيمات محكمة ساهمت في بناء الحضارة و الإزدهار و التقدم. حيث تحول العمل التنظيمي من عمل إرتجالي ضعيف الإنتاج، الى عمل مسؤول واضح يحقق أكبر مردودية، حيث تم التخلص من العمل الأحادي الشخصي للرجل المستبد، الى عمل الفريق وفق تخصصات و صلاحيات مضبوطة و مراقبة، وفق برامج و إستراتيجيات واضحة.حيث تقوم البيروقراطية على مبدأ الالتزام المرفق بالمحاسبة، و على مبدأ التعامل وفق علاقات غير شخصية، و على الكفاءة و التخصص، عكس العمل الجمعوي القائم على التطوع و الهواية و ضعف الخبرة...يهدف هذا المقال الى الوقوف على أوجه الإختلاف بين العمل البيروقراطي و العمل التطوعي، و محاولة إيجاد توفيق بين العملين من أجل الرقي بالعمل الجمعوي. يعتمد التنظيم البيروقراطي على أسس متينة في الغالب تخالف الأسس التي يقوم عليه العمل التطوعي؛تعتمد البيروقراطية على تقسيم العمل و التخصص و الكفاءة؛ حيث يؤدي ذلك الى عدم تداخل التخصصات و عدم تداخل السلط، الذي يؤدي الى التمكين للكفاءات و عدم هدر الطاقات، حيث يوضع الموظف المناسب في المكان المناسب. في حين يقوم العمل الجمعوي على التطوع و ليس الإنخراط، و على الهواية و ليس الكفاءة، و على الإرتجال و ليس التخصص، مما يفقد العمل الجمعوي المردودية و الإنتاج المرتقب. كذلك التنظيم البيروقراطي قائم على التراتبية و التسلسل الهرمي "Hiérarchie"؛ مما يساعد على توزيع السلط و المراقبة و الإشراف على العمل. عكسه في العمل الجمعوي الذي يقوم على القيادة الناجحة و الكاريزما، و ضعف هذه الأخيرة في غياب للبيروقراطية يؤدي الى الإختلاف و تضارب الأفكار و الآراء، و بالتالي  تضارب المصالح، الذي يؤدي في الغالب الى إنشقاقات حادة داخل التنظيم الواحد، و الى  الفتور و التراجع في الأداء.كذلك تقوم العلاقة داخل التنظيم البيروقراطي على أساس غير شخصي؛ حيث يتم التمييز بين الشخص و بين الوظيفة الموكلة إليه، حيث يساعد هذا الأخير على القطع مع المحسوبية و الزبوينة و القطع مع الشطط في إستعمال السلطة. أما في العمل الجمعوي فالعلاقات شخصية بالدرجة الأولى قائمة على الإستقطاب و ليس الإنخراط؛ علاقات بين الأعضاء و الممونين و علاقات بين الأعضاء أنفسهم و بين الأعضاء و النشطاء المشتغلين في اللجان، و الذي يحدث داخل الجمعية نوعا من الأحادية القطبية بين أعضائها، فتجد في الغالب شخصا أو إثنين هم مركز العلاقات و نواة التنظيم، مما يهدد استمرار الجمعية و أداءها الجيد و الإشتغال في فريق موحد. كذلك تقوم البيروقراطية على الرقابة و المحاسبة؛ الذي يساعد على عدم هدر المال العام و الى الإنضباط و الإنخراط الجيد. عكس العمل الجمعوي الذي يرفض أي سلطة فوقية سواء رقابة أو محاسبة، و أي شعور بسلطة فوقية يدفع العضو الى الانسحاب و الإستقالة...  إن ما تقوم به البيروقراطية من ضبط و رقابة و إنخراط و تكوين للموظفين و العمال و تقوية للخبرات و المهرات؛ يؤدي الى مزيد من الإنتاج و المردودية و بالتالي التقدم و الإزدهار. على عكس العمل الجمعوي القائم على التطوع بالوقت الثالث، و على ممارسة الهِواية، الموسوم بضعف التكوين و التخصص. مما يفرض على الجمعيات نوعا من التعاقد الداخلي بين أعضائها مبني على مشروع واضح و حد أدنى من القوانين و تقسيم للعمل؛ الذي يسمح بتأسيس نوع من الإلتزام الداخلي بعد التطوع.عبد الرحيم بودلال: باحث في علم الاجتماع

  • ...
    نزع السحر عن العمل الجمعوي

    يهدف هذا المقال للوقوف على أهم مظاهر العقلنة في الحضارة الأروبية، التي رسم أحد معالمها عالم الاجتماع و الفيلسوف الألماني ماكس فيبر، فالحديث في هذا المقام سيكون حول أسس العقلنة في العمل التنظيمي الجمعوي، و ليس عن البيروقراطية و مضامينها التي هي تقسيم العمل و التخصص و إستقلالية السلط و قيام العمل وفق علاقات غير شخصية، بل سأتحدث عن مفاهيم لازالت عالقة في عملنا الجمعوي تعود الى التراث و التقاليد التي لم نستطع التوفيق بينها و بين العمل المدني المعاصر.    تقوم نظرية ماكس فيبر على مفهوم أساسي و هو "نزع السحر عن العالم"،  الذي يعني التعامل وفق منطق علمي و عقلاني و ليس  وفق منطق السحر و اللاهوت، بمعنى وضعنة المشاريع و جعلها بشرية ذات بعد واحد، و ليس إحالتها على بعد ثاني مبهم يحتم أكثر من حقيقة.من المفاهيم التي تثقل العمل الجمعوي و تجعله مبهما و غير فعال هو مفهوم الثقة؛ فالثقة مفهوم ديني يتعلق بعدم الشك في الشخص الآخر و الإخلاص له و الايمان به، و هي نوع من الإرتهان الى الآخر بإعتباره نزيها و صادقا و أمينا. و لكن سحر هذا المفهوم قد يوقعنا في العكس تماما، بحيث نقع في الخديعة و الإحتيال تحت سلطة الكاريزما. لكن للخروج من هذا المفهوم فإن العمل الجمعوي المعاصر يطلب منا مرافقة المسؤولية بالمحاسبة؛ بحيث يتم تقديم التقارير الأدبية و المالية و الإستدلال عليها بالوثائق القانونية و المستندات المطلوبة، و توضيح كل المصاريف تحت مراقبة الهيئات الوصية، بهذه الطريقة فإننا سنحقق عملا جمعويا فعالا و محكما.كذلك من المفاهيم التي لا زالت تغطي بسحرها على العمل الجمعوي هو مفهوم "في سبيل الله" بحيث يقوم بعض الأشخاص أو جهات معينة بتمويل مشاريع جمعوية بحجة "في سبيل الله"، هذا النوع من التبرع للعمل الجمعوي يجعل الجمعيات غير مستقلة في قراراتها؛ فالإستقلال التنظيمي للجمعيات مرهون بالإستقلال المادي، مما يجعل جمعياتنا في المغرب تابعة لأحزاب و أشخاص و هيئات أخرى، و الذي يضعها في تبعية دائمة غير مستقلة بذاتها، هذه الإستقلالية التي تضمن لها الترافع في وجه جميع الجهات، و يضمن لها الاهتمام بقضايا المجتمع بشكل محايد. و للخروج من هذا السحر فإن قانون الحريات العامة يعرف العمل الجمعوي أنه "تطوع بالوقت و الجهد في خدمة الاخرين" و ليس تطوع بالمال، و أن الجهات المانحة للجمعيات هي الدولة لوحدها وفق مشاريع و برامج مدروسة.كذلك من المفاهيم السحرية التي تعيق العمل الجمعوي هو مفهوم الرياء؛ الرياء مفهوم ديني يعني إخلاص العمل لله سبحانه و حده، و عدم إشراك أي شخص معه في العمل. بمعنى أن الأنشطة التي تقوم بها الجمعيات يجب أن لا تُرى و أن تكون مخفية كي يكون الجزاء و الثواب مرافق لهذا العمل، و الذي جعل هذا المفهوم يطغى على بعض الجمعيات هو العمل الشخصي الفرداني و ليس العمل في إطار مؤسسات. إلا أن هذا المفهوم معاكس تماما للعمل الجمعوي المعاصر، بحيث أن إظهار العمل و إشهاره مطلوب جدا، و ذلك من أجل الوضوح و الشفافية و الوقوف على مصير التمويلات التي تقدم للجمعيات، ثم أن الإشهار يساعد على التعريف بالمنظمات التي تشتغل أكثر و التي يجب أن تحظى بدعم أكبر. إن المفاهيم التنظيمية التي جاء بها الحضارة الغربية تجعل من العمل الجمعوي ذو فعالية و مصداقية، و بالتالي المساهمة في عقلنة المجتمع و عقلنة سلوكيات المواطنين و المساهمة في إزدهار و تقدم المجتمعات.عبد الرحيم بودلال: باحث في علم الاجتماع

  • ...
    نزهة قصيرة مع ''رولان بارت'' بالحي البرتغالي في مدينة الجديدة

    إن الدلالات الإيحائية التضمينية لهذه الصور من الحي البرتغالي بمدينة الجديدة توحي بأن البرتغال ترك معالم تاريخية، تبرز قوته العسكرية، وتنظيمه الإداري، وهندسته المعمارية، وما إلى ذلك من آثار ثقافية، تم حشوها بنوستالجيا الماضي المجيد للبرتغال في المغرب، وذلك لأغراض سياحية، تساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي. لنأخذك في نزهة قصيرة داخل القلعة، فبينما أنت تتجول فوق أسوارها، تثيرك الأحجار الضخمة والحيطان العتيقة المثينة، والهندسة الفنية التي تختلف عن باقي المدينة، وصمود القلعة في وجه التطام مياه البحر، فيقول لك بارت: إن هذه الدلالة الأسطورية في مستواها الإيحائي أفرغت القلعة من مضامينها التاريخية على المستوى التقريري، إذ في الأصل هي قلعة عسكرية، وهذه الأحجار والأسوار بنيت بسواعد السلف المقهور، وهذه المدافع قتلت الآلاف من المغاربة الأبرياء الذين دافعوا باستماثة لطرد المغتصب الغاشم.تعتبر هذه المعلمة شاهدا على تاريخ استعمار القهر والنهب لثروات المغاربة واغتصاب أرضهم، فيتساءل معك بارت : كيف لمغربي معاصر أن يلتقط صورة مع مدفع مزق أجداده إلى أشلاء؟ تصوروا معي لو استفاق أهل المدينة الذين عاصروا القرن السادس عشر ليشاهدوا كيف يلتقط أحفادهم صورا مع مدافع القهر والبطش والإبادة؟ آه منك يازمن! يهمس لك بارت في أذنيك، كيف يضيع سيدي الضاوي في عالم النسيان، وهو ذلك المجاهد الذي دفن قرب أسوار القلعة، وهو يحارب العدو المغتصب بالمناجل، وتغرقه أسطورة التثاقف الرأسمالي في عالم النسيان، إذ لا يزوره أحفاده اليوم، ولا يلتقط أحد معه صورة.هذا جيل ممغنط بثقافة الاستهلاك يتهافت على التقاط صور مع مدافع البؤس والتشريد والقتل!!!أين ذهب ذلك الزمن الجميل الذي زغردت فيه النساء داخل قلب ضريح سيدي الضاوي، وهي تحمل الطفل فوق ظهر حصان بلباس الفرسان، وتطوف به الضريح قصد نيل بركة الولي المحارب وقوته وشجاعته  خلال طقس الختان؟أين "حجرة فكاك" التي تحولت الآن إلى بقع سكنية، وهي "الحجرة" التي فكت المدينة من بطش البرتغال، إذ نُصبت فوقها المدافع ورابطت فيها جيوش التحرير في عهد  شهدت الموقعة التاريخية التي حاصر فيها السلطان محمد بن عبد الله المستعمر البرتغالي، وهي كذلك حجرة فكاك التي تبركت بها الحوامل، وأصبحت مقدسة في مخيال ثقافة دكالة إلى أن أتى سماسرة العقار، فأزالوا ملامحها التاريخية العضوية، لتمسي مجمّعا إسمنتيا...لقد تلاشى سيدي الضاوي وحجرة فكاك وآخرون في عالم النسيان، لكن مدافع البرتغال مازالت خالدة في صور التسليع المستلِب!ذ، محمد معروف جامعة شعيب الدكالي