أعمدة الرأي
  • ...
    عندما يصبح القانون 00-01 مصدر الرداءة في مؤسسات التعليم العالي بالجديدة

    صادق مجلس جامعة شعيب الدكالي في أواخر شهر يوليوز الماضي على نتائج فتح باب الترشيحات لشغل منصب عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية ومنصب مدير المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بالجديدة.وإذا كان متوقعا أن يحتل كل من العميد  والمدير المنتهية ولايتهما،  المرتبة الأولى في ترتيب نتائج لجنتا الانتقاء، فإن أسوء احتمال يمكن أن يحدث هو إعادة تعيين عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية، وعدم إعادة الثقة في مدير المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية. لماذا؟لأن عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية ارتكب أخطاء جسيمة وأبان عن فشله الذريع في تسيير وتدبير شؤون الكلية في ولايته الاولى ولم يستطع أن يكون في المستوى المطلوب لحل أبسط المشاكل التي كانت تعيشها المؤسسة وتتخبط فيها:أليس هو العميد الذي قاطع في عهده الطلبة امتحانات الدورة الخريفية لأول مرة في تاريخ جامعة شعيب الدكالي.. وما كان لهم أن يقاطعوا لو أنه قبل الجلوس إلى طاولة الحوار معهم.. الرجل أقسم برب السماء أنه لن يجلس مع ممثلي الطلبة ولن يؤجل تاريخ بداية الامتحانات ولو انطبقت السماء مع الأرض كما عبّر عن ذلك أمام الطلبة المعتصمين أمام مكتبه؟ (بالله عليكم، هل هذا مسؤول جامعي: يقسم برب السماء عِوَض فتح باب الحوار لحل المشاكل..)أليس هو نفس العميد الذي عِوَض أن ينكب على مشاكل الكلية لإيجاد الحلول المناسبة في بداية ولايته، أبى إلاّ أن يتسلى فوق كرسيه الوتير بمكتبه ويمضي جل وقته  أمام شاشة تلفاز لمشاهدة ما تنقله وما ترصده له الكاميرات المثبتة في ممرات وساحة الكلية؟ حتى أنه ذات صباح لاحظ سعادته على شاشة التلفاز أن سيدتين عاملتين في النظافة أطالتا في الحديث في زاوية ما، فهاتف كاتبه العام طالبا منه أن ينتقل على وجه السرعة  إلى عين المكان لتفريق "الجوقة".أليس هو نفس العميد الذي عجز عن وضع حد لتسلط واستبداد نائبه المكلف بالبحث العلمي الذي كان ولا يزال يتعامل بكثير من العجرفة والكبرياء  مع الموظفين والعديد من الأساتذة بشكل عام ومع الموظف الراحل محمد بنحدو بشكل خاص، والذي حاول بكل الوسائل إركاعه، بعد أن تهجَّم عليه في مكتبه عدة مرات، آخرها يوم الأربعاء  11 نونبر 2015..؟أليس هو نفس العميد الذي استغل منصبه للسفر خارج الوطن للنزهة والسياحة عِوَض أن يسافر من أجل ما يخدم مصلحة الكلية والجامعة في المجال البيداغوجي والبحث العلمي؟أما بالنسبة لمدير المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية، فإن الواقع والأرقام وحدهما كفيلان بإبراز مزاياه ومنجزاته.. واقع وأرقام تُبيَّن التطور البارز والقفزة النوعية التي عرفتها المدرسة في السنوات الأخيرة في كل المجالات: البحث العلمي، جودة التكوينات  وتنوعها، التأطير، الميزانية،  العتاد العلمي والمعلوماتي، الطاقة الاستيعابية، إدماج خريجي المدرسة في سوق الشغل، الاتفاقيات والتعاون، الحكامة..يُلاحظ إذن مما سبق، أن فتح باب الترشيحات لشغل منصب عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية بالجديدة يبيّن من جديد وبالملموس، أن القانون 00-01، لم يعد فقط متجاوزا، بل أمسى عائقا أمام تحسين وتجويد الأداء الإداري بمؤسسات التعليم العالي ومحدّداً لتكريس الرداءة في إدارتها.. كيف لا والعميد المنتهية ولايته، رغم ارتكابه لكل الأخطاء المشار إليها أعلاه، وأخطاء جسيمة أخرى لا يسمح المجال هنا لذكرها، يسمح له القانون بإعادة ترشيح نفسه للتباري من أجل شغل منصب العميد، ويحتل المرتبة الأولى "بقوة القانون"، أمام منافسين اثنين، ملف ترشيحهما لا يسمح بمنافسة ملفه "الدسم"، وهو الذي ما كان له أن يقدم ترشيحه بالمرة لو تم تطبيق ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في الفصل الأول من الدستور المغربي.  ذ. غريب عبد الحق- كلية العلوم بالجديدة

  • ...
    إشكالية التعليم في البنية العامة السلطة: مراجعة لوهم مزمن

    لا يمكن فصل التعليم عن البنية العامة للمجتمع و للسلطة خصوصا في بلد كالمغرب حيث مازال الفضاء السياسي يهيمن بشكل لافت للنظر على باقي الفضاءات و يوجهها إلى حد ما. يتدخل السياسي في الاقتصاد و التعليم و الرياضة و الإنتاج الفني و الإعلامي و غيره. غير أنه يجب فهم هذا التدخل كنتيجة لإرادة واضحة للهيمنة و تثبيت بنية السلطة القائمة و التي تستفيد مها النخب التي تحتل مراكز القرار.ينقسم المجال الإجتماعي إلى فضاءات نسبيا مستقلة[بورديو] و لكل منها قوانينه الخاصة، و رغم أنها لا تُستثنى من مجال الصراع التي يوجد عادة في المجتمعات بين الفئات الاجتماعية بمصالحها المختلفة، فإن مجال التعليم بالذات يخضع في المغرب لتدخل بطبيعة و اعتبارات سياسية محضة يهدف إلى تكريس وضعية الهيمنة التي تسعى إلى تحقيقها النخب المسيطرة على القرار. تسعى محاولات الهيمنة من طرف هذه النخب إلى كسب رضا الفئات الأخرى[غرامشي] عن السياسات التعليمية و التي يسمونها دائما بأنها إصلاحية. تمرر هذه الهيمنة عبر عنف رمزي[بورديو] من حيث أن النخب المهيمنة تجعل الفئات الأخرى تعتقد أن الوضعية التي يوجد فيها التعليم هي وضعية طبيعية و تخضع لتطور تاريخي و أنها ليست اعتباطية، أي أنها طبيعية و ليست مصنوعة لخدمة فئة اجتماعية دون أخرى.من هذا المنظور فإن المدرسة المغربية هي موجهة من خلال تنظيمها و آلياتها و برامجها لأداء وظيفة معينة و التي تبقى وظيفة سياسية، و هي إعادة انتاج التراتبية الإجتماعية القائمة و التي هي في صالح النخب المهيمنة. بتعبير آخر و حسب منطق الهيمنة، يجب أن لا يستعمل التعليم من طرف الطبقات الدنيا و حتى المتوسطة إلى صعود اجتماعي لهذه الفئات باحتلالها لمراكز سلطة تمكنها من التحكم في القرار السياسي. كما أن التعليم يمكن أبناء النخب المهيمنة من الاستفادة من التكوين الجيد عبر مؤسسات تتوفر على عناصر الجودة و الكفاءة سواء بالمغرب أو خارجه[بفرنسا مثلا و بمدراس الهندسة  أو التسيير الباريزية]. كما أن البرامج التعليمية تخضع هي كذلك لمنطق الهيمنة و العنف الرمزي من حيث أنها تقدم الإنتاج الثقافي و الرمزي للطبقة المهينة [مثلا اللغات و التقينات و قيم النخب المهيمنة] على أساس أنها الأصلح لكل الفئات. غير أن الإستعداد الفكري و الإجتماعي  ليس متساويا بين كل الناس و بين كل التلاميذ و الطلبة، و تبعا لذلك لا يتجاوب بطريقة ايجابية مع هذه البرامج إلا من يتوفرون على هذا الرأسمال الثقافي و الرمزي و هم أبناء الطبقة المهيمنة، و بالتالي فالطبقات الدنيا و حتى المتوسطة لا يستطيع أبناءها مسايرة هذا الإنتاج الذي يمرر عبر البرامج لأنها ليست مستعدة من الناحية الإجتماعية و الثقافية و الرمزية لاستيعابها و خصوصا في ما يتعلق باللغات و التواصل و القيم، و لأنهم تلقوا تنشئة اجتماعية مختلفة و بقيم و طرق تواصل مختلفة. قد يمكّن التعليم بعض أبناء هذه الطبقات الدنيا و المتوسطة من النجاح الأكاديمي لكنهم لا يستطيعون الصعود إلى أعلى المراتب بسبب عدم قدرتهم على تجسيد قيم النخب المسيطرة من لغة و تواصل و قيم و بسبب افتقارهم إلى الرأسمال الاجتماعي بانتمائهم إلى طبقات لا تحتل مراكز قوة في البنية العامة للسلطة. يجب كخطوة أولى نحو فهم ما يحدث في التعليم، التخلص من وهم أن التعليم هو مُؤَسس بكيفية تحقق مصلحة كل المجتمع. إنه في خدمة من لهم المصلحة في استمرار الوضع على ما هو عليه من ناحية التقسيم الطبقي للمجتمع و التوزيع الفعلي للسلطة و لمراكز القرار.و بالتالي كيف نفهم تركيز هذه النخب على إدخال اللغة الدارجة في مقررات المدرسة العمومية؟ إنها أولا و قبل كل شيء مسألة تتعلق بهذا الرأسمال الثقافي و الرمزي التي تعيد النخب المهيمنة إنتاجه عبر التعليم و الذي يضع اللغة الفرنسية في أعلى التراتبية كلغة للعلم و الأدب و المعرفة الحقيقية بالنسبة إليهم لأنهم يتقنونها و تعتبر لغة التلقين الأساسية لأبنائهم، و تليها اللغات الحية كالإنجليزية ثم اللغة الدارجة كلغة للتواصل اليومي. أما اللغة العربية فلا دور حقيقي لها بالنسبة لهم. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا تريد هذه النخب فرض انتاجها الرمزي و الثقافي في منظومة تعليم لا يخضع لها أبناؤهم؟ لماذا تمرر قيم خاصة على أنها عامة؟ ما علاقة الهيمنة الأيديولوجية[الرمزية و الثقافية] بالهيمنة على الإقتصاد و المجتمع و السياسة؟يدخل تمرير وضع اعتباطي على أساس أنه طبيعي في إطار صراع من أجل الهيمنة تبدأ من الرمزي و الثقافي لتشمل السياسي و الإجتماعي و بالتالي السياسي. لست مؤهلا لأي صعود نحو الأعلى إلا إذا أتقنت شروط هذا الصعود و التي لا تكون كلها في متناول الفئات الإجتماعية المسيطر عليها كالرأسمال الإجتماعي و الإقتصادي. و تبعا لذلك و حسب هذا التصور، ففشل أبناء الطبقات المسيطر عليها في التعليم و في الصعود الإجتماعي مرده ليس إلى عدم ملاءمة منظومة التعليم مع حاجيات المتعلمين بل إلى عدم قدرة أبناء الطبقات المسيطر عليها في التحصيل الجيد و الحصول على الشهادات المؤهلة. في الوقت الذي ندرك فيه أن الفشل هو مخطط له و هو ذا طبيعة أجتماعية قبل أن يكون مسألة تحصيل و مؤهلات.الهدف من الهيمنة هو خلق جيل تابع يبرر تبعيته بفشله الدراسي [الإجتماعي في الأصل] و يبرر خضوعه بالفارق في الٍرأسمال الثقافي و الرمزي، و ذلك بعيشه في حالة "لا إدراك" تجاه العوامل الحقيقية لتبعيته و خضوعه، و التي هي ناتجة عن عنف رمزي يمارس في إطار الصراع و إرادة الهيمنة التي تمارس على من يفتقرون إلى وسائل التمكين الإجتماعي.تحدث الاستثناءات لكنها في كسرها للقاعدة تؤكد بطريقة مفارقة القاعدة و التي هي أن كل ارتقاء اجتماعي هو رهين بالتوفر على مجموعة من الإستعدادات و القدرات و القيم التي لا يملكها الجميع.إذا كان عاديا أن يخترق الصراع كل مجالات الحياة الإجتماعية في كل المجتمعات، فإنه ليس عاديا أن نوجه التعليم الذي هو ملك للجميع لخدمة فئة دون أخرى بل الأسوأ من ذلك هو أن نسعى إلى تجهيل من نريد إخضاعه للسلطة السياسية و ذلك بمعايير و برامج تزيد من اغترابه و فشله.يجب أن يوضع التعليم في دائرة مستقلة عن إرادة الهيمنة و أن يحظى باهتمام الجميع كرافعة للثروة غير المادية و الذي هو الإنسان بغض النظر عن انتماءه الطبقي و القيم التي يؤمن بها. يجب أن يلبي التعليم الحاجيات الحقيقية لمن يرتادون مدارسه في إطار اتفاق عام على أن جودة التعليم هي في صالح الجميع. رغم أنه من الصعب إخراج التعليم من معادلة الهيمنة و الخضوع، فإنني أتمنى أن يضع السياسي أسلحته و يعطي الفرصة للأكاديميين باتخاذ القرارات الحاسمة في تطوير التعليم.   أستاذ باحث بجامعة أبو شعيب الدكالي    

  • ...
    نحو مشروع إنشاء مسالخ عصرية بالمغرب

    متى سيتم تقنين عملية ذبح الأضاحي يوم العيد بالمغرب؟ وماذا وفرت الدولة من بنى تحتية لاستقبال هذا العيد؟ هل ستظل شوارع المغرب مدرجة بالدماء يوم العيد، وممتلئة بأحشاء الأغنام ونفاياتها المرمية على قارعة الطريق؟ إلى متى ستستمر فوضى الذبح هذه؟ أيعقل أن المغرب شهد تحولات بنيوية على مستوى العمران، و شيد عمارات من طوابق شاهقة ومصاعد، لكن مازال يذبح في الشقق و"الكراجات" وفوق أسطح البنيات؟  نحن نعلم أن هذه السنة المقدسة تفترض شروطا وقواعد يجب تطبيقها يوم العيد، كما أن الثقافة الشعبية تعيد إنتاج موروثات وعادات وتقاليد لتطبيق السنة، لكن التحولات الثقافية والعمرانية والبيئية التي يشهدها مغرب اليوم، تفرض علينا إعادة التفكير في العديد من العادات والتقاليد مع الاحتفاظ طبعا بجوهر السنة، إذ كيف سنستمر في عملية الذبح العشوائي غير مكثرتين بمخلفاته السلبية على البيئة والإنسان معا.  يوم العيد هو يوم الدم بامتياز، حيث تمتلئ المنازل بالدماء و أحشاء الخرفان، وتنبعث الدواخين من الأزقة نظرا لحرق رؤوس الخرفان وأطرافهم، وهكذا قد تتعفن الأماكن بالنفايات الملقاة على الأرض، و بقايا الجلود و الأحشاء، مما يضر حتما بالطبيعة والإنسان والحيوان، ناهيك عن الحوادث التي قد يتعرض لها أفراد الأسر عند عملية الذبح والتقطيع. يكفيك أخي المواطن أن تسأل ممرضات وأطباء المستعجلات ما يقع أيام العيد، فيأتيك بالخبر طبيب أو ممرضة عن مواطنين يقفون في الصف ينتظرون رتق إصابات مختلفة من جراء الذبح والتقطيع، ما هذا "العنف" الذي تفرغه يوم العيد يا أخي المسلم؟  تٌحوّل مناسبة العيد المغرب إلى سوق أسلحة بيضاء يقتنيها الشباب ويخزنها ليس فقط للعيد القادم، ولكن للضرورة، بمعنى للشجار أو القيام بأعمال إجرامية، خصوصا إذا كان هذا الشاب ذا سوابق عدلية، إذن، هذه مناسبة العيد، تشكل خطرا أمنيا على المجتمع ما دامت تزود المواطن بأسلحة غير مرخصة قد يستخدمها طيلة السنة لأغراض مختلفة بما فيها ارتكاب جرائم عنف تحت مؤثرات معينة. إن مناسبة العيد هذه تشهد ارتفاع جودة السكاكين والشفرات الحادة و"الشواقير" بهندسة مختلفة، مما يسهل عملية الاقتناء والتخزين لهذه الآلات  الحادة دون مراقبة، وهنا نتساءل عن دور الدولة والمجالس في مراقبة هذه السوق، أليس من الضروري مراقبة بيع هذه الأسلحة لكي تقتصر على العاملين في القطاع فقط، كما يجب تصنيعها بتراخيص وأرقام تسلسلية لكل نوع حتى تتمكن السلطات المحلية من ضبط هذه السوق؟    إن مناسبة العيد كذلك هي مناسبة ظهور جزارين هواة يتعلمون الذبح في "سقيطة" المواطن، فنظرا لغياب المراقبة، و عدم تنظيم العملية من طرف السلطات المحلية، يلبس كل من هب ودب لباس الجزار ويطوف الأزقة بحثا عن أضحية، بل ضحية يتعلم فيها، وهو لا يصلي ولا تتوفر فيه شروط  القيام بطقس الذبح المقدس، ولما عليك، فالكثير من المواطنيين الذين لا يصلون ولا يؤدون الفرائض يتزاحمون هم الآخرون على الاحتفال بالعيد في إطار ما نسميه بتدين الريع.   وأخيرا، نطرح سؤالا جوهرياً عن مآلات ممارسة هذا العنف المقدس بمجتمعاتنا الإسلامية:  ألا يساهم ذبح الشاة يوم العيد أمام الأطفال وبالمنازل في ترسيخ خطاطة الدم المؤثرة في مخيال العنف بمجتمعنا؟ ولكم أمثلة وفيرة يمكنكم استخراجها بأنفسكم من الذاكرة الشعبية، وأولها الشتيمة المعروفة التي نهدد بها يوميا خصومنا "سير ولا ندبح/نحر مك"؟ ما معنى أن يتعود الأطفال على الذبح من الوريد إلى الوريد وعلى النفخ والضرب والسلخ وغيرها من طقوس العنف المقدس؟ إذا تمت قراءة هذه السنة النبوية، تاريخيا، فهي ساهمت إلى جانب تمارين ثقافية أخرى في صناعة رجال أشداء أقوياء لا يخافون رؤية الدم، ويذبحون الأعداء في المعارك، ، و يمكن اعتبارها طقسا تمهيديا (initiation rite)، يعود الناشئة المسلمة على طقوس الفحولة والصلابة، وحتى الثقافة الشعبية تنخرط في التصور نفسه حين تنص على أمثلة تقول: الراجل هو اللي يذبح شاتو ويرقع كاستو ويسوط مراتو!". لماذا يا ترى يحافظ مغرب اليوم على طقوس العنف المقدس ومسرحتها أمام الناشئة؟ هل نحن بصدد إعداد ناشئة سيتم تدريبها على معارك جهادية مستقبلا؟ ما هي الضمانات المتوفرة لدينا التي تبعث على الاطمئنان بعدم انتقال خطاطة الذبح إلى استهداف الإنسان تحت ظروف اقتصادية وسياسية وأيديولوجية معينة؟ هل ما تقوم به داعش من ذبح للبشر كالخراف له علاقة بخطاطة  ذبح الأضحية، أم هو فقط له تقاطع مع تاريخ الملاحم الإسلامية؟ لا يعقل أن نستمر في فوضى الذبح بهذه الطرق العشوائية وبدون دارسات علمية لتأثيراتها على المجتمع، لقد حان الوقت لإنشاء مسالخ عصرية، واستغلال نظام "الطانكة" الذي تم تفعيله اليوم لإيداع الأغنام في مسالخ متخصصة، تستجيب لاشتراطات صحية ونظامية، مع توفير أطباء بيطريين، مؤهلين للكشف على الذبائح، قبل وبعد الذبح، و الحرص على النظافة الدائمة، وتوفير العدد الكافي من الجزارين والمعدات والآليات لجمع ونقل مخلفات ونفايات الأضحية الصلبة والسائلة، مما قد يفتح الباب لاستثمارات اقتصادية جديدة وخلق مناصب شغل موسمية.   وفي انتظار هذا التحول البنيوي في ممارسة طقوس الذبح، بإنشاء مسالخ عصرية وتنظيم العملية برمتها، سيظل مغرب اليوم عشوائيا في نحر الأضاحي، محولا شققه وأزقته إلى مسالخ مبعثرة.  د.محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي – الجديدة

  • ...
    مائة سنة من التخييم بدون ترسانة قانونية تنظم المجال .. هل الأخلاقيات؟ أم المهام ؟

    مائة سنة كاملة (1918_2018) كإرث إنساني مشرف ورصيد غني وسجل مفتوح مليء بالإهتزازات التي لاتزال ارتداداتها تتكرر،والنجاحات والمكتسبات الثابثة والراسخة والتي لا تقبل الجدل والخصام،فتاريخ المخيمات بالمغرب يستحق الدراسة والتأمل والإستقراء،كي نجيب على أسئلة الحاضر ونستشرف المستقبل.لعلنا فتحنا كتاب التاريخ حين استشعرنا ثقل الحاضر نريد تجاوز معضلاته ومشاكله،وحين خبرنا أهمية هذا المجال كمدرسة للمواطنة وتعلم الحياة وتنمية الإحساس بالمصلحة العامة،إذا ما استحضرنا الأدوار والوظائف لفضاء تربوي ديمقراطي يتم فيه تصريف المعرفة وتبليغها للمستفيد كما تذهب إلى ذلك الدراسات التربوية الحديثة.فمن خلال بانورامية تاريخ المخيمات بالمغرب ومخرجات المناظرات الوطنية ،على قلتها(1963-1973-1978-1982)وكان أخرها المنتدى الوطني للتخييم سنة2008 الذي لم يكتب للتوصيات المنبثقة عنه أن ترى النور وأقبرت في مهدها،يتضح أن ثوتيقنا وأرشفتنا لإنجازات هذا المسار التخييمي ضعيفة إن لم اقل هزيلة بالنظر لحجم العطاء والتضحيات الجسام التي قدمها السلف(منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)حتى وصلت إلى جيل بحجم انتظارات كبيرة لتخليص هذا الوعاء الإنساني من الضبابية والإرتجالية التي عايشته طيلة المائة سنة ولا تزال،وذلك بسن تشريع قانوني كفيل بضمان الحقوق والواجبات لجميع مكونات العملية التخييمية.فإذا كان مجالنا الحيوي والخصب ضاربا جذوره في التاريخ،فإننا لن نبني الحاضر بالركون للماضي والنكوص لمراحله الذهبية ،أو باستنطاق التاريخ وحده وإنما بالإنخراط الجدي والفعلي نحو التأسيس لترسانة قانونية تحمي المجال وتطهره من مجموعة من السلوكات التي تسيء إليه، والتي حولته في ازمنة مضت إلى "جوطية"تعج ب"الشناقة"،أضف إلى ذلك إرساء بنية ذهنية جديدة قابلة لإستيعاب المتغيرات المجتمعية المتسارعة التي نعيش في كنفها،وفي انصهار وانسجام كاملين مع التجربة الجديدة(النظام الجديد للتغذية)التي نعيش تداعياتها اليوم بعد مرور أزيد من شهرعلى تبنيها،وما تقتضيه من وجوب التوافق بين جميع الأطراف،والتقاء الإرادات كلها،والتئام المشارب جميعها وانخراط جميع الفاعلين وتحفيز التجربة وتدعيمها وبلورتها على اعتبار أن المشروع مجتمعي والطموح جماعي ولا يهم شخصا بعينه.سيكون صعبا التحلي بأفق ضيق من البدئ وتخيل الفشل لبرنامج غذائي جديد وتجربة بدأت بالكاد يوم أمس،وسيكون من باب وضع العصا في العجلة ونحن لم نملك بعد الرؤيا الواضحة للنتائج ثم الحكم بعدها،فالواقع يقاس بما نعيشه من تجارب،والتنظير من المكاتب المكيفة يحتاج دائما لواقع ومجال للتجريب والممارسة(وسندلي بدلونا فور انتهاء المراحل التخييمية)،لأن الأمر لا يعفينا من النقد والتمحيص ،فمن العبث الإعتقاد بأن تصورا جديدا يريد الإرتقاء بالمجال التخييمي والنهوض بجودة المضامين التنشيطية المقدمة في فضاءاتنا الرحبة،ويعيد النظر في الأفكار السابقة،ويخلخل العادات الراسخة والأفكار الجاهزة،سيلقى الرضى والقبول بالسرعة التي نرغبها ونحن لم نسيج مجالنا ومؤسساتنا بالتشريعات والقوانين التي تساير وتلائم كل التصورات والإصلاحات المعلنة،فالراجح في غياب القوانين المنظمة أن تتعرض كل التصورات للإزورار وتناصبها العداء اتجاهات تخشى التغيير وتنفر منه وتأنس للمعتاد. فمتى وجدت القوانين واتضحت المهام قام التعاون بين الجهاز الوصي وكل قوى المجتمع المدني والشركاء المحوريين، وعندما تغيب القوانين تبدو الإصلاحات والتصورات وكأنها مراهم خفيفة ومواد تجميل لن تزيد مجالنا التخييمي إلا قبحا مثل العجوز المتصابية.بقلم عادل الياكدي0662465438

  • ...
    زلزال الحركة الانتقالية لرجال السلطة بالجديدة لم يسلم منه إلا العامل وقائدة المقاطعة السادسة

    لم تأت الحركة الانتقالية لرجال السلطة بالجديدة بجديد فقد كانت الاوضاع تنذر بالخطر جراء ارتكاب مخالفات مهنية كبيرة من طرف بعض ممن المفروض فيهم السهر على احترام القانون وتطبيقه بكل حذافيره.ففي حدود الثالثة من بعد زوال امس الجمعة بدأ رجال السلطة بإقليم الجديدة يتوصلون بقرارات تنقيلهم من مقرات عملهم بالجديدة الى مقرات اعادة تعيينهم وكان اول قرار وصل هو تعيين رئيس جديد للشؤون الداخلية بعد ان كانت الداخلية قد عينت بشكل مؤقت قائد من البيضاء ويتعلق الامر بوافد جديد من اقليم الراشيدية فيما تم توصل مدير الحي الجامعي بالجديدة بقرار تنقيله الى فاس سايس ليشغل ذات المنصب .وتبقى اولى الملاحظات حول هذه الحركة الانتقالية التي همت إقليم الجديدة، انها نزلت بكل ثقلها على عاصمة دكالة، حيث شملت تنقيل  قياد 6 ملحقات إدارية من بين 7 ملحقات واستثنت فقط قائدة الملحقة السابعة مريم بودرة فيما شملت ايضا تغييرات في مناصب رئيس قسم الشؤون الداخلية وباشا المدينة والكاتب العام للعمالة ومدير ديوان عامل الإقليم فيما كان الكروج هو رجل السلطة الوحيد الذي حافظ على مركزة بعاصمة دكالة.قرار تنقيل القائدة رئيسة الملحقة الأولى بالجديدة التي تحمل في ملفها الاداري العديد من الملاحظات من بينها انذار، الى ورززات لم يكن مفاجئا خاصة وانها ظلت الصوت النشاز خلال كل الاجتماعات العاملية وهو ذات القرار الذي نقل رئيس الملحقة الادارية الثانية من الجديدة الى تازة هو الذي عرفت الساحات التابعة له مرتعا خصبا للباعة المتجولين  والفوضى العارمة ويحمل هو الاخر فوق رأسه انذارا  ٠فيما نقل قائد المقاطعة الثالثة الى طنجة لشغل ذات المنصب بعد ان كان يملي النفس بتعيينه باشا التي حصل عليها مؤخرا . قائد المقاطعة الرابعة الذي كان قد تم توقيفه جراء ارتكابه العديد من المخالفات في البناء العشوائي ورفض تنفيذ قرارات عاملية، نقل الى "اكادير اداوتنان" لشغل ذات المنصب، بينما نقل قائد المقاطعة الخامسة الى اولاد بني عليم الشمالية بسيدي سليمان. فيما تم الاحتفاظ بالقائدة رئيسة الملحقة السادسة التي تعتبر من بين انظف مسؤولي السلطة المحلية. اما قائد الملحقة السابعة التي تشير اليه اصابع الاتهام بالانتشار الفادح للبناء العشوائي حيث بنيت على عهده عشرات الدواوير وانشأت المستودعات العشوائية ورفض الالتحاق بعمالة الاقليم على عهد العامل السابق، فقد نقل الى املشيل التي تقع بين اقليمي الريش والراشدية وهي القبائل التي اشتهرت بالمقاومة، كان يحمل هو الاخر في ملفه الاداري انذارا .التنقيلات الاخرى لم تحمل اي جديد باستثناء ترقية باشا الجديدة الى كاتب عام حملته الى مناجم جرادة المقفلة التي تستدعي اليوم واكثر من اي وقت مضى رجل حوار وليس من يستعرض العضلات .فقائد اولاد غانم صاحب الانذار ايضا نقل الى وادي شبيكة بطانطان ، فيما نقل قائد اولاد احسين الى مدينة تازة ، بينما عين بسيدي قاسم قائد خميس متوح ، ونقل قائد اولاد افرج الى مراكش ، فيما نقل قائد المهارزة الساحل الى تازة بينما كان مصير قائد هشتوكة مدينة طرقية. فيما نقل حسن هياب قائد الحوزية الذي اشتهر بالبناء العشوائي وشهادات القسمة والشهادات الادارية التي كان يستصدرها بطرق ملتوية  الى  مدينة سيدي قاسم ٠ فيما عين رئيس دائرة الحوزية في منصب جديد  بسيدي قاسم .قائدي ازمور نقل الاول الى العيون فيما الثاني العرائش بينما عين باشا البئر الجديد الموقوف عن العمل باشا على  باشوية سيدي بيبي المستحدثة مؤخرا فيما احتفظ قائد سيدي على بنحمدوش بمنصبه ونقل رئيس دائرة سيدي اسماعيل الى مصالح وزارة الداخلية حيث لم يعد يفصله الكثير عن التقاعد.. التعيينات الجديدة حملت باشا العيون الى باشوية الجديدة بينما عين قائد احمر على رأس باشوية البئر الجديد فيما عين المسؤول الترابي بأولاد انعام بالراشيدية باشا على ازمور وقائد كتامة رئيسا على دائرة الجرف الاصفر فيما عين رئيس دائرة تافراوت رئيسا لدائرة الجديدة ورئيس دائرة اولاد زيدوح رئيسا على دائرة ازمور.

  • ...
    استقالة المثقف من الشأن العام يدق ناقوس خطر المجتمع المغربي

    مما لاشك فيه ،أن للمثقف والمناضل الحقوقي دور أساسي في مجتمعه، يتمثل في إفادة الأحزاب والسياسة بوجوده في فضائهما وتأليف كتب عن الإستقلال السياسي والحزبي وكيفية التعامل معهم بإعتبارهم مصدر تحشيد وتعبئة، حيث أنه من المؤكد القول أن المثقف هو مصدر الإنفضاض العام على السياسة والأحزاب، غير أن الإشكال المطروح هو على الرغم من تمتع المثقف بقدرات فكرية ومعرفية إلا أن مشاركته في المجال السياسي كفاعل اجتماعي تبقى محدودة بحسب قدراته على الإندماج في السلطة حيثما نجح في الإندماج السياسي فإنه سيصبح سياسيا محترفا ،أما المثقف الأكاديمي فيظل على مسافة من التاريخ ولا يتورط بأي شكل من الأشكال في اتجاهات معينة.فإيمانه بإتجاه هو إيمان يخصه وحده لكنه لايتعصب له ولا يفرضه على الجميع.حيث إنطلاقا من خاصية النقد التي تميز المثقف الأكاديمي على غيره تجعله في غنى  عن التورط في إتجاهات معينة مجتهدا بدوره في نشر المعرفة والتنوير،بما لاتعصف به الرياح إلى مناحي أخرى بعيدة كل البعد عنه .لكن، يبقى السؤال الأساسي هو ،لماذا هذا العزوف للمثقفين من المشاركة والولوج في الحقل السياسي والنضال الحقوقي؟ يخبرنا الأستاذ ''محمد سبيلا'' أنه وجب علينا مراعاة المعطيات الملموسة للمثقف وتفهم أسباب إنعزاله عن الحدث التاريخي السياسي نظرا لكونه يجهل، مايحدث وراء الكواليس من مزايدات وخصومات سياسية بين الفاعلين السياسين والأحزاب،حيث وجود فئة أخرى أقدر منه على مشاهدة ووصف مايجري بدقة عالية.إنه لمن الجميل أن يكون المثقف الأكاديمي صاحب، مبادرة ومسئولية، في القدرة على خوض نقاشات عمومية ويومية متعلقة بالشأن العام والدفاع عن المواطن وحقوقه وتنويره لمعرفة ما عليه من واجبات وحقوق، والتصدي لوحشية السلطة التي تنفي الثقافة والإنسانية عن المجتمع المغربي لكن لايجب أن يكون ذلك على حساب معركته الأساسية هي عمله الأكاديمي والفكري ،كأستاذ جامعي وجب عليه إعطاء الأولوية لما يحتاجه عمله من جهد وطاقة، لتكوين شباب وشابات المستقبل القريب بالمعرفة والعلم.مما لا ريب فيه أن حاجتنا للمثقف، تزداد كل يوم خاصة وأن وضعية العالم اليوم أصبحت تتطلب من الجميع ،إعلاء صوت الثقافة وإعطاء المثقف المكانة الإعتبارية اللائقة به، فبدون تخطيط ثقافي لا يمكننا تصور أي تخطيط سياسي ،أو إقتصادي ،أو إجتماعي،يجد طريقه للعمل والإنجاز ،مما يجعل حديثنا عن أي تصور سياسي ممكن دون ثقافة حبرا على ورق فقط، مدام يعوزه التخطيط الثقافي .فحاجة السياسة للمثقف هي حاجتها إلى النقد والتمييز والتي لن تجدها بعيدا عن المثقف والذي يثمتل دوره الأساس في الكشف عن المستور ونقده وتغليب كفة المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.إن خطورة تراجع أدوار المثقف في النقاش العمومي وإنحسار أدواره المؤثرة في المجتمع والحياد والتفريط في استقلاليته ،لهو فسح المجال لبلاطجة سياسين أغلبهم أميين، لن يساهم  هذا لأمر سوى في تفشي أنواع من الإنتهازين مما يتحكمون في عقول الشعب والمشاريع المستقبلية .مما يفسح المجال أيضا لتغليب الكفة لأبناء هده الفئة من الوصولين للتمتع  بإمتيازات التعليم والصحة إلى آخره ...على حساب أبناء الشعب المنحط.     إن تخليق السياسة هو من اختصاص المثقف والمدني الذي إضافة إلى روحه المتمردة في التفاعل السياسي والاجتماعي يتميز بخاصية النظر إلى الأشياء من أعلى وخارج منطق النزاع المحدود للفاعلين السياسيين.إن ما أهدف إلى قوله من خلال هذا الرأي المتواضع هو أن يلتزم كل من السياسي والمثقف بوظيفته الخاصة والأدوار المنوط بهم القيام بها ..فلا يجب على المثقف أن يكون  بمثابة ذيلا للسياسي ..ينتظر أوامره ليعرف متى يتكلم ومتى يصمت وينساق بذلك المثقف لإغراء السياسة فيتخلى عن دوره  الشريف والنبيل والممثل في النقد وطرح السؤال.. أو يتقمص السياسي وظيفة المثقف فيترامى على القيم الرمزية والميثالية ويفسدها...بجعلها خادمة لمطامعه ومصالحه الفاسدة.وهذا ما وضحته السنوات الأخيرة التي بينت عن تطفل السياسي على بعض المجالات وفرض هيمنته السياسية المتمثلة في السلطة والمؤسسات عليها.أما في المغرب فقد اكتسح السياسي لكل الفضاءات مما أدى إلى عزلة الطبقة السياسية في الاهتمام بمصالحها الخاصة ومتطلعة إلى المستقبل تاركة أدوارها الأساسية المتجلية في تدبير الشأن الاجتماعي للأفراد..فاسحة المجال لمؤطرين متطرفين دينيين يؤطرون المجتمع على هواهم ..فاسحة المجال أيضاً لتزايد الصراعات والمآسي والحروب.في الحقيقة يصعب علي الحسم بلغة العروي، بخصوص مسئلتين أساسيتين:_هل أحاسب المثقف على التفكير في تقديم استقالته وهناك من استقال فعلاً عن النضال الحقوقي والسياسي ما دام انعزالهم سيعطي فرصة لزعماء بمستويات معرفية هزيلة جدا..تجعلهم لا يخجلون من أنفسهم حينما يقولون الشيء ونقيضه في نفس الوقت ويتظاهرون بشعارات لا يعملون بها على مستوى التطبيق ويدعون أموراً لا يقبلها عقل إنسان..ويقدمون وعودا لا يوفون بها ويقومون بأعمال اليوم ويتنكرون لها غذا ويدعون إلى الحرية وفي بواطن عقولهم عبودية...وهذا كله سببه غياب الثقافة وبتغييبها يصبح كل ما يقال لا فائدة منه ولا قيمة له مما يفتح المجال للسياسة باللعب على الأهواء والعواطف والأخطر شراء أصوات الشعب بسبب فقره وجهله...والتي لا أحد يتحمل مسئوليتها سوى هؤلاء الإنتهازين الذين لم يعفو عنهم الله بعد في الكف عن استنزاف طاقات وخيرات بلادهم ليدفع الشعب المسكين في مقابل ذلك الثمن.-أم أقدر الوضعية المتدهورة التي أصبح عليها اليوم المثقف ومعاناته منها وهي ضعف قدرته على التصدي للأمية الموغلة في أوساط مجتمعه نتيجة تزايد إفلاس التعليم..والتطلع إلى المستقبل بعيون الماضي وتقديس التقليد ولغة الأجداد..ومحاربة كل ما له صلة بالنقد وطرح السؤال والتخلف الذي يسكن عقول شباب اليوم ..فأين هي الوضعية المتفائلة التي تسمح لهذا المثقف في الإستمرار في النقد والسؤال والتفاعل الاجتماعي والسياسي في ظل كل هاته الأزمات التي يشهدها المجتمع؟وهل المثقف وحده من يتحمل مسئولية أوضاع بلده نتيجة استقالته؟فحسب هذا الطرح السابق أريد أن أنبه أنه إذا لم ينجح المثقف في الدعوة إلى ما دعا إليه الأستاذ ''عبد الله العروي''  حينما قال ''نُوَدِّعُ نِهائيّاً المُطْلَقَات جميعَها، نَكُفُّ عن الاعتقاد أَنّ النّموذج الإِنْساني وراءنا لا أَمامنا وأَنّ كُلّ تَقَدُّم إِنّما هُو في جَوْهَره تجْسيد لأَشْباح الماضي وأَنّ العِلم تَأْويل لأَقْوال العارفين وأَنّ العَمل الإِنساني يُعيدُ ما كان، لا يُبْدع ما لم يَكُن، وبذلك نَتَمَثَّلُ لأَوّل مرّة معنى السّياسة كتوافُق مستمرّ بين ذِهْنِيّات جزئيّة تُمليها ممارسات الجماعة المستقلّة وتتوحّد شيئاً فشيئاً عن طريق النِّقاش الموضوعي والتّجارب المُسْتَمِرَّة، بحيث لا يمكن لأَحد أن يدّعي، فرداً كان أو جماعة أنّه يَمْلِكُ الحَقيقة المُطْلَقَة عن طريق الوَحْيِ والمُكاشَفَة ويَفْرِضُها على الآخرين'' عبد الله العروي، الإيديولوجية العربية المعاصرة، مقدّمة الطبعة العربية، ص. 16  بيروت. ط. 3  - 1979فإنه لا مجال للاستمرار في استنزاف طاقة المثقف من أجل التنوير والتثقيف ..مادامت النتائج سلبية...وهذا ما يعكسه طرح الأستاذ ''العروي'' حينما قالأن ''صَيْرورَة الواقع الاجتماعي، نسبيّة الحقيقة المُجَرّدة، إِبْداع التّاريخ، جَدَلِيّة السِّياسة: هذه هي مَعالِم الفكر العصري وقوام المجتمع العصري، عرفها حقّاً البعض منّا وفسّرها ونادى بها، ولكن المجتمع العربي كَكُلّ، منذ القرن الماضي، يتردّد في تبنّيها تَبَنّياً كُلِّياً، ينكرها لا في دائرة الأُسْرَة والمَسْجِد والكُتَّاب فحسب، بل داخل البرلمان والمدرسة العصريّة وحتى في قلب المصنع، يتردد في عرفانها لا في كُتُب تراثنا القديم حين يُعاد طبعها فحسب، بل في التّأليف المعاصر، على صفحات الصُّحُف اليوميّة وشاشة التَّلْفزة، وباختصار في ذهن كُلّ منّا..وهذا التّردُّد قبل كل شيء تردُّد المُثقفين مِنّا، كيف ننعي على الشّعب العربي أو الطّبقة الكادحة العربية خمولها والنّعْيُ كُلّه على المُفَكّرين العرب منذ القرن الماضي الذين جعلوا من الكتابة والخطابة ناموس عَيْش، فانساقوا للتّرجمة واجترار الأفكار والتّلفيق بدون معيار ولا مقياس[…] إذا كان لِتَجارِب الأُمم مغزى فإِنّ أمرنا لن يصلح إِلاَّ بصلاح مفكِّرينا، باختيارهم اختياراً لا رجعة فيه المُسْتَقْبَلَ عَوَضاً عن الماضي، والواقع عن الوهم، وجَعْلهم التّأْليف أداة وانْتِقاداً لا أداة إغراء وتنويم، وإذا قيل إِنّ أَوضاع الحكم وأَوضاع الحرب لا تساعد على ذلك، فأقول إِن أَوضاعنا ستكون دائماً غير ملائمة لأَنَّها لو عادت ملائمة لَمَا احتجنا إِلى ثورة على التَّخلُّف الفكري''. نفس الصفحة والمرجع.فأنا لا أشجع ..لا على استقالة المثقف ولا على بقائه في ظل نضاله الحقوقي كباحث أكاديمي ولكن شيئين أركز عليهما:_ألا يكون المثقف بمتابة ذيلا تابعا للسياسين، ينتظر أوامرهم متى يتكلم ومتى يصمت..ويستفيد في مقابل ذلك من ريعهم وانتهازيتهم للسلطة.فكما قال الفيلسوف التنويري ''بيير بايل'' في كتابه القاموس النقدي..''أن على الكاتب أن يكون مهتما فقط بمصالح الحق واهتمامات الحقيقة حيث ينبغي له أن يضحي على مذبحها بالأحقاد وبذكرى أفضال الأغيار عليه وحتى لحبه لوطنه، ويتوجب عليه أنه ينتمي لأي بلد أو أنه نشأ على أي مذهب معين أو أنه يدين بالفضل إلى هذا أو ذاك الإنسان أو أن هؤلاء الناس هم أهله وهؤلاء هم أصدقاءه ..فالمؤرخ الحقيقي هو كملكي صادق لا أب له ولا أم ولا نسب وإذا سأله أحدهم من أين أنت؟ ومن أنت؟ فعليه أن يجيب ..أنا لست فرنسيا ولا ألمانيا ولا إنجليزيا ..أنا إنسان مقيم في العالم ..وأنا لست بخادم الإمبراطور ولا بخادم ملك فرنسا بل أنا خادم الحقيقة.''_ثم أنه لا سبيل إلى رفع الوصاية ونشر المعرفة والثقافة إلا بالشجاعة والجرئة ورفع الحجب على المستور وهذا هو دور المثقف.فعل الأقل إذا وهنت قدرة المثقف على التثقيف نظراً لظروف مجتمعه البائسة والتي تزداد بؤسا يوما بعد يوم ..فإنه على الأقل يجب عليه ألا يخسر نفسه...فحتى إذا خسر رهانه في التنوير داخل مجتمعه فإنه لن يخسر يوما ما شهادة ناس الذين سيقولون في حقه أنه كان مناضلا صبورا.فبالفعل يشهد التاريخ على نفسه أنه كان رديئا لكنه لا يستطيع أن يشهد على صمت المثقف الذي لم يوقف قلمه يوماً على نشر الثقافة والتنوير من خلاله ...ولقد كان مناضلا شريفا. جيهان نجيب: تخصص في الفلسفة والمجتمع.

  • ...
    الداودي.. أول وزير في العالم يتظاهر أمام البرلمان ضد الحكومة وضد الشعب

    على ما يبدو، السياسة في المغرب، في واد، والسياسيون في واد آخر. هذا ما يستشف بالواضح والملموس من  التفاعلات والمواقف الرسمية وغير الرسمية، التي أعقبت حملة المقاطعة التي يخوضها الشعب المغربي، من طنجة إلى لكويرة، على منتوجات 3 شركات تحتكر السوق، وتفرض أسعارها التي يكتوي بلهيبها المغاربة.  مواقف لعل أكثرها إثارة للغرابة والاستغراب، موقف الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة، المكلف بالحكامة والشؤون العامة، لحسن الداودي، الذي يستميت، في جميع المناسبات المتاحة، تحت قبة البرلمان، وعند ظهوره مؤخرا على القناتين التلفزيتين "الأولى" و"ميدي 1 تيفي"، اللتين استضافتاه،  (يستميت) في الدفاع عن مصالح شركة "سنطرال– دانون"، المملوكة بنسبة 99.68 في المائة ل"دانون" الفرنسية. حيث عزز الوزير الداودي، المحسوب على كثلة الأغلبية الحكومية، صفوف الوقفة التي خاضها، مساء الثلاثاء، أمام مجلس النواب بالرباط، عمال ومستخدمو شركة "سنطرال– دانون"، احتجاجا على حملة المقاطعة، التي كانت لها انعكاسات اجتماعية، وكبدت "شركة  "سنطرال– دانون" خسائر جسيمة،  برسم النصف الأول من العام الجاري، بلغت 150 مليون درهم، أي 15 مليار سنتيم، وتراجعا في رقم المعاملات السنوي، بلغ ناقص 20 في المائة.ولم يكتف الوزير الداودي بالظهور في التظاهرة العمالية، التي دعت إلى تنظيمها نقابة عمال ومستخدمي شركة "سنطرال"، بل بدا ناشطا وفاعلا "حكوميا" مؤثرا فيها. وكان تارة يردد شعار: "هذا عيب هذا عار.. الفلاح في خطر"، وتارة أخرى، يملي على عامل محتج، يحمل مكبر الصوت (mégaphone)، شعار: "هذا عيب هذا عار.. الاقتصاد في خطر" (..).وهكذا، يكون لحسن الداودي، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة، المكلف بالحكامة والشؤون العامة، أول وزير في العالم بقاراته الخمس، يخرج للتظاهر في الشارع العام، وأمام البرلمان، هذه المؤسسة الدستورية ذات الرمزية، ضد الحكومة، وضد الشعب.. ولا يخفي استماتته في الدفاع عن مصالح الشركات الكبرى التي تحتكر السوق، وتفرض أسعارها على المغاربة.هذا، وقد تعودنا وعودتنا التجارب سواء في المغرب، أو في دول العالم، أن الوزراء والمسؤولين الحكوميين في المناصب السامية، قد يخرجون للتظاهر في الشارع العام، في الاحتجاجات، وفي المسيرات، من أجل قضايا مصيرية، تهم الوطن.. ولكن ليس ضد حكوماتهم، التي هم مكون أساسي من مكوناتهأ، ويتحملون فيها مسؤوليات عن القطاعات التي يمثلونها، ويديرون شؤونها. وعليه، فعلى من كان الوزير الداودي يحتج، عندما انخرط في الوقفة الاحتجاجية أمام مجلس النواب.. ؟! وبغض النظر عن حملة المقاطعة، أو التعاطف مع هذه الجهة أو تلك الجهة.. فالوزير الداودي الذي كان يتأهب للولوج إلى قبة البرلمان، كان يحتج، من خلال انضمامه إلى الوقفة الاحتجاجية، على حكومته، وعلى سياساتها الحكومية، التي كانت سببا في الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في المغرب، وبالتالي، كان يحتج على نفسه، باعتباره مكونا أساسيا من مكونات الحكومة. ومن ثمة، فإن في احتجاجه، و"شهد شاهد من أهلها"، إقرار صريح بفشل سياسات الحكومة، وبفشله في تدبير سياسات الحكومة، وفي القطاع الحكومي الذي يمثله، بصفته وزيرا مكلفا بالحكامة والشؤون العامة.  وبالمناسبة، هل كان الوزير الداودي مؤذونا له من قبل رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، بالانخراط في هذه الوقفة الاحتجاجية.. ؟!فإن كان كذلك، فالأمر خطير، وإن لم يكن كذلك، فالأمر في غاية الخطورة. وعلى رئيس الحكومة أن يتحمل كامل مسؤولياته، أمام الحكومة التي يرأسها، وأمام الشعب المغربي، حيث إن عليه أن  يحدد موقف حكومته مما أقدم عليه الوزير الداودي، الذي هو وزير في الحكومة، وذلك بإصدار بلاغ رسمي إلى الرأي العام، الذي من حقه أن يعرف حيثيات النازلة، وموقف الحكومة الرسمي. ومن جهة أخرى، فإن انضمام الوزير الداودي إلى الوقفة الاحتجاجية، لا يمكن بأي حال تبريره واعتباره بكونه مبادرة شخصية، تعبر عن موقف شخصي، وإلا سيكون ذلك تهربا وتنصلا من المسؤولية، ومن المساءلة التي يتعين أن تتم أمام لجنة حكومية. وهذه مسألة تبدو مستبعدة.. لكن الأمل يبقى معقودا على السادة البرلمانيين،  أن تكون لهم الشجاعة والجرأة في أن يطرحوا، خلال انعقاد جلسة البرلمان المقبلة،  سؤالا شفاهيا في الموضوع، ليس على الوزير الداودي، وإنما على رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني. هذا، وفي حال إن كان انفرد في اتخاذ قرار الانخراط في الوقفة الاحتجاجية، فإن الوزير الداودي يكون قد أضر بصورة الحكومة، وبأخلاقيات العمل الحكومي. وهذا ما لا نجده البتة في دول ما وراء البحار، كفرنسا مثلا، حيث إن أول ما قام به (إيمانويل ماكرون)، عقب انتخابه رئيسا للجمهورية الفرنسية،  منع الوزراء في الحكومة، سواء  في الأغلبية أو المعارضة، من الاقتراب من الصحافة، أو اتخاذ أية قرارات أو مواقف، خارج تداولها في مجالس الحكومة.. لأن الوزير أو المسؤول الحكومي في فرنسا، كما في سائر الدول الغربية، هو وجهان لعملة واحدة، تجمع بين وجه الشخص الاعتباري، ووجه الشخص الذاتي، ولا يمكن الفرق بينهما، أو حتى تخيل أحدهما دون الآخر، مادام المسؤول الحكومي يمارس، طيلة ولايته، مهامه في منصبه الحكومي.     إلى ذلك، فإن الوزير الداودي، بانخراطه في الوقفة الاحتجاجية، لم يضر  فقط  بالحكومة التي ينتسب إلى كثلة الأغلبية فيها، أو بحزب العدالة والتنمية، الذي هو من كوادره وقيادييه السياسيين، أو بالشعب المغربي، الذي اصطف في التيار المعاكس له، أو ب"شركة سنطرال– دانون"، التي انحاز إليها، ودافع باستماتة  عن مصالحها، أو بنفسه وبشخصه.. بل أضر كذلك كثيرا بالوقفة الاحتجاجية التي خاضها العمال والمستخدمون. حيث أعطى الانطباع بالركوب عليها، وبكونها "مسيسة".وبالمناسبة، تابعت الجريدة مجريات الوقفة الإحتجاجية، منذ انطلاقتها. وأبدى ممثل لنقابة عمال زمستخدمي شركة "سنطرال–دانون"، التي دعت إلى التظاهر أمام مجلس النواب، في تصريح له، تذمره من حضور الوزير لحسن الداودي، وركوبه على الحدث، مضيفا أن الحكومة لا علاقة لها لا من  قريب ولا من بعيد، بهذه الانتفاضة، وأن دورها يجب أن تلعبه في البرلمان، وحملها مسؤولية التأخر في  التدخل لإيجاد الحلول الناجعة، والحد من تداعيات المقاطعة التي أضرت بشريحة كبيرة من أبناء الشعب. كما ألح المتحدث ذاته على  أنه آن الأوان للوزير الداودي أن يبرز دوره كمسؤول حكومي في هذه النازلة، ووضع ما يجب من تدخلات من شأنها إيقاف النز يف".هذا، وتهكم "فيسبوكيا" الدكتور عادل بنحمزة بالقول:  "الداودي يستحق أن يدرج ضمن موسوعة "كينيس"، كأول وزير في العالم، يتظاهر ضد الشعب، والحكومة التي هو عضو فيها"، مضيفا: "شفتو لحليب منين كيريب أش كايدير ".هذا، وكما تمت الإشارة إلى ذلك، فإن انخراط الوزير الداودي في الوقفة الاحتجاجية، لا يمكن بأي حال تبريره واعتباره يعبر عن موقف شخصي، وإلا سيكون ذلك تهربا وتنصلا من المسؤولية ومن المساءلة، التي يتعين أن تتم أمام لجنة حكومية، وفق ميثاق وأخلاقيات العمل الحكومي. وإلا، قد يعتبر الأمر ضوءا أخضر وتشجيعا لوزراء آخرين، منتسبين إلى أحزاب سياسية بتلوينات معينة،  للانخراط في وقفات احتجاجية، ومسيرات.. مناوئة لسياسات الحكومة. وقد نسمع غدا أو بعد غد أن الوزير "الفلاني" قد انخرط في وقفة احتجاجية أو مسيرة احتجاجية، في جهة من جهات المملكة!إلى ذلك، فإن للسياسة قواعدها، وساستها وسياسييها الذين يثقون لعب الأدوار،  كما الحال في ديمقراطيات  العالم المتحضر. فالسياسة ليست فقط قراءة في الجامعات التخصصية، وفي القوانين.. وفي فلسفات الفلاسفة، وفي فكر كبار المفكرين والساسة والسياسيين، أو في استيعاب مضامين كتاب "الأمير" ل(ماكيافيل) (الغاية تبرر الوسيلة)، بل هي ممارسة "علمية"، وصقل للتجارب، وانفتاح على سياسات ومدارس السياسيين. هذا، فإن أية خطوة في السياسة، يضرب لها ألف حساب.. وقد تحرق ويحترق بلهيبها، بسبب عواقبها غير الحسوبة، من يدعي ممارسة العمل السياسي، ولو كان يظن نفسه داهية في السياسة.  

  • ...
    في عز حملة المقاطعة.. الفلاحون في دكالة يتدبرون تسويق إنتاجهم من الحليب

    تتوالى تصريحات حكومة سعد الدين العثماني، المنبثقة عن حزب العدالة والتنمية،  حول آثار حملة المقاطعة، التي يشنها الشعب المغربي، من طنجة إلى لكويرة، على منتوجات ثلاثة شركات كبرى، تحتكر السوق، وتفرض أسعارها التي يكتوي بلهيبها المغاربة، (حول آثارها) على الاستثمار، وعلى الاقتصاد الوطني، وحتى على ظفر المغرب بتنظيم "مونديال 2026".هذا، ويأتي تغيير مواقف الحكومة، باختيار لغة المهادنة، وتليين لهجة الخطاب،  لتلطيف الأجواء، بعد النجاح الذي حققته على أرض الواقع حملة المقاطعة، والذي أبهر دول العامل المتحضر، وبعد استيعاب حجم الخسائر الجسيمة، التي تتكبدتها الشركات التي تتم مقاطعتها. فالتغيير في المواقف الرسمية للحكومة، قد جاء بعد لتدبدب الذي شاب تدخلات وزرائها،  والتي تنم عن غياب التنسيق فيما بينهم،  وعقب الصمت الذي لزمته الحكومة في بداية حملة المقاطعة، والتشكيك فيها، من قبل بعض المسؤولين الحكوميين، وخروجهم الاستفزازي أمام الصحافة، ونعت المقاطعين المغاربة أو بالأحرى المغاربة المقاطعين، ب"المداويخ" و"المجهولين"، و"خيانة الوكن"، و"القطيع" (..)، وتهديدهم بالملاحقة القضائية. ما صب الزيت على النار. هذا، وذكر بلاغ لرئاسة الحكومة أن الحكومة تتابع باهتمام بالغ تطورات مقاطعة مادة الحليب، والتي تميزت أساسا بقرار الشركة المعنية تقليص كمية الحليب التي تقتنيها من تعاونيات الحليب، بنسبة 30 بالمائة ، مع ما لذلك من تـأثير على الفلاحين والقطاع الفلاحي.وأشار بلاغ الحكومة إلى التأثيرات السلبية لهذه المقاطعة، مؤكدا أن استمرارها قد تكون له تأثيرات سلبية على الاستثمار الوطني والأجنبي، وبالتالي، على الاقتصاد الوطني، مشددا على حرص الحكومة على القيام بمبادرات تهدف إلى تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وحزمها في مراقبة السوق، وجودة المنتوجات، والتصدي للمضاربين والمحتكرين".

  • ...
    المقاطعة.. حملة افتراضية لتغيير الواقع

    يطرح هذا المقال ثلاثة أسئلة تبحث في مسألة المقاطعة الشعبية لثلاثة منتوجات وطنية. السؤال الأول يبحث في الدوافع التي تحرك هذه المقاطعة كشكل من أشكال المنازعة السياسية و التي يفترض المقال أنها ليست دائما اقتصادية محضة و لا تحركها فقط المصلحة الشخصية المباشرة. السؤال الثاني يتعلق بالتوقيت و بالخصوص السبب الذي دفع المواطن المغربي لاختيار المقاطعة كشكل من أشكال الاحتجاج و المنازعة. السؤال الثالث يتعلق بالوسائط المستعملة و التي هي في مجملها افتراضية و مدى قدرتها على تحقيق الغاية من الاحتجاج و الذي يتمثل في تغيير السياسة العامة للدولة في مراقبة الأسعار و التدبير الاقتصادي للمجال العام.مما لا شك فيه فإن القارئ المغربي يعرف حيثيات الموضوع و يتتبع يوميا الجديد. سوف نتناول الموضوع فقط من خلال الأسئلة المطروحة حتى نغني النقاش حول موضوع المقاطعة كشكل احتجاجي. دراسة الأشكال الاحتجاجية و الحركات الاجتماعية أسالت الكثير من المداد في العلوم الاجتماعية و برزت للواجهة خصوصا بعد الربيع العربي. نذكر على سبيل المثال كتب مانويل كاستيل و سدني طارو.تحدث سياسة المنازعة [CONTENTION] عندما يتحالف الناس العاديون و يوحدون قوتهم في مواجهة النخب و السلطات و ذلك بسبب تغير في المزاج العام و عندما تخلق الفرص و الإكراهات السياسية المتغيرة دوافع للفعل بالنسبة لأشخاص يفتقدون أصلا إلى الموارد و يتعذر عليهم الوصول إلى المؤسسات التمثيلية. عرف التاريخ منذ القدم أشكالا من المنازعة و الاحتجاج حول مواضيع مختلفة، الخبز و المعتقد و الأرض و الموت، حيث حاول الناس العاديون إصلاح التجاوزات أو الانتقام ضد من يعارضون مستعملين فعلا جماعيا مباشرا و محليا و مرتبطا بموضوع الشكوى و التظلم.تتحول حركات المنازعة إلى حركات اجتماعية عندما تتحقق الشروط التالية:-التحدي الجماعي – الأهداف المشتركة – التضامن الاجتماعي – المنازعة الدائمة.هذا يعني أنه يجب أن تكون الحركة الاجتماعية تحديا جماعيا منظما و مبني على أهداف مشتركة و مدعوما بتضامن اجتماعي معلن و يستمر لوقت كاف يسمح له بتحقيق أهدافه. تبدأ الحركات الاجتماعية بالتمدد و الانتشار لكن قد يصيبها فتور إن لم تتحقق الأهداف بالسرعة المطلوبة، و قد تتجه إما إلى التطرف باستعمال العنف أو يتم احتوائها بالتفاوض و التمثيل المؤسساتي.إذا ما حاولنا وضع المقاطعة التي بدأت منذ نهاية أبريل و تستمر إلى حدود اليوم في سياق هذه التعريفات النظرية فإن العديد من الشروط تتحقق في حين أن أخرى مازالت في علم الغيب أو يستحيل توفرها نظرا للطابع الافتراضي للمقاطعة.قام بالمقاطعة و الدعوة إليها ناس عاديون و حاولوا نشر الفكرة على أوسع نطاق و انضم إليهم الآلاف من رواد الفيسبوك و مواقع أخرى للتواصل الإجتماعي. كان النقاش الأول الذي رافق بداية الحملة هو مصدرها و دوافعها. فقد كان اليساريون والليبراليون يتهمون حزب العدالة و التنمية بدعم هذه الحركة الاحتجاجية و خصوصا تيار بنكيران و ذلك للانتقام من أخنوش لدوره في تعطيل تشكيل الحكومة التي كان سيترأسها بنكيران، بالإضافة إلى وجه آخر من النخبة السياسية و الاقتصادية، مريم بنصالح. لم يظهر الحس المابعد الكولونيالي إلا فيما بعد حيث وضعت فرنسا كهدف للمقاطعة بوصفها مستعمرا سابقا للمغرب. السبب السياسي لم يكن كافيا لتفسير المقاطعة لأن عددا متزايدا من المقاطعين لا علاقة لهم بحزب العدالة و التنمية، كما أن أحزابا يسارية أيدت المقاطعة. برز بالموازاة تفسير اقتصادي مصلحي للمقاطعة، حيث يُظن أن المقاطع هو أصلا متضرر من ارتفاع أثمان المواد المقاطعة. الخطاب المعارض للمقاطعة يعتبر الأمر انتقاما سياسيا و ليس تعبيرا عن تأثر بضرر اقتصادي لأن الكثير من المقاطعين لا يستعملون بعض المواد المقاطعة، كالماء المعدني.من الواضح أن التضامن الاجتماعي لم يؤسس أصلا على موضوع المقاطعة بقدر ما هو دعم لفكرة المقاطعة و دخولها إلى مخزون وسائل الاحتجاج و الممانعة و المنازعة الشعبية لسياسات الدولة في المغرب. المقاطعة هي شكل جديد في المغرب لفرض رأي الناس العاديين الذين يفتقدون أصلا إلى موارد ووسائل سياسية و تنظيمية للتعبير عن رأيهم و انتقادهم لتجاوزات الحكومة و النخب السياسية. التضامن هو مع الفكرة في حد ذاتها لأن المقاطعة وحدت الناس بعيدا عن انتقام الدولة و تدخلها المباشر و منحت الفرصة للإنسان العادي للتأثير على سير و تدبير السياسة العامة.نقودنا الملاحظة الأخيرة إلى السؤال الثاني لهذا المقال و هو التوقيت الذي اختار فيه المغاربة استعمال وسيلة احتجاجية جديدة لمنازعة سياسة الدولة في تدبير الأسعار و الشأن الاقتصادي. يعرف المتتبع للأحداث بالمغرب ما وقع بالحسيمة و جرادة من انحسار للحركة الاحتجاجية بسبب تدخل الدولة بكل الوسائل لإفشال هذه الحركات و إفراغ مطالبها و الالتفاف عليها إما باحتوائها عبر مفاوضات و مبادرات أو قمعها بالمتابعات القضائية. النتيجة الظاهرة هي توقف هذه الحركات أو فتورها  نظرا للاحتكاك المباشر للمحتجين مع قوات النظام. هذا الاحتكاك أدى إلى انسحاب المؤيدين الذي كانوا على الهامش و الذين يسمون الركاب المجانيين [free riders] و بقيت فقط  النواة الصلبة. قدمت هاتين الحالتين درسا للمحتجين المغاربة و قدمت نتائجها الدليل على صعوبة و خطورة التحدي المباشر للنظام في الشوارع نظرا لتقهقر الخطاب الحقوقي بعد الربيع العربي في معظم الدول العربية و حتى في العالم. أصبحت المقاطعة حلا سهلا يتماشى مع الظروف التي وصفناها، بحيث أصبح الاحتجاج عن بعد من وراء شاشات الهواتف و الكمبيوتر نضالا آمنا و يحقق بالإضافة إلى ذلك نتائج مفاجئة. لكن ما ذا تحقق و ما ذا سيتحقق فعلا من هذه المقاطعة؟المقاطعة هي افتراضية لكن بنتائج واقعية حيث تراجعت مبيعات الشركات المستهدفة باعتراف مسؤوليها. لكن السؤال الذي يطرح ذاته هو هل سيتحقق شرط المنازعة الدائمة في هذه المقاطعة أم سيفتر المقاطعون مع قدوم الصيف و سيضعف الخطاب الاحتجاجي الذي يقود المقاطعة أمام مراجعات بعض القادة من النخب السياسة كما فعل بنكيران اليوم بدعوته إلى إيقاف المقاطعة ضد سنطرال؟ شق آخر من السؤال يتعلق بفكرة المقاطعة ذاتها و طبيعتها الافتراضية و الذي يجعل غياب القيادة منها حركة غير محددة المعالم و لا التوجهات و قد تكون عرضة لتضليل و توجيهات متعارضة قد تقود مع مرور الوقت إلى تفتتها. على العموم تعتبر تجربة المقاطعة إلى حد الآن تجربة سياسية ناجحة أعطت للمواطن العادي الإحساس بقوته كصوت وازن إذا ما تم إسماعه داخل تحدي جماعي متضامن و مستمر بالقدر الكافي لتحقيق أهدافه. لكن هذا التحول في سياسة الاحتجاج يشير إلى شيء سلبي و هو الاستغناء عن الاحتجاج المؤسساتي الذي كان يمر عبر الأحزاب و المؤسسات التمثيلية. إلى ان تعود الثقة أو لا تعود بين الشعب و من يمثله، تعطي حملة المقاطعة مهلة للتفكير لمن يسيرون الشأن العام. أستاذ باحث بجامعة أبو شعيب الدكالي

  • ...
    جامعة بدون مكتبة تتحول إلى دار العجزة!

    ما هو تعريف الجامعة؟ أ هي فقط مجموعة من الأقسام و البنايات التي تمنح برامج أكاديمية وتخصصات وشهادات تأهيل لولوج سوق الشغل، أم هي مركز إشعاع معرفي يهدف إلى تحسين جودة الخريجين، وتطوير الخطط والبرامج الأكاديمية؟ كيف يمكن للجامعة تقويم الذات ومواجهة التحديات بدون دعامة للبحث العلمي، أي بوجود مكتبة شاملة ذات جودة تنافسية عالية، فالمكتبة الجامعية المفروض بناؤها اليوم مطالبة بإدارة الجودة الشاملة والارتباط بالبيئة الرقمية الافتراضية، وبدون مكتبة ولو بمستوى بسيط من الجودة، سيظل إشعاع الجامعة باهتا، بل يهرَم بحثها العلمي ويشيخ، فتضعف فحولته، و قد يأخذ طريقه نحو دار العجزة. إن الجامعة ليست سوى مجموعة من المباني تم تجميعها حول مكتبة، فبدون مكتبة ذات جودة عالية، لن تختلف الجامعة كثيرا عن دار العجزة المزمع تشييدها بالحرم الجامعي، ومن هذا المنطلق، نساءل قرار السلطات المحلية بإلغاء مشروع المكتبة أو تجاهله، ووضع مشروع لبناء دار العجزة؟ أليس هذا قرار مؤسساتي بمصادرة مستقبل البحث العلمي بهذه المدينة؟ ما هي دلالات هذا القرار وانعكاساته على الوسط الجامعي؟  ألا يكشف هذا القرار مدى إغفال رئيس الجامعة الدفاع عن مكتسباتها، واستخفاف مجلس المدينة بدور المكتبة في مستقبل البحث العلمي بهذه الجامعة؟ ما معنى إلغاء مشروع بناء مكتبة أو حتى تعديل هذا القرار باقتسام الرقعة الأرضية بين مشروعي دار العجزة والمكتبة؟ هل الأمر يتعلق بإقامة بنايات إسمنتية، أم بخلق مؤسسات مستقلة تحتاج مرافق وفضاءات ومقومات وشروط لإنجاح تجرتبتها؟ لماذا يصر المسؤولون على اقتسام المجال الجامعي واقتطاع جزء منه لبناء دار العجزة؟ ماذا قدم المجلس وعامل الإقليم من مساعدات مادية ومعنوية لبناء هذه المكتبة؟ أليس من مسؤوليات مجلس المدينة وعامل الإقليم الأخلاقية مساعدة رئاسة الجامعة في توفير أغلفة مالية لتغطية تكاليف بناء المكتبة، بالإضافة إلى الاعتمادات المالية الذاتية للجامعة، ماذا استفادت الجامعة من المقاولة المحلية في التعجيل ببناء هذا المشروع؟ فعوض الترامي على مجال الجامعة، كان من الأجدر للمجلس والسلطات المحلية مساعدتها في بناء دعامة مستقبلها العلمي!  من يسير المدينة يا ترى؟ هل يسيرها مجلس، هل يسيرها عامل الإقليم، أم تخضع قراراتها لتأثير لوبيات العقار؟ إن قرار بناء  دار العجزة بحرم جامعي (campus)، في سابقة تاريخية من نوعها، تضرب بالأعراف الجامعية عرض الحائط، إذ يتضح لنا جليا أن قرارات مجلس المدينة تخضع لضغوطات لوبيات وسماسرة العقار، التي حولت مساحات خضراء ومرافق بهذه المدينة إلى تجزئات سكنية، و شوهت تصاميمها من أجل الاغتناء السريع، إذ عوض اختيار مكان مناسب لبناء دار العجزة، تم اقتراح المجال الجامعي حتى لا تتم التضحية بوعاء عقاري غالي الثمن بطريق الكولف أو مزكان مثلا، قد يسيل لعاب سماسرة العقار.       انظروا كيف أصبحت المدينة عبارة عن تجمعات إسمنتية تفتقد إلى الحدائق والتشجير وغيرها من المرافق الضرورية، هذا بسبب تهافت السماسرة على البقع بجميع أنحاء المدينة، فحي السلام مثلا، يفتقد إلى حدائق وساحات ومستوصفات ومدارس، كما هو الحال بمناطق أخرى. انظروا كيف تم تشييد عمارة في الزاوية المغلقة بطريق بئر انزران قرب محطة البنزين إفريقيا على أرض من المفروض أن تظل مساحة خضراء، هي عمارة من عدة طوابق تتسبب دوما في حوادث سير خطيرة، نظرا لأنها تحجب رؤية السائقين، لكن لا حياة لمن تنادي!  هل يعلم عامل الإقليم ورئيس الجامعة أن الباحث الجامعي، خصوصا في هذه المدينة، قد مُسخ إلى أستاذ قرصان بامتياز، إذ يقوم بتحميل الكتب و المقالات بطرق غير قانونية من مواقع القراصنة، حتى يتمكن من مطالعتها، بينما في المجتمعات المتقدمة يتوفر الباحث على "ليسانس" ترخيص و قن سري تمنحه إياه المكتبة الجامعية للقيام بالإبحار في مواقع متخصصة تقوم بشراء حقوق الملكية وتضعها تحت رهن إشارة الباحث، كما تمكنه من معرفة وضعية المرجع داخل حقل الدارسة،َ وكم من مرة تم الاستشهاد به. نحن اليوم نعيش بدون مكتبة تتوفر على كتب أكاديمية متخصصة، تخضع لوائحها للتحيين، و حقوق رقمية لمئات المواقع العالمية مثل (EBESCO, wiley online Library, ingentaconnect)، فيمارس جلنا القرصنة العلمية، ونعلّم طلبتنا كيف يقرصنون الكتب والمقالات لقراءتها...   أليست هذه مفارقة يا سيدي الرئيس: نحن نسرق الكتب، ثم نزجر الطلبة إذا سرقوا منها الأفكار بدون إحالة! متى كانت السرقة تُبعَّض؟؟ كيف نمنع السرقة الأدبية وسرقة أفكار الآخرين، لكن في الوقت نفسه نستبيح سرقة الكتب والملكية الخاصة؟ سيدي الرئيس، نحن معشر القراصنة، مازلنا منخرطين أساتذة وطلبة في سرقة الكتب والمقالات عبر مواقع القراصنة على إثر غياب مكتبة جامعية تمكن الباحث من الولوج بكرامة إلى البحث العلمي. لقد سئمنا سرقة الأبحاث العلمية وقرصنتها، وهرمنا  من أجل لحظة مكتبة في مستوى تطلعاتنا، نعتمد عليها في البحث والكتابة، وتأوي الباحث القرصان المشرد بين مقاهي المدينة!   ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي