إصدارات
  • ...
    جائحة «كورونا المستجد» وهواجس الاستشراف

    لاشك أن الاستشراف نزعة إنسانية قديمة قدم الإنسان، تختزل شغفا إنسانيا نحو استكشاف المستقبل واستكناه مجاهيله واستطلاع غوامضه، وتشتد الحاجة إليه في ظروف الأزمات ولحظات الشدة الفارقة في حياة الأفراد والمجتمعات.وقد شكلت جائحة «كورونا كوفيد 19» حدثا مفصليا في الربع الأول من القرن العشرين الميلادي، بل لعلها أبرز حدث من نوعه يعيشه الإنسان المعاصر في ظل منظومة العولمة الغربية، إذ أرخى بظلاله في وقت وجيز على جميع الشعوب والبلدان، فلم تكد تسلم دولة من آثاره المدمرة على صحة الإنسان، بل وعلى الاقتصاد والسياسة والاجتماع، على تفاوت بينها في التأثير والتأثر، وإن كانت الدول الغربية الغنية تبدو الأكثر تأثرا من جراء هذه الجائحة بسبب ديناميتها الاقتصادية التي تفوق باقي البلدان.ورغم أن جائحة ««كورونا المستجد»» شكلت صدمة من صدمات العولمة المتوقعة على شاكلة الأزمات المالية الكبرى التي تضرب الأسواق المالية في العالم بشكل دوري، نحو أزمة وول ستريت سنة 1929 أو الأزمة المالية سنة 2008، فكذلك الجوائح والأوبئة لها دوراتها الطبيعية التي تضرب العالم بين الفينة والأخرى، نحو وباء الكوليرا والحصبة والملاريا وإيبولا والأنفلونزا وغيرها…إلا أن الذي يختلف فيما يتعلق بفيروس «كورونا المستجد»هو سرعة الانتشار، إذ في غضون أسابيع قليلة من انتشار الوباء بمدينة ووهان الصينية تحولت كورونا كوفيد 19 إلى وباء عالمي، يهدد حياة ملايين البشر في جميع أنحاء المعمورة، بحيث اضطرت الدول إلى إغلاق الحدود وشل حركة المدن، وتوقيف حركة النقل البري والملاحة الجوية والبحرية، وحبس ملايين البشر في بيوتهم، في مشهد مثير ومذهل جعل منظمة الصحة العالمية وجميع الفاعلين الصحيين في العالم عاجزين عن تقدير الموقف وإدراك سبل التعامل معه، والفارق في هذه الجائحة أنها جاءت في مرحلة تاريخية تشكل ذروة سنام العولمة بحيث يعيش النظام الرأسمالي في أوج قوته وتوهجه بعد التخلص من العديد من عوائق الحرب الباردة، وإثر تجاوز الأزمة المالية العالمية لسنة 2008، والتطور الهائل لحالة التداخل الاقتصادي بين دول العالم وما عرفته سلاسل التوريد والإنتاج من تمدد عبر دول العالم. ولعل هذا السياق ما يجعل من وباء «كورونا المستجد» بالفعل من أشد الصدمات التي عاشها الإنسان المعاصر في ظل منظومة العولمة.ولعل حالة الصدمة التي أخذت سكرتها بلب العديد من المثقفين والعلماء والباحثين حول العالم، كانت دافعا قويا ومحفزا على بعث روح الاستشراف لملامح للمستقبل المحلي والعالمي، لينبعث سيل من الدراسات والمقالات والتصريحات، إما بغرض الجزم بتشكل عالم جديد مختلف عن عالم ما قبل «كورونا المستجد»، وليحضر من جديد سؤال المابعديات بصورة مكثفة يحاول أصحابه إقناع المتلقي بجدية رؤاهم، بينما الكثير منها تعرض للآثار المحتملة للوباء على الاقتصادات الدولية والمحلية، أو أثر ذلك على النظام العالمي والتغير المحتمل في توازن القوة بين الأقطاب في العالم، ومستقبل الدولة الوطنية، ومستقبل الطاقة الأحفورية في العالم وقضايا كثيرة…وليس الغرض من هذه المقالة استقصاء كل الأعمال الاستشرافية في هذه المرحلة الضيقة، وإنما التعرض لأنماط وسبل التعاطي مع هذه الجائحة من منظورات استشرافية، تستحضر الدراسات القبلية التي يفترض أنها تنبأت بالجائحة وحذرت منها بشكل استباقي، أو بعض الأدبيات الاستشرافية التي صدرت وقت الأزمة وهي التي أطلقت عليها عبارة «استشرافيات «كورونا المستجد»»، مع رصد محددات الرؤية الاستشرافية وخلفياتها واتجاهاتها المعرفية أكثر من الاشتغال بالأطر المنهجية والتقنية التي تعد سمة محددة لأصول البحث المستقبلي الرصين والدراسات الاستشرافية. أولا ـ جائحة «كورونا المستجد» موضوعا للاستشراف:جدير بالذكر أن نشير إلى أن أهم ما يميز لحظات الأوبئة هو الهشاشة وطغيان العاطفة وميل الإنسان لتصديق كل ما يتناهى إليه من أخبار وشائعات، فعلى مدار أسابيع تم تداول أخبار ومقالات تضمنت تنبؤات وتكهنات، وقدمت أعمال سابقة على أنها دراسات تنبأت بالوباء قبل وقوعه، وسنقتصر على دراسة بعض النماذج المتداولة الأكثر جدية في هذا الشأن:1- رواية «عيون الظلام»: صدرت للمؤلف الأمريكي (دين كونتيز) سنة 1981م، والتي تدور أحداثها حول سيدة تسعى للتأكد من كون ابنها مات قبل عام بسبب فيروس وبائي خلال رحلة استجمام أو أنه مازال حيا، وقد تنبأ الكاتب فيها بالفيروس التاجي وأطلق عليه اسم: «ووهان-400»، ويقصد بذلك مدينة ووهان الصينية منشأ فيروس «كورونا المستجد». ويتناول «دين» في روايته نشأة الفيروس في مختبرات خارج ووهان لاستخدامه بوصفه سلاحا بيولوجيا فتاكا يقتل كل من يصيبه بنسبة مائة في المائة، ويسرد الكاتب كيف أن الفيروس قضى على عدد هائل من سكان المدينة في ظرف تسعة أيام حسب محطة (سي إن إن). وبسب تشابه بعض وقائع الرواية مع ما يجري حاليا، واستحضار عنصر المؤامرة في كون فيروس ووهان-400 المتخيل في الرواية ثم تصنيعه في الصين لاستهداف الولايات المتحدة الأمريكية، لولا أن أحد الباحثين انشق عنها ليتحالف مع الولايات المتحدة لضرب الصين، فما تقدمه الرواية في نظر الكثيرين ليس مجرد سرد لوقائع تستند للخيال العلمي، بل تقدم عملا استشرافيا يتنبأ بالجائحة ويحدد موطن نشأتها، وزاد الأمر إثارة أن أطلقت أمازون على النسخة الورقية للرواية اسم: «ووهان-400» بدل الاسم الأصلي: «طيور الظلام».وفي حقيقة الأمر فالرواية لا تخرج عن نطاق الأعمال الأدبية التي تبنت خط الصراع والاستهداف الأمريكي للصين عبر ما يسمى بالقوة الناعمة الأمريكية، فمدينة «ووهان» معروفة بأنها موطن للصناعات الطبية والمختبرات البيولوجية في الصين منذ عقود.وبالنظر إلى أن الرواية ظلت مغمورة لثلاثة عقود من صدورها، فإن هناك تشكيك جدي فيما إذا كان قد طرأ تعديل أو تغيير لمضامينها لتحتفظ براهنيتها الاتهامية القائمة على نظرية المؤامرة، لاسيما في اعتماد اسم الفيروس التاجي أو حتى ووهان-400، ففي تقرير أصدرته صحيفة من هونغ كونغ اسمها: «ساوت شينا مورنينغ بوست»، أكدت أن الرواية أطلقت اسم ووهان-400 بعدما كانت أطلقت على الفيروس «جوكي-400» نسبة لمدينة روسية قام الروس بتصنيع الفيروس بمختبراتها، وهو ما اعتمدته النسخ القديمة من الرواية، ويستبعد أن تكون أمازون هي من غيرت اسم الرواية، وذلك ما أكدته الصحفية (كيت وايتهايد) في تقريرها بكون التغيير الذي حصل في تسمية الفيروس من جوكي إلى ووهان جاء في نسخة 1989م من قبل المؤلف نفسه الذي كشف عن نفسه بعدما كان قد أصدر الرواية باسم مستعار سنة 1981م، وهو أمر يطرح أكثر من علامة استفهام حول ما إذا كنا إزاء عمل أدبي إبداعي أم عمل استخباراتي بطرق ناعمة.أما ما سوى ذلك من الوقائع التي تسوقها الرواية عن الفيروس، تبدو أبعد عن الحقيقة، حيث تفترض الرواية أن الفيروس من صنع الإنسان وهو ما يصعب تأكيده أو نفيه لحد الآن، رغم أن هناك دعوات لفتح تحقيق دولي في الموضوع، كما أن معدل الوفيات لحد الآن أقل بكثير مما تفترضه الرواية بحيث لم يتجاوز 3 في المائة من المصابين بالعدوى، كما تختلف فترة الحضانة في الرواية، إذ تصل إلى أربع ساعات بينما تصل حضانة فيروس «كورونا المستجد» كوفيد 19 إلى أربعة عشر يوما. ومع ذلك فإن تسمية الفيروس وربطه بمدينة ووهان الصينية واستخدام الكاتب توصيفات علمية دقيقة ومتخصصة استقاها من علماء الأوبئة، ما جعل الكتاب يسوق من قبل شبكة أمازون ومن قبل الكثير من وسائل الإعلام بأنه حقق سبقا في التنبؤ بأخطر وباء فتاك حل بالبشرية في العصر الحديث.2- فيلم عدوى ((Contagion: للسيناريست «سكوت زي بيرنز» الذي عرض عام 2011، تدور أحداث الفيلم عن فيروس يدعى (MEG-1) تحول إلى وباء عالمي بعدما انتقل من خفاش إلى خنزير ثم إلى إنسان لم يغسل يديه قبل مصافحة إنسان آخر، وتذكر وقائع الفيلم أن معدل وفيات الفيروس مرتفع جدا، إذ يصل إلى خمس وعشرين وإلى وثلاثين بالمائة، ومدة حضانته تصل إلى ثلاثة أيام.ويتم الترويج للفيلم إعلاميا على أنه عمل درامي تنبأ بالفيروس قبل وقوعه، ومن الواضح أنه استوحى الكثير من الحقائق العلمية المتعلقة بالفيروس المذكور من المعلومات المتوفرة عن الأنفلونزا الإسبانية لعام 1918م.ويذكر سكوت أنه استشار خبراء الأوبئة ومنظمة الصحة العالمية قبل كتابة السيناريو، وأن التشابه بين وقائع الفيلم وجائحة «كورونا المستجد» محض صدفة لا أكثر…وتظهر جدية المعلومات التي يقدمها الفيلم في تشابه ظروف نشأة الفيروس (MEG-1) مع كوفيد19، فقد نشأ في سوق رطبة للحيوانات بالصين، ثم انتقل للإنسان من الحيوان (الخنزير والخفاش)، وهي فرضية قائمة بالنسبة لكوفيد19 لكنها تظل غير مؤكدة بمقدار الشكوك حول أصل الفيروس، هل هو طبيعي أم مصنع ضمن المختبرات؟ وهل الفيروس مصدره الخفاش أم أن هذا الأخير مجرد ناقل للعدوى؟ وهل اقتصر دوره حينها على نقل العدوى فقط أم أن الفيروس عرف طفرة جينية قبل انتقاله للإنسان؟ هذه كلها أسئلة لم يتسن التأكد منها بعد، لكن فيلم عدوى يطرح روايته التي لا تخرج عن سياق الفرضيات المطروحة.طرق الانتقال للعدوى التي يطرحها الفيلم مشابهة لطرق انتقال «كورونا المستجد» كاللمس سواء بالمصافحة أو لمس الأشياء الملوثة بالفيروس، وكذلك الرذاذ الناتج عن العطاس أو السعال.وتظهر ضمن الفيلم شخصية محصنة ضد الفيروس يجسدها الممثل الأمريكي «مات ديمون»، وهو زوج مريضة بالفيروس، وهذا أمر غير متحقق لحد الآن على الأقل في الواقع مع فيروس «كورونا المستجد»، بل إن ما تظهره بعض التقارير الصادرة من الصين أن أشخاصا تعافوا من الفيروس ثم أصابتهم العدوى من جديد، وهذه قضية لا يمكن تبنيها ولا يمكن نفيها في الآن ذاته بسبب ما تتطلبه الدراسة العلمية من تواتر التجارب وعدم الاعتماد على تقارير تعتمد حالات فردية محدودة.وتظهر في الفيلم مقترحات لاعتماد «فورستيا» وهي صبغية الأزهار كدواء لعلاج الفيروس، وهو ما لم تؤكده أي تقارير طبية نجاعته في علاج «كورونا المستجد» رغم وجود ادعاءات بوجود علاجات طبيعية ترتفع بين الفينة والأخرى، بل تظل حتى العلاجات الرئيسية المستعملة من قبل بعض الدول كالكلوروكين وهيدروكسي كلوروكين موضع تشكيك ومعارضة من الكثير من الأطباء.وتتقارب المدة المفترضة في الفيلم للحصول على لقاح فعال مع المدة التي تطرح في الواقع من قبل مختبرات الأدوية وهي في غضون شهور إلى سنة.غير أن الفيلم تضمن مبالغات في تقدير الأعراض الناتجة عن الفيروس والتي تتجاوز بكثير أعراض «كورونا المستجد» إلى حالة الهيستيريا والعض والدماء، وما يصاحب ذلك من اضطرابات ونهب وتخريب لمنشآت المدينة، وهو أمر بعيد المنال في وقائع جائحة «كورونا المستجد» التي عرفت حضورا قويا للأجهزة الأمنية والفرق العسكرية لتدبير ظروف الحجر الصحي بمختلف دول العالم بحيث قلت معه الجريمة بشكل غير مسبوق في العالم.3- كتاب «ساعتنا الأخيرة إنذار من عالم»: صدر لمؤلفه مارتن ريز سنة 2004، ترجمة مصطفى إبراهيم فهمي: تضمن الكتاب مقدمة وخاتمة وإحدى عشر عنوانا في المتن، وهي كالآتي:-صدمة التكنولوجيا- ساعة الحساب – تهديدات ما بعد 2000: الإرهاب والخطأ.-الجناة والمسكنات – كبح مسار العلم – خط الأساس للمخاطر الطبيعية: الاصطدام بالكويكبات – تهديدات البشر لكوكب الأرض – مخاطر قصوى: رهان باسكال.-فلاسفة يوم الحساب – أهي نهاية العلم؟ – هل لمصيرنا أهمية كونية؟-ما بعد كوكب الأرض.يرى مارتن ريز أن العلم يتقدم بمعدل سريع على ثلاث جبهات: تكنولوجيا حيوية، وتكنولوجيا سيبرية، ونانوتكنولوجيا، إلا أن القضية التي استأثرت باهتمامه هي الجوانب المظلمة للعلم، فالعلم الجديد قد تكون له نتائج غير مقصودة، فالجانب السيء من تكنولوجيا القرن الواحد والعشرين قد يكون أكثر استعصاء على العلاج من السلاح النووي الذي ظل مشكلة النصف الثاني من القرن العشرين بامتياز.ويحدد مارتن ريز غرضه من تأليف الكتاب، وهو التركيز على مخاطر القرن الواحد والعشرين التي تقل درايتنا بها حاليا، والتي يمكن أن تكون أكثر تهديدا للبشرية وللبيئة الكونية. ورغم أن مارتن ريز عالم كونيات إلا أنه عمل على تضمين كتابه بجملة من التوقعات أو بالأحرى التحذيرات التي تشمل مجال البيولوجيا والتكنولوجيا الحيوية، وقد جسد في هذا الكتاب صورة الرجل الأمريكي المسكون بهواجس لا تنتهي من التحديات، فما يكاد يضمحل قلقه من تحدي حتى تنقدح له تحديات أخرى، فيستحضر ريز هواجس الحرب الباردة وما حملته من تهديدات نووية مازالت قائمة وإن تراجعت حدتها، كما يستحضر خطر الكويكبات في صورة كويكب مارق يصطدم بالأرض ويحدث دمارا هائلا أو يعجل بنهاية الحياة على وجه الأرض…وسنركز من جملة توقعات مارتن ريز في كتابه «ساعتنا الأخيرة» على ما يوصف بأنه تنبؤ بجائحة «كورونا المستجد»، دون سواه.ففي سياق أحداث 11 شتنبر 2001 الذي يعد حدثا أعاد تشكيل العقل الأمريكي في علاقته بالعالم وأعاد صياغة تصوراته عن قضايا الإرهاب وصدام الحضارات، دبج ريز هذا الفصل الذي استهله بالعبارات التالية:«تهديدات ما بعد 2000: الإرهاب والخطأ. خلال عشرين عاما سيصبح من الممكن بسب إرهاب بيولوجي أو خطأ بيولوجي قتل مليون فرد. ما الذي ينذر به ذلك الأجيال اللاحقة؟»يلفت ريز أنظار الرأي العام الأمريكي إلى ما هو أخطر من التهديد النووي وهي المخاطر التي تنشأ عن الميكروبيلوجيا والوراثيات، دون أن يفوت الفرصة للمز دول تواصل –في اعتقاده- تطوير برامج هجومية كالعراق، ويسوق المؤلف في معرض التحذير من الخطر البيولوجي بوصفه خطرا جديا تتجاوز قدرته التدميرية السلاح النووي، نموذج البرنامج البيولوجي السوفياتي (بيوبريبات) الذي كان (كاناتاجان أليبيكوف) واحدا من خبرائه قبل لجوئه للولايات المتحدة سنة 1992م، وتغيير اسمه، حيث ألف كتابه: المخاطر البيولوجية، والذي روى فيه تفاصيل المجهودات التي بذلت لتحوير الجراثيم لجعلها أكثر قدرة على العدوى وأكثر مقاومة للقاحات المضادة، وقد تسبب المختبر الروسي الذي احتضن البرنامج في ست وستين حالة وفاة غامضة سنة 1979م بسبب تسرب جراثيم الأنثراكس.ويرى الكاتب أن خطر الأسلحة البيولوجية يكمن في أنه لا يحتاج لدولة أو منظمة قوية لحيازته، بل يمكن أن يقوم بذلك أفراد من خلال مواد أو تقنيات وخبرات لها استخدام مزدوج في مجال الزراعة والطب، فالسلاح النووي أيضا له استخدام مزدوج، لكنه يتطلب للتحول من الاستخدام المدني لإنتاج الطاقة إلى تصنيع قنبلة نووية سلسلة عمليات طويلة وأجهزة معقدة للتخصيب، ليست في استطاعة أغلب دول العالم فما بلك بالأفراد والمنظمات، والأمر يختلف فيما يتعلق بالأسلحة البيولوجية كما يقول (فريد أيكل): «المعرفة والتكنيكات اللازمة لصنع أسلحة بيولوجية مفرطة القوة ستصبح موزعة في كل مكان، بين معامل المستشفيات ومعاهد الأبحاث الزراعية، والمصانع السلمية. ولن تتمكن إلا شرطة دولية بوليسية قامعة من الاستيثاق من تحكم الحكومة تحكما كاملا في هذه الأدوات الجديدة للدمار الشامل.» ويحذر الكاتب من تنامي تكنولوجيا تخليق فيروسات بالتصميم، «فإذا تعاقب ظهور فيروسات مهندسة مختلفة لا توجد مناعة ضدها ولا علاج، فقد يكون لها تأثير كارثي على نطاق العالم، يكون حتى أكثر كارثية من تأثير الإيدز الآن في إفريقيا، وقد يكون مساويا مثلا لتأثير فيروس جذري ليس له فاكسين، أو حتى فيروس مما ينتشر بسرعة أكبر من الجدري نفسه، أو تنويع من الإيدز تنتقل عدواه مثل انتقال الأنفلوانزا، أو نوع من الإيبولا لا تطول فترة حمل المريض له.» ويلفت ريز الانتباه إلى مكمن الخطر هو أن القدرة على تصميم الفيروسات المستجدة لا توازيها قدرة مماثلة في تصميم وإنتاج فاكسينات ضدها، والأخطر من ذلك أنه يمكن تطوير سلالات بكتيريا لها مناعة ضد المضادات الحيوية، بل إن هناك بكتيريا من هذا النوع تنبثق بشكل طبيعي كنوع من الطفرات الطبيعية. إن ما يقدمه ريز ليس عملية تنبؤ، سواء تعلق الأمر بصور التنبؤ العلمي أو ما يتعلق بالتنبؤات الانطباعية، وإنما يندرج مسلكه ضمن ما يمكن تسميته بالمستقبليات التحذيرية إذ يقدم توقعات لا ينتظمها سيناريو مكتمل من الناحية المنهجية والتقنية، بل هي توقعات مرسلة على طريقة العلماء والخبراء الموسوعيين، يستند في صياغتها على خبرته العلمية وسعة اطلاعه وإحاطته بالظاهرة، فلا يستطيع أن يقدر أخطار العلم إلا العلماء والخبراء، ممن خبروا دروب البحث المخبري وقضوا في كنفه دهرا طويلا يؤهلهم لتأليف رؤى استشرافية تحذيرية حتى يكون صانع القرار على دراية بها لاتخاذ الخطط اللازمة لتفادي الأخطار واجتراح الحلول الناجعة حال الضرورة.وأما ما تضمنه عنوان الفصل الثاني من الكتاب من الإشارة إلى رقم 20 فلا يخرج عن توظيف سحر الرقم 20 الذي يعد ولعا مشتركا لدى الكثير من الباحثين المستقبليين الغربيين لا يضاهيه إلا سحر عام 2000 وما كتب حوله من الدراسات والنبوءات التي وصلت حد التنبؤ بنهاية العالم حينها من قبل بعض المولعين بأحاديث النهايات وسردياتها المثيرة.لكن التوقعات المرتبطة بالخطر البيولوجي للفيروسات سواء كانت طبيعية أو مصممة ضمن مختبرات يعد مصدر قلق مشترك للكثير من الباحثين البيولوجيين وغيرهم، ممن يدركون القدرة التدميرية للفيروسات المعدية، وحجم الخطر الذي يمكن أن تشكله على مستقبل الإنسانية سواء نتجت عن خطأ علمي أو عن تهديد إرهابي، وما ساقه من حديث عن الفيروسات المستجدة أو المعدلة حقيقة قائمة تعيشها البشرية اليوم مع فيروس «كورونا المستجد» الذي يظل اللبس قائما حول بواعثه هل هي تلقائية أم نتيجة خطأ مخبري أم أنه هجوم متعمد بحسابات سياسية قائمة، وكلها فرضيات متداولة من قبل الإعلام العالمي وإن كانت الفرضية الأخيرة أقل حضورا بسبب فظاعتها، فتجربة الإنسان المعاصر مع الأوبئة الفتاكة التي ضربت العالم على الأقل في العقود الأخيرة تجعل من التنبؤ بالأوبئة والتحذير من مخاطرها وتأثيرها على حياة الإنسان وعلى المجتمعات البشرية عملا ذا مصداقية كبيرة، فأمام هذه السيرورة من التطور البيولوجي وانخراط المزيد من بلدان العالم في السعي لامتلاك التكنولوجيا الحيوية بالموازاة مع باقي التكنوليوجات الأساسية الأخرى، فإنه لا حدود لمخاطر العلم المتوقعة، وكل الاحتمالات تظل مفتوحة بما فيها الاحتمالات السيئة والمدمرة وهذه الأخيرة هي التي تولى (مارتن ريز) رصدها والتحذير منها. ثانيا– هواجس الاستشراف في زمن «كورونا المستجد»:تنزيل نسخة معدلة ذات جودة عالية لمجلة منار الهدى العدد التاسع عشرنهجت جل دول العالم سياسة الإغلاق والحجر الصحي تدبيرا أساسيا ضمن عدة إجراءات وتدابير لمواجهة تفشي الجائحة، فشكل الحجر الصحي داخل البيوت وضعا مشتركا، فرض أنماطا جديدة للتواصل في ظل التباعد الاجتماعي، ليشكل الفضاء الافتراضي أفقا واسعا للسباحة والتجديف، بعدما ضاق الأفق المكاني ولم يعد رحبا بمقدرا سعة العوالم الافتراضية، تلك الجغرافيا الجديدة التي اكتشفها الإنسان المعاصر واللامحدودة بقيود المكان والزمان، والتي تصفها مارغريت فيرتهام Margret Wertheim بالقوة المتعاظمة لوغاريتميا التي تنفجر أمام أعيننا بقوة مذهلة تماما كما انفجر كوننا في فضائه المادي من لا شيء قبل خمسة عشر مليار سنة. ولا يعني ذلك أننا إزاء عوالم بديلة سحرية عن الواقع المكاني رغم كل الإغراءات والتشابكات التي يقدمها، وإنما يشكل ذلك امتدادا حقيقيا معززا للأبعاد المتعلقة بالمكان والزمان، وموسعة لدائرة الفعل البشري، فمن دون شك فإن شبكة الأنترنيت أتاحت للإنسان في ظل الحجر الصحي إمكانية الاستعاضة ولو جزئيا عن الواقع الفعلي للتخفيف من الآثار النفسية والاجتماعية للتباعد الاجتماعي، كما أتاحت الحصول على الكثير من الخدمات والمنافع عن بعد، سواء منها: الإعلامية والتعليمية والثقافية والاقتصادي… لكن ما يخشى منه في هذه المرحلة أن تتشكل ملامح ما يمكن تسميته ب»الإنسان السيبيري»، بحيث تتعزز العزلة الاجتماعية لبعض الفئات الاجتماعية، لاسيما الشباب، اعتقادا منهم أو توهما بأن العالم الافتراضي بكثافته وأضوائه وتشعبه وسرعة التفاعل ضمنه، يمكن أن يكون بديلا عن الواقع الاجتماعي بعلاقاته وشخوصه وقيمه وقوانينه وقيوده، وهذه المخاطر ترتفع كلما طالت مدة الإغلاق والتباعد الاجتماعي. ورغم كل الوظائف التي يضطلع بها المجال السيبيري فإن أحد إيجابياته النظرية على الأقل، أنه بات يحدد لنا بشكل نسبي اتجاهات رواده وربما أمكن المعنيين بالثقافة والسياسة والاقتصاد والترفيه تتبع اهتمامات رواده وفق ما يوفره الأنترنيت من أرقام وإحصاءات بهذا الشأن، ولعل من بين هذه الاهتمامات في زمن الجائحة، هو أن يصبح التساؤل عن ما بعد «كورونا المستجد» سؤالا مشتركا بين مختلف رواد الشبكة، وهو سؤال يلخص تطلعا استشرافيا للجمهور تجاه المستقبل القريب، وإن كان الجميع لا تحركه الخلفية نفسها، فالبعض لا يعنيه من السؤال سوى لحظة حصول الفرج وارتفاع القيود المفروضة، وآخرون معنيون بتأثير الجائحة على الوضع المحلي كليا أو قطاعيا، بينما ينشغل الكثير من المثقفين والباحثين بصورة العالم ما بعد «كورونا المستجد». وارتباطا بموضوعنا المتعلق برصد اتجاهات وأبعاد الرؤى والتصورات الاستشرافية الصادرة في ظل الجائحة، فقد كان الإقبال في ظل هذه الأزمة كبيرا لحد السيولة، على كتابة مقالات ذات بعد أو مغزى استشرافي أو على الأقل من خلال ما توحي به عنواوينها، وليست جميعها على وزان واحد من حيث القيمة العلمية والانضباط المنهجي بمقتضيات الدراسة الاستشرافية وقواعدها العلمية، فالغالب عليها أنها دراسات انطباعية، والجادّ منها ينخرط ضمن مجال الخبرة الاستراتيجية التخصصية لأصحابها، ونرصد في المحاور الآتية أهم اتجاهات هذه الأعمال:1- استشراف تطور الحالة الوبائية للجائحة: صدرت خلال هذه الفترة العديد من المقالات والتقارير والتصريحات بشكل يومي، وقسم منها صادر عن ذوي الخبرة الصحية من أطباء وباحثين بيولوجيين أو مهتمين بتدبير السياسات الصحية أو رصدها، فأما التقارير والمقالات العلمية المتعلقة بالفيروس، فالغالب أنها تفتقر لليقين العلمي -أو ما يقاربه- الذي يطبع البحث التجريبي بشكل عام، والبحث الطبي المخبري بشكل خاص، فجاءت الكثير من الرؤى الاستشرافية مترددة ومتضاربة لا بخصوص طبيعة الفيروس وطرق انتشار العدوى وسبل الوقاية منه، بل وصل التضارب والتشكيك حتى بخصوص بعض الأدوية التي اقترح اعتمادها لفعاليتها المفترضة، وكذلك المدة الكافية للتوصل للقاح التي تتراوح بين أشهر إلى سنوات حسب منظورات متعددة، وكل هذا التضارب والتردد كان له انعكاس كبير على اضطراب الدول في السياسات والتدابير المعتمدة لمواجهة الوباء.ولعل من الأعمال الرصينة التي صدرت بخصوص رصد واستشراف الظاهرة، على مستوى المغرب، الدراسة التي أنجزها مجموعة من الباحثين بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بجامعة شعيب الدكالي بالمغرب، تتعلق باستشراف تطور الحالة الوبائية للمغرب لفيروس «كورونا المستجد»، استندت الدراسات على قاعدة البيانات المتوفرة من قبل الجهات الرسمية منذ اكتشاف أول حالة بالمغرب بتاريخ 2 مارس 2020 إلى حدود 13 أبريل حيث سجلت 1763 حالة إصابة و126 وفاة، وقد وضع الباحثون ثلاث سيناريوهات لرصد تطور الوباء ترتكز على معامل رئيسي وهو معدل التماس بين الأصحاء والمرضى المتسبب في انتقال العدوى، (Contact Rate) ويتم قياسه من خلال رصد درجة احترام المواطنين للحجر الصحي الذي أقرته السلطات الصحية.ولا تخرج السيناريوهات الثلاثة معياريا عن التقسيم الثلاثي الشائع لبناء السيناريوهات والمشاهد في حقل الدراسات المستقبيلية، فجاءت كالآتي:أ-السيناريو المفضل (Normative or preferable): وهو سيناريو يوصف عادة بأنه معياري، ويفترض أنه لو طبق المغرب إجراءات الحجر الصحي منذ ظهورالحالة الأولى بطريقة حازمة وصارمة بنسبة مائة بالمائة، لأدى الأمر إلى انحسار المرض في مهده. وهذا السيناريو مثالي وغير واقعي البتة لفوات الأوان، لاسيما وأن عامل الزمن واستباقية الإجراءات حاسمة في التعامل مع الجائحة، لكن يحضر هنا ما يسمى في علم النفس بالتفكير الرغبي (Wishful thinking).ب- السيناريو الممكن أو الاتجاهي (Possible): وهو الذي يعكس مآلات تطور الحالة الوبائية أو الظاهرة المدروسة بشكل خطي استنادا لفرضية استمرار الإجراءات الرسمية المعلن عنها، فنحن إزاء عملية رصد واقعي يفترض أن درجة احترام الحجر الصحي تتم بنسبة 50 في المائة، بالنظر إلى أن المغرب يعيش حالة إغلاق جزئي يسمح باستمرار الحالة الاقتصادية والإدارية والخدمية وحتى الاجتماعية في حدود معينة، وحسب هذا السيناريو المستند على دراسة الإجراءات الرسمية في الفترة الممتدة من 2 مارس و13 أبريل، فإنه يفترض أن يسجل ما يلي:-ارتفاع حالات الإصابة بالمرض إلى 2500 حالة بحلول 29 أبريل 2020. -تسجيل 0 حالة بتاريخ 10 ماي 2020.وتبدو مخرجات هذا السيناريو أقرب لنتائج دراسة لاحقة نشرتها جامعة سنغفورة للتكنولوجيا والتصميم تتوقع أن تكون نهاية الوباء بالجزائر في 13 مايو، علما أن الحالة الوبائية للجزائر متشابهة مع المغرب، كما تتقارب الإجراءات المتخذة بين البلدين.ج-السيناريو المحتمل أو الأسوأ (Parobable): وهو في حالة إذا تدنت نسبة احترام الحجر الصحي إلى 20 في المائة من المواطنين، فحينها يتوقع أن تصل عدد الإصابات 45000 حالة بحلول 28 ماي 2020، كما يفترض أن تتزايد حالات الوفيات بشكل كارثي.ورغم أن الدراسة لم تنشر منها سوى تقارير مختصرة وموجزة بوسائل الإعلام الرقمي، إلا أنها تضمنت أهم العناصر العلمية اللازمة لتغذية السيناريوهات، فقد استندت منهجيا على مقاربة كمية توظف النمذجة الرياضية التي تمزج بين علمي: الإحصاء (Statistics) والأنظمة الديناميكية (Dynamical systems)، واعتماد السيناريوهات على معامل مشترك وهو درجة احترام الحجر الصحي والتباعد بين الأفراد مع ربط تطوره حصريا بدلالة زمنية محددة، تتضمن استنتاجات محددة، على شاكلة نمط نمذجة (Modilisation) نظم انتشار الأوبئة، التي تهدف إلى مساعدة صناع القرار في صياغة استراتيجية فعالة للقضاء على الوباء أو التخفيف من آثاره المدمرة، دون أن يعني ذلك أن السيناريوهات المقدمة لم تنطو على نقائص تلاحق الدراسات الاستشرافية والاستراتيجيات التي تستند على معطيات كمية رياضية، تظل تفتقر بالضرورة لتعزيزها برؤى معيارية ترتبط بجوانب إنسانية مؤثرة تتعلق بالعامل الديني والأبعاد الثقافية والسوسيولوجية والسيكلوجية وغيرها. وهذه الجوانب باتت أكثر استحضارا في حقل الاستشراف فيما يعرف بالمستقبليات التكاملية، وهو عامل لا يمكن الزعم بافتقاده كليا في الدراسات الكمية مثلما لا يمكن الادعاء باستحضاره بصورة علمية كافية.ويبدو من خلال تتبع توقعات الدراسة أنه كان يمكن بناء سيناريو رابع وهو (السيناريو الأقرب للوقوع) من خلال استحضار بعض التطورات المتوقعة التي هي بالأساس ناتجة عن دراسة طبيعة صناعة القرار في المغرب وتوقع سلوك الفاعل السياسي، ودراسة سلوك الفاعل الاجتماعي والتوقعات حول السلوك الاجتماعي في ظروف الأزمة، وإلى أي حد يمكن الالتزام بحالة الحجر الصحي، وسبل قياس ذلك، وهل سيكون بنسب ثابتة أم متذبذبة تتفاوت من مرحلة إلى أخرى من مراحل تطور الحالة الوبائية؟ أما السيناريو الثالث فيظل مستبعدا بالنظر لبطء انتشار الوباء بالمغرب، بينما السيناريو الثاني يبقى مرغوبا فيه لكنه أبعد عن التحقق وسيصبح مع مرور الوقت متجاوزا، وطبيعة الوقائع والأرقام تبين أن القضاء على الفيروس كليا بنسة 0 تفاؤل مبالغ فيه، ويؤكد ذلك مجموع حالات الإصابة التي تجاوزت 4500 بحلول 1 ماي، وهو مخالف للمتوقع في السيناريو الثاني وهو 2500 بحلول 29 أبريل، مما يدل على أن تحقق نتيجة السيناريو الممكن تتطلب فترة أطول قد تصل إلى نهاية شهر يونيو 2020 أو تزيد عن ذلك، دون أن يسجل المغرب ذلك الرقم المهول الذي توقعه السيناريو الثالث وهو45000 إصابة بحلول 28 ماي.2- استشراف الوضع الاقتصادي: يعد الاقتصاد أهم عامل يتم استحضاره في ظل الجائحة بعد العامل الصحي، وقد نشر في الأسابيع القليلة الماضية العديد من الدراسات والمقالات التي ترصد الوضع الاقتصادي المحلي أو الدولي في ظل الجائحة والآثار المحتملة على الوضع الاقتصادي العالمي، ومن بين الدراسات العربية التي صدرت في هذا الشأن، دراسة بعنوان: «ماذا ينتطر العالم بعد «كورونا المستجد»: سيناريوهات» للدكتور وائل شديد» والتي نشرها مركز الصفوة للدراسات الحضارية، حاول الباحث أن يجيب عن جملة من الأسئلة تتعلق بالعواقب الاقتصادية الناجمة عن الوباء، وتحديد المستفيدين والمتضررين من الجائحة، مع رصد أهم السيناريوهات. يرصد الباحث العديد من القطاعات الاقتصادية الأكثر تضررا وعلى رأسها قطاع السياحة والخدمات وأسواق المال والأسهم وقطاع النقل والملاحة الجوية، وهي قطاعات تسير في طريق الانهيار كلما طالت حالة الإغلاق الشاملة، لكن الخسارة الأكبر للاقتصاد تأتي من العامل البشري وتزايد حالات الوفيات.أما على المستوى الدولي فيبدو أن الاعتماد المتبادل بين الدول سيعيش حالة ركود غير مسبوق، وهو ما سينعكس على تراجع الاقتصاد العالمي وتراجع نسب النمو، وتبدو الصين ذات الاقتصاد الأكثر نموا في العالم هي الأقدر على استعادة عافيتها من بين القوى الرأسمالية الكبرى، رغم حجم الضرر الذي سيلحق اقتصادها.ويرصد الباحث أثر السياسيات الصحية المنتهجة على الاقتصاد ومنها سياسة مناعة القطيع التي اعتمدتها بريطانيا ثم تخلت عنها بعد ثبوت فشلها، ويسوق عددا من التوقعات لخبراء غربيين تتعلق بما بعد «كورونا المستجد»، منها:ما عبر عنه (ستيفن وولت) من انغلاق الدول على حدودها، بحيث يصبح العالم أقل ازدهارا وأقل نماء وأقل حرية، وأن العولمة ستتراجع بشكل مفرط، وربما لن يعود العالم إلى العولمة ذات المنافع المتبادلة كما يرى (روبل نيبلت). أو ربما تسرع الجائحة من تشكل عولمة متمحورة حول الصين بدل الولايات المتحدة كما يرى (كوشر محبوباني) وهو ما يفترض تحولا للسلطة إلى الشرق بدل الغرب، غير أن هذا الانتقال قد لا يكون سلسا، بل يمكن أن يدخل العالم في معركة صفرية بين القطبين إثر عدم تقبل الولايات المتحدة لأي تحول في الوضع الجيوسياسي العالمي، كما يدل على ذلك سلوك إدارة الرئيس دونالد ترمب.كما ساق الباحث ثلاث سيناريوهات، وعمل في كل سيناريو على تغطية الجوانب التالية: حدود الفترة الزمنية للسيناريو، والآثار على النظام الاقتصادي العالمي، والتغيرات في الوضع الجيوستراتيجي الدولي، والتحولات الجيوسياسية للحكومات المحلية، والتغيرات على الدول النامية.وبينت الدراسة أن عامل الزمن في السيطرة على الوباء سيكون له دور حاسم في رجاحة السيناريو، وأنه في جميع الأحوال فإن تغيرا سيحدث للنظام الاقتصادي العالمي، وسيترتب عنه تغيير في العلاقات الجيوستراتيجية الدولية، إضافة إلى تحولات في المكونات الجيوستراتيجية للدولة الواحدة والدول النامية. وفي حال طال زمن احتواء الجائحة، فإن تغيرات جذرية ستطول النظامي الاقتصادي والسياسي العالمي، ويلفت الكاتب الانتباه إلى حدود الدراسة، وأنها جاءت محاولة لفتح الآفاق والمساهمة بتقديم بعض التوقعات في ظل هذا الظرف المعقد والضبابي.ولا تخرج الدراسة في مجملها عن المنظورات الاستراتيجية والاقتصادية السائدة سواء في تحليل واقع الأزمة أو في تلمس آثارها المترتبة عنها، وهي أقرب إلى التوقعات المبنية على التحليل الكمي للمتغيرات الحاكمة، وإن لم يجرد الباحث بدقة طبيعة هذه المتغيرات ومستوياتها، وغالبا ما يوجه النقد لهذا النمط من التحليلات بكونها ذات طابع قطاعي وليست هذه مشكلة في حد ذاتها، بل المشكلة هو أن يعتمد على العامل الاقتصادي بشكل أحادي لبناء سيناريوهات تستهدف استشراف مستقبل الشعوب في مراحل تاريخية فارقة، ويسود الاعتقاد في الأوساط الرأسمالية أن الاقتصاد هو المحرك الأساسي للمتغيرات العالمية وهو كلمة السر، ولذلك من الطبيعي أن الاستشراف بنكهة رأسمالية يركز أساسا على النمو والوفرة وسبيله في ذلك توظيف البيانات الكمية وتجميعها ودراستها في عالم يستحيل فيه البشر إلى مجرد أرقام قابلة للزيادة والنقصان حسب ما تقتضيه المصالح الاقتصادية القومية. 3- استشرافيات «ما بعد «كورونا المستجد»»:إن المتتبع لما كتب في فترة الحجر الصحي من مقالات وتقارير وفيرة تتناول ما بعد جائحة «كورونا المستجد»، وذلك من خلال الرصد عبر محرك البحث كوكل. والكثير من هذا الأعمال كتبت بهاجس استشرافي، ما يجعل من الاستشراف هاجسا قويا من هواجس زمن «كورونا المستجد»، وتتميز هذه الأدبيات التي أطلقنا عليها «استشرافيات ما بعد «كورونا المستجد»» بأربع نزْعات أساسية:أ- نزعة انتقادية تحذيرية: وهي امتداد لجهود سابقة درجت على توجيه النقد اللاذع للنظام الدولي الرأسمالي ولأقطابه، وخاصة الولايات المتحدة وأوربا، وإذا كانت النزعة النقدية في الدراسات    المستقبلية تهتم أساسا بتغييب البعد الثقافي والمنظورات الحضارية المتعددة ورؤى الشعوب، فإنها لا تختلف عن المنظورات النقدية الأخرى لاسيما المنظور الاشتراكي وكثافة النقد الذي وجهه للرأسمالية علاقة بتركيزه على نمط توزيع الثروة بدل التركيز على النمو والوفرة الإنتاجية، وهو المسعى الذي عبر عنه تقرير نموذج باريلوتشي الصادر في ثمانينات القرن الماضي بالأرجنتين، كرد فعل من خبراء ومثقفي العالم الثالث على نموذج نادي روما وتوابعه.ونظرا لكثافة التقارير والمقالات النقدية التي صدرت في هذه المرحلة والتي لا يسع الباحث تتبعها جميعا، ولذلك سأكتفي بالإشارة إلى نموذج رائد في نقد النظام الدولي الرأسمالي، وهو عالم اللسانيات الأمريكي نعوم تشومسكي، حيث أعدت صحيفة الأندنبندنت تقريرا عن مقابلة أجراها في حلقة خاصة مع (DIEM25 TV) حذر فيها من السباق نحو الكارثة بسبب المضاعفات الاقتصادية والاجتماعية للوباء، كما أعاد التنبيه إلى تزايد مخاطر التهديد النووي ومخاطر الاحتباس الحراري، محذرا من عودة السلطوية والإجهاز على الديمقراطية، كآثار محتملة لسياسات الإغلاق المشدد في أوربا، ولم يفوت الفرصة لتوجيه سهام النقد لسياسات الولايات المتحدة بقيادة ترمب، وما تخلفه من رعب يضاهي الرعب النازي، منتقدا بشدة التباطؤ الأمريكي والأوربي غير المسؤول في التعامل مع الوباء بسبب الحسابات الاقتصادية للنيولبرالية التي تحكم العالم، «خشية الخسائر التي سيتسبب بها العزل الاجتماعي، وإغلاق المؤسسات والشركات وتعطيل الحياة العامة ولمنفعة هؤلاء الأثرياء. وبسبب عقلية اقتصاد السوق، فضلت شركات الأدوية تصنيع كريمات البشرة على إيجاد لقاح أو علاجات للأوبئة المحتملة لأنها أكثر ربحاً. هم كانوا يعرفون منذ تفشي فيروس السارس بوباء «كورونا المستجد» المحتمل. فقد تم القيام بأبحاث منذ فيروس السارس وتم تحديد التسلسل الجيني لسلالة سارس، والتي ينتمي إليها فيروس «كورونا المستجد» باعتبارها تطورا جينيا محتملا للسلالة، تم التأكد منه. ماذا حدث؟ لم تعمد الحكومات وشركات الأدوية العملاقة على الانكباب لتصنيع العلاجات أو اللقاحات لحماية الناس».ويدعو تشومسكي بإلحاح إلى أن التقدم إلى الإمام يقتضي الإجابة عن سؤال: أي عالم نريد؟ ويرصد جملة من الخيارات التي تتراوح بين تركيب استبدادي للغاية تتحول فيه الدولة إلى وحش، أو خيار الراديكالية وإعادة إعمار المجتمع، أو الخيارات الإنسانية التي تغلب الاحتياجات البشرية على المنافع الاقتصادية للأثرياء والمنظومة النيولبرالية.ويشدد تشومسكي على استثمار اللحظة لاستعادة الوعي بالتحديات العميقة التي تواجه الإنسانية، «فالعالم معيب وليس قوياً بما فيه الكفاية للتخلص من الخصائص العميقة المختلة في النظام الاقتصادي والاجتماعي العالمي كله، واستبداله بنظام عالمي إنساني كي يكون هناك مستقبل للبشرية قابل للبقاء». لكنه يعتقد أن فيروس «كورونا المستجد» «علامة تحذير ودرس للبشرية، وعلينا أن نبحث في الجذور التي تؤدي إلى الأزمات، التي ربما تكون أسوأ مما نواجهه اليوم، والتحضير لكيفية «التعامل معها ومنعها من الانفجار». ب- نزعة تشاؤمية: هناك فرق بين النزعة النقدية والنزعة التشاؤمية، ففي حين تطرح الرؤى النقدية خيارات مفتوحة على أفق إنساني أكثر إيجابية، فإن النزعة التشاؤمة تقع في فخ الحتميات إذ لا ترى فكاكا أو خلاصا من وقوع الأسوء، أو حلولا للكارثة، وهو خطاب درج عليه الكثير من الباحثين والمثقفين حول العالم لاسيما في العالم الثالث، بسبب اليأس المزدوج من إمكانية إصلاح المنظومات المحلية أو إصلاح النظام الدولي الرأسمالي. يتقمص الخطاب التشاؤمي أحيانا طابعا استشرافيا كما تجسد ذلك ما بعديات «كورونا المستجد»، إذ يرى أن العالم بعد «كورونا المستجد» سيكون أسوأ، وأن المستقبل مظلم وقاتم، وربما استلهم بعض الرؤى التي تتحدث عن صدام نووي وشيك بين الصين والولايات المتحدة على الزعامة في معركة صفرية، وهو رأي تغذيه الخطابات العدوانية لإدارة الرئيس ترمب المسكونة بجنون القوة والسيطرة. ويسود التشاؤم حتى داخل البلدان الغربية بسبب التوقعات من ارتفاع مهول للتضخم وارتفاع نسبة العجز وتراجع النمو الاقتصادي لمستويات قياسية، وهبوط قيمة الأسهم. وربما تلبست الرؤى المتشائمة بلبوس ديني لتستحضر من جديد خطاب النهايات بتكثيف الحديث عن قيام الساعة وعلامات القيامة ونهاية العالم، وهذه الخطابات ترتفع حدتها كلما حدثت أزمة خانقة كتعبير عن العجز عن فهم حقيقة الأزمة ومسبباتها وسبل الخروج منها، وإن كنا لا ننكر حقيقة الساعة ويوم القيامة، فإن دوافع استحضارها في هذه اللحظات، لا يدل على حالة إيمانية راسخة بقدرما يعكس أزمة في الوعي السنني والفاعلية الإيمانية.ولا تشذ عن هذا المنطق كثيرا الخطابات والمقاربات التي تبشر بنهاية منظومة كشرط لصعود أخرى، كاشتراط سقوط الغرب لصعود الصين، ثم سقوط الصين لصعود الإسلام، وكأنه شرط في الحضارة لاستنهاضها أن تسقط مثيلاتها، ذلك أن صعود الحضارات وتدهورها ناتج عن عوامل مزدوجة، يتضافر فيها الذاتي بالموضوعي، وتظل العوامل الذاتية هي محور الانطلاق، والعلاقة بين الإسلام والغرب ليست بالضرورة علاقة مد وجزر كما يصر على ذلك عرابو الصدام والصراع، فالحضارات يمكن أن تتجاور وتتآلف وتتكامل لخدمة الإنسانية، مع الحق في احتفاظ كل منظومة حضارية بمقوماتها الذاتية وشخصيتها الحضارية.ج- نزعة تفاؤلية: تشكل النزعة التفاؤلية هامشا ملحوظا ضمن ما اصطلحنا عليه باستشرافيات «كورونا المستجد» أي الأدبيات الاستشرافية في زمن «كورونا المستجد»، وذلك راجع إلى عاملين: عامل عقدي إيماني، وعامل إنساني.فيقتضي العامل الأول أن الأوبئة ليست سوى دروس على درب الابتلاء، يحصّل منها الإنسان العبَر ليمضي في رسالته الإيجابية ببعث الأمل والطمأنينة في الحياة.أما العامل الثاني، فيقوم على فرضية أساسية تتمثل في أن الإنسان لا يحصل من حظ الحياة إلا بمقدار تفاؤله، ولذلك فالذي يُبقي على الإنسان هو توقعه وشعوره المستمر بأن القادم أفضل. ولذلك فالكثير من الرؤى المقدمة في هذا الشأن تسعى لتكريس روح التفاؤل سواء استندت لمعطيات علمية وموضوعية وجيهة، أو أنها لم تبرح حدود الانطباعات المحفزة والباعثة على الاطمئنان.وتحضر النزعة التفاؤلية في أدبيات البحث المستقبلي في بناء السيناريوهات والمشاهد الهادفة لتقديم رؤى متعددة من زوايا مختلفة عن المستقبل، وذلك برصد المستقبلات الممكنة والمحتملة والمفضلة، والسيناريو المفضل هو الذي يعبر عن نزوع تفاؤلي في تصور المستقبل، فهذا الأخير يحكمه منطق يندرج ضمن سيكولوجيا التفكير الرغبي، أي أنه محاولة علمية لبناء سيناريو يتلاءم مع انتظارات الباحث، ومطالب وطموحات المجتمع الذي يعيش فيه. لكن استشرافيات «كورونا المستجد» في مجملها ليست متقيدة بالأبعاد المنهجية والتقنية للبحث المستقببلي، بل تطغى عليها غالبا الأبعاد الاستهدافية والانطباعية، فيأتي الخطاب جانحا نحو الذاتية أحيانا بصورها الثقافية والإديولوجية والفئوية، وربما بلغ التحيز نحو الآخر مبلغا غير مستساغ، ولذلك فلا يمكن طرح مسألة التوازن في هذه الرؤى الاستشرافية بين ما يقتضيه التحذير من تطور الأوضاع نحو سينارويهات محتملة قد تكون الأسوأ، وبين ما يقتضيه بعث التفاؤل والتبشير بسيناريو مفضل يتطلب استحقاقات معينة ينهض بمقتضاها مختلف الفاعلين لتحققه في الواقع المستقبلي القريب أو المتوسط.وتصنف الدراسة التي نشرتها جامعة سنغفورة للتكنولوجيا والتصميم ضمن هذا المسعى التفاؤلي الجاد والبعيد عن الانطباعية، حيث نشر نتائج دراسته التي ترى بأن نهاية الوباء ببلدان العالم العربي خلال شهري مايو ويونيو، باستثناء لبنان والأردن التي تعد رسميا بلدان تمكنت من القضاء على الوباء، وتتوقع الدراسة خلو الفيروس من العالم في 29 مايو بنسبة 97 في المائة، وانتهاؤه من العالم كليا في 27 نونبر.وبالنظر للطابع المفرط في التفائل لم تسلم الدراسة من النقد، إذ وصفها بعض الباحثين منهم الدكتور إسلام عنان أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة بكلية الصيدلة بجامعة مصر الدولية، بأنها غير احترافية، مؤكدا في معرض تعليقه على توقعات الدراسة بخصوص انتهاء الفيروس من مصر خلال 20 مايو، أن الدراسة لا تحتوي على توضيحات لمصادر المدخلات المغذية للسيناريو، وأنها تمت بطريقة إحصائية بسيطة وليست احترافية من خلال توقع المنحنى الخاص بالإصابات المؤكدة حتى وصوله لمرحلة الاضمحلال.د- نزعة سلطوية: يعد النزوع السلطوي ظاهرة يتعزز حضورها في أوقات الأزمات، وهو أمر ملحوظ في ظل أجواء «كورونا المستجد»، وهو ما ارتفعت أصوات تحذيرية منه بالغرب، فما بالك بباقي البلدان التي يعيش أفرادها في ظل أنظمة أبوية استبدادية عريقة، ويمكن تصور حضور النزعة السلطوية ضمن استشرافيات «كورونا المستجد» في عنصرين:-احتكار المعلومة وعدم تعميم المعطيات: وهو اتهام ارتفعت أصوات عالمية لتوجيهه لعدد من البلدان بالتعتيم على الوضعية الوبائية كالصين وإيران وغيرها، ويشمل ذلك أيضا التعتيم على الوضع الاقتصادي والمالي، وعدم الشفافية في تدبير الصناديق المخصصة للتعامل مع الآثار الاجتماعية للجائحة، وقد تناولت العديد من الدراسات الآثار الكارثية المحتملة لحالة التعيتم هذه وانعكاسها على الدراسات والأبحاث التي تسعى لبلورة دراسات وحلول تخفف من آثار الأزمة، وتبدو خطورة هذا العنصر أساسا في تعطيل عجلة البحث العلمي وعدم استفادة هذه البلدان من الخبرة العلمية في المجالات المختلفة الطبية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها.-احتكار التدبير: ينتج عن ذلك انتهاج الدولة لسياسات أحادية غير تشاركية بداعي ظروف الاستثناء والاستعجال في تدبير الأزمة، فيتم تغييب المؤسسات الوسيطة من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني، وبالأحرى تغييب المجتمع في هذه السياسات، مما يخلق حالة من الامتعاض والرفض لهذه السياسات الأحادية، بل إن حالة الاستثناء قد تشكل فرصة سانحة لبعض الدول الاستبدادية لإعادة إنتاج وتجديد الظاهرة السلطوية، فيتسيد المشهد فيها رجال السلطة ويختفي باقي أطر الدولة كالأطباء والمدرسين والمهندسين والحقوقيين وغيرهم، بل إن تجارب بعض الدول العربية أبرزت كيف أن جهات نافذة داخل السلطة قد تستغل ظروف الحجر الصحي لانتهاز الفرصة للضغط لاستصدار قوانين سالبة للحريات تتعارض مع دساتيرها والتزاماتها الحقوقية. ويشير مقال بموقع الحرة يقوم برصد تحولات السلطوية زمن «كورونا المستجد» بأن هناك ثلاثة أنظمة عربية على الأقل تشعر بالغبطة والسرور لأن «كورونا المستجد» منحتها مشروعية خرافية في حظر أي فعل احتجاجي وجعله عملا غير قانوني بل غير أخلاقي في الظرف الراهن، وهي لبنان والعراق والجزائر، بينما تعيش سوريا لحظة حبور لم تشعر بها منذ تسع سنوات وهي مدينة لـ»كورونا المستجد» بمنحها الفرصة لاستعادة الكثير من منسوب الشرعية الذي افتقدته بفعل إمعان النظام في أعمال القتل والدمار الناتج عن البراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية، بينما يرى بأن إيران ستكون لها الفرصة سانحة لإعادة بناء نظامها لسردية المؤامرة. لكن صاحب المقال غض الطرف عن ابتهاج أنظمة استبدادية عربية أخرى باتت مضرب المثل في القمع وسحق المعارضين، وفي تدبير المؤامرات وبث القلاقل في بلدان عربية شقيقة، والعمل على تفكيك نسيجها المجتمعي، وهذه ليست سوى صورة من صور التحيز الإعلامي كما يعكس ذلك الخط التحريري لشبكة الحرة الإعلامية الأمريكية مصدر هذا المقال.وفي سياق آخر يتصاعد الخوف من حالة الإشادة بالإجراءات السلطوية الصادرمة المتعلقة بفرض الحجر الصحي، وهو ما قد يتحول من حالة الإعجاب بقدرة البلدان غير الديمقراطية على التصدي للفيروس إلى تبني هذه السياسات، لاسيما مع حالة الفشل التي منيت بها الكثير البلدان الديمقراطية في وقف تسارع انتشار العدوى،  علما أن هناك رواية واحدة يتم الترويج لها على نطاق واسع داخل عدد من الدول السلطوية بأن ما يتحقق من نجاحات في التحكم بالفيروس مقارنة بالدول الديمقراطية هو بسبب نجاعة السياسات المتخذة من قبل السلطة، مع تغييب الكثير من العوامل الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما يصب في النهاية في خانة تكريس السلطوية حلا نهائيا لهذه المجتمعات ويقلل من قيمة التدبير الديمقراطي للأزمات، بل ويجعل الحديث عن الانتقال الديمقراطي في البلدان السلطوية بلا جدوى.وإجمالا، فإن حضور النزعة السلطوية في استشرافيات «كورونا المستجد» تجسد من خلال الحضور الممركز للدولة الوطنية في تدبير الجائحة وفي رسم السياسات والخطط الاستشرافية وفي حالة الانكفاء داخل الحدود، كما يظهر ذلك أيضا في الدراسات المحذرة من أن تنامي السلطوية، قد يسهم في الإجهاز على المكتسبات الديمقراطية والحقوقية داخل هذه الدول، لكن جوانب أخرى أيضا ينبغي استحضارها في معرض نقد السلطوية في علاقتها بالاستشراف، وهو دمقرطة الدراسات المستقبلية الذي طالب به الدكتور المهدي المنجرة، وذلك بتبني رؤى الشعوب وتمثلاتهم عن الثقافة والهوية والسياسة والاقتصاد، وإنهاء هيمنة الغرب على الدراسات المستقبلية وذلك ما أطلق عليه استعمار الدراسات المستقبلية، وهو أمر من الصعب حصوله في ظل نظم سلطوية بدون أفق ديمقراطي وليس لها تطلع نحو الاستقلالية عن التبعية الغربية. لقد شكلت نازلة «كورونا المستجد» إحدى القضايا المفصلية في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، فهي من جنس القضايا البازغة بتعبير جيمس دتور، التي من شأنها أن تحدث تحولات كبرى بصورة غير متوقعة في أنماط العيش وعلى مستوى المفاهيم والعلاقات المؤسسة للاجتماع الإنساني، وكان من تداعيات ذلك أسهمت في بعث هواجس الاستشراف والتطلع نحو المستقبل لدى المثقفين والخبراء.وقد انصرف الجهد في هذه العمل إلى دراسة وتتبع أهم الدراسات والأبحاث الاستشرافية ذات العلاقة بجائحة «كورونا المستجد»، سواء الدراسات القبلية التي يفترض أنها تنبأت بالجائحة أو الدراسات التي كتبت زمن الأزمة باتجاهاتها المختلفة ونزوعاتها المتعددة ممثلة في النزعات النقدية، والتفاؤلية، والتشاؤمية، والسلطوية. ويمكن أن نلخص الاستنتاجات الأساسية للدراسة في الآتي: -أن خطر الجوائح البيولوجية والأوبئة هاجس إنساني قديم، لكنه تراجع مع التقدم الطبي المعاصر، وبات ينظر إليه بوصفه خطر لا يحظى بالأولوية أمام ظهور الخطر النووي، لكن قلة من العلماء والخبراء ظلوا يعتقدون بأولوية خطر الأوبئة، وقد ترجمت أعمالهم في نصوص أدبية على شاكلة رواية «عيون الظلام»، أو أعمال درامية نحو فيلم «عدوى»، أو قدمت ضمن أبحاث تحذيرية منذرة بالخطر على شاكلة كتاب «ساعتنا الأخيرة: إنذار من عالم»، وغيرها.-أن الاستشراف في ظل الأزمة عملية صعبة، بالنظر لعدم اتضاح الرؤية وتعذر أخذ مسافة كافية عن المؤثرات الظرفية للأزمة، ولذلك جاءت الكثير من الدراسات المقدمة إما أسيرة للانطباعات الذاتية أو مطبوعة بطابع التسرع في الاستنتاجات، أو خاضعة لمنطق الحتميات الذي يفترض هيمنة العامل الخارجي ويهمش العوامل الذاتية ويضع الذات خارج دائرة الفعل والابتدار.-أن النزْعات الأربع التي طبعت الأدبيات الاستشرافية لما بعد «كورونا المستجد»، وإن افتقد الكثير منها للمقومات المنهجية والتقنية المطلوبة في البحث المستقبلي إلا أنها تشكل زوايا متنوعة ومفيدة للإسهام في تشكيل الرؤية الاستشرافية، وتبقى الحاجة ماسة للنزعة النقدية التحذيرية لتفادي هيمنة النزعة السلطوية وطابعها الاستهدافي الأحادي، كما تفيد النزعة التحذيرية في الحد من الإفراط في النزعة التفاؤلية. بينما تفيد النزعة التفاؤلية المتوازنة القائمة على أساس علمي تضبطه العوامل المغذية للسيناريو المفضل، يفيد في تلافي الرؤى والنزوعات المفرطة في التشاؤم. أما النزعة التشاؤمية فليس بالضرورة أن أدبياتها كلها تيئيسية تنطوي على رؤية سوداوية، وإنما تصلح في تشكيل عوامل البناء والتغذية للسيناريو المحتمل الذي يفترض وقوع الأسوأ، فيرصد العوامل والمتغيرات الحاكمة لمقتضى تحققه في الواقع، فتكون فائدته في سعي صانع القرار لتجنبه بالحرص على إجراء تعديلات في العوامل والمتغيرات المتحكمة في الظاهرة. بقلم أ.د. فؤاد بلمودن، باحث في الفكر الإسلامي - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة. يمكن الاطلاع على هذه الدراسة العلمية ضمن العدد 19 من مجلة منار الهدى عبر موقع منار  الإسلام وذلك على الرابط التالي:  http://www.manarelhouda.islamanar.com/magazin-manar-elhouda-n-19/ 

  • ...
    المسجد التفاعلي في المغرب خلال العهد العلوي وما قبله

     يعتبر المسجد معلمة بارزة في تاريخ ومكونات الحضارة الإسلامية، شهدت عدة تغيرات وتحولات، وأسهمت أيضا في عدة تغيرات وإصلاحات، واختلفت جوانب بروزها؛ منذ أول نشأتها ومرورا بمراحل مختلفة الظروف من التاريخ الشاهد على نشاط وتفاعل هذه المؤسسة، وبناء عليه؛ يحاول هذا المقال تسليط الضوء على مرحلة تاريخية محددة ترتبط بتاريخ المغرب وبتاريخ الأسرة الحاكمة فيه، من أجل قياس وتقييم حجم المشاركة التفاعلية لهذه المؤسسة بين الامس والحاضر، وقد تمركزت بؤرة البحث حول المرحلة العلوية وما سبقها من دول قريبة؛ وذلك لرصد أهم ما ميز المسجد في هذه المرحلة، وهل يمكن اعتبار ذلك بمثابة مرحلة تأسيس لبنة مسجد أكمل مسيرة انخراطه المجتمعي فيما بعد؟ ولمحاولة مقاربة هذا الإشكال وقع الاختيار على المنهج الوصفي لكونه الأنسب في طبيعة هذا الموضوع وما يصبو إليه، كما أن المصادر والمقالات التاريخية شكلت منهلا أصيلا للمادة التي استندت عليه المكونات المعرفية لهذه المقال، ويقع تصميمه في عنصرين أساسين؛ وهما: المسجد التفاعلي في المغرب خلال العهد ما قبل العلوي-المسجد التفاعلي خلال العهد العلوي.العنصر الأول: المسجد التفاعلي في المغرب خلال العهد ما قبل العلوي.إن الحديث عن ملامح المسجد المغربي ورصد أهم مميزاته في هذا المرحلة التاريخية هو جزء من الحديث عن نشأة هذه المؤسسة بمنطقة الغرب الإسلامي عموما، حيث مع دخول الفاتحين العرب المسلمين إلى شمال إفريقيا؛ اعتنق المغاربة الإسلام وعمدوا إلى تحويل كل أماكن العبادات على غير طريقة هذا الدين من نصرانية ووثنية إلى مساجد، ووضعوا لها محاريب في اتجاه القبلة، وكان أول مسجد أسّسه المغاربة بعد دخول الإسلام هو مسجد أغمات غيلانة سنة 85ه، حيث يذكر المؤرخون أنه أقدم مساجد المغرب وأول مسجد بناه المسلمون بالمغرب .وعرفت الأماكن المفتوحة تأسيس عدد مهم من المساجد، وذلك من أجل ترسيخ تعاليم الدين الجديد، والإسهام في تعليم السكان مبادئ هذا الدين، واعتُبرت هذه المساجد أماكن توجيه وإرشاد للفاتحين ، فعندما دخل عقبة بن نافع الفهري المغرب الأدنى اختط القيروان وبنى بها المسجد الجامع وبنى الناس مسكنهم ومساجدهم حوله . وعرف المغرب الأقصى اهتماما كبيرا ببناء المساجد مع الدول التي تقلدت زمام حكم هذه المنطقة، وخاصّة في عهد الأدارسة وخير دليل على ذلك ما حظي به مسجد القرويين من شهرة بلغت الآفاق، حتى إنه يكاد يرتبط اسم الأدارسة بهذا الجامع وباسم بانيته فاطمة الفهرية، يقول ابن خلدون (808ه): 'واستجدّت فاس في العمران وبنيت بها الحمامات والفنادق للتجار، وبنيت الأرباض، ورحل إليها الناس من الثغور القاصية واتفق أن نزلتها امرأة من أهل القيروان تسمّى أم البنين بنت محمد الفهريّ، وقال ابن أبي ذرع اسمها فاطمة، وأنها من هوّارة، وكانت ثرية بموروث أفادته من ذويها، واعتزمت على صرفه في وجوه الخير فاختطت المسجد الجامع بعدوة القرويّين أصغر ما كان سنة خمس وأربعين في أرض بيضاء كان أقطعها الإمام إدريس، وأنبطت بصحنها بئرا شرابا للناس، فكأنما نبّهت بذلك عزائم الملوك من بعدها، ونقلت إليه الخطبة من جامع إدريس لضيق محلته وجوار بيته. واختط بعد ذلك أحمد بن سعيد بن أبي بكر اليغرنيّ صومعته سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، على رأس مائة سنة من اختطاط الجامع حسبما هو منقوش في الحجارة بالركن الشرقي منها. ثم أوسع في خطته المنصور بن أبي عامر، وجلب إليه الماء وأعدّ له السقاية والسلسلة بباب الحفاة منه. ثم أوسع في خطته آخر ملوك لمتونة من الموحدين، وبني مرين واستمرّت العمارة به، وانصرفت هممهم الى تشييده والمنافسات في الاحتفال به' .من خلال هذا النص في تاريخ تخطيط وتنفيذ بناء جامع القرويين، تتبين العناصر التفاعلية لهذا المسجد من خلال الحرص على استحضار البعد الاجتماعي ومراعاة المصلحة العامة وإمداد الخير ونشره على أفراد البلاد الذين حجوا نحو المدينة من مناطق شتّى لتعميرها، ويمكن إجمال هذه العناصر التفاعلية في النقاط الآتية:1- اتخاذ قرار نقل الخطبة الجمعية إلى هذا المسجد حرصا على المصلحة العامة المتجلية في تكثير أعداد المصلين واستيعاب الجامع لأكبر قدر ممكن لهم، الشيء الذي لا يمكن أن يتأتى في المسجد الآخر الضيق، فالمصلحة والمنطق يقضيان بأن تكون شعائر الجمعة بالمسجد الكبير لا بالمسجد الضيق رفعا للحرج على المصلين، حتى لا يصلوا بالخارج فيتأثروا بأحوال الطقس خلال أدائهم للصلاة واستماعهم للخطبة.2-تخطيط الصومعة بالجانب أو الركن الشرقي من المسجد مراعاة لعنصر الظهور للناس القادمين إلى المسجد من بعيد، ومراعاة كذلك للمكان المناسب من حيث ظروف ومعايير التشييد، إلا أنني أجدني أتساءل لماذا كل هذا التأخير الذي يصل إلى فرق مئة سنة؟ هل هو راجع إلى عدم توفر الموارد المالية الكافية أم ماذا؟ 3-التركيز على عنصر الماء وأهميته الحيوية، مع التخطيط في توفيره وتسهيل سبل الوصول إليه والانتفاع به في الجامع، نظرا لأن المتوافدين على المسجد لا ينبغي إيقاعهم في المشقة والحرج في التنقل باستمرار من أجل جلب الماء للشرب أو الوضوء، كما أن توفر الماء بشكل جيد سيمكن من الإقامة بالمسجد للحاجة العلمية، مما سيحوله بعد ذلك إلى مركز وقطب علمي وازن.4-إقامة مجموعة من الاحتفالات الاجتماعية به على مدار التاريخ، يؤكد على نجاحه في استقطاب مختلف الشرائح الاجتماعية المكونة للنسيج العمراني بالمدينة، وبالتالي سكون هؤلاء المكونات الاجتماعية لأجواء الاحتفال بأرجائه واهتمامها بشهود هذه الوقائع المؤثرة.وذكر الناصري صاحب الاستقصا أن فاطمة الفهرية صامت منذ الشروع في بنائه إلى أن أُتمَّ بناؤه فصلت فيه شكرا لله تعالى .وسيشهد جامع القرويين عدة تغيرات مع مرور الزمن وتعاقب الدول على حكم المغرب، حيث سيعرف زيادات في مساحته على عهد المرابطين والموحدين، كما سيتم الاعتناء بتزيينه وزخرفته بما لا يحيد عن طابع البساطة وتوفير الطمأنينة والأريحية للمصلين به ، وبرز جامع القرويين بروزا وازنا على المستوى الحضاري، خاصة في جانب التلاقح الفكري والعلمي بين علماء المغرب وعلماء الأندلس نتيجة الأوضاع السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقتانلتشرف جامعة القرويين في فاس باجتماع هذه الأطياف الزاخرة فتقوم بتثوير الحركة العلمية بأحضانها، يقول عبد الواحد المراكشي (647ه): 'ومدينة فاس هذه هي حاضرة المغرب في وقتنا هذا، وموضع العلم منه؛ اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة؛ إذ كانت قرطبة حاضرة الأندلس، كما كانت القيروان حاضرة المغرب. فلما اضطرب أمر القيروان -كما ذكرنا-بعَيْثِ العرب فيها، واضطرب أمر قرطبة باختلاف بني أمية بعد موت أبي عامر محمد بن أبي عامر وابنه، رحل من هذه وهذه من كان فيهما من العلماء والفضلاء من كل طبقة؛ فرارًا من الفتنة؛ فنزل أكثرهم مدينة فاس؛ فهي اليوم على غاية الحضارة، وأهلها في غاية الكَيْس ونهاية الظَّرْف' .ولعل المخلفات العلمية والآثار الثقافية التي توجد بمدينة فاس من تراث ومخزون كتبي ومخطوطي وآثار التدريس والطلب، لخير دليل وشاهد مباشر على جهود الأدارسة في إنجاح النشاط المسجدي في عهدهم، وأن المسجد قد أسهم إيجابا في نهضتهم على المستوى العلمي والاجتماعي.وفي العهد المرابطي، استمرت مظاهر العناية بالمساجد بناء ونشاطا، فعندما دخل يوسف بن تاشفين مدينة فاس وذلك في سنة 462ه بادر بإحصانها وإتقانها وهدم الأسوار التي تفصل عدوة القرويين عن عدوة الأندلسيين، فأصبحتا مصرا واحدا، ثم أمر ببناء المساجد في أحوازها وأزقتها وشوارعها ، وكانت عاقبة كل حي أو زقاق لا يتوفر على مسجد هو معاتبة أهله وقد يصل ذلك إلى مرحلة العقوبة الشديدة نظرا لهذا التقصير الذي لا مسوغ له .يعتبر يوسف بن تاشفين المؤسس الحقيقي لمدينة مراكش، وهو الذي أرسى الدعائم وأتمّ البنيان، فبنى فيها المسجد وبيت المال ومستودعات السلاح، وكان رحمه الله لما شرع في بناء المسجد يحتزم ويعمل في الطين والبناء بيده مع الخدمة تواضعا لله ، ولعل له في هذا العمل أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي شارك بنفسه في بناء أول مسجد في الإسلام وهو يحمل اللبنات والأحجار الثقيلة بنفسه الشريفة فيرسّها في مكانها.ويمكن القول أنه من أجلّ المواصفات التي ميزت المدينة الإسلامية في العهد المرابطي توفرها على مسجد جامع، ولذلك تأخرت مجموعة من المدن على الظهور والبروز حضاريا ونيل مسمّى المدينة نظرا لغياب هذه المواصفة، يقول الأستاذ كريدية إبراهيم: 'ومعناه أن مدينة آسفي وحتى العصر المرابطي، لم تحز على مواصفات المدينة الإسلامية، لافتقارها إلى أهم شروطها وهما المسجد الجامع والسور ... ولأنه كان أكثرهم (أي: الموحدين) انصرافا إلى بناء المساجد العظيمة لا سيما بعد انتصاره في معركة الأرك (يعقوب المنصور) ... وأيضا لأن يعقوب المنصور كان شغوفا بالصلاة، متشددا في الدعوة إليها ... اشتهر بناء العديد من الجوامع الكبرى' .ومن مظاهر إسهام المسجد اجتماعيا في العهد المرابطي ما يروى عن أهل الأندلس أنه لما استنجدوا بالخليفة المرابطي يوسف بن تاشفين -الذي ندب نفسه للجهاد والدفاع عن حوزة الإسلام بهذه الأرض-ليخلصهم من غطرسة الصليبيين وما مر بهم من محن وابتلاءات، تم استقبال الجيش المرابطي في الأندلس بكل حفاوة، وخرج إليه أهل الجزيرة بما عندهم من الأقوات والضيافات وامتلأت المساجد والرحبات بضعفاء المتطوعين مستبشرين باستعادة ما سلب من حقوق وما هدُر من كرامة ، ولم يكن الإسهام المسجدي في العهد المرابطي مقصورا على الزاوية الاجتماعية فحسب، بل تعدى هذا الإسهام إلى الجانب السياسي المتعلق بسلطة صنع القرار الحاسم، ولذلك تقول الأستاذة نعيمة مني: 'وإلى جامع القرويين يعود الفضل في بروز عدد كبير من العلماء الفضلاء، ولا ننسى أن نسجل ما كان لهؤلاء العلماء الأجلاء من دور في تدبير شؤون البلاد في الداخل والخارج، فنجدة ((يوسف بن تاشفين)) للأندلس لم تكن إلا بعد أن صدرت فتوى عن رجال القرويين تسمح باستجابة المرابطين لاستغاثة أهل الأندلس' .وبالتالي فمؤسسة المسجد حظيت في العهد المرابطي بأهمية كبرى نظرا للتعويل عليها وظيفيا في المجالات الدينية والاجتماعية والسياسية والحضارية كما سلف البيان.أما عهد الموحدين؛ فقد عُرف بعهد المساجد، وذلك نظرا للعدد الكبير للمساجد التي تمّ إنشاؤها في عهدهم، خصوصا وأن فكرتهم في تأسيس الدولة قامت على مبدأ ديني، مشيرين إلى انحرافات الدولة المرابطية في أواخرها، لذلك فقد حاولوا تصحيح هذا الأمر من خلال المؤسسات الدينية ذات الإشعاع، خاصة المساجد التي تساهم في تجميع عدد كبير من الناس حول إمام واحد نظرا لمركزية المسجد في المدن والقرى ، ويلاحظ ارتباط بعض ملوك هذه الدولة بمؤسسة المسجد وأثره التعليمي منذ صغر سنهم وقبل أن يصلوا إلى سدة الحكم، فهذا الخليفة الموحدي المهدي بن تومرت والذي ظهر اهتمامه وشغفه بالعلم منذ شبابه؛ يقول عنه اين خلدون: 'وشبّ محمد هذا قارئا للعلم، وكان يسمّى (أسافو) ومعناه الضياء لكثرة ما كان يسرج في القناديل بالمساجد لملازمتها' . ومن نماذج المساجد الموحدية التي ذاع صيتها في هذا العصر والتي هي شاهدة على آثارهم والتي لا تشكل إلا نزرا يسيرا من المساجد التي أنشئت في عهدهم نجد: جامع الموحدين في تازة، جامع تنمل (قرية كبيرة)، جامع الكتبية وجامع القصبة بمراكش وجامع حسّان بالرباط ، ولعل هذا الأخير حظي بالشهرة والتميز لكون بني في أزهى وأفضل عصور الدولة الموحدية في عهد الخليفة أبي يعقوب المنصور، حيث إنه سعى إلى إكمال ما خططه والده في بناء وعمارة مدينة الرباط، فبنى بها مسجدا عظيما متسع الفناء ذا مئذنة شامخة على هيئة منارة الإسكندرية يصعد إليها بغير درج وتدعى منارة حسّان ، يقول المؤرخ محيي الدين عبد الواحد المراكشي(647ه): 'ثم شرع في بنيان المدينة العظمى التي على ساحل البحر والنهر من العدوة التي تلي مراكش. وكان أبو يعقوب رحمه الله هو الذي اختطَّها ورسم حدودها وابتدأ في بنيانها، فعاقه الموت المحتوم عن إتمامها؛ فشرع أبو يوسف-كما ذكرنا-في بنيانها إلى أن أتم سورها، وبنى فيها مسجدًا عظيمًا كبير المساحة واسع الفناء جدًّا، لا أعلم في مساجد المغرب أكبر منه. وعمل له مئذنة في نهاية العلو، على هيئة منار الإسكندرية، يصعد فيه بغير درج، تصعد الدواب بالطين والآجُرِّ والجِصِّ وجميع ما يحتاج إليه إلى أعلاها. ولم يتم هذا المسجد إلى اليوم؛ لأن العمل ارتفع عنه بموت أبي يوسف؛ ولم يعمل فيه محمد ولا يوسف شيئًا. وأما المدينة فتمت في حياة أبي يوسف وكملت أسوارها وأبوابها وعُمِّر كثير منها. وهي مدينة كبيرة جدًّا، تجيء في طولها نحوًا من فرسخ، وهي قليلة العرض.ثم خرج بعد أن رتب أشغال هذه المدينة وجعل عليها من أمناء المصامدة من ينظر في أمر نفقاتها وما يصلحها؛ فلم يزل العمل فيها وفي مسجدها المذكور طول مدة ولايته إلى سنة 594، وسار هو حتى نزل مراكش' ، ويظهر من خلال هذا النص التركيز على المميزات العمرانية لأهم المكونات المادية للبناء، كالعلو المتناهي في المئذنة، وهذا الأمر عنصر تفاعلي كبير في المسجد، إذ يحقق شذ الانتباه لكل زائر إلى المدينة بحيث ينتبه إلى علو الصومعة قبل ولوج حدود المدينة، كما يحقق التأثير في النفس من خلال ارتباط المعاني الروحية للأذان بكل ما يدل على كبر وعظمة هذا الدين.أما إذا انتقلنا إلى مدينة مراكش؛ نجد أن صومعة الكتبية قمة وأوج العطاء الإبداعي الفني للموحدين، سيما وأن تاريخ بنائها خلال عهد هذه الدولة شهد ثلاث مراحل متتالية من حكم الخلفاء الثلاثة الأوائل فانتهت أشغال إتمام بنائها المعماري الضخم مع الخليفة أبي يوسف يعقوب المنصور، واعتُبرت بذلك أعلى مئذنة بالغرب الإسلامي وثاني أعلى مئذنة في العالم الإسلامي بعد مئذنة قطب منار بدلهي في الهند ، كما تميزت المساجد الموحدية في تصاميمها بتعدد الأروقة والصحون على غرار جامع القصبة بمراكش، وما ذلك إلا لكون الأمراء وأولياء الأمر اتخذوا تدابير مادية وقائية في هذه المؤسسة نظرا لخطورة الوقائع والمجابهات العنيفة التي كانت تحدث بالمساجد الجامعة والتي أسفرت أحيانا على سفك الدماء بداخله . لم يغفل الموحدون رسالة المسجد وتأثيره في صناعة القرار وإحداث ما يتطلعون إليه من تغيير إيجابي في المجتمع، يقول الدكتور علي الصلابي عن الخليفة الثاني للموحدين الذي جاء بعد ابن تومرت وهو عبد المومن الموحدي في شأن استراتيجيته التخطيطية في تسيير الدولة: 'ورأى عبد المومن أنه من الحزم والفطنة أن يضع للدولة نُظُما موطدة الدعائم، فأطلق حرية العلوم والمعارف، وسار في كل ذلك مع نهج الدين الحنيف، وبنى عددا من المساجد والمدارس الفخمة التي غدت مراكز للعلوم والآداب، وقرنها بالخدمة العسكرية دوما، مع التمرين على فنون الحرب، ذلك أن عبد المومن كان يخشى أن يؤدي الانقطاع إلى العلم والدرس إلى إضعاف الهمم وفتور الحماسة الحربية لدى الموحدين' .ويتبين إذا من خلال علاقة الموحدين بالمسجد أنها كانت علاقة حرب وتكوين عسكري للحفاظ على نفوذ الدولة وسلطتها، ولم يكن مقصدها أصالة خدمة العلم وتأهيل الكفاءات المتخصصة في علوم الشريعة، كما أن ملوك الدولة الموحدية لم يغفلوا موقع المسجد في وقت الفتن وتأثيره في إخماد نارها، ولذلك كان لا مفر لهم عند حلولها من اللجوء إليها والاحتماء بأعتابه لعل الأوضاع تهدأ على إثر ذلك، يروي عبد الواحد المراكشي عن نهايات حكم المهدي بن تومرت فيقول: 'وذلك أن ابن تومرت حين خرج من مراكش على الحال التي تقدمت من إخراج أمير المسلمين إياه عنها، سار حتى نزل الضيعة التي فيها أبو إبراهيم؛ فدخل المسجد، فاجتمع أهل الضيعة على باب المسجد ينظرون إلى ابن تومرت ويقول بعضهم لبعض همسًا: هذا الذي نفاه أمير المسلمين عن بلاده لإفساده عقول الناس؛ ونحو هذا القول؛ وهموا بقتله تقربًا بذلك إلى أمير المسلمين. فلما رأى ذلك أبو إبراهيم من أمرهم، تقدم إلى ابن تومرت فسأله عن إعراب هذه الآية: {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} (سورة القصص، الآية 20). ففهم ابن تومرت ما أراد، وخرج عن تلك الضيعة، وعرف لأبي إبراهيم نصحه؛ ثم لحق به أبو إبراهيم هذا بعد ما اشتهر أمره بـ تينمل؛ فهو معدود في أهل الجماعة' ، ويؤكد هذا النص كذلك توالي تأثير الوظيفة الأمنية التي أدّاها المسجد عبر مدار التاريخ، تلك الوظيفة التي تغطي الجانبين الاجتماعي والسياسي للبلاد، وكأن قناعة معينة كانت قد انطبعت على أذهان الناس مفادها أن مؤسسة المسجد هي الملاذ الوحيد عند الفتن والمحن وموطن يُؤَمُّ لتحصين النفس وتأمينها من الفتن والأخطار.وقريبا من هذه الحقبة التاريخية، كانت الدولة الأيوبية السنية بمصر تريد هي الأخرى ضم ما يمكن ضمه من منطقة النفوذ الموحدي فأرسلوا لهذا الغرض قراقوش التقوى، والذي نجح في الاستيلاء على كثير من البلاد التي كانت تحت قبضة الموحدين، يشار إلى أن الدولة الأيوبية السنية كان لها اهتمام بارز بإنشاء المدارس إلى جوار الجوامع والمساجد وتكثير عددها-خاصة في القرنين السابع والثامن-بغية تقوية تدريس العلوم التي تخدم رسالة المسجد العلمية، ومن أمثلة هذه المدارس: المدرسة الناصرية والمدرسة القمحية . وفيما يخص العهد المريني في مراحل حكم المغرب، فهو عهد ذو سمات خاصّة فيما يتعلق بالمساجد، إذ يمكن أن نصطلح عليه بعهد الإتمام والتكملة، وذلك نظرا لخصوصية وطبيعة الأسرة الحاكمة وتأثرها الحضاري بمؤثرات خارجية، فقد اهتمت الأسرة المرينية بتشييد المساجد خاصّة في مدينة فاس، إلا أن تركيزها كان موجها على التزويق والتنميق، فقد عرف عهدهم بانتشار المدارس ذات الطابع الراقي في العمران مع الاهتمام بجانب الزخرفة والنقوش، سواء على الجبس أو الخشب، وكانت هذه المدارس تضم أيضا مساجد داخلها أو بجنبها .وفي عهد حكم الدولة السعدية، عرف المغرب تهديدات ايبيرية للسواحل المغربية، مما فرض التأكيد على أهمية الجهاد، فاهتم السعديون ببناء المساجد مع إصلاح وتوسيع وتجميل القائمة منها خاصّة الجامعة، والغرض من ذلك هو السعي إلى التصدي لهذه الأطماع والرفع من قوة المقاومة للعدو، ومن السلاطين الذين اهتموا بذلك عبد الله الغالب، كما كان للنساء الدور البارز في هذا الاهتمام .  وندرك من خلال مطالعة هذه المراحل التاريخية أنه رغم وجود فروق وتكاملات بينها في الوظائف المسجدية وحجم مشاركة هذه المؤسسة في الشأن العامّ، إلا أنه لم تكن هناك قطيعة بين خصوصيات المسجد رغم اختلاف وتعاقب الدول الحاكمة، أي أن جميع هذه الدول الحاكمة حظي المسجد عندها بأولوية في الاعتبار الوظيفي والرهان التغييري.العنصر الثاني: المسجد التفاعلي في المغرب خلال العهد العلوي.يرجع السبب الذي على إثره اخترت اعتبار مرحلة العهد العلوي مرحلة زمنية مستقلة والمبحث بينها وبين مرحلة ما قبل العهد العلوي هو أن المغرب عرف استقرارا سياسيا واجتماعيا بتقلد الدولة العلوية لزمام الحكم بالمغرب الأقصى وبقاء الأمر على ما هو عليه إلى حد الآن، بالمقابل عرفت الدول المتعاقبة على حكم المغرب قبل هذه المرحلة عدم الاستقرار وسرعة السقوط وتوالي الجهات الحاكمة مع التباين في أنماط التسيير والسياسة، فكانت بذلك كثير من التغيرات التي عرفتها أجواء هذه المؤسسة خلال تلك الفترةلا يشك مطالع لصفحات التاريخ المغربي في مدى الاهتمام الكبير الذي أولاه ملوك الدولة العلوية بالمساجد تشييدا وإحياء لثروتها الروحية والعلمية -مع تفاوت في درجات الاهتمام بينهم- على طول امتداد فترات الحكم، بالإضافة إلى ما كانت تؤديه من وظيفة في تعزيز النفوذ السياسي للدولة الحاكمة بالمنطقة، وكان اهتمامهم هذا ممتدا على طول ربوع المملكة ولم يقتصر في ذلك على منطقة معينة بالذات خاصة فيما يتعلق بالجانب العلمي ونشاط العلماء، وإذا كانت الدولة السعدية والتي سبقت فترة حكم الدولة العلوية قد انصب اهتمامها على إقامة إصلاحات كثيرة للمساجد، مع إضافة ألوان من فنون الزخرفة  على كثير من معالم المساجد، فإن الدولة العلوية قد سجلت رقما قياسيا في تشييد المساجد والتفنن في زخرفتها وتزيينها، بكل ما يليق بالمكان المقدس، وخير معلمة في هذا الصدد مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء . ويمكن القول إن الدولة العلوية اهتمت بالمساجد منذ أن توطد لها الحكم بالمغرب لارتباطها الوثيق بالمساجد، ذلك أن الحسن بن القاسم-جد الأشراف العلويين-كان علما من علماء المسجد الجامع بسجلماسة في النصف الأخير من مراحل حكم الدولة المرينية ، وأسوق هنا أنموذجا من تاريخ السلطان المولى سليمان، الذي بعث إلى أهل تطوان -بطلب منهم - الشيخ محمد الحراق (فقيه عالم لا ينتسب للتصوف ولا للمشيخة) وهو أحد علماء فاس، لإنعاش الحركة العلمية بمنطقتهم وذلك ليعمر هنالك الجامع الكبير بالدروس العلمية وليقوم بمهمة الخطابة والإمامة بجامع العيون ، ويوضح هذا الإجراء من السلطان أنه كان على دراية تامة بالنشاط الديني في شقّه التعليمي بالمناطق التابعة لنفوذه، حتى لا يدع منها ما يشكو من خصاص في هذا الجانب. ونجد أن السلطان المولى رشيد ممن أولوا اهتماما بالغا بالعلماء وطلبة العلم وبسير الدروس ونشاطها في جامع القرويين وبغيره من المساجد، ولعل هذا ما يبين أن ظاهرة التدريس أصبحت شيئا مألوفا بالمساجد الجامعة وغير الجامعة، مما زاد في أعداد الطلبة، وتمخض عن ذلك أن أصبح العصر الإسماعيلي يتسم بنشاط فكري متزايد، حيث تمثلت أهم عوامل نشاط حركته الفكرية حينذاك في بروز عدد من كبار العلماء وتصدرهم للتدريس والفتيا، وسار على نفس النهج السلطان العالم سيدي محمد بن عبد الله .وممّا يؤثر عن فترة حكم السلطان محمد بن عبد الرحمان جدّ الحسن الأول والذي ساد في المرحلة ما بين 1859م إلى 1873م، أنه بعد جلاء الإسبان عن مدينة تطوان، عمل أهلها على بناء وترميم مختلف المساجد والأملاك المحبسة عليها، غير أن أوقاف تطوان عجزت عن تغطية تكليف ومصاريف ذلك، فأذن السلطان محمّد بتجديد بنائها من بيت المال برسالة لقائد تطوان، نصّها ما يلي: وبعد فقد وصلنا كتابك أخبرت فيه أن ثلاثة مساجد عندكم تهدمت هي وأحباسها، وتعطلت معالم الدين بها وطلبت اغتنام أجر بنائها لكونها جاءت في محلّ العمارة، فها نحن أمرنا الأمناء ببنائها، والسلام . وسيزداد الاهتمام بالمساجد في العهد العلوي بشكل قوي مع دخول المستعمر الفرنسي إلى المغرب، لتصبح المدرسة الوطنية الخاصّة بترسيخ الفكر الوطني أساسا وتأطير رجال المقاومة حتى يتم الحصول على الاستقلال .وقلما نجد أزمة من الأزمات الخارجية التي عاشتها الدولة العلوية في تاريخ حكمها للمغرب إلا وللمسجد فيها حضور بارز ووازن لخدمة المصلحة الوطنية في ذلك، وسيتم بسط هذا الأمر بتفصيل عند التطرق للأثر السياسي للمسجد في فصل لاحق بحول الله تعالى.وفي عهد السلطان محمد بن يوسف رحمه الله، اتجه الاهتمام بالمساجد في المغرب إلى الاهتمام بالجانب المادي لعلماء المسجد، فمنذ بيعته سنة 1929م أصدر تعليماته بمساعدة العلماء، وذلك بالزيادة في رواتبهم الشهرية تشجيعا لهم على بث العلم، ومساعدة لهم على حياتهم المعيشية .أما عهد الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، فتميز بتشييد أكبر معلمة دينية في مدينة الدار البيضاء بالمغرب وهو مسجد الحسن الثاني بمرافقه المتعددة وشساعة مساحته، فكان هذا العمل الرائد امتدادا لبرنامج الاهتمام بالشأن المسجدي.وتميز عهد الحسن الثاني بكثرة التشييد والبناء في المجال الديني من خلال بنائه لعدد من المساجد في كل مدن المملكة، لكن الأشهر في ذلك كلّه هو مسجد البيضاء الموسوم باسمه لكونه السبب المباشر فيه، وأهم ما ميّز هذه المعلمة الشاهدة وأبرز تفردها على المستوى التاريخي ثلاثة أمور:-القدرة على استيعاب التأثيرات الخارجية ومسايرة التكنولوجيا الحديثة ، حيث إن مجموعة من المكونات المادية والمرافق المسجدية لهذه المعلمة قد عرفت تناغما جميلا ومسايرة واضحة مع مستجدات التطور العلمي التكنولوجي الذي وصل إلى الساحة الوطنية، مما جعل كل زائر لهذا المكان يدرك هذه الإضافة النوعية المتجلية في هذا الإنجاز الحضاري، يقول الأستاذ محمد علال سيناصر: 'وبلغ امتزاج القديم والحديث ذروته في سقف قاعة الصلاة التي تم إحكام تزويقها بصبر وأناة ملحوظين، ناهيك أن هذا السقف ينفتح آليا في ظرف خمس دقائق فترخي الشمس أشعتها في هذا المجال' .-ارتباط هذا المسجد بشكل كبير بالعنصر البحري  الذي يضفي عليه طابعا خاصّا مع التركيز على إشعاع الإسلام في المحيط والتذكير بالرمز القرآني المتمثل في الماء الذي شُيّد المسجد بإحكام على ضفافه، ولا شك أن هذا الارتباط له من البعد الجمالي والتأملي الذي يسهم في التدبر للملكوت الكوني والذي يزيد من منسوب إيمان الفرد.-تمثيل هذا المكان لموطن إبداع وإتقان الصنع المغربي الأصيل  في فنون البناء والتشكيل والهندسة المعمارية، ولا شك أن الأصالة لها قوتها التأثيرية بحيث لم تترك مجالا للاستيراد في هذا المجال.-الامتزاج الداخلي في مكوناته بين القديم والحديث وتبادل التأثير والتأثر فيها بين التراث المعماري الداخلي والتراث المعماري الخارجي الذي يمتح من روح الثقافة الإسلامية الأصيلة، يقول محمد علال سيناصر: 'ولم يكن هذا الامتزاج وليد الصدفة بل تراكم تجارب ومندرجا في سياق إحياء التراث الأندلسي وتجويده، فهو ثمرة لمجموعة متلاحقة من البنايات والمنشآت الإسلامية وخاصّة المغربية منها، وهو يستمد نبله ومظاهره الجميلة من جامع القرويين بفاس ...، كما يرث كثيرا من رونق صومعة حسان بالرباط، وصومعة الكتبية بمراكش (آثار الموحدين) ويشترك مع المدارس المرينية في الخزانة، لكن المتحف الذي يعتبر امتدادا للخزانة يجعل منه مركبا ثقافيا حقيقيا يضفي ثراء على مجموع البناية وهي تؤدي رسالتها الدينية الخالدة' . وفي عهد الملك محمد السادس، بقيت نفس السياسة المعتمدة في الاهتمام بالمساجد، حيث إنه كلما حلّ بمدينة من المدن في المملكة إلا وقام بتدشين مسجد أو وضع الحجر الأساس لبنائه، أو إعطاء الانطلاقة لترميمه وإصلاحه، وقد أسهمت هذه الجهود المخططة في انتشار شبكة من المساجد على مجمل التراب الوطني متوفرة على كل الخصوصيات الضرورية . لقد تنوعت المظاهر التفاعلية الإشعاعية لمؤسسة المسجد، وذلك عبر مجموعة من محطات التاريخ المغربي، وقد كانت هذه العناصر معالم واضحة تستأثر بالاهتمام والملاحظة الدقيقين، كما أنها كانت تنحو اتجاهات عدّة توفق بين الاتجاه المادّي الجمالي؛ وبين الاتجاه التربوي الاجتماعي؛ وبين الاتجاه السياسي؛ وبين الاتجاه الحضاري في بعده الإنساني، ولعل هذه الاتجاهات برزت في تفاوت جلي من حيث قوة بروزها، وذلك تبعا للحاجات الفردية والجماعية لمكونات المجتمع الذي يحتضن هذه المؤسسة، ولا شك أن الجماعة المسجدية في أمس الحاجة إلى استحضار أبعاد كل هذه الاتجاهات في الوقت الراهن، وذلك لكونها تتكامل في تشكيل المنظومة التفاعلية المسجدية؛ والتي تثبت قوة هذه المؤسسة وحضورها البارز ضمن النسيج الثقافي الإسلامي.     بقلم أ.د. عدنان مهنديس باحث في العلوم الشرعية - كلية الآداب سايس فاس.

  • ...
    ''يوميات معلم في الجبل'' في جزئها الثالث.. آخر اصدارات عزالدين الماعزي

    صدرت يوميات جديدة بعنوان "يوميات معلم في الجبل" الجزء3 لعزالدين الماعزي، عن مطبعة الأنوار الذهبية بخريبكة في فبراير 2020 ب94 صفحة، لوحة الغلاف واللوحات المرفقة للفنانة التشكيلية سناء سقي .وهي اليوميات الثالثة للكاتب بعد الجزئين الأول الصادر عن حلول تربوية 1998 والثاني عن دار القرويين 2006 .تضم المجموعة 15 نصا بعتبات مثيرة : انذار في الجبل، ثعبان في القسم، أغنية الوطن الحزين، برغوت الموعاليم ، كأني في حلمي ، الرقص بالقبعة وأمي لا تكتفي بالنظر إلي ...في الصفحة الأخيرة نقرأ مقطعا جميلا: "هل أنا محظوظ مثلا، حين أوجد هنا خلف هذا الجبل أو مقابل هذا الجبل الضخم اللعين، آكل بيضة مقلية بقليل من البهار وكأس شاي أسود أو أتمرن بعلب السردين بأنواع جولي واللوكوس ..أراني قطعة حجر انقذفت هنا، خواء مدو ضاج بالصراخ إلى حد المقت بلا طموح كما يقولون، كيف استطعت أن أبقى وحيدا كالماعز طوال سنين ؟ هل يمكن أن تكون هناك حياة أخرى خلف الجبل ؟ " ص 92

  • ...
    ''بورتريهات من هنا والآن ''.. آخر اصدارات الكاتب الدكالي عز الدين الماعزي

    عن مطبعة الأنوار الذهبية، صدرت في 2019 للشاعر والقاص المغربي عزالدين الماعزي "بورتريهات  من هنا و الآن " في 114ص، بدعم من الجمعية الإقليمية للشؤون الثقافية عمالة الجديدة ؛ لوحة الغلاف والصور المرفقة للكتاب  والأدباء ضمن العمل الجديد من إبداع الفنانة التشكيلية سناء سقي.        والبورتريهات جنس أدبي اختاره الكاتب لأسماء مغربية مبدعة : كأحمد بوزفور، أحمد لمسيح،الحبيب دايم ربي، محمد برادة، عبدالله بلعباس، الازهر،اجماهري وعبدالحميد الغرباوي وغيرهم...        على ظهر الغلاف نجد نبذة عن بعض أعمال الكاتب ومقتطف من تقديم الدكتور عبدالمجيد نوسي أستاذ السيميائيات وتحليل الخطاب يقول : " إن البورتريه في تصور عزالدين الماعزي هو اقتناص الملامح العامة للشخص المبدع، مثل نوع من الاستهلال، يقرب به المبدع إلى القارئ.لكن سرعان ما يغوص في مسار المبدع عبر رحلة تعتمد على الحكاية الشفوية والذاكرة والأحداث والمرجعيات وخاصة الأعمال الإبداعية....".

  • ...
    أعلام منطقة دكالة.. كتاب جديد للكاتب والباحث الأستاذ أحمد متفكر

    صدر مؤخرا كتاب جديد حول أعلام منطقة دكالة تحت عنوان " الإعلام بتراجم دكالة الأعلام " ،لصاحبه الكاتب والباحث الأستاذ أحمد متفكر، أشرفت على نشره دار المطبعة و الوراقة الوطنية بمراكش . هذا الكتاب الذي تطرق فيه الكاتب إلى حياة 172 أعلام من دكالة ، اعتمد فيه على إبراز شخصيات بارزة من أهل العلم بالمنطقة، وهو ما يعد ثمرة لسنوات من البحث والجهد المتواصل .هذا العمل التعريفي تناول فيه الكاتب مثلا  حياة أبي بكر بن عبد الرزاق الدكالي ، الذي توفي شهيدا بمكة المكرمة عام 827 ه / 1424 م، و دفن بالمعلاة.كما بين الكاتب حياة حافظ المغرب المحدث السني الشيخ أبي شعيب ابن عبد الرحمان الصديقي الدكالي .كما تناول أيضا بالتفصيل حياة علماء أجلاء كأحمد بن التونسي الرحايلي الغطوسي العوني الدكالي و الحاج أحمد بن صالح الحسني الإدريسي الجديدي المدعو مول النخل و أحمد بن محمد الحطاب و عبد الرحمان بن أبي شعيب الدكالي الصديقي و عبد السلام بن محمد الزموري و عبد القادر بن قاسم الجلالي الركراكي الدكالي المراكشي و محمد بن أبي فارس الجزولي الزموري و محمد بن أحمد بن دحو الأزموري و محمد(فتحا) ابن أحمد بن عبد الله الفاضل الرافعي الأزموري الدكالي و محمد بن أحمد بن المعطي الحطاب الدكالي الفرجي و محمد بن إدريس بن محمد القادري و محمد السعيد الصقلي الحسني الغربي الدكالي و محمد بن عبد الله بن بوبكر البحبوحي الحسني و المهدي الدكالي العوني أبو عيسى الدكالي...الكاتب الأستاذ أحمد متفكر أثرى المكتبة التاريخية بهذا الكتاب القيم حول علماء أجلاء كان لهم إشعاع علمي و فكري بفاس و مراكش و مكناس و الرباط و مليلية و تونس و القيروان و سوسة و بجاية و ليبيا و مصر و الشام و السودان و الهند و مكة المكرمة و المدينة المنورة و غيرها.و تتميّز هذه التراجم بالتركيز وتتبع المؤلف المسار الحياتي والعلمي لمترجميه، مع ذكر شيوخهم و وظائفهم، وإيراد بعض الأبيات الشعرية التي قيلت فيهم عند الاقتضاء وذكر مؤلفاتهم. و بالجملة، فالكتاب غنيّ بالمعلومات التي يتألف من خلالها تاريخ دقيق لعلماء دكالة التي عرفت بعطائها العلمي الغزير. وبدون شك، سيكون هذا الكتاب القيم مرجعاً أساسياً للدارسين، و فرصة عظيمة لدراسة تراثنا العلمي والأدبي.و تجدر الإشارة في الأخير إلى أن الكاتب والباحث الأستاذ أحمد متفكر كان عين ناظرا بثانوية أبي شعيب الدكالي بالجديدة سنة 1975 م ، و من هنا بدأ اهتمامه بعلماء دكالة، فخطر في باله فتح ملف لهؤلاء العلماء، و بعد البحث و التجميع اللذين داما عدة سنوات، تم بحمد الله إصدار كتاب « الإعلام بتراجم دكالة الأعلام ».

  • ...
    ''ذرية الكلمات''.. ديوان شعري للقاضية بمحكمة الجديدة الاستاذة سناء راكيع

    أصدرت الأستاذة سناء راكيع ديوان شعري تحت عنوان "ذرية الكلمات" حيث سينعقد حفل توقيعه يومه الجمعة 28 يونيو 2019 بنادي المحامين بمنتجع سيدي بوزيد، و ذلك على الساعة الثامنة و النصف مساءا.تجدر الإشارة إلى ان الأستاذة سناء راكيع تنتمي للجسم القضائي بالمملكة المغربية، حيث تشغل مهام  قاضية بالمحكمة الابتدائية بالجديدة، هذا و يرتقب ان يعرف حفل التوقيع حضور قوي للسيدات و السادة القضاة و المحامين و أطر كتابة الضبط بالإضافة لممثلي وسائل الإعلام و المهتمين بالشأن الثقافي. الجدير بالذكر كذلك أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يولي اهتماما خاصا بابداعات السادة القضاة، حيث سبق للأستاذ محمد فارس الرئيس الأول لمحكمة النقض و الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أن دعا إلى اقامة معرض دائم لإبداعات القضاة، تؤثثه ما جادت به قرائحهم من مؤلفات قانونية، وفقهية، أو أدبية من دواوين شعرية، ونصوص نثرية قصصية، أو مصنفات فنية من قبيل اللوحات الزيتية، والمنحوتات المعدنية، والخشبية، أو الجلدية، إلى غير ذلك مما يدخل ضمن زمرة الأصناف المذكورة.

  • ...
    الجديدة24 تنشر ب(PDF) العدد الأخير من 'مجلة الشرطة' باللغتين العربية والفرنسية الذي توصلت به من المديرية العامة للأمن الوطني

    ركز  العدد الأخير من "مجلة الشرطة" باللغتين العربية والفرنسية،  الذي توصلت به "الجديدة24" من المديرية العامة للأمن الوطني، والذي يمكن الاطلاع عليها من خلال النسختين المحملتين ب(PDF)،  (ركز) بالدراسة والتحليل على جملة  من المواضيع ذات الراهنية، مع إيلاء اهتمام خاص بالخطاب السامي الذي ألقاه أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، خلال مراسم الاستقبال الرسمي لقداسة البابا (فرانسيس). وهكذا، خصص هذا العدد الصادر برسم شهر يونيو 2019، حيزا للخطاب السامي الذي ألقاه أمير المؤمنين الملك محمد السادس، خلال مراسم الاستقبال الرسمي الذي خصصه جلالته، يوم السبت 30 مارس 2019، لقداسة البابا بباحة مسجد حسان بالرباط، بمناسبة الزيارة الرسمية التي قام بها البابا للمملكة.كما خصص العدد حيزا لوضع جلالته للحجر الأساس لبناء المقر الجديد للمديرية العامة للأمن الوطني،  وتدشين مختبر الفحص بالأشعة والتحليلات الطبية لموظفي المديرية العامة للأمن الوطني. وأبرز في هذا السياق، أن وضع الحجر الأساس لبناء المقر الجديد للمديرية العامة بحي الرياض بالرباط، في المدار الداخلي المحاذي للمحاور الطرقية المؤدية إلى وسط المدينة، والقريب من المرافق الإدارية والتجمعات السكنية، يأتي تحقيقا للقرب المجالي للمؤسسة الأمنية مع محيطها الخارجي. ويعتبر مختبر الفحص بالأشعة والتحليلات الطبية لموظفي الأمن الوطني، الذي تم تشييده في الشطر السادس بحي الرياض بالعاصمة الإدارية للمملكة، مؤسسة صحية متكاملة من المستوى الثاني، تم إحداثها في سياق النهوض بالأوضاع الاجتماعية لمنتسبي أسرة الأمن الوطني، موظفين وأفراد عائلاتهم، وممارسين ومتقاعدين؛ كما أنها تروم تدعيم الخدمات الطبية من المستوى الأول، التي توفرها المراكز الصحية الموجودة على مستوى ولايات الأمن والقيادات الأمنية على المستوى الجهوي والمحلي. وأفرد هذا العدد من المجلة ملفا خاصا للتعاون الأمني الدولي لمواجهة عولمة الجريمة. حيث تم التأكيد في مقال تحت عنوان: "من أجل عالم أكثر أمنا"، أنه مع تزايد الطبيعة عبر الوطنية للجماعات الإجرامية المنظمة، يتعين على الدول الأعضاء أن تتعلم كيف تتعاون على نحو فعال لمنع الجريمة الخطيرة ومكافحتها. وفي حين أن التعاون الدولي كان يجري تقليديا من خلال الترتيبات الثنائية والإقليمية، فهناك خطر حقيقي ناجم عن عولمة الجريمة المنظمة..وفي مقال حول "المعاهدات، آلية فعالة للتعاون الأمني"، أبرز العدد أن الاتفاقيات والمواثيق والمعاهدات والصكوك الدولية ومذكرات التفاهم الثنائية أو متعددة الأطراف، حسب دليل التعاون الصادر عن مكتب الإرهاب (نيويورك 2009)، تشكل "أساسا عالميا للتعاون الدولي في المسائل الجنائية"، كما أن المعاهدات، وفق الدليل ذاته (الصفحتان 9 و10) 'تتيح المجال لجهد مركز وللتعاون بشأن أنواع معينة من الجرائم، أو للنظر بعين الاعتبار إلى دواعي القلق الإقليمية وإلى النظم القانونية الخاصة بمنطقة محددة". كما أن "المعاهدات تلزم الأطراف بالتعاون معا بمقتضى القانون الدولي، شريطة أن يندرج الطلب ضمن نطاق شروط المعاهدة". وفي مقال حول "السلطة المركزية وضباط الاتصال في خدمة التعاون الأمني"، تمت الإشارة إلى أنه، إلى جانب الآليات التعاقدية والمؤسساتية المشار إليها سابقا، ثمة آليات إجرائية أخرى على قدر كبير من الفعالية في تنسيق وتيسير التعاون الأمني الدولي، وفي تدعيم قدرات الدول على مكافحة الجريمة المنظمة وزجر الإرهاب المعولم، نخص منها بالذكر السلطات المركزية الوطنية وضباط الاتصال الميدانيين.وفي مقال "التسليم المراقب"، جاء في العدد الجديد للمجلة أن هذا المفهوم ظهر مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع للمخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1988، والتي نصت في البند (ز) من المادة الأولى على أنه يقصد بأسلوب التسليم المراقب "السماح للشحنات غير المشروعة من المخدرات أو المؤثرات العقلية أو المواد المدرجة في الجدول الأول والجدول الثاني المرفقين بهذه الاتفاقية أو المواد التي أحلت محلها، بمواصلة طريقها إلى خارج إقليم بلد أو أكثر أو عبره أو إلى داخله، بعلم سلطاته المختصة وتحت مراقبتها، بغية كشف هوية الأشخاص المتورطين في ارتكاب الجرائم المنصوص عليها في المادة 1 من الفقرة 3 من الاتفاقية". وفي زاوية "دراسة قانونية"، كتب محمد عبد النباوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، في مقال حول "التجربة المغربية في مجال التعاون القضائي الدولي في الميدان الجنائي"، أن هذا الموضوع يكتسي أهمية بالغة، لما يحققه من تعاون بين الدول لمحاربة الجريمة ومنع الإفلات من العقاب، مضيفا أن هذه الأهمية تزداد مع ازدهار نشاط الشبكات الإجرامية وتطور وسائل الاتصال والمواصلات، وسهولة استغلال التكنولوجيا الحديثة في الإجرام، بحيث لم تعد الحدود تمثل حاجزا صعب التجاوز والاختراق على المجرمين.وفي الزاوية ذاتها، كتب هشام ملاطي قاض، مدير الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل، في مقال حول "مؤسسة قاضي الاتصال.. نحو قضاء بلا حدود لتعزيز التعاون القضائي الدولي"، أن قضاة الاتصال أو كما يوصفون بالسفراء أو بالدبلوماسيين القضائيين، يعتبرون من أهم الآليات المؤسساتية ذات الطابع التعاوني القضائي، المحدثة على مستوى العديد من البلدان، خاصة الأوربية منها، إلى جانب آليات أخرى قضائية، كالشبكة القضائية الأوربية، ووحدة التعاون القضائي الأوربي، وآليات أخرى ذات طابع تعاوني أمني، كالشرطة الجنائية الدولية وضباط الاتصال.من جهته، تطرق العميد الإقليمي حسن ادريبلة، دكتور في الحقوق، في مقال حول "الجريمة المنظمة عبر الوطنية وغسل الأموال، أية علاقة؟"، إلى المؤتمر الخامس لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، المنعقد في جنيف 1975، والذي عرف الجريمة المنظمة، أنها جريمة تتشكل من نشاط إجرامي معقد واسع النطاق، تنفذه مجموعة من الأشخاص على درجة من التنظيم، ويهدف إلى خلق ثراء للمشاركين فيه على حساب المجتمع وأفراده، ويتم غالبا بإهمال تام للقانون، ويتضمن اعتداء على الأشخاص، وارتباطا بالفساد السياسي في معظم الحالات.

  • ...
    المستقبل الحضاري للأمة الاسلامية- دراسة في البدائل والتحديات

    صدر حديثا عن مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية  كتاب ” المستقبل الحضاري للأمة الاسلامية ” للدكتور فؤاد بلمودن وهو أستاذ جامعي بكلية الآداب جامعة أبي شعيب الدكالي ورئيس منتدى جسور لدراسات والنشر والتدريب وعضو مركز دراسات الحضارة والمعرفة بكلية الآداب بني ملال . وتأتي أهمية عمل الدكتور بلمودن بأنه عمل يشعل وعينا بأهمية بناء البدائل الحضارية القوية ، كما يرفع معدل إدراكنا لمستوى حاجة أمتنا العربية والاسلامية لأن تتعرف من خلال ما تمنحه دراسات التخطيط الاستراتيجي اليوم إلى نقاط قوتها وضعفها، معرفتها بالفرص والتهديدات التي تحيق بها ، وهي أهم العناصر التي تمنح صاحب القرار ما يحدد به الرؤية المستقبلية وما يترتب عليها من سياسات وخطط وإجراءات، وتوفير الموارد اللازمة لتحقيق ذلك.

  • ...
    صدور كتاب حول الحماية القانونية للمباني التاريخية بالجديدة واسفي‎

    صدر للدكتور هشام المراكشي كتاب يحمل عنوان الحماية القانونية للمباني التاريخية بالجديدة وأسفي حيث خصص الكتاب لاستعراض مختلف المباني التاريخية و الأثرية المتواجدة بمدنص وحواضر دكالة عبدة  حيث تطرق لمختلف المباني المتواحدة بالمنطقة والتي وجدها متعددة من قصبات و قلاع وفنادق وبنايات وحيث خصص الفصل التمهيدي من الكتاب لتاريخ المنطقة والحضارات المتعاقبة عنها ولمختلف التسميات التي كانت تحملها المنطقة إلى أن استقر بها الحال على التسمية الحالية دكالة عبدة، كما تطرق الكاتب لدراسة الأثار والمباني التاريخية و  الحماية القانونية التي تحظى بها لاسيما الاثار المصنفة في عداد الترث الوطني والتي يصل عددها إلى 3 في أزمور و 12 في الجديدة وواحدة في اقليم سيدي بنور( قصبة الوليدية و3 في اليوسفية و 9 في اسفي.إذ ان كل هاته البنايات تخضع للحماية القانونية المنصوص عليها في ظل قانون 22/80 المتعلق بالمحافظة على التراث، كما سجل المؤلف أن مجموعة من المباني التاريخية المتواجدة بالمنطقة هي خارج التصنيف مما يحعلها عرضة للتهميس و إمكانية الهدم، خصوصا وأن القانون يشترط لحماية الاثار والتراث من الضياع ضرورة تصنيفه في عداد التراث الوطني طبقا لمقتضيات قانون 22/80. وقد ختم المؤلف كتابه باستعراض كافة الجهات المتجلة في حماية التراث بدءا بوزارة الثقافة ومرورا بمجموعة من المؤسسات والجهات التي أوكل لها المشرع حماية التراث و السهر على تتثمينه، وختم الباحث كتابة بتوجيه نداء للمسؤولين بضرورة التعجيل بحماية مختلف المباني الاثرية بالمنطقة وذلك العمل على  تصنيف أزمور كتراث عالمي على غرار الجديدة نظرا لما تزخر به هاته المدينة الصامدة من تراث و أثار ولحمولة  التاريخية ودلالات التي تحملها هاته المدينة العريقة التي أشاد بجماليتها وجمال أوراها جلالة المغفور له الحسن الثاتي  في إحدى خطاباته أمام المهندسين المعماريين في مراكش سنة 1985،  كما وجه النداء للمشرع بضروة إخراج مشروع قانون التراث الذي سيشكل حماية إضافية لمعالم المنطقة خصوصا والمملكة عموما , وتجدر الإشارة ألى أن المؤلف هشام المراكشي كان يشتغل بالمحافظة العقارية بالجديدة من سنة 2010 غلى سنة 2017 حيث شغل بها محموعة من المهام من بينها مهام محافظ مكلف بالتحفيظ،.

  • ...
    بالصور.. افتتاح La Maison des Jus المتخصصة في بيع كل أنواع العصير بالجديدة

    افتتح قبل يومين بشارع عبد الرحمان الدكالي قرب منارة ''الفلورة'' بالجديدة، محل متخصص في بيع العصائر أطلق عليه اسم La Maison des Jus لتقديم خدمات متميزة في تقديم وجبات العصير من جميع الانواع بطريقة احترافية بقدمها طاقم متخصص في المجال.ويقدم هذا المطعم أنواعاً كثيرة من العصائر الطبيعية منها عصير الرمان وعصير الفريز والأناناس و المانجو و التفاح والأفوكا وعصير "زعزع'' الشهير المحضر من عدة انواع من الفواكه الطازجة.ويتوفر المحل على مستخدمين من اصحاب الخبرات في هذا المجال حتي يتم تقديم طلبات ذات كفاءة ومذاق ممتاز من أجل ضمان رضا الزبائن والاحتفاظ بهم كزبائن دائمين للمحل.  للمزيد زورا المحل بشارع عبد الرحمن الدكالي قرب مطعم ''طاكوس مازغان'' أو الاتصال على الرقم التالي :0679-404448