صناعة الشك والحرب النفسية الرقمية في كأس إفريقيا بالمغرب
لم تكن كأس إفريقيا الأخيرة للأمم مجرد منافسة رياضية، بل تحوّلت إلى ساحة مواجهة رمزية ونفسية، لعبت فيها وسائل التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في توجيه الرأي العام المحلي والإقليمي، وصناعة الشك، والتشويش على الوعي الجماعي. فما جرى خلال البطولة كشف هشاشة الإعلام المحلي في السيطرة على المجال العام الرقمي المغربي أمام حملات ممنهجة من التضليل، وغياب قدرة فعّالة على إنتاج خطاب إعلامي مضاد يواجه هذا النوع من الحروب النفسية.لم تبدأ هذه الحرب النفسية مع كأس إفريقيا. بل يمكن تتبّع جذورها إلى ما جرى سابقًا داخل فضاءات رقمية مثل Discord، حيث قامت مجموعات من جيل Z بإنشاء حسابات وهمية، وإطلاق حملات تعبئة افتراضية ضد الدولة المغربية ومؤسساتها، حاملة شعار لا للملاعب ومقاطعة كأس افريقيا. هذه الحملات، التي اتخذت أحيانًا طابع “المقاومة الرقمية”، ساهمت في نزول بعض الشباب إلى الشارع، خاصة من أوساط يسارية وإسلامية، دون إدراك أن كثيرًا من هذا الغضب كان موجَّهًا ومُصنَّعًا رقميًا.ظهرت كذلك مجموعة "جبروت"، التي قدّمت نفسها كجماعة هاكرز، وهدّدت بكشف “أسرار خطيرة” عن مسؤولين وسياسيين مغاربة. لم يكن الهدف هو كشف معطيات بغرض النقد البناء أو الشفافية، بل فرض مناخ ابتزاز نفسي، وبثّ الخوف، وإرباك الثقة في الدولة والمؤسسات. كان ذلك تمرينًا مبكرًا على التحكم في المجال العام الافتراضي عبر الخوف والفضيحة المتخيَّلة. وانتقلت من تقديم نفسها كجماعة ضغط سيبراني إلى لعب دور داعم ومُضخِّم لسردية "الفساد" التي رافقت كأس إفريقيا. فبعد خروج المنتخب الجزائري من المنافسة، تصاعد خطاب التهديد والوعيد الموجَّه إلى الدولة المغربية، مقرونًا بإيحاءات حول "ملفات" و"أسرار" مزعومة. لم يكن هذا الخطاب معزولًا عن المناخ العام للحملة الرقمية، بل انسجم معها وساهم في تعميق مناخ الشك، عبر تحويل الإحباط الرياضي إلى ضغط سياسي رمزي. بهذا المعنى، لم تعمل جبروت على كشف وقائع مثبتة بقدر ما أسهمت—من خلال التوقيت واللغة والتضخيم—في إسناد رواية تشكيكية تُعيد إنتاج اتهام المنظومة، وهو ما عزّز أثر الحرب النفسية الرقمية المصاحبة للبطولة.كأس إفريقيا: انتقال الحرب النفسية إلى المجال الرياضيمع تنظيم كأس إفريقيا في المغرب، انتقلت هذه الحرب النفسية إلى المجال الرياضي. منذ البداية، حيث اشتغلت شبكات من الحسابات الوهمية، إلى جانب مؤثرين وإعلاميين جزائريين، وآخرين من الشرق الأوسط وبعض الدول الإفريقية، على بناء سردية مفادها أن فوز المغرب سيكون بالفساد، عبر رشوة الحكام وشراء المباريات. هذه السردية تجاهلت تمامًا المعطيات الموضوعية: فالمغرب فريق قوي، أثبت قدرته في كأس العالم، ويمتلك بنية تحتية وتنظيمًا احترافيًا. ومع ذلك، جرى التعامل مع نجاحه المفترض باعتباره دليلًا على الفساد لا على الكفاءة. هنا لا نتحدث عن نقد رياضي، بل عن تشويه ممنهج للسمعة، يهدف إلى نزع الشرعية الأخلاقية عن أي إنجاز مغربي.والأخطر في هذا السياق أن الاعلام المغربي الهش أصلا لم يُبدِ أي مقاومة حقيقية لهذه السرديات. بل على العكس، وقعت بعض وسائله صحبة مؤثرين مغاربة في الفخ، حين بالغوا في خطاب الانتصار المسبق، وكرّسوا فكرة أن الكأس ستبقى في المغرب، بل ووصل الأمر بالمغاربة إلى إنتاج أغانٍ وشعارات تؤكد هذا المعنى: "لاكوبا غا تبقى هنايا". وبهذا السلوك، ساهم الإعلام نفسه – دون وعي – في تغذية سردية الفساد التي كان الخصوم يروّجون لها. وبدل تفكيك خطاب الاتهام، جرى تعزيز مناخ الشك، وإعطاء الذخيرة الرمزية للحملات المعادية. بلغت هذه الحرب النفسية ذروتها في المباراة النهائية بين المغرب والسنغال، حين انسحب المنتخب السنغالي من أرضية الملعب بشكل مؤقت بعد قرار تحكيمي، إذ لم يكن هذا السلوك مجرد احتجاج رياضي عادي، بل كان تعبيرًا عن ذهنية مشبعة بسردية مسبقة: اللعب مع المغرب هو لعب ضد "منظومة فاسدة". هذا السلوك لا يمكن فصله عن المناخ الإعلامي والنفسي الذي سبق المباراة، ولا عن ثقافة الاتهام والتشكيك داخل بعض دوائر CAF، حيث يُنظر إلى النجاح لا بوصفه نتيجة عمل وتنظيم، بل نتيجة تلاعب ومؤامرة.الحرب النفسية كإطار لفهم ما جرىما حدث خلال كأس إفريقيا للأمم لا يمكن اختزاله في تنافس رياضي أو سجال إعلامي عابر، بل يندرج ضمن ما يسميه الباحثون في هذا المجال بالحرب النفسية منخفضة الحدة. إذ لا تنجح الحملات النفسية عبر القوة الصلبة، بل عبر التراكم البطيء للرسائل المشكِّكة، وإضعاف الثقة، وزرع الشك في النوايا والشرعية، خاصة عندما تستهدف جمهورًا واسعًا في لحظة تعبئة رمزية كبرى مثل البطولات الرياضية. في هذا السياق، لم يكن الهدف إقناع الجمهور الدولي بأن المغرب "فاسد"، بقدر ما كان خلق مناخ دائم من الشك، يجعل أي نجاح مغربي مشكوكًا فيه سلفًا، وأي تنظيم محكومًا عليه بالريبة. تشير أدبيات الحرب النفسية إلى أن من يسيطر على السردية الأولى يمتلك أفضلية حاسمة. فالأكاذيب، حين تُزرع مبكرًا، تلتصق بالوعي الجماعي ويصعب نزعها لاحقًا، حتى وإن فُنِّدت بالأدلة. ويلاحظ أن الفضاء الرقمي، خصوصًا منصات X وTikTok وYouTube، يضاعف هذه الظاهرة بسبب سرعة الانتشار، وخوارزميات التضخيم، وضعف آليات التحقق. ما جرى هو أن سردية “الفساد” سبقت الوقائع، وتغذت لاحقًا من بعض الخطابات الإعلامية المحلية التي، بحسن نية أو بدونه، ضخّمت خطاب الحسم والانتصار المسبق، مما جعل السردية المعادية أكثر قابلية للتصديق خارجيًا.تُجمع دراسات الحرب النفسية على أن الإشاعة لا تُختزل في كونها معلومة خاطئة أو خبرًا زائفًا، بل تُعد أداة فعّالة للتفكيك المعنوي وإضعاف الثقة الجماعية. فنجاح الإشاعة لا يتوقف على دقتها أو قابليتها للإثبات، بل على قدرتها على التداول السريع، وانسجامها مع مخاوف كامنة ومسبقة لدى الجمهور المستهدف. في الحالة المغربية، استُخدمت الإشاعة كآلية ضغط نفسي لإحداث شرخ مركّب على أكثر من مستوى: أولًا بين الجمهور المغربي ومؤسساته، من خلال التشكيك في نزاهة التنظيم وقدرة الدولة على إدارة حدث قاري؛ وثانيًا بين المغرب ومحيطه الإفريقي، عبر تصوير نجاحه كاستثناء مريب لا كإنجاز مشروع؛ وثالثًا بين التفوق الرياضي والتنظيمي وصورته الأخلاقية، بحيث يصبح كل نجاح موضع ريبة سابقة. هذا الشكل من "الهجوم غير المباشر" لا يواجه الخصم مواجهة صريحة، بل يدفعه إلى الدفاع المستمر عن شرعيته داخل فضاء عام مليء بالشكوك، وهو ما يُضعف موقعه الرمزي بدل أن يعزّزه.ليست الرياضة مجالًا محايدًا أو معزولًا عن منطق الصراع الرمزي، بل تُعد من أكثر الحقول قابلية للاستثمار في الحملات النفسية الحديثة. فهي تعبّئ العاطفة الجماعية، وتُنتج هوية مشتركة مؤقتة، وتُضخّم الإحساس بالكرامة أو الإهانة على نحو يصعب تحقيقه في مجالات أخرى. لهذا، فإن استهداف المغرب خلال تنظيمه لكأس إفريقيا للأمم لا يتعلق بكرة القدم في حد ذاتها، بل بمحاولة تقويض رمزية نجاح إفريقي مستقل، وتحويل حدث رياضي وتنظيمي سيادي إلى موضوع تشكيك. وفي هذا السياق، تصبح المباراة، والقرار التحكيمي، والهتاف، والصورة المتداولة على المنصات الرقمية عناصر ضمن معركة أوسع على المعنى والشرعية، حيث لا يكون الرهان هو الفوز أو الخسارة في الملعب، بل السيطرة على السردية في الوعي الجماعي.معركة الوعي لم تنتهِما جرى في كأس إفريقيا للأمم لا يمكن اعتباره حادثًا عابرًا أو مجرد توتر رياضي ظرفي، بل يشكّل مؤشرًا واضحًا على تحوّل الرياضة إلى أداة ضمن حروب نفسية رقمية متكاملة. هذه الحروب لم تُخَض داخل الملعب فقط، بل أُديرت أساسًا عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل تويتر وتيك توك، والفايسبوك واليوتوب، وعبر فيديوهات مفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وحسابات وهمية اشتغلت على صناعة الشك، وتشويه السمعة، وتقويض الثقة الجماعية. لقد استهدفت هذه الحملات المعنويات والرمزية أكثر مما استهدفت نتيجة مباراة بعينها، وجعلت من كرة القدم ساحة صراع إدراكي لا يقل خطورة عن الصراع السياسي.ما يجب التأكيد عليه هو أن هذه الحرب النفسية لن تتوقف عند حدود كأس إفريقيا، ولن تكون حدثًا استثنائيًا مرتبطًا ببطولة واحدة. نحن أمام نمط متكرر من الضغط الرمزي، والتشكيك المنهجي، وتفكيك الثقة الجماعية، يُستعمل فيه الإعلام الاجتماعي كسلاح منخفض الكلفة وعالي التأثير. هذا النمط يعتمد على التكرار، وعلى استثمار الانفعالات الجماعية، وعلى تحويل النجاح الرياضي أو التنظيمي إلى موضع ريبة دائم، بما يخلق مناخًا عامًا من الشك يصعب تفكيكه لاحقًا.لهذا، لم يعد كافيًا الاكتفاء بردود فعل ظرفية أو انفعالية، ولا بخطابات دفاعية متأخرة. بل أصبح من الضروري التفكير في بناء مناعة رقمية وطنية طويلة الأمد، قوامها إعلام مهني متخصص في مجالات متعددة، قادر على تسويق المنتوج المحلي، ولا يقع في فخ السرديات المعادية ولا يعيد إنتاجها دون وعي، ويستطيع رفقة التعليم صناعة وعي جماعي بكيفية اشتغال الدعاية الرقمية وآليات التلاعب الإدراكي، ويعمل على إنتاج خطاب هادئ، عقلاني، ومُقنِع، يتقدم بالسردية بدل أن يلاحقها. فالمعركة القادمة ليست على الكؤوس أو على تنظيم البطولات فقط، بل هي معركة على الوعي، وعلى الثقة الجماعية، وعلى القدرة على مقاومة التلاعب النفسي في زمن أصبحت فيه الصورة، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، أخطر من الشائعة نفسها.ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي