أزمة الأخلاق في كرة القدم الإفريقية
أعاد اختتام كأس الأمم الإفريقية وتتويج السنغال بالأمس طرح سؤال قديم لم يُحسم بعد: هل تعيش كرة القدم الإفريقية أزمة أخلاق (ethical crisis)؟ ما جرى خلال البطولة من تشكيك في ذمة البلد المنظم والكاف، يوحي بأن المشكلة أعمق بكثير من أخطاء تحكيمية معزولة أو ضعف تقني لدى بعض الحكّام، إذ نحن أمام ذهنية ثقافية راسخة، باتت ترى الفساد متوقَّعًا، ومقبولًا، وأحيانًا مُدبَّرًا سلفًا. لقد تكررت الإشكالات التحكيمية طوال المنافسات: ركلات جزاء تُحتسب أو تُلغى بلا اتساق، وأخطاء واضحة تُُتجاهل، ولحظات حاسمة في مباريات كبرى تُدار بارتباك. فمن السهل تعليق ذلك على شماعة ضعف الكفاءة، لكن عند تكرار الأنماط نفسها عبر بطولات مختلفة، وبأجيال متعاقبة من الحكّام، وفي بلدان مُستضيفة متعددة، يكشف أن العطب ثقافي ومؤسساتي قبل أن يكون تقنيًا.تعتبر تجربة المغرب خلال هذه البطولة كاشفة لذهنية ثقافية طبعت مع الفساد. فعلى الرغم من استثمارات ضخمة في البنية التحتية والملاعب والطرقات ومراكز التكوين والتنظيم الاحترافي، تعرّض البلد المنظم لحملات اتهام بالتلاعب وشراء الحكّام من دون أي دليل، في خطاب تشهيري يستند إلى افتراض غير مُعلن، مفاده أن النجاح في كرة القدم الإفريقية لا يتحقق إلا عبر الفساد. هنا لم يعد الفساد ممارسة عارضة، بل تصورًا ذهنيًا يحكم الخيال الكروي نفسه.تتضح هذه الذهنية الثقافية (cultural mindset) أكثر عند النظر إلى ردود فعل المنتخبات التاريخية المُهيمنة. فمصر، الأكثر تتويجًا بسبعة ألقاب والأكثر حضورًا في النهائيات، والكاميرون بخمسة ألقاب، والجزائر بلقبين وقد استعادت مكانتها مؤخرًا، والسنغال التي تتوج مرتين، تدخل نادي المتوجين المتكررين، جميعها منتخبات خبرت النهائيات مرارًا. وليس عابرًا أن تكون هذه المنتخبات، المعتادة على المراحل الأخيرة، الأكثر صخبًا في الاحتجاج على التحكيم والطعن في نزاهة بطولة استضافها المغرب. إن احتجاجاتها لا تأتي من خارج المنظومة، بل من داخلها، ومن معرفة دقيقة بالمناطق الرمادية للعبة، حيث يُتصوَّر أن النتائج لا تُحسم داخل الملعب وحده، بل تُدار أيضًا في الكواليس.وهنا يبرز السؤال الحاسم: هل يمكن لمنتخبات بلغت النهائيات بهذا التكرار ألا تعرف القواعد غير المكتوبة لكرة القدم الإفريقية؟ وهل يمكن ادعاء البراءة التامة حين تتكرر الاحتجاجات ومحاولات الضغط في اللحظات الفاصلة؟ أم أن الأصح هو الإقرار بأن تكرار الوصول إلى النهائيات لا يمنح خبرة رياضية فقط، بل يُنمّي خبرة مؤسساتية في كيفية توظيف الضغط والارباك والكولسة والجدل داخل النظام الكروي؟تجلّت هذه الذهنية الثقافية مجددًا في النهائي بين المغرب والسنغال. فعندما احتسب الحكم ركلة جزاء إثر خطأ دفاعي واضح، لم يُقابل القرار بالاحتكام إلى القانون، بل بالاحتجاج وخلق الفوضى، والانسحاب من الملعب، ومحاولة تقويض سلطة الحكم. هذا السلوك يكشف افتراضًا عميقًا: أن النتائج قابلة للتفاوض، وأن السلطة يمكن زعزعتها، وأن الفوضى أداة تكتيكية لإدارة المباريات الحاسمة. هذا ليس سلوك منتخب أو اتحاد كرة، يثق بأن الملعب وحده يحسم؛ بل سلوك تشكّل وعي صاحبه داخل منظومة لا تثق بالقانون إلا بقدر ما يخدم موازين القوة.إن غياب المغرب الطويل عن منصة التتويج منذ 1976 ليس مجرد رقم رياضي، بل هو دليل قاطع ومعطى اجتماعي عن عدم انخراطه في شبكات المصالح والتحالفات غير الرسمية والطقوس غير المعلنة التي تحكم كرة القدم الإفريقية. فالمنتخبات التي اعتادت النهائيات لا تتفوّق فنيًا فقط، بل تُتقن أيضًا التعامل مع تعقيدات بيروقراطية داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم. ليست الخبرة هنا فنية فحسب؛ بل إنها خبرة مؤسساتية.هذا التطبيع يتجاوز ضغط المباريات، ليشمل التعايش مع نظام كروي، جرى فيه المزج بين اللعب والنفوذ والمساومة والتأثير والكولسة. ومع الزمن، تبلورت ذهنية ثقافية ترى النجاح حصيلة أداء رياضي وتدبير ذكي داخل منظومة مُختلّة للكاف. وهكذا تصبح النهائيات درسًا في “كيف تُدار الأمور” لا بوصفها منافسة رياضية.أمام هذا الواقع، تطرح أسئلة مُلحّة على الفيفا والهيئات الدولية: هل يستمر تدبير كرة القدم الإفريقية كنظام شبه مغلق قابل للضغط والشبهات؟ أم آن الأوان لرفع السقف عبر آليات مراقبة صارمة، واحتراف التحكيم، وربما الاستعانة بحكّام محايدين من خارج القارة في المباريات الحساسة؟هذه دعوة لحماية اللعبة من عقلية تُقوّض الثقة. فالكرة لا تزدهر إلا حيث تُحترم القواعد وتُصان العدالة. فبدون إصلاح أخلاقي جذري، ستتحول المنافسة إلى مسرح شكوك، يُساءل فيه كل فوز ويُفسَّر كل إخفاق كمؤامرة. إن كرة القدم الإفريقية لا تحتاج إلى ملاعب ولاعبين فقط، بل إلى قطيعة مع ثقافة الفساد المُطبَّع. وحتى تُواجَه هذه العقلية مواجهة صريحة، ستظل جماليات اللعبة، والموهبة، والنجاح رهينة الجدل والارتياب.الأستاذ محمد معروف جامعة شعيب الدكالي