أعمدة الرأي
  • ...
    ثقافة الميم.. النسخ التماثلي و التطور الثقافي و السياسي

    يحيل عنوان المقال على عملية الإنتقال الثقافي للأفكار و الممارسات و المعتقدات و التي يرتبط وجودها بوجود الإنسان في هذا العالم منذ بداية التاريخ. دخلت كلمة "ميم"  meme في المعجم الغربي منذ سبعينيات القرن الماضي على يد عالم البيولوجيا ريتشارد دوكين سنة 1976 في كتابه "الجينة الأنانية". تم ابتكار هذه الكلمة على منوال كلمة "جينة"Gene  للتعبير عن معنى خاص بالتطور الثقافي للمجتمعات البشرية. إذا كانت الجينة وحدة بيولوجية لنقل المعلومات الجينية الخاصة بالجسم البشري، فإن الميم هي وحدة ثقافية تنقل الأفكار و المعتقدات و السلوكات. يعتقد عالم البيولوجيا بأن فكرة الانتقال البيولوجي للخاصيات الجينيةDNA للجسم البشري تتم عبر التاريخ بين جسم و آخر [أب، أم، الأولاد] و بين الأجيال و يَخضع هذا الانتقال لما يسميه تشارلز داروين "الانتقاء الطبيعي" و الذي يصف خضوع هذا الانتقال للمحيط و للمؤثرات البيئية. على شاكلة العالم البيولوجي، تنتقل الأفكار و المعتقدات و الممارسات عبر وحدة ثقافية تسمى "الميم" و التي تنتشر و تترسخ أو تختفي حسب التقليد و الإستمرارية أو القطيعة في عملية التقليد.منذ بداية التاريخ كان الإنسان هو الحامل و المفعل لهذا التقليد و الذي كان يتم شفهيا، بصريا و بعد ذلك عبر وسائط كالكتابة والإعلام البصري و الالكتروني. تطورت الأفكار و الممارسات و المعتقدات عبر هذه الطريقة و مازالت خاضعة لنفس العملية و إن بوسائط مختلفة. فكرة الله، و نهاية العالم، و السحر و الشعوذة، و الفلاحة و الطب الشعبي و الأكاديمي وطرق اللباس و الأكل، و الإرهاب و غيرها استمرت و تغيرت عبر التاريخ بفعل هذا النوع من التقليد. تطورت الثقافة البشرية عبر التقليد الذي يحمل في طياته اختلافا نوعيا قد يتغير بتغير تاريخ الشعوب و بالظروف التي تساعد انتشار أفكار و معتقدات دون غيرها. تختلف المعتقدات الدينية و الممارسات الثقافية حسب الظروف التاريخية لمجتمع معين، من حيث أن أفكارا تترسخ في مجتمع ما و تندثر في مجتمعات أخرى. إن منطق التطور الثقافي يشبه إلى حد ما التطور البيولوجي و قد يكون الأول أكثر سرعة من الثاني. إذا كان الانتقاء الطبيعي هو الذي يحدد أي الخاصيات البيولوجية تستمر في التواجد من خلال تأثير المحيط الطبيعي، فإن تطور الأفكار و المعتقدات يخضع لنوع من الانتقاء الثقافي الذي يخضع للتطور التاريخي و على ملاءمة الأفكار أو عدم ملاءمتها للمحيط الاجتماعي و السياسي و للظرف التاريخي.يحيل عنوان كتاب دوكين "الخلية الأنانية" على سلوك بيولوجي للخلية حيث أن ما يهم الخلية هو إعادة إنتاج نفسها و التوالد و بنفس المعنى فإن ما يهم الأفكار في وجودها هو التكرار و إعادة الإنتاج و التوالد. إذا كان انتقال الخاصيات البيولوجية من جينة إلى أخرى تعوضها ليس انتقالا دقيقا من حيث أنه يمكن أن تحدث أخطاء أو تغييرات خلال عملية الانتقال، فإن الأفكار تخضع كذلك لنفس العملية من حيث أن الأفكار تتغير، بطريقة مفارقة، خلال عملية التقليد لأن مفعل التقليد يختلف عن الحامل الأصلي للوحدة الثقافية من حيث الفهم و المعتقدات و الإستعداد العاطفي.إذن فالتغيير النسبي يرافق التقليد كما قد نلاحظه في عملية اللباس، أو الأكل لكن هذا التغيير التاريخي قد يكون بطيئا في أغلب الأحيان و لا يغير أحيانا من جوهر الفكرة أو المعتقد.في عصر ثورة المعلومات و ظهور وسائط الكترونية جديدة، تستمر عملية التقليد و تظهر جليا عبر وسائط التواصل الاجتماعي حيث تنتشر الأفكار و المشاعر و الممارسات و المعتقدات بسرعة غير مسبوقة. الأفكار بطبيعتها هي مجردة و تنتقل بطريقة غير مادية و تنتشر أحيانا كالنار في الهشيم [هذا التعبير هو نموذج لميم استعاري لغوي يستمر في التواجد]  لكن آثارها تظهر في الواقع في السلوك الاجتماعي للناس و في الظواهر الاقتصادية و في الممارسات السياسية و غيرها. يتخذ انتقال هذه الأفكار أشكالا حاملة للميم كالهاشتاغ مثلا، أو الصور أو الرموز التي تُنشر و تَنتشر بسرعة على مواقع التواصل الإجتماعي عبر التقليد[مع إضافة تعليق أو سخرية، قد لا يغيران من جوهر الفكرة]. لكن تلقي هذه الأفكار هو الذي يحدد المدة التي تستمر خلالها هذه الميمات في التواجد، أي أنها تخضع لعملية انتقاء من طرف رواد هذه المواقع. هناك ميمات صمدت و استمرت في التواجد ماديا عبر النشر و رمزيا بتخزينها في الذاكرة الجمعية و تحويلها إلى مرجع أو رمز لحدث معين. يمكن للقراء أن يحيلوا على أمثلة من هذا القبيل كميمات علال القادوس، طحن مو، أمي عايشة، النوام في البرلمان، و غيرها كثير.لكن من وجهة نظر نقدية، نهتم أكثر بمعنى هذا الانتقال للوحدات الثقافية التي نسميها الميم  من حيث آثارها على تطور الثقافة المغربية خصوصا و أن هذا التقليد يتم أحيانا بطريقة عفوية و دون تفكير في حيثيات التقليد و بدون وجود مبررات خاصة لدى مُفعِّل ذلك التقليد. قد نطرح أسئلة أكثر مما نعطي أجوبة لأن الموضوع تتداخل فيه ميادين بحث مختلفة. ما يهمنا فعلا هو أن نثير انتباه القراء إلى وجود ظاهرة تواصلية و ثقافية تؤثر فعليا في المشهد الثقافي و السياسي و تساعد أحيانا على انتشار أفكار غير مفيدة لتطور الثقافة  بل تؤخره و تجعل المجتمع يدور في حلقة مفرغة ويخضع في منطق تطوره لصدف التاريخ و لتطور المجتمعات الأخرى و تأثيرها عليه.إذا كان طبيعيا أن نقلد الآخر، فلماذا نقلد البعض و نستثني آخرين؟ من نقلد [طبقة، فئة اجتماعية، مهنية أيديولوجية، جماعة اثنية...]؟ و لماذا نقلدهم؟ كيف يصبح التقليد "محركا" للتطور الثقافي؟ ما علاقة التقليد بالإبداع؟ هل للتقليد سلطة و من يستفيد من هذه السلطة؟ لماذا و كيف يمنع المجتمع تقليد أفكار لا تتماشى مع القيم السائدة ؟ و ما نوع هذه الأفكار؟قد تتوالد الأسئلة و قد نضيع في متاهة السؤال. لذا أقدم تصورا يضع هذا التقليد في سياقه المحلي الخاص. أرى أن التقليد ضرورة اجتماعية و ثقافية و أن له سلطة تخدم النظام الذي يتأسس عليه سواء الاجتماعي العرفي أو السياسي و الثقافي، أي أنه يتأسس داخل بنية سلطة معينة. لكن التقليد إذا كان مقابلا للإبداع، أي يرفضه و يقاومه، لا يساعد على التطور الفعلي للثقافة. لكن ما يهمني أكثر في هذا الصدد هو انتشار التقليد بطريقة غير مسبوقة على مواقع التواصل الاجتماعي في ظل صعود ظاهر للثقافة الشعبية و لهيمنة الجانب العاطفي و التواصلي [التفاعلي] على الجانب المنطقي و النقدي في الثقافة الرقمية. فانتشار الميمات يتم عبر التماثل و التماهي العاطفي مع الآخر و الرغبة في تجنب التهميش من طرف الرواد الآخرين لهذه المواقع. ما يقع في هذه المواقع يشبه أحيانا الانتشار المعدي للأمراض كالزكام. فالأفكار تنتشر بسرعة فائقة و تُقلد بدون معرفة نقدية لحيثيات خلقها و ضرورة انتشارها. ما يقع يشبه مثلا الانتشار الوبائي للخوف في تجمعات جماهيرية. فعندما يلاحظ الناس نظرة الخوف في أعين الآخرين فمجرد صيحة من أحد الناس تخلق الهلع و ينتقل الخوف بسرعة فائقة دون وجود دليل أو تفسير منطقي لوجود خطر ما لدى الناس الذين يكون الخوف قد سيطر عليهم. على هذه الشاكلة، تنتقل الأفكار عبر التماهي العاطفي في أغلب الأحيان في مواقع التواصل الاجتماعي و في غياب تام للتحقق من صحة خبر، فكرة أو انتقاد. هناك أمثلة كثيرة على ذلك فكثير من الأخبار و الأحكام تكون غير مؤكدة و غير قابلة للتحقق من صحتها تنتشر بسرعة و تؤدي إلى هلع و انتشار أفكار مغلوطة أحيانا. هذا الوضع يغري الفاعلين السياسيين[النخب الحاكمة و المعارضة السياسية وجماعات المقاومة الشعبية] باستثمار هذا التقليد الميمي و المتحكم فيه عاطفيا وغير القابل للتبرير المنطقي للقيام بحملات ضد الخصوم السياسيين. يدفع هذا الوضع الثقافة إلى حالة من السطحية و الهشاشة النقدية و انتشار الأفكار المنفصلة تماما عن الواقع. طبعا الحقيقة هي موضع تنافس، لكن الوضع الحالي يرجعنا إلى زمن الدعاية و التفكير الجماعي و ثقافة القطيع، بدل تثبيت الثقافة  في زمن النسبية الديمقراطية و تأكيد الفردانية و الإبداع و الفكر النقدي و التعبير عن الذات. ما يحصل حاليا على هذه المواقع هو تكوُّن قبائل إلكترونية تتبنى موقفا موحدا رغم التنويعات في الشكل ضد أو مع  جهة معينة في غياب للفكر النقدي. ختاما إذا كان التقليد ضرورة اجتماعية و ثقافية، فمن الأجدر أن نقلد عن وعي ما يُحسِّن من ثقافتنا و ممارساتنا سواء الاجتماعية و الدينية و السياسية. إذا خضع التقليد للعاطفة و افتقد إلى الحس النقدي و التاريخي، فمن الأكيد أننا لن نتقدم بالشكل المطلوب عالميا نحو الديمقراطية النقدية المواطنة و سنبقى نقلد أحيانا من هم أقل منا ثقافة ووعيا و حسا نقديا. هيمنة الثقافة الشعبية و التفاعل العاطفي و تراجع الثقافة النقدية يهدد بثورة في الاتجاه المقلوب و قد لا نجد فيلسوفا يقلب الدياليكتيك من جديد.أستاذ باحث بجامعة أبو شعيب الدكالي  

  • ...
    القرد السجين في متاهة الاستهلاك

    تعيش مجتمعات القرود اليوم مسلوبة الإرادة ، إذ ترزح تحت نير استعباد الرأسمالية العالمية التي قامت بتدجنيها وتهجينها، فحولتها إلى قطيع مستهلك طيّع خنوع، يجثُم مسحورا بعالم الإشهار، ويتهَدَّل أمام رياح سوق العولمة، ويسْترِط كل ما تُنتجه أسواق الرأسمالية، فتارة ترقص القرود على موسيقى الموضة، و تارة تنبهر بالمغنَطة السحرية لمجتمع هوليود وديزني وماكدولندز، هو قطيع قرود سجين في متاهة الاستهلاك و"التضبيع"، هو فريسة تنهَش جثّته بَواشِقُ الرأسمالية العالمية وصقورها ، فتحشو خياله بحياة نمطية مُجنَسّة، توهمه بحاجيات مزيفة، فتختلط عليه الكماليات بالضروريات، ويصعب عليه التمييز بينهما، وهكذا تعيش معظم القرود بئيسة تعيسة، تكد وتعمل جاهدة لكي تلبي ما تعتقده حاجياتها الضرورية في الحياة.لقد استطاعت الآلة الدعائية الرأسمالية "تضبيع" القرود بحاجيات وهمية مزيفة، حولت حياتهم إلى تهافت على الفرجة والتسلية والترفيه، حيث رفعت القرود شعار: " أنا أشتري! أنا أمرح! إذن أنا أعيش!"، فأمست محرومة مما تنتجه، و لا تستطيع اقتنائه مجانا. لقد تحكّم اقتصاد الشركات الكبرى في نشاط السوق العالمية و سياسات الدول، إذ قام بنشر إيديولوجية الاستهلاك عبر وسائله الإعلامية، كما فرض نماذج تعليمية تناسبه، فهو اليوم يقوم باسترقاق القرود على جميع المستويات، حتى أضحت القرود تقدس الاستهلاك في معابد الأسواق، وتطوف بمحلاتها، كما أنها استبطنت الحاجيات الزائفة التي يبثها الإعلام التجاري يوميا على شاشاته وعبر أثيره و على صفحات منشوراته، موهما قطيع القرود بأنها حاجيات ذاتية ضرورية في الحياة.لقد خلقت الآلة الإشهارية العالمية نموذجا مهيمنا لطبقة اجتماعية وسطى مُجنّسَة، تقتني الشقق والأجهزة المنزلية بشتى أنواعها، وتتهافت على ماركات السيارات، وتلتهم الوجبات السريعة، مستلبَة نحو الفرجة و التسلية والترفيه والجنس والأفلام والموسيقى والرقص وكرة القدم. متى كان اقتصاد السوق مهتما بتغيير الأنظمة الاستبدادية ودمقرطة المجتمعات؟ ما يهمه هو الحفاظ على  توازن العرض والطلب، إذ كلما أفرطت القرود في استهلاكها للبضاعة الرأسمالية، إلا وحققت الشركات الكبرى أرباحا طائلة، فيبلغ الوحش الرأسمالي أشدّه. أبهذا النظام التسليعي الذي يبحث عن تخفيض النفقات وتكديس الأرباح في يد الأقليات الغنيّة تأملون توعية القرود؟ إن القرود العضوية التي تتفاعل مع قضايا مجتمعاتها تشكل خطرا حقيقيا على جنّة الترفيه، وبالتالي يُحظَر على القرود المُمَغنطة أن تنشغل عن الاستهلاك، لأن ذلك سوف يهدد مصالح السوق، وهكذا يجتاح الإشهار خيال المشاهد لكي يبيعه في مزاد سوق النخاسة  الجديد، فيستحوذ على إرادة القرود، و تنتظم هذه الأخيرة في صفوف الاستهلاك، بل و تنقاد بغمائم موضات السوق.   انظر عزيزي القارئ كم من الأحذية تقتنيها في السنة، وكم تلبس منها لفترة محدودة، بينما يتجول إخوتك في الغابات و بين طرقات الجبال حفاة عراة؟ كيف يلبس القرد العاري منا حذاء كل حين، بل ومن القرود من يتوفر على خزانة أحذية، تجد فيها البالي والجديد الذي لم يُلبس أبدا، وقرود تمشي حافية القدمين؟ انظر عزيزي القارئ كيف أصبحت القرود المغربية تشتري الشقق في مدن مختلفة، و تتركها مقفلة على مدار السنة ولا تفتحها إلا أيام معدودة في العطل، بينما قرود الجبال تلتحف العراء؟ ما معنى أن تُشترى شقق بالتقسيط، ثم تُوصد أبوابها لسنوات، بينما الأبناك تنهب الفوائد؟ ما معنى امتلاك شقة باقتطاعات بنكية مدى الحياة؟ كيف تُهدر الجهود والطاقات في اقتناء أملاك ريعية بالتقسيط تُثقِل كاهل الموظف، وتُلهيه عن قضايا عمله ومجتمعه؟ تجوّل عزيزي القارئ بين دروب مدينتك وأزقتها ، لترى القرود كم هي منهمكة في البناء والتبليط وإضافة الطوابق؟     تعيش القرود في معتقلات النظام الرأسمالي محاصرة باللوحات والإعلانات والإغراء والإلحاح والتحريض الإشهاري على مداومة الاستهلاك،  فكلما نَطّ قرد فرحاً بما اقتناه من جديد الموضة، إلا و مَغْنَطْتُه الآلة الإنتاجية بجيل جديد من البضائع يصيبه بلوعة التغيير، وهكذا يواظب القرد التائه على الاستهلاك، فهو يشتري و يشتري، بل يتناغَص في طوابير اللهف لاقتناء الموضة الجديدة، كما هو الحال في طوابير نيويورك عند عرض جيل جديد من الآيفون، أو بصورة ميكروية مثيرة للشفقة، تلك الطوابير التي نشاهدها كل جمعة أمام أسواق بيم في المغرب لاقتناء بضاعة المهند و لميس! كم من القرود تكدح وتشقى طيلة الأسبوع لترمي بأجرتها في حانات الدردشة و"الفرفشة"، بينما عوائل تكابد الجوع و العراء؟ أمام تفشي حمى الاستهلاك هذه، قامت بعض المجتمعات الثائرة بتلقيح قرودها ضد النظام الرأسمالي، فحاربته بالعقائد عن طريق جهاد النفس، ومنها من رفع السلاح في وجه الإمبريالية الرأسمالية، و منها من تسلح بالإيديولوجيات المناهضة للرأسمالية، كما هو الحال في عدد من دول أمريكا اللاتينية وكوريا الشمالية؟ فحتى في المجتمعات الرأسمالية نفسها، و أمريكا بالتحديد، رفضت بعض القرود نظام الاسترقاق، فخرجت تقتات من صناديق القمامة على الرغم من مطاردتها من طرف السلطات المحلية، و هذا النوع من القرود يُعرف بالقرد الفْريجِني(freegan)، إذ يعتقد هذا القرد "القُمامي" أنه من العبث أن تقوم مطاعم مانهاتن برمي فائض الطعام و الخضر والفواكه في أكياس بلاستيك قصد الإتلاف بينما يقبع الأمريكي البسيط في أحزمة البؤس، ينتظر بطاقة الدعم التي لا تتجاوز قيمتها خمسمائة دولار شهريا، كما أن قدماه لا تستطيع أن تطأ باب مثل هذه المطاعم.  كيف ترمي القرود الغنية بقايا الطعام في المزابل، بينما يعاني 786 مليون قرد على وجه هذا الكوكب من المجاعة حسب إحصائيات مؤسسة "الطعام أولا"(IFDP)؟ كيف تعيش قرود في أبراج عالية، تتنعَّم بعطلها في جنات الترفيه، وهي تتعامى وتتجاهل معاناة القرود الجائعة التي تتسوّل في العراء من أجل ما يسد الرمق. أهذا هو النظام العالمي الذي تتشدق به القرود المتحدة؟ هو نظام يساهم حتى الآن في تعميق الفوارق الاجتماعية على جميع المستويات، في التعليم والسكن و التطبيب و التغذية والشغل. وفي السياق ذاته، يتحدث كيفين بايلز في كتابه "اقتصاد العولمة والعبودية الجديدة" عن سبعة وعشرين مليونا من القرود العبيد، وهذا عدد يفوق سكان كندا، يعملون ليل نهار لفائدة الشركات متعددة الجنسيات في صناعة الفحم بالبرازيل، و صناعة "الياجور" بالباكستان، و الفلاحة بالهند، بل حتى في الولايات المتحدة و بريطانيا، تشتغل بعض النساء و القرويين في معامل بأبواب موصدة تحرسها نواطيرُ مسلّحة. تتجلى هيمنة النموذج الرأسمالي عبر العالم من خلال تسويق النموذج الناجح، إذ تُسلِّعه في إطار نمطي، مما يفسر لهفة قطعان القرود وضَغْثِهم نموذج التسلية والرفاهية بقيم النجاح: ألم تتحول رموزنا من قدوة الاختراع والإنتاج إلى أصنام الاستهلاك؟ من يُقتدى به الآن في مجتمع القرود؟ هل هم المفكرون والعلماء والمخترعون أم نجوم السينما و الموسيقى وكرة القدم؟ دليلُك عزيزي القارئ نجوم إشهار اليوم: أنظر كيف يتلاعب القرد الساحر ميسي بمشاعر القرود مغربية المنشأ؟ألم تشرّد الآلة الرأسمالية الملايين من القرود المنسية، كما اعتبرتها أمم القرود المتحدة أضرارا تبعية غير مقصودة(collateral damage)؟ أليس هذا ما يستنفر بعض المجتمعات في مختلف بقاع العالم نحو تعبئة قرودها ضد هيمنة النظام الرأسمالي؟ فلنأخذ على سبيل المثال قرود فينزويلا والأرجنتين والأوروغواي وكوبا و بوليفيا التي أطلقت متحدة معا محطة إعلامية سنة 2005، تحت عنوان (Telesur)، أي محطة الجنوب، وذلك لإبلاغ صوت قرود القاع، فتعالت الأصوات بين القرود اللاتينية للحد من زحف النظام الرأسمالي، كما أسست فنزويلا لوحدها 200 محطة إعلامية أهلية قصد ترسيخ العقائد الاشتراكية المضادة للهيمنة الرأسمالية في مخيال القرود. أتذكر عزيزي القارئ أن هذه المجتمعات هي التي ولّدت قِرْدَة فطِنة ثائرة كوبية، صرخت في وجه الغوريلا الإسرائيلي خلال إحدى اجتماعات الجمعية العامة، فاتهمته بالهرطقة و تزييف تاريخ المحرقة اليهودية بهدف دغدغة مشاعر الحاضرين، و استمالة أصواتهم؟  بالله عليكم، دُلّوني أين أجد قردا عربيا فحلا يقف موقف القِرْدة الكوبية؟ ألا تشاهدون شطحات القرود العربية، وهي تترنّح من سكر أنغام إمبراطورية هوليود؟ أبهذه القرود الضائعة الشاردة في متاهة الاستهلاك تريدون تحرير القدس؟ آه وآه كم أنتم حالمون!؟ ذ، محمد معروف ، جامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    المثبتات الاجتماعية للأفكار وللمطالب السياسية

    عالم الطبيعة هو الأصل و هو الملهم للعالم الإنساني الثقافي، يمده بالأفكار و بالأساسات التي يمكن أن تكون أرضية لاختراعات جديدة في العلم و لتأويلات جديدة في عالم الثقافة و الاجتماع. يساعد فهم عالم الطبيعة على فهم عالم الثقافة و يمكِّن من تغييره. خلال قراءتي لأحد المقالات العلمية في البيولوجيا الحيوانية، تعرفت على نوع من الباكتيريا يساعد الحيوانات البحرية على التزود بالغذاء وذلك بتثبيته للكاربون و النيتروجين حتى تتمكن هذه الحيوانات من الاستفادة منه. بدون هذا النوع من البكتيرتا يبقى الكاربون و النيتروجين غير قابل للاستهلاك و يضيع في الفضاء المحيط. الفكرة التي يمكن أن نستفيد منها لفهم عالم الثقافة، طبعا مع الاعتبار التام للفارق بينهما،  هي أن بعض الأفكار و المطالب تبقى دون تأثير فعلي في الواقع إلا إذا تم تثبيتها فعلا بواسطة مؤسسات، أفعال و حركية سياسية على أرض الواقع.  نضيف مثالا آخر، فالسكر في الدم يحتاج، ليكون فاعلا و مفيدا للجسم، للأنسولين ليتحول إلى مادة مغذية للخلايا.قام الكثير من المفكرين بالبحث في الكيفية التي تصبح بها بعض الأفكار أو الأيديولوجيات مهيمنة وربطوا تلك الهيمنة بميادين الصراع و حرب المواقع [غرامشي] و بتحكم البنيات و دور المؤسسات، قمعية كانت أو أيديولوجية، في تثبيت الأفكار السائدة و المهيمنة [ألتوسير]. كما ربط فوكو بين السلطة و المعرفة و أكد على حقيقة أن كل سلطة تسعى إلى الترويج لمعرفة تثبتها و تدعمها و تساعدها على الاستمرار في الهيمنة على المجتمع. ارتبط تثبيت الأفكار في عقول الناس بالصراع و بالترويج لنوع من المعرفة عبر المؤسسات و بالرغبة في تحقيق الهيمنة. نضيف إلى هذه المراجعة السريعة فكرة المقاومة التي لم ينتبه إليها فوكو من حيث أن قوى سياسية أخرى قد تقوم بنفس العمل الذي تقوم به النخبة الحاكمة من حيث الترويج لأفكار معينة و إدارة الصراع من مواقع فاعلة. كما نضيف تأكيدا على جانب الإرادة الإنسانية في مقاومة التحكم التي لم يعرها ألتوسير أي اهتمام بسبب مقاربته البنيوية.ما نشاهده اليوم من تطورات سياسية منذ اندلاع الربيع العربي و أفوله يشهد على وجود صراع و محاولات تثبيت لأفكار معينة تساعد الطرف المروج لها على الاستمرار في الهيمنة و المُسائل لها على الاستمرار في التحدي و المقاومة. تقوم النخبة المهيمنة بالترويج لأفكار معينة كضرورة دعم الاستقرار السياسي، و تحاول تثبيتها بتشجيع المطالب الاجتماعية و تجريم المطالب السياسية، و تشجيع الإنسان العادي على التعبير و الاحتجاج في حدود معينة. يتم دعم و تثبيت فكرة الاستقرار و ضرورة الحفاظ عليه عبر اختزال المطالب و حصرها في ما هو اجتماعي و الاستماع للإنسان العادي و لمطالبه. منذ الربيع العربي، تحاول النخبة السياسية ضرب السياسي المثقف و تشجيع الإنسان العادي غير المسيس لأن مطالب هذا الأخير تبقى في حدود المتحكم فيه و يسهل على النخبة تضليل هذه الشريحة على أساس أنها جماهير غير منظمة. يمر تثبيت الفكرة عبر التواصل المباشر بين السلطة و المواطن العادي، أو عبر المنع و الترخيص، التجاوب و التضييق، كل حسب السياق و في إطار رسم واضح للحدود و للخطوط الحمراء التي يستبطنها الإنسان العادي و تصبح لسان حاله.الاستقرار شيء محمود و مرغوب فيه، لكن ليس كل الفرقاء يقبلون ثمن الاستقرار. يروج المقاومون للاستقرار بدون شروط لفكرة مضادة ترفض الاستقرار بدون تنمية و ديمقراطية. عندما يحتج المروجون لهذه الفكرة [في الريف مثلا] تُنعث مطالبهم بالسياسية و تحارب على أساس ذلك لأنها تثبت فكرة مضادة تقوض سلطة النخبة الحاكمة. عندما أصبح تثبيت الفكرة المضادة واقعا في الريف تدخلت المؤسسات القمعية كما يسميها ألتوسير [البوليس و القضاء]. لكن الصراع لم ينتهي و إن سكنت عواصفه. تم خلق فكرة أخرى تدعم سلطة النخبة الحاكمة و تؤسس من جديد لمشروعيتها، و هي فكرة المسؤولية و المحاسبة لمواجهة الفساد الذي أدى إلى أزمات أحرجت النظام السياسي. فكرة تم تثبيتها بإقالة وزراء و سياسيين كبار و أعوان سلطة من ولاة و عمال. كان التثبيت ناجحا إلى حد ما و حققت الفكرة شعبية كبيرة أعطت للنظام مشروعية أكثر لمحاربته فساد بعض المسؤولين. لم تكن هناك مقاومة فعلا لفكرة ربط المسؤولية  بالمحاسبة، بل فقط لانتقائيتها في تحديد المستهدفين.جاءت أحداث جرادة لتخرج الجماهير في احتجاجات غضب ضد الظروف القاسية للحياة و غياب التنمية في المدينة. فكانت الفكرة المنقذة هي أن التنمية هي الحل. تم الترويج لفكرة ضرورة التنمية كجواب عن الفاجعة و تم بذلك تثبيت الفكرة الأصلية التي أشرنا إليها فيما سبق و هي فصل المطالب الاجتماعية عن السياسية و دعم فكرة الاستقرار و تشجيع الجماهير غير المنظمة على التعبير و الاحتجاج و إعطاء الإنسان العادي الفرصة للتعبير و إسماع صوته، و تجريم المطلب السياسي و تهميش السياسي المثقف.إن الصراع بين الفرقاء السياسيين من أجل البحث عن الهيمنة هو شيء عادي في السياسة، لكن ما يثير الانتباه و بعض القلق هو الاعتقاد في أن الجماهير لا صوت سياسي حقيقي لها و أنه سهل تضليلها و السيطرة عليها و أن السياسي المثقف هو عدو للسلطة القائمة و أن المطالب السياسية خطر على الاستقرار. إن تثبيت بعض الأفكار من طرف السلطة الحاكمة من أجل الهيمنة و إن كان ناجحا في الوقت الحالي، قد يؤدي مستقبلا إلى نتائج لا يمكن التحكم فيها، و قد يخلق وضعا لا يمكن السيطرة عليه سواء من حيث الثقافة و الواقع السياسي. لقد حذرت غياتري سبيفاك [في سؤال ربما استنكاري: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟] من عدم تمكين التابعين من التعبير عن أنفسهم. الآن و قد تكلم المهمشون و المتضررون من غياب التنمية، هل ستعمل الدولة على تثبيت فكرة التنمية بعيدا عن الشرط الديمقراطي؟ و هل سيقبل السياسي المثقف بالتهميش أم سيحاول تثبيت فكرة الترابط الضروري بين التنمية و الاستقرار و الديمقراطية؟ طبعا فالأفكار بدون تثبيت هي أفكار لا قيمة لها، أو هكذا يبدو الأمر. أستاذ باحث/ جامعة أبو شعيب الدكالي

  • ...
    رؤساء جامعات بدون مشاريع حقيقية

    تنص المادة 15 من القانون 00-01 المنظم للتعليم العالي على ما يلي: "يُسيّر الجامعة رئيس لمدة أربع سنوات، يُختار بعد إعلان مفتوح للترشيحات من بين المترشحين الذين يقدمون مشروعا خاصا لتطوير الجامعة.. ويمكن للرئيس الذي انتهت مدة انتدابه أن يترشح لمرة ثانية وأخيرة".والمشروع الخاص لتطوير الجامعة هذا والذي يقدمه المترشحون من أجل مباراة شغل منصب الرئيس هو وثيقة بمثابة تعاقد صريح بين المترشح الفائز بالمنصب والجامعة المعنية بالأمر، والذي على أساسه يتم تعيينه رئيسا لمدة أربع سنوات، يعمل خلالها على تنفيذه وأجرأته.ويرتكز مشروع تطوير الجامعة على مجموعة من المحاور المتعلقة أساسا بمجال الحكامة والبحث العلمي والتكوينات.. تتضمن أفكارا وإجراءات وأهداف، يُفترض أنها نابعة من تشخيص دقيق وحقيقي للواقع وقابلة للإنجاز من أجل تطوير وتنمية الجامعة.للأسف الشديد، تبيّن منذ بداية تطبيق الاصلاح سنة 2002 أن جل المشاريع الخاصة لتطوير الجامعة، والتي يقدمها المترشحون ترتكز بالأساس على طموحات شخصية ومهنية، وأن الهدف من بلورتها وإعدادها هو الفوز في المباراة والوصول إلى الكرسي.مَن منا لا يتذكّر الفضيحة المجلجلة التي انفجرت سنة 2003، والمتعلقة بتطابق مشروع رئيس جامعة شعيب الدكالي ومشروع رئيس جامعة عبد المالك السعدي (copier-coller)، والتي كانت موضوع سؤال في البرلمان؟ومَن منا لم يسمع عن رئيس سابق بجامعة القاضي عياض عندما قال أمام أعضاء مجلس الجامعة أن المشروع الذي قدم في ترشيحه لن يعمل به، وأنه قدم هذا المشروع فقط لان القانون ينص على ذلك؟ومَن منا لا يعرف جيدا أن العديد من المترشحين لشغل منصب رئيس جامعة (أو منصب عميد كلية) يلجؤون إلى مكاتب دراسات للحصول على مشاريع جيدة بالمقابل؟والغريب في الأمر، هو غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ كيف يعقل أن يقدم رئيس جامعة مشروعا قد يكون طوباويا، ويسيّر جامعة لمدة ثمان سنوات، ثم ينصرف دون مساءلة ومحاسبة؟لقد أن الأوان لأن يكون على رأس الجامعات العمومية رؤساء أكفاء يتوفرون على كل مقومات القيادة، رؤساء قادرين على الدفع بالجامعة العمومية إلى الأمام، ولديهم مشاريع حقيقية يؤمنون بها حقا ويحرصون على تنفيذها، وليس رؤساء همهم الوحيد والأوحد هو الوصول إلى الكرسي بمشاريع زائفة ومنتحلة، والسعي لضمان ولاية ثانية عبر تلميع صورتهم وخلق مجالس على المقاس ولوبيات للدفاع عنهم، كما هو حال جل الرؤساء الحاليين، من ضمنهم رئيس جامعة شعيب الدكالي.بالنسبة لتلميع صورة رئيس جامعة شعيب الدكالي، جدير بالذكر أن أول تعيين قام به بعد تحمله المسؤولية هو تعيين أستاذ بكلية الآداب مكلف بالتواصل.. ومع مرور الأيام، تبيّن أن التواصل الذي يقوم به سعادة الأستاذ ويتقاضى من أجله تعويضات من ميزانية الجامعة، هو تلميع صورة الرئيس عبر نشرة "أخبار الجامعة newsletter"، وصفحة بالفايسبوك.. وبنظرة سريعة على هذه النشرة أو هذه الصفحة، يمكن للمتصفح أن يلاحظ هذا الكمّ الهائل من الصور التي يتم التقاطها للرئيس في كل المناسبات، خاصة مع شخصيات دبلوماسية أو حكومية.في نشرة "أخبار الجامعة newsletter" الأخيرة، والتي توصّل بها جل الأساتذة الباحثين عبر بريدهم الالكتروني، توجد صورة للرئيس إلى جانب السيد ياروسلاف كوفال سفير أوكرانيا، في مكتبه بالرئاسة. لكن ما لا يعرفه الرأي العام ولم يتكلم عنه أستاذ التواصل في نشرته هو أن الرئيس استقبل السيد السفير بعد أن ألقى عرضا تحت عنوان "علاقات التعاون بين المغرب وأوكرانيا" بالكلية متعددة التخصصات لم يحضره الرئيس  بنفسه، ولا أي رئيس مؤسسة جامعية، ولا أي نائب عميد أو نائب مدير، ولا أي رئيس مختبر من مختبرات المؤسسات الجامعية، ولا أي طالب باحث بالجامعة، بل حضر فقط عميد الكلية بالنيابة ونائبه، وبعض الأساتذة الباحثين بالكلية متعددة التخصصات لا يتعدى عددهم خمسة أساتذة وأستاذة باحثة واحدة من خارج هذه الكلية، حضرت عن طريق الصدفة.. عن أي تواصل يتكلمون؟أما في ما يتعلق بالتدخل السافر للرئيس في عملية انتخابات هياكل الجامعة، والمدافعين الأشاوس على سيادته داخل أسوار الجامعة، فهذا موضوع سنعود إليه بالتفصيل، حيث لا حديث بين الأساتذة الباحثين والموظفين بمختلف المؤسسات الجامعية إلاّ عن هذا الموضوع..في الأخير، إذا كان من حق الرئيس أن يترشح لولاية ثانية ولا أحد يجادله هذا الحق، وإذا كان من حقه أن يستعد لهذا الترشيح بالطريقة التي يراها مناسبة، فمن حقنا نحن كذلك أن نتساءل أين مشروع تطوير الجامعة؟ ماذا عن البحث العلمي والحكامة الجيدة بالجامعة؟ ماذا عن المشاكل التي يتخبّط فيها السادة الأساتذة الباحثين والموظفين؟ أليس من المفروض أن يكون نائبه المكلف بالبحث العلمي في مكتبه بالرئاسة، للقيام بالمهام المنصوص عليها في المادة 13 من النظام الأساسي للجامعة؟ ألا يوجد في جامعتنا أستاذ باحث واحد يمكنه أن يقوم بمهمة عميد كلية العلوم بالنيابة، عوض تعيين نائب الرئيس المكلف بالبحث العلمي للقيام بهذه المهمة؟ أليس هذا التعيين دليلا على أن البحث العلمي بالجامعة لا يدخل ضمن اهتمامات الرئيس؟إن جامعتنا السيد الرئيس، بحاجة إلى تكريس حكامة جيدة وإلى تطوير وتشجيع البحث العلمي بها، وإدماجها في محيطها السوسيو اقتصادي، وأن تصبح قاطرة للتنمية بجهة دكالة، وليست بحاجة لنائب رئيس شبح، وأستاذ يتقاضى تعويضات من ميزانية الجامعة مهمته تسويق وتلميع صورتك أنت وليست صورة الجامعة.ذ. غريب عبد الحق كلية العلوم بالجديدة

  • ...
    ديمقراطية البؤساء بالمغرب؟

    يعتبر المجال العام، وفق يورغن هابرماس، من أهم أركان الممارسة الديمقراطية الحديثة، إذ يتألف من نخب سياسية محنكة وصحافة نقدية مستقلة ومواطنين مهتمين بالشأن العام، و في عرض حديثه عن هذا المجال، يتبين أن تطبيق المبادئ الديمقراطية يتمحور حول شروط لازمة أولية لهذا المجال، يمكن اختصارها في ما يلي:  - وجود دولة قومية- وجود حدود جغرافية فيزيائية- وجود مواطنين مخلصين أوفياء لوطنهم- وجود فضاء لساني مشترك - وجود صحافة نقدية مستقلة- سيادة الحصافة و العقلانية في ثقافة المجتمع- وجود نخب سياسية مواطنة مؤطرة- وجود حكومة تعتمد مقاربة تشاركية، ذلك لأن السمة الأساسية للمجال العام، تكمن في تأثيره في القرار الحكومي.  تعتبر هذه المقومات السمات الأساسية التي تميز النظام الديمقراطي عن غيره، كما تضع اللبنات الأولى لإنتاج مجال عام قوي، قد يشكل حلبة صراع بين جميع أطياف المجتمع ومشاربه السياسية، لكن السؤال الذي يقلقنا في هذا السياق هو:  هل كان المنظر هابرماس يصمم مجالا عاما يشمل الممارسة الديمقراطية في مختلف تجلياتها، أم هو تصور محلي ينبثق من دولة قومية تاريخية نشأ بها صاحب النظرية ؟  ونضيف سؤالا آخر، قد يخامر فكر القارئ: هل تحاكي مجتمعات الحاضر المجال العام الهابرماسي الذي دأب على تأثيث الفضاء الديمقراطي بحوارات عالمة ونخب سياسية متمرسة وصحافة نزيهة تنتقد السلطة الحاكمة و تجاهرها بالحقيقة؟ لقد كتبنا بالأمس عن مجتمعات القرود وديمقراطية الفرجة، فحاولنا تسليط الضوء على أقنعة الإعلام النخبوي، حيث لا يستطيع هذا الأخير أن يشكل مجالا عاما مستقلا، نظرا لأن من يمتلك الشركات الإعلامية العملاقة، لا يهمه العمل الديمقراطي  بقدر ما يهمه الربح المادي و شراء الزبناء، وبيعهم للشركات الإشهارية، و مداهنة مصادر المعلومات التي تتمركز في يد الحكومات، و هكذا يوجد الإعلام التجاري والعمومي معا بين مطرقة السوق و سندان الدولة، فهو يقع تحت سيطرة قوى السوق التي تتحكم فيه عبر الإدماج الأفقي والعمودي، كما يخضع لمقصلة المراقبة والقوانين والمساومات الحكومية، خصوصا لما يتعلق الأمر "بالقضايا المصيرية".  إنه إعلام النخب التي تعتبِر نفسها سلطة أبوية في إذاعة المعلومة، و تنصّب نفسها معلما لقطعان الجماهير المستهلكة، حيث تسٓوّق الديمقراطية في قالب فرجوي و برامج ترفيهية، يلتهمها القطيع على الشاشات، اعتقادا منه بأنها الحقيقة الواقعية دون أي تفاعل إيجابي أو تواصل متنوع، على النقيض من ذلك المجال العام البورجوازي الذي احتضنته مقاهي وصالونات القرن التاسع عشر. أليس هذا الإعلام المتلفز والمرقن أحادي التواصل هو من يصنع تمثلات الرؤساء و يزود القطيع بمخيال السلطة و الحكم، كما يلمع صورة مرشح و يبشّع آخرى؟ هل يعلم قطيع المشاهدين أن تخديرهم بأوهام الصور، تعد صناعة إبداعية تصرف عليها الملايير لتحقيق  مصالح النخب الاقتصادية ومكاسبها السياسية، إذ تسعى من وراءها شركات وحكومات و لوبيات ضغط للتحكم في مصائر الشعوب بغض النظر عن طبيعة الأنظمة السياسية؟ انظروا ما يقع في الولايات المتحدة من تدخل لهذه اللوبيات في اختيار الرؤساء، و كيف تمارس الشركات العملاقة، والمنظمات الدولية، و الحكومات ضغطها لاختيار رئيس دون آخر؟ و آخر مثال عن هذا العبث المنظم هو اختيار ترامب الذي سوقته الآلة الدعائية بأنه رجل المرحلة، فانساقت القطعان الأمريكية وراء الرجل منخدعين بشعاراته الطنانة التي يتعَنْفَص بها " سنفوز ونفوز و نفوز ونفوز، حتى تقولون لي:'كفانا فوزا يا رئيس!'"، بالله عليكم من يصدق هذا الكلام الأرعن سوى قطيع الممغنطين المنهومين بتصديق أوهام الصور و تقديس النزعة الأبوية في إذاعة المعلومة!           كم عدد الأنظمة السياسية الثالثية التي تماثل النموذج الهابرماسي أو تشابهه؟ لماذا، إذن تعثرت النسخة العربية للمنظومة الديمقراطية؟ ولماذا عزفت بعض دول أمريكا اللاتينية عن النموذج الرأسمالي الهابرماسي، حيث لجأت إلى تطوير نماذج اشتراكية ديمقراطية جديدة في إطار ما يعرف اليوم "بالبينك تايد"(Pink Tide)؟ كيف يمكن توفير البنيات الداعمة للمنظومة الديمقراطية بين عشية وضحاها في عالم متخلف، بينما أنتجتها الآلة الرأسمالية في أوروبا على مدى قرون؟  ماذا يحدث اليوم في الهند على سبيل المثال؟ هل تتوفر على صحافة مستقلة، ونخب سياسية مؤطرة تمكنها من إرساء قواعد الحوار العام؟  تعتبر الهند البلد الوحيد عبر العالم الذي يستقطب الملايين من الناخبين، جلهم من جماهير الفقراء، ويتم اختزال الأداء الديمقراطي في عملية الانتخابات التي يبرم عقدها بين الساسة والفقراء، بينما تشتكي الطبقات المتوسطة المتعلمة من الإقصاء والتهميش، حيث لا يحظى رأيها بأي اعتبار، مادام تنشيط المجال العام و تأطير الجماهير وتوعيتها مفقودا. تقوم الطبقة السياسية باستغلال فقر ملايين البؤساء وجهلهم السياسي، فيسقطون لقمة سائغة في يدها لتحقيق مكاسب سياسية، وغالبا ما يحدث هذا عبر انتخاب سواد الفقراء للنخب السياسية دون الحاجة إلى المرور عبر أي مجال عام حقيقي يعكس التجاذبات والمناقشات السياسية، مما يقصي حتما المساهمة الممكنة للطبقات الوسطى المتعلمة في بلورة الرأي العام السائد، وهكذا تُنَمْذِجُ الانتخابات الهندية المشهد السياسي على شكل تعاقد بين فقراء البلد وأغنيائه، ينتهي بانتهاء الانتخابات، وفوز الأغنياء، ثم عودة قطيع الفقراء ليلتصق بمقاعده أمام شاشات التليفزيون، يتفرج على باقي فصول المشهد السياسي.  أليس هذا ما يحدث في المغرب؟ و كأننا لا نتماهى مع أفلام هندية فقط، بل نعيش ديمقراطية هندية بامتياز! هل يتوفر المغرب على نخب سياسية قوية تؤطر المجتمع إيديولوجيا وتتوفر على رؤى مستقبلية و برامج مدروسة؟ ما هي الآليات التي تستخدمها الأحزاب في استقطاب قطعان الناخبين؟ وتتناسل الأسئلة المبدئية في هذا المضمار حول العملية الديمقراطية بالمغرب، لتصل إلى عملية الانتخابات: من ينتخب في المغرب؟ هل هناك دراسات دقيقة حول هوية الناخبين و دوافع اختياراتهم السياسية؟ هل يتوفر المغرب على ناخب مضطلع على إحصائيات الدخل القومي ونسب البطالة ومهام المؤسسات التشريعية و التنفيذية، وكيفية تخصيص الميزانيات وصرفها، وأدبيات الأحزاب وبرامجها؟  لنكن صرحاء مع بعضنا البعض: ألا يتم تجييش قطعان من الناخبين إبان الانتخابات وهم لا يحيطون حتى بجغرافية بلدهم؟  ألا تتفقون معي بأن الانتخابات في المغرب تشكل تعاقدا كاثوليكيا بين أحزاب مشخصنة في أسماء معروفة  في دوائرها الانتخابية وقطعان من البؤساء يصوتون لملأ البطون أو من أجل وعود غودوية (نسبة إلى غودو)، أو انطلاقا من نوازع عقائدية أو أخلاقية؟ أين هي الطبقة الوسطى المتعلمة التي تشمل التقنيين والكوادر والأساتذة و الأطباء والمهندسين و غيرهم من الطلاب والمتمدرسين؟ كم من هؤلاء ينزلق إلى لوائح الترشيح باسم الأحزاب أو إلى صناديق الاقتراع؟ لماذا أصبحت الطبقة الوسطى في المغرب تشكل كثلة صامتة، تقاطع الانتخابات و تتقوقع في مواقع سلبية تتفرج من خلالها على عتمة المصير؟ ما هذا الخليط الهجين للأداء الديمقراطي؟ ليست العبرة باستبدال صناديق الخشب بصناديق شفافة، ثم الحفاظ على دكاكين حزبية تفتح أبوابها فقط أيام الانتخابات، فتبرم صفقات تجارية مع قطعان لا تدرك مغزى التصويت وسطوته ، ذلك لأنها قفزت من مقاعد المشاهدة التلفزية إلى صناديق الاقتراع دون المرور بمجال عام يُقعّد للأداء الديمقراطي، و يخلق الأجواء السياسية الصحية التي تصنع اللاعب السياسي والناخب معا؟ أين هو المجال العام بالمغرب؟ هل يمكن اختزاله في  مجتمع مدني متعثر؟ هل يحظى المغرب بإعلام نقذي مستقل قادر على المساهمة في صنع القرارات الحكومية؟ كيف يمارس المواطن المغربي ضغطه على الحكومة؟ أليس غياب المجال العام هو ما أدى بعدة دول إلى الاقتتال حين انهارت أنظمتها السياسية؟ أليس غياب المجال العام بالمغرب هو ما يبعثر الناس في الشوارع من التغريد إلى الاحتجاج؟  تنهار الأنظمة، لكن تستمر الدول إذا توفرت على مجال عام قوي يحتضن الاختلاف ويحتويه، ويخلق مناخا سياسيا نقديا يؤسس لتسامي العنف وإعادة صقله في ثقافة المحاسبة و المقاربة التشاركية في بناء الوطن.   إن المجال العام ليس حكرا فقط على النخب المتعلمة والمثقفة، كما جاء في البداية على لسان هابرماس الذي اشترط توفر مبدأ العقلانية التي ظلت حكرا على الطبقات البورجوازية المتعلمة، وبالتالي فالمجال العام بهذه المواصفات يقصي قطعان الكادحين في المجتمع، بل هناك مراجعات من طرف هابرماس نفسه، ونقاد آخرين يقرون بدينامكية هذا المجال و حركيته على أساس علاقات القوة بين الأفراد والجماعات، فهو مجال متنوع مليء بالمتناقضات، ليس بالضرورة متجانسا، لكنه متماسكا يحتوي تضارب الآراء وصدام المصالح، وهذا ما يجعله حصنا متينا مؤثرا في القرار السياسي، و درعا واقيا من نشوب أزمات عقائدية وحركات متطرفة عنيفة تسعى إلى الانقضاض على الحكم. يشكل إعلام المواطن اليوم إعلاما بديلا عن الإعلام الرسمي الذي تم تسليعه من طرف القوى الاقتصادية، هذا بالرغم أن المواقع الاجتماعية التي ينشط فيها المواطن تخضع هي الأخرى لإيديولوجية السوق. وتتحدث الأبحاث الأكاديمية عن المواطن الشابكة (Netizen) الذي يتخذ من المواقع الاجتماعية منابر لمخاطبة السلطة و مجاهرتها بالآراء والأفكار والقناعات السياسية التي يؤمن بها، فهل تشكل هذه المنابر نواتا لمجال عام قادم بالمغرب، خصوصا لما تتوالى الأحداث من الفايسبوك إلى الشارع، وترتج رجالات السلطة من مواقعها، و ترتجف القرارات الحكومية، هذا بالرغم من الكلفة التي قد يؤديها نشطاء الفضاء الأزرق في السجون؟ على الرغم من قوة الفضاء الأزرق في تدويل المعلومة وتنوير المواطن، إلا أنه لا يشكل مجالا عاما مثاليا لترسيخ مبادئ الديمقراطية، إذ يظل حلا ترقيعيا أمام غياب المجال العام الحقيقي. يعاني المجال العام الافتراضي بالمغرب من ضعف التمثيلية الاجتماعية نظرا لقلة الإمكانيات وانتشار الأمية الوظيفية، كما يعاني من تشتت الآراء وتشرذمها، مما يزيد في بلقنة الأداء السياسي، كما أن هذا المجال لا يخضع حاليا لسيطرة نخب مثقفة أو ما يطلق عليهم بأمناء المعلومة (gatekeepers) ، فهو مجال مفتوح على جميع الآراء الواردة من جميع أنحاء العالم،  وعلى متدخلين مجهولي الهوية والمقاصد، لا تحكمه سلطة مركزية، ولا حدود جغرافية، وهكذا قد تتلاشى بين أحضانه الولاءات المحلية وتضيع مركزة السلطة وتتمزق الآراء، وبالتالي قد ينزلق الأداء السياسي نحو المجهول؟   و في الختام، نتوقف لنتأمل ما بعد تقرير المديرية العامة للجماعات المحلية التي نشرت أرقاما صادمة عن المستوى التعليمي لأعضاء مجالس الجماعات الترابية، هذا مع العلم أنه كان ينبغي على المديرية أن ترفق هذه الأرقام بأرقام أخرى تحصي قطعان الناخبين الأميين الفقراء الذين يتعاقدون مع الجلاد السياسي الأمي لتحقيق مكاسب ظرفية.  إذا كان هابرماس يشترط في الأداء الديمقراطي المستوى التعليمي المتقدم والوعي السياسي الثاقب، نحن نشترط تفطين الناخب المغربي، في انتظار تشكيل مجال عام مؤطر له، عبر تدريبه في سياق مؤسساتي، فكما تشترط الدولة في السائق حصوله على رخصة سياقة، فكذلك يجب على الناخب و المرشح معا أن يستكملا تكوينهما على المواطنة في إطار تدريب مؤسساتي و اضطلاع اقتصادي وتكوين رأي سياسي حول الإيديولوجيات والبرامج، وهكذا لن يترشح  أحد أو يصوت ناخب إذا لم  يستوف شروط "رخصة التصويت أو الترشيح"، تسهر على إعداد بنودها جامعات ومعاهد متخصصة، كما تراقب هذه المؤسسات المستقلة عملية تأطير الناخب و المرشح من طرف الأحزاب التي توضع هي الأخرى أمام مسؤوليتها في تأطير المواطن، و تطالبها الدولة بكوتا في التكوين قبل السماح لها بالمشاركة في الانتخابات. و هذا ما قد يؤدي إلى إعادة هيكلة معظم الأحزاب في أقطاب تحقق التجاذب السياسي المطلوب عوض البلقنة والتشرذم، و إلا فسنستمر في سياسة الإقصاء والمقاطعة السلبية و مباشرة ديمقراطية البؤساء برمي مناشير ومطويات في الأسواق الأسبوعية و الأحياء الشعبية، تدكها أقدام الأمية، و في أحسن الأحوال، قد  يصنع منها أطفال أحزمة البؤس لعبتهم المفضلة، تلك البواخر الورقية التي تطفو فوق "ضايات" الحي...   ذ، محمد معروف ، جامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    تساؤلات حول صفقة ب 148 مليون سنتيم لشراء عتاد معلوماتي بالمدرسة الوطنية للتجارة و التسيير بالجديدة

    تستعد المدرسة الوطنية للتجارة و التسيير بالجديدة لإقتناء تجهيزات و عتاد معلوماتي تقدر قيمته بحوالي 148 مليون سنتيم، إلا أن مجموعة من التساؤلات بدأت تجول داخل الأروقة الجامعية، حول الدوافع التي أضحت تُسَيَرْ بِها المدرسة الوطنية في ظل تعيين مديرة بالنيابة و مرشحة في نفس الوقت لنيل المسؤولية.إذ أن قيمة هذا الإستثمار ليست مخصصة لإقتناء حواسيب و معدات تكنولوجية يمكن حملها أو نقلها، و لكن تهدف إلى تثبيت نظام تقني معلوماتي يهم وسائل الإتصال بالأنترنت، (Fibre Optique) داخل البناية المؤسسة الجامعية مع العلم أنها توجد في ملكية الجماعة الحضرية للجديدة منذ أيام الرئيس الأسبق الطاهر المصمودي، لكن المثير للاستغراب أن حكومة جلالة الملك قد برمجت برسم مشروع قانون المالية لسنة 2018 إعتمادات مالية لتشييد و بناء مقر جديد للمدرسة الوطنية للتجارة و التسيير بالجديدة، بالمركب الجامعي مازاغان بجماعة الحوزية.هذا ويتسائل الرأي العام لماذا هذا البذخ و صرف هذه الأموال الطائلة ؟ هل فعلا ENCG بحاجة لFibre optique ؟ إذا كان ذلك فهل السير العادي متوقف داخل هذه المؤسسة ؟ أين الحديث عن النجاعة في التدبير من خلال عقد شراكات رابح-رابح مع مختلف المؤسسات العمومية و الخاصة ؟ ألا يتواجد المكتب الجهوي لشركة إتصالات المغرب على بعد أمتار قليلة من البناية ؟ ألا يمكن الإستفادة من Fibre optique  الخاص به ؟ أليس الأجدر إستثمار 148 مليون سنتيم في البناية الجديدة بالمركب الجامعي مازاغان ؟ أليست هنالك مؤسسات جامعية أخرى بحاجة إلى 148 مليون سنتيم لإستكمال أشغال متوقفة لسنوات (نعود لها لاحقا) ؟ هل يمكن القول على أن عقلية التسيير الحالي هي مبنية على ترضية الخواطر .إن مبدأ الحكامة الجيدة الذي نص عليه دستور فاتح يوليوز 2011، يؤكد على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، و لعل تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول مشروع الحسيمة لمنارة المتوسط، قد أتى بمعطى جديد، صحيح أن المسؤول لم يختلس أموالا و ليس بسارق أموال المواطنين أو خائن حتى لثقة جلالة الملك، لكن فشل التدبير و أثره في التسيير اليومي و الإستراتيجي على المدى البعيد أسقط أسماءا وازنة، فهل كان في ذلك موعظة حسنة لبعض المسؤولين الجامعيين ؟إن مسؤولية تمرير صفقة 148 مليون سنتيم، قد لا تتحملها المديرة بالنيابة لوحدها رغم دفاعها المستميت عنها، كون إعتقادها الخاطئ على أن المجالس الجماعية المتعاقبة ربما قد تتنازل بشكل كلي عن الوعاء العقاري لفائدتها، فإذا كان الرئيس السابق عبداللطيف التومي قد وضع رهن إشارة الجامعة بناية المركب الثقافي، فالأكيد أن المجلس الحالي و لا القادم سيسترجعها قصد الاستفادة منها أو تفويتها و بيعها كما هو الحال مع مجموعة من البنايات،، لهذا يبدوا جليا أن المسؤولية لا تتحملها لوحدها المديرة بالنيابة بقدر ما يتحملها مجلس المؤسسة الذي صادق على الصفقة ربما بالإجماع.حمزة رويجع  

  • ...
    مجتمعات القرود وديمقراطية الفرجة

     تشتهر اليوم جل المجتمعات الإنسانية بالاحتفاء بالديمقراطية و تقديس مفاهيمها، كما تشيد بأولوية ترسيخ ثقافة تشاركية بين الحاكم والشعوب المحكومة، كُلّها تعابير ومفردات توحي بأن الشعوب الآنية متحررة، قادرة على تقرير المصير، و التسيير الذاتي عن طريق الاقتراع الحر الشفاف النزيه، هذا ويتشدق عشاق الديمقراطية عبر الوسائل الدعائية الرسمية ببلوغ الشعوب اليوم مبتغاها، نظرا لاستطاعتها وضع ثقتها في من سيمثلها أحسن تمثيل ويرعى مصالحها عبر انتخابه... هذا و الله كلام جميل طنان غالبا ما نسمعه من الساسة أمام عدسات الكاميرا! لكن هل تمت ترجمته إلى أفعال على أرض الواقع؟ ما تعيشه المجتمعات الإنسانية في الغرب والشرق يفند تماما ما يرسمه لنا خيال السرديات الكبرى عن الديمقراطية، إذ ما يكمن اصطلاحه بالديمقراطية في المجتمعات الرأسمالية لا يزيد عن كونه مسرحية سياسية تتكون من نخب محنكة في عالم السياسة وقطيع من المشاهدين المتفاعلين، تهدف إلى التحكم في إرادة الشعوب وإخضاعها لشروط السوق الاقتصادية الرأسمالية العالمية.  إن الديمقراطية الرأسمالية اليوم "تبيع القرود و تتهكم على من يشتريها"، فمن من عاقل سيصدق أن هذا النظام الطوبوي جاد في دعاياته بتحرر الشعوب من الاستبداد و الكليانية، بينما تقوم الآلة الرأسمالية بطحن الأخضر واليابس يوميا من أجل البقاء؟ تأملوا معي مقارنة بسيطة بين الأمس واليوم! ماذا تغير؟ فعوض عصا الطاعة التي حملتها الأنظمة الديكتاتورية في الماضي، و التي مازالت قائمة في بعض الأنظمة العربية الشموليةً، استبدلتها الدولة الحديثة بنظام البانبتيكون و المراقبة الشاملة التي تنبني على دارسة الأفراد والمجتمعات، وهكذا سُخِرت علوم البيولوجيا والسيكولوجيا والسوسيولوجيا وغيرها من التخصصات لفهم الإنسان البسيط، حتى توصلت هذه المعارف العلمية إلى إدراك ماهيته وسلوكياته أفضل بكثير مما يتخيله هو عن نفسه. هل استُخدمت هذه العلوم في تطوير كفايات الإنسان البسيط ومعارفه إلى أرقى مستوى أم اقتصر تحصيلها على نخب نصّبت نفسها ممثلا عنه، إذ تحل محله في التفكير والتخطيط، فتمتح من هذه العلوم قصد التحكم في مصيره وتطويعه؟ لقد أصبحت الدولة الحديثة بصريح العبارة في غنى تام عن استخدام العصا لكي ترغم الشعوب "على أكل البطاطس". انظروا! كلنا والحمد الله "نأكل البطاطس"! بل طورت الشعوب "وصفات بالبطاطس" ! و المغرب رائد في "أكل البطاطس"!  كفانا نحن الشعوب عصا! ترى الدولة الحديثة في الغرب أننا الآن في حاجة إلى التطويع عن طريق حقننا بأفكار وقيم و معتقدات وتمثلات تؤطر المفهوم السائد للديمقراطية، فتصاحبنا معانيه منذ بدايات تنشئتنا عبر مختلف وسائل الإعلام و أقسام المدارس التي تدعم هذا التصور.   إن دور الإعلام في هذا السياق، ليس بسلطة رابعة تراقب الاعوجاج وتقومه، كما تنبأت بذلك مدينة هابرماس الفاضلة، ولكنه عبارة عن وسيلة دعائية استهلاكية تنشر الفرجة السياسية، و تنقل مسرحيات نخبوية، تطبل وتزمر من خلالها للصورة التي ترسمها النخب السياسية  الحاكمة، وهكذا على الرغم من ظهور العديد من المؤسسات الإعلامية بمظهر الانعتاق و التحرر من قبضة أجهزة الدول، يظل الإعلام في عمقه دعائيا ينتقي عبر مصفاته كل ما من شأنه دعم هيمنة إيديولوجيات الأنظمة على حد تعبير هرمان وتشومسكي، فينحاز الإعلام  لمؤسسات أقوى منه اقتصاديا وسياسيا، إذ تتحكم الدولة في مصادر المعلومة، كما تتحكم في أسلوب تواصلها مع الإعلام عبر إحداث مؤسسات ناطقة باسمها، هذا بالإضافة إلى استخدامها لاستراتيجيات أخرى، نذكر منها تخويف الإعلاميين بالمتابعات القضائية والسجون أو شراء ولاءاتهم، وتقديم الدعم المادي للمؤسسات الإعلامية المنحازة، وسن قوانين لفرملة الأصوات الإعلامية المعارضة و تكبيل أقلامها، ومساومة المقاولة الإعلامية بلعاب وعسل الإعلانات الإشهارية. متى كانت قطعان الشعوب الضالة وفق تشومسكي دائما تنعم بالولوج الحر إلى المعلومة؟ هل وظيفة الإعلام إشاعة الخبر أم تشويهه؟ لماذا يتم تسريب معلومات دون أخرى؟ ولماذا يتم هذا في ظروف تاريخية معينة؟ لماذا تحظى بعض المحطات الإعلامية بلقاءات صحافية دون أخرى؟  نادرا ما تجد صحافيا مرموقا ذائع الصيت دون أن يكون متزلفا عميلا للنظام القائم، ذلك طبعا لأنه يحظى بالتفرد بالأخبار، و يُمنح السبق في المعلومة واللقاءات التواصلية، مما قد يمكنه من صنع شبكة علاقات مصلحية داخل أجهزة الدولة.   ماذا عن دور المدارس في تكريس هيمنة النخب الحاكمة على عالم السياسة؟ هل تعتبر المدرسة في "العالم الديمقراطي" محطة تنوير أم آلة مغنطة و"تضبيع" للقطعان التائهة؟ على الرغم من تقدم العلوم والفنون في بعض المجتمعات، يظل السؤال الذي يؤرق الجفون، هل يستفيد القطيع الضال من هذه العلوم أم فقط يستهلك منتجاتها؟ قد يلج القطيع التعليم مجانا، لكن هل يتلقى تعليما ديمقراطيا؟ بمعنى آخر، هل تستفيد قطعان الشعوب من التعليم الراقي الذي قد تستفيد منه النخب الحاكمة؟ أليس تسليع التعليم، و تعليم البعثات، و التعليم في الخارج يمنح تفوقا للنخب وأبنائها، كما يجعلهم في صدارة المجتمع، وبذلك يعمق الهوة المعرفية بين النخبة و قطيع الشعب، كما يحافظ على استمراريتها في الحكم،  إذن ما دور المدارس والجامعات إذا لم تستقل بذاتها من مقصلة الدولة، وتكف عن لعب دور الدعاية و توزيع المعارف غير النافعة على باقي أبناء الفقراء؟  هل هذه هي المنظومة الديمقراطية الحقوقية المتخيلة؟ إنها تضمن للنخب احتكار العلم والسياسية والاقتصاد، فتتناسل النخب معرفيا وسياسيا، ويرزح القطيع تحت وطأة حكمها، يختار بين أعضائها؟ وحتى إذا قُدر لأحد من القطيع الانفلات من قبضة التضبيع في المدارس يصطدم بجدار الحجر الصحي، إذ يتم عزله و منعه من الاختلاط بالنخبة حتى يستسلم و يقدم فروض الطاعة والولاء، فإما إن ينسلخ عن جذوره، ويتنكر لها فيلبس قناع الزيف، و إما أن يتمسك بعضويته في القطيع، فينتحر، لأنه سيخوض معارك ضد جيوش النخبة، وهو أعزل منفصل عن القطيع الضال، و بالتالي إما أن يقتل، أوينفى أو يسجن أو في أحسن الأحوال يُتهم بالجنون.  يتضح لنا جليا أن نظام السيطرة الدعائية اليوم، يعتبر من أنجع طرق التحكم، ذلك لأنه لا يشتغل بمنطق العصا، ولكنه يعمل بميكانيزمات الإقناع والتكرار قصد استبطان القيم والمعتقدات والأفكار، فبعد تكاثر الكائن البشري وتناسله، أصبح من الصعب ملازمته بقرناء مراقبين عبر أنحاء العالم، لذا أتاحت العلوم الأكاديمية اليوم إمكانية ترويض القطيع وتخديره إن دعت الضرورة إلى ذلك عن طريق حقنه بخطابات وإيديولوجيات وتمثلات وخطاطات وفرجة ينشأ عليها منذ ولوجه المدارس، ثم سخّرت وسائلها الدعائية الأخرى لتقنعه بتنشئة جديدة على مبادئ الديمقراطية تتجلى في حرية الاختيار واحترام الحقوق،  لكن في إطار حديثنا عن النموذج السياسي الذي تقترحه الديمقراطيات العريقة والفتية معا، ماهي هذه الاختيارات الحرة في العمق؟ أليست تلك اختيارات مقيدة بوجود نخب في القمة تتبادل الأدوار فيما بينها، و باقي القطيع يتعب ويكدح طول النهار ليعود في آخر اليوم متعبا، ثم يشغل التلفاز ليتفرج على السّاسة، وهم يمثلون أدوار مسرحية يتخللها أحيانا التشابك بالأيدي دفاعا عن ما يسمى بحقوق القطيع.   ألستم متفقون معي بأن مسرحية الديمقراطية عبر العالم تأخذ طابعا فرجويا، حيث تتكون من نخب سياسية، دفعت بها ظروف تاريخية واقتصادية إلى قيادة المجتمعات، فاستمتعت بكعكة الحكم، و هي تنقسم إلى أنماط أوليغارشية متعددة، منها من جمع بين ثروة المال و ثروة السياسة، بينما بقيت قطعان الشعوب التائهة تتفرج من بعيد على مصيرها، وهو تسطره أقلام النخب المتعلمة في أرقى المدارس و تتبادل الأدوار فيما بينها لتحكمه. فلنأخذ مثال الفارس بيرلسكوني "التايكون" الإعلامي الذي استغل قنواته العالمية للترويج لحملاته الانتخابية، مما مكنه من الفوز برئاسة الحكومة الإيطالية لأربع مرات، وماذا عن دايفيد كاميرون و صديقه التايكون روبيرت مردوك الذي يمتلك شركات إعلامية عملاقة؟ هل هي علاقات بريئة أم تؤشر على وجود تحالفات سياسية في الكواليس بين رجال المال والسياسة؟ أين هي الرقعة المخصصة للقطيع في هذه اللعبة/ الفرجة السياسية؟ يظل القطيع التائه يقبع في المدرجات، يشاهد المسرحية السياسية عن بعد، ويتمتع بأدوار البيلاياتشو والكومبارس، وهنا أتحدث عن أولئك الذين قد ينفلتون من القطيع، وينسلخون عن جلودهم العضوية ليتسربلون بجلود مستوردة، ليست على مقاسهم، فيتعثرون فيها و يسقطون أرضا.   ومع اقتراب الانتخابات، يدخل القطيع حلبة الصراع، وتشاهده على خشبة المسرح، وهو يقوم بأدوار المساندة والاختيار، اختيار من؟ اختيار أحد أفراد النخبة الحاكمة، لا أقل ولا أكثر؟ وهكذا يصبح للقطيع دورا مهما في اختيار من سيمثلهم َويحكمهم في المرحلة القادمة، وتشتغل الآلة الدعائية بإيهام القطيع بأن الحكم يتعلق بإدارة مصالحه والحفاظ عليها، بينما هي بالدرجة الأولى مصالح المجتمع الحاكم، و بين هذا وذاك يتم الاختيار، لكن المفارقة المضحكة في هذه المسرحية، هو أن القطيع لا يتمتع بحرية الاختيار، ذلك لأن من يترشح للانتخابات هو من تزكيه النخب الحاكمة، وتقدمه بصفته الكومبارس الجديد أو بلغة دعائية رجل المرحلة الذي سيدير الشأن العام. أحيانا تهب الرياح بما لا تشتهيه السفن، فتقع أزمات سياسية أو اقتصادية، قد تتيح لبعض أفراد القطيع التسلل إلى خشبة التمثيل السياسي، و قد يحاول بعض هؤلاء زعزعة استقرار النخبة الحاكمة، فماذا قد يحدث يا ترى في هذا السياق؟ غالبا ما تتجند النخب ووسائل اتصالها لكبح جماح الوافد الجديد وتبخيس ثورته، و يعد هذا التسلل بمثابة انقلاب على الثوابت. أليس هذا ما وقع لجبهة الإنقاذ بالجزائر لما فازت بانتخابات 1991، فتم إلغاء النتائج وطرد الجبهة من العمل السياسي، مما أحدث شرخا خطيرا في المجتمع الجزائري، و دفع ببعض العناصر الإسلامية إلى حمل السلاح في وجه النظام؟ أليس هذا ما وقع للشيخ مرسي كذلك لما تسلل من المدرجات إلى الخشبة بعد أحداث الربيع العربي، فانتهى به المطاف في سجون مصر؟   ينكمش القطيع الضال في دور المتفرج على اللعبة السياسية، وهذا هو الدور التخديري الذي تحرص المسرحية الديمقراطية على القيام به على أكمل وجه، مسرحية تسهر على إخراجها وتوزيعها النخبة الحاكمة، وبين الفينة والأخرى يستدعى القطيع للمشاركة في الانتخابات واختيار من سيمثله في المراحل القادمة، بعدها يعود بوصفه  متفرجا يشاهد فصول المسرحية على شاشات التلفزيون ويطالع أخبارها على صفحات الجرائد. إن الدرس الذي نستخلصه من ديمقراطية الفرجة هذه هو أن من يمتلك مفاتيح المعرفة النافعة يسود ويحكم، ومادام القطيع محدود المعارف، وتنخر أحشائه الأمية كما هو حاصل في الدول المتخلفة، مخدرا مغيبا عن قضاياه، ولم يلج إلى المعلومة بعيدا عن مصفاة الدعاية، فهو إذن لا يمتلك خيارات حقيقية، سيظل سجينا في قفص يؤدي أدوار الزيف في مسرحية عنوانها:"مجتمع القرود وديمقراطية الفرجة."  ذ، محمد معروف ، جامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    كرة القدم ومواطنة السوق بالمغرب

        حين ننتقد الأوضاع القائمة، فنحن لا نشكك في الإنجازات الماضية في خط تصاعدي، ولسنا بعدميين أو تيئيسيين، نتربص بالنجاحات المحققة أو نثبط الهمم، بل بالعكس، نحن نؤكد على المعاني الأسمى والقيم العليا، ونبذل قصارى جهدنا أن نكون شركاء فاعلين في هذا الوطن. اسمحوا لنا بادئ ذي بدء أن نهنئ المنتخب الوطني على إنجازه الكروي ضد الفرق المشاركة في الإقصائيات المؤهلة إلى كأس العالم المقبلة، ونتمنى له مسيرة موفقة في مشواره الكروي، وبهذه المناسبة، نسوق للقارئ موضوعا حول تسخير مقابلات الفريق الوطني لتحقيق مواطنة الفرجة وإيقاد حماسة اللحمة الوطنية بين إثنيات المجتمع الواحد. يتعلق موضوعنا اليوم بتوظيف مباريات كرة القدم للفريق الوطني في البناء السريع للحمة الوطن، هل هذه ظاهرة ثقافية مقبولة أخلاقيا وعلميا، أم لهذه الممارسة مخاطر شتى على لحمة المجتمع؟ لماذا تحول الوصف الرياضي على القنوات المتلفزة التجارية في العقود الأخيرة إلى بيع استعارات وأوهام انتصارات أسطورية لدول وحيوانات وطيور وليس لفرق كروية فقط، كما تجاوز هذا الوصف رقعة الميدان ليسبح بخيال المشاهد نحو صنع مواطنة استهلاكية تقاس درجة حرارة الانتماء فيها بارتفاع سعر المباريات واللاعبين بالعملة الصعبة.  خاض المنتخب الوطني مباريات قوية مؤخرا، أحيى من خلالها الوصف الرياضي على قنوات بي ان سبورت استعارة "الأسود"، فارتفعت بذلك درجة الحماس والتوتر لدى معظم المغاربة، و ازداد لهيبهما مع وصف رياضي يستخدم معجما ليس فقط حماسيا و مليئاً بالعواطف، بل قاموسا يصف حربا بين بلدين و ليس بين فريقين، فيتحدث الواصف الرياضي عن افتراس الأسود، و التهامهم لخصمهم بدون شفقة، كما يصف تفاصيل سحق الخصوم، و محاصرتهم و غيرها من الاختيارات اللفظية التي تعطي انطباعا بأن الانتصار في مباراة كرة القدم هو انتصار على البلد الخصم، و هزيمته في حرب تأخذ أبعادا رمزية، و هكذا اصطف المغاربة بجميع أطيافهم بجانب فريقهم المقاتل، و خاض المغرب في كل مبارياته حروبا بالوكالة، ثم حقق النصر في نهاية الإقصائيات، فخرجت الجموع تهلل لعودة البطل المغوار، و نسي الكل بأن الفريق ظفر فقط بالتأهل إلى المونديال، و لا يتعلق الأمر بتاتا بهزمه لدول كما صورتها الآلة الإعلامية التجارية. لنأخذ مثالا عن المباريات الدربي بين الجزائر والمغرب، وكيف يحمى وطيسها، وكأن كل فريق يحاول أن يثبت بأن دولته هي الأقوى، فتتحول المباريات الكروية إلى معارك لإثبات الذات السياسية والاقتصادية أكثر منها إثبات الذات الرياضية، حيث تنشغل الجماهير عن همومها المحلية، وتنغمس في الإلهاء والفرجة، لكي تحتسي نشوة الانتصار على البلد الخصم في النهاية، ثم يغرق البلد المهزوم في البكاء والحزن والغضب على هزيمة مقاتليه. إن هذه الانتصارات الإلهائية التي يطبعها وصفا رياضيا ساخنا يدغدغ المشاعر، تنقل المشاهد من جو الرياضة إلى جو السياسة، فيتحول الانتصار الكروي إلى إنجاز تاريخي ليس لفريق فقط، بل لبلد بأكمله، وهكذا قد تستطيع الانتصارات الكروية في عالم الصور الزائفة (simulacra) أن تحجب الإخفاقات السياسية والاقتصادية، بل قد تجدد ثقة الشعوب في حكامها، خصوصا لما ينسب الانتصار إلى الحاكم، ويأخذ طابعا سياسيا. انظروا كيف احتفل المغاربة بانتصار فريقهم على ساحل العاج، إذ تدفقت آلاف الجماهير إلى الشوارع تحمل الأعلام الوطنية، وارتفعت حرارة المواطنة وحب الوطن بعد نشوة الانتصار، واحتفل المغاربة بقدوم الأبطال وتحقيقهم لهذا الإنجاز التاريخي: هو ليس تحررا من تبعية الغرب الاقتصادية والثقافية، ولا هو تحررا من الإمبريالية العالمية، ولا هو انعتاقا من قوى الاستبداد، هو فقط احتفال بالتأهل للمونديال. اصطفت الجماهير في صفوف متراصة، وتلاشت الفوارق الاجتماعية من خلال إيقاد حماسة الجماهير إلى درجة أن المشهد برمته رسم لوحة شعب متماسك، طمست فرحته مشاكل البطالة وغلاء المعيشة، وفساد الإدارة وتعثر المشاريع الاقتصادية، وإفلاس النخب السياسية، وفشل المنظومة التعليمية، وإصابة المنظومة الصحية بأعطاب قاتلة... يا سلام! تبخرت المشاكل بين عشية وضحاها، ففرح الغني والفقير، والحر والسجين، توحد الجميع في حب الوطن، ورفع رايته، ورقص الجميع في الساحات، وهم يتغنون بأناشيد النصر ويذرفون دموع الفرح. هل تقدم بلدهم على بلدان أخرى؟ هل تقدم في العلوم؟ هل تفوق اقتصاده على اقتصادات عالمية؟ هل تميز باختراعات وابتكارات جديدة؟ لا لا لا لا ...هي فقط دموع المستهلك المنخدع الذي يترجم انتصار الفرجة والأوهام إلى انتصار رمزي حقيقي. هل هذه تبدو كرة قدم أم أصبحت صفقة تجارية تسوق مشاعر الإلهاء، وتباع في سوق الثقافة المصنعة. أليست هذه مواطنة السوق التجارية؟ أليست هذه أزمة وجودية تعانيها المجتمعات الاستهلاكية اليوم؟ حين تترجم فرحة الجماهير بفريقهم الوطني إلى صناعة مواطنة وقتية، فهذا إحساس وهمي ابن ساعته، قد يتراجع بتراجع نتائج المنتخب الوطني، ولا يحقق بتاتا المواطنة الحقيقية. إذا أخذنا الدول المتقدمة في اوروبا الشرقية وآسيا وأمريكا على سبيل المثال، فهل تعتمد هذه الدول على الثقافة الاستهلاكية لبناء مجتمعاتها أم تعتمد ثقافة عالمة تنشر المعرفة والوعي السياسي بين ثنايا المجتمع؟ هل تعمد دولة سنغافورة مثلا إلى بناء مواطنة سوقية احتفالية أو كرنفالية؟ متى سمعنا عن منتخب سنغافورة أو غيرها من الدول التي حققت مراتب أسمى في التعليم والاقتصاد إلى استثمار أموال ضخمة في كرة القدم؟ متى كان الإحساس بالانتماء يبنى بالأفلام والأغاني والمباريات الرياضية؟ هذا يذكرنا بالأغاني الوطنية التي ابتدعتها مصر خلال أزمتها السياسية الأخيرة لتخرج المجتمع من ورطة الانقسام حول من يقود المرحلة السياسية بعد مرسي، كما يذكرنا بالأغاني التي اكتسحت الساحة الوطنية بعد انطلاق المسيرة الخضراء، لكن هل هذا كافيا لبناء الوطن والإحساس بالانتماء؟  إن المواطنة العضوية للشعوب تبنى بالمعتقدات والقيم والإيديولوجيات والكتب والمدارس والثقافة العالمة التي تمرّن الفرد وتعلمه التشبث بمقدسات أمته، و التفاني في خدمة مؤسساتها، تلك هي المواطنة و ليس الركض في الشوارع ، و لا الضغط الجنوني على منبهات السيارات. إن المواطنة العضوية تستمد قوة استمراريتها من القيم التي تلقن في المدارس وعن طريق البرامج الاعلامية الهادفة، ناهيك عن التجنيد الإجباري للشباب و تدريبهم في الجندية على حب الوطن و احترام المؤسسات، والتفاني في العمل وخدمة الوطن بصدق وإخلاص. نكررها في الأخير بأننا نثمن انتصار المنتخب الوطني، لكننا في مغرب المفارقات، نؤكد على الأوليات: كم تنفق الدولة على الصحة والتعليم مقارنة مع دويلة سنغافورة أو دويلة إسرائيل؟ إذا استطاع الناخب الوطني الذي يتقاضى أجرا يضاهي أجور المدربين العالميين النهوض بالفريق الوطني إلى فريق عتيد، فبالمقابل نحن مطالبون بإيجاد شعب متعلم قوي يرقى الى مستوى منتخبه، أليس تعليمنا في حاجة كذلك إلى خبرات من حجم المدرب الوطني في كرة القدم، والاحتكاك بالمؤسسات الأكاديمية العالمية وتطوير القطاع للنهوض به إلى أرقى المستويات، أم هي مواطنة فرجة فقط؟ إن أولوية الأوليات اليوم، ليس هو وصول التلفاز إلى قرى المغرب ومداشره لمشاهدة الفريق الوطني وهو "يدك" خصومه "دكا"، ولكنه وصول الكتاب. يوم يقطع الكتاب المسافات البعيدة بين جبال المغرب وتلاله، يومها سنعبر نحو بناء صرح المواطنة العضوية للشعب، فدون ذلك، نحن فقط نبيع مواطنة الأوهام للناشئة، مما قد يعرض مجتمعنا لخطر تقلبات السوق الإعلامية التي احترفت المتاجرة في عواطف الجماهير.   ذ، محمد معروف ، جامعة شعيب الدكالي

  • ...
    نظرة على الحافة...

    على مقربة من الحافة ، حيث نقف جميعا ، نهمس في آذان بعضنا :  حذار من السقوط . نستنشق رائحة شيء من الحريق في كل الأمكنة ، نتحسس الفشل العام للمنظومة الأخلاقية حيث تتهاوى القيم ، وتتصاعد أصوات النشاز والحقد .بوطني لا شيء يعجبنا.. بدءا بالسياسات مرورا بالاقتصاد وصولا إلى الثقافة فالرياضة... وقس على ذلك كل شيء.  نغير البقعة لأخرى فنجد أشقاءنا يعيشون أسوء منا بكثير ، نغير اتجاه البوصلة إلى الشمال ، حيث الغرب مرادف الحضارة والثقافة... فنجد الأمر أسوء كذلك، فعلى الأقل نحن نمارس الديمقراطية بالشكل الذي يوافقنا، بينما هم  يستحوذون عليها فيمنعون عنا هواءها تحت مسميات من قبيل الفيتو و....بوطني لاشيء يعجبنا...  تتكاثر التساؤلات وتتعالى الصيحات ، تتناسل الويلات ، تقل مشاعر الإنسان حيث لا صوت فوق صوت الدماء ولوبيات السلاح والمال ، نسائل البشرية حينا ونشتاق  للإنسان فينا كل لحظة ، ذاك الأخير التائه وسط مخططات المتحكمين في مصير العالم .بوطني لاشيء يعجبنا...  بينما نحن  علة كل شيء ، نرتكب الأخطاء ونتهم الآخرين ، نشارك في جريمة قتل البسمة ، حيث تتعالى أصوات وصحون الأول   في السماء ، ونسكت عن اختراق  الثاني  للديمقراطية التي  بها نحلم، بإجهازه على القانون وتشبثه بالكرسي  للمرة الثالثة، برؤية شعبوية فضفاضة، كما سرواله القندريسي...بينما نرقب سائق جرار بعجلات معطوبة يوهم الملأ  بعلاقته غير الشرعية ب "المحيط " الأقوى من المحيط الأطلسي بذاته ، و لا يغيب عنا تمادي الرابع في  تقمص دور الحمامة المسالمة ، و هو الناهب  لخيرات وطن  جريح ، أما الخامس فاختار أن يغير وردته لصبار يصيب شوكه كل الفرقاء ، ليغتال في مناضلي الأمس  شرف انتمائهم ...بوطني لاشيء يعجبنا ...  حيث  استقالت النخبة عن القرار  تاركة  مصيرنا  منذورا لليتم، و للبشاعة القصوى لبشر مفرغين من الحس الإنساني . إنهم المتلاعبون بمصير وطن،   المسيطرون على القرار، الطاردون لكل من له نخوة، الجامعون لقطيع الرعاع المهلل بزعامات صنعت للعب دور كومبارس في مسلسل ذلقراطي. بوطني لا شيء يعجبنا... فالكل يقترح وصفات لإسعاف تعليم أرادوه في مؤخرة الركب ، بتقارير دولية وهمية مسيسة ، و بمساومات مشروطة ظاهرها جرعات دعم و باطنها حقنات سم.بوطني لا شيء يعجبنا... الكثير من مشرعينا ليسوا كالمشرعين، فلا هم من الدارسين و لا هم من الوطنيين، فقط هم صنيعة صناديق ديمقراطية حربائية استغلت فقر البعض، فدست أيادي الشر للعبث بمستقبل وطن يتطلع للخير. و يصير الأسف خانقا حين نلفي برلمانيين  لا يفرقون بين  مشاريع القوانين  ووصفات زيجاتهم لصنع الكيك .بوطني لا شيء يعجبنا... وقد بعنا وطننا للبعض ليعيث فسادا بينما خيراتنا تتقاسمها جهات أخرى كرها لا  طواعية ، حيث تختلط الميزانية العامة بميزانيات مجهولة النسب، فنبتسم ببلاهة علنا ننجو من جبروت قوى الظلام   .بوطني لا شيء يعجبنا... حيث  تكريس الجهل بكل مكان و مَأْسَسَتُهُ،  يحتفون بالتفاهة وينبذون الغيورين الحاملين لِهَمِّ  مشروع وطني ، الحالمين بوطن في منأى عن تهديد الحافة...** إعلامي وباحث مغربي مدير موقع "المغرب الآن"

  • ...
    ماذا أنجز عميد كلية الآداب بالجديدة خلال أربع سنوات؟

    من أعطاب التسيير الإداري بجامعة شعيب الدكالي، عجز رؤساء المؤسسات الجامعية عن اتخاذ قرارات بسيطة تدخل ضمن صلاحياتهم، حيث يلجؤون إلى سياسة كم من حاجة قضيناها بتركها، تكون عواقبها وخيمة في كثير من الأحيان..قبل حوالي سنتين من الآن، وبالضبط بتاريخ 16 أكتوبر 2015، وجه المرحوم محمد بنحدو إلى عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية بالجديدة رسالة يطالبه فيها بتغيير المصلحة التي يشتغل بها، نظرا للمشاكل التي كان يعاني منها ويعيشها مع رئيسه المباشر، نائب العميد المكلف بالبحث العلمي...وقد كان رحمه الله حازما وملحاحا، حيث كان يذكر العميد بطلب تحويله إلى مصلحة أخرى في كل مناسبة، آخرها الاجتماع الذي عقده العميد مع رؤساء المصالح أواخر شهر أكتوبر 2015.. للأسف الشديد، لم يُعر العميد أي اهتمام لطلب محمد بنحدو رحمه الله وفضل صمّ الآذان، إلى أن وقع ما لم يكن في الحسبان، حيث لم يمر على الاجتماع السالف الذكر إلاّ حوالي أسبوعين فقط، حتى تهجّم نائب العميد وهو في حالة هيستيرية على الراحل محمد بنحدو أثناء قيامه بعمله في مكتبه يوم الأربعاء 11 نونبر 2015.. وبعد 48 ساعة من هذا الحادث، سقط رحمه الله داخل الكلية يوم الجمعة 13 نونبر 2015 حوالي الساعة العاشرة صباحا وهو يزاول عمله ليُسلّم روحه إلى ربه، ويرحل في عز شبابه وعطائه تاركا وراءه سؤالا بدون جواب، حول ماذا وقع له قبل الساعة العاشرة من ذلك الصباح، ولغز عدد كبير من محاولة اتصال هاتفي (appels manqués) على هاتفه النقال.الآن، وبعد سنتين من ذلك الحادث المؤلم، يُلاحَظ أن لا شيء تغير.. نفس المسؤولين ونفس طريقة التسيير والتعامل ونفس المشاكل، إن لم نقل أنها زادت سوءً وتعقيدا.  إلاّ أن ما يثير الاستغراب، هو أن العميد يبدو وكأنه غير مهتم بما يجري في مؤسسته، إذ عوض أن ينكب على إيجاد الحلول الناجعة للمشاكل التي تتخبط فيها الكلية منذ سنوات، أطلّ علينا سعادته في شهر غشت عبر حسابه في الفايسبوك، ليبشرنا بانطلاق أشغال تهيئة مرآب الكلية وبابها الرئيسي.ويذكرنا أسلوب العميد هذا، بأساليب بعض رؤساء المجالس الحضرية أو القروية، الذين يختفون مباشرة بعد انتخابهم على رأس المجلس، حيث ينصرفون إلى خدمة مصالحهم الشخصية ويهملون مطالب ومشاكل الساكنة، ولا يظهر لهم أثر إلاّ عشية الانتخابات التالية، حيث يبدؤون في تزفيت الشوارع وترقيع الأزقة وصيانة الإنارة، لاستمالة أصوات الناخبين ونهب المال العام.نلاحظ إذا ومع كامل الأسف، أن عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية بالجديدة، ومنذ تعيينه في بداية سنة 2014، كان شبه غائب ولم يقم بأي انجاز ملموس، وها هو ينبعث هذه الأيام ونحن على بعد أسابيع فقط من فتح باب الترشيحات لشغل منصب عميد الكلية، ليقوم بأشغال تهيئة مرآب الكلية وبابها الرئيسي وصباغة الجدران، بعد أربع سنوات من الجمود، عاشت خلالها المؤسسة في مشاكل لم تعرفها منذ نشأتها، نذكر على سبيل المثال لا الحصر مقاطعة الطلبة لامتحانات الدورة الخريفية في السنة الماضية، لأول مرة في تاريخ جامعة شعيب الدكالي.لهذا، وجامعة شعيب الدكالي تعيش على إيقاع التعيينات، نؤكد أن من ضمن الشروط التي يجب أن تتوفر في أي مسؤول بالجامعة، بالإضافة إلى الكفاءة والنزاهة والكاريزما، القدرة على التواصل ورحابة الصدر واحترام للجميع، بعيدا عن عقلية الدسائس والكيد والانتقام والمشاريع التجارية. ذ. غريب عبد الحقكلية العلوم بالجديدة