أعمدة الرأي
  • ...
    ماذا استفادت الجامعة؟ وماذا خسرت الدولة من محاكمة طلبة الجديدة الأبرياء...؟

     لم يبق مواطن مغربي بهذا البلد الحبيب إلا وقد سمع وتابع قضية طلبة الجديدة بالحي الجامعي، الذين اتهموا بتهم جنائية تضمنت (الإخطاب.. الاحتجاز ..السرقة..)،ولم يبقى طالب بربوع الجامعات المغربية لم يهتف مطالبا بإطلاق سراح طلاب الجديدة…،أما عائلات الطلبة فقد علقوا أملا أكبر على نضالات الجماهير الطلابية في جميع أنحاء المغرب وبالخصوص جامعة شعيب الدكالي، وخاب أملهم في قضاء جعل من ابناءهم مجرمين في زنزانة الاتهام. فصرخت أم المعتقل بحرقة وألم شديدين في الليلة المشؤومة بعدما نطق القاضي بما لم تتوقعه حتى هيئة الدفاع المكونة من أزيد من خمسين 50 محامي بثلاث سنوات "خَرْجُوا لِيَا وَلْدِي" وكان الخطاب موجها إلى الفئة الطلابية وكان للصرخة معاني كبيرة...وبعد أزيد من ثلاث محاكمات مرطونية وتقديم الدفعات أمام المحكمة من طرف المحامين ونفي المعتقلين لجميع التهم واتضاح بالجلي والدليل القاطع على براءة الطلبة تتشب المحكمة بقرارها وتقضي بعشرة أشهر سجنا. ماذا خسرت الدولة من محاكمة طلاب ابرياء: من خلال تفاصيل وسيناريوهات القضية يتضح أن محاكمة الطلبة واعتقالهم كانت ضمن سلسة من المحاكمات السابقة في مجموعة من الفروع بالمغرب وهذا ليس غريبا على الواقع الجامعي الذي لايزال يعاني من ازمة خانقة على المستوى الخاص والعام مما يجعله دائم الحراك والاحتجاج، ومما يزيد الأمر تأزما هو مواجهة الدولة هذا الاحتجاج بإخماده بالقمع والاعتقال. أما ملف طلبة الجديدة فهو اكبر تجسيد لهذه الصورة, ناضلوا من أجل مطعم جامعي فتحولت القضية إلى معتقلين متهمين بالإجرام، فتحول النضال من المطالبة بمطعم إلى المطالبة بإطلاق سراح معتقلين... ومما هدفت الدولة تكريسه هو أن تجعل من محاكمة الطالب أمرا بديهيا مستصاغا لدى عامة الطلبة وعموم الشعب، ومثوله أمام القضاء )كمجرم( أمر عادي، واستهداف الوسط الجامعي كان متعمدا وخاصة أن النضالات توالت في وسط -الحي الجامعي- الذي اعتبرته الدولة خطا أحمرا وحرصت على التحكم فيه... وهكذا تحاول الدولة تكريس فكرة أن النضال الجماهيري السلمي للمطالبة بمطالب مشروعة اجرام يجعل الطالب يتخوف منه ويبتعد عنه...ونعلم ما لهذا من تأثير على الآباء والأمهات الذين قد يضغطون على ابناءهم بعدم المشاركة في النضالات خوفا عليهم بوازع عاطفي. ماذا استفادة الجامعة من اعتقال ابناءها الابرياء: الذي لم تلقي له الدولة بالا وكانت مشيئة الله فيه هي الأقوى هو أن يعتقل أربع طلبة أيتام معروفين في الوسط الطلابي بنضالهم وأخلاقهم العالية مما جعل التعاطف الشعبي خارج الجامعة و داخلها كبيرا و رفع من وثيرة الاستنكار امام محاكمة الطلبة الأبرياء...وكان هذا اكبر دليل على شرعية مطالبهم في المطالبة بمطعم جامعي بل وكان الأولى للإدارة والدولة ان تستجيب لمطالبهم وان ترأف بأيتام وتحتضنهم وتراعي وضعهم الاجتماعي...لكن كان العكس بأن حكمت عليهم بثلاث سنوات دون رأفة أو شفقة... أما عن الجانب العدلي القضائي فإننا أصبحنا أمام بنايات الدولة المفرغة من محتواها الروحي القانوني، فقد سقطت ادعاءات الديمقراطية والعدالة حينما تجاهلت الدولة كل الأدلة الدالة على براءة الطلبة وبطلان الاتهامات وتناقض الشهود...بل رفضت حتى قبول طلب السراح المؤقت مع وجود كل الضمانات...وعوض أن تجرم الدولة العمل النضالي وترسخ هذا وسط الطلبة فقد أقنعتهم أنه لا قضاء ولا عدل في بلدنا ولا قوانين تضمن الحرية والكرامة... وأكبر ما ربحت الجامعة عموما وجامعة شعيب الدكالي بالجديدة خصوصا أن هذا الاعتقال لم يزد الجسم الطلابي إلا وحدة وأخوة وتشبتا بمطالبه المشروعة بل وأكبر رسالة وجهتها الجامعة للدولة أن المسؤولية والوعي الطلابي لازال حاضرا وبقوة عند طلاب المغرب وأن سياسات الدولة في تخريب التعليم والطالب باااااءت بالفشل... فقد شكل ملف اعتقال طلبة الجديدة دماء جديدة ضخت في شرايين الحركة الطلابية وأعادت للجامعة والطالب مكانته وكرامته التي حاولت الدولة ضربهما. وقد تجسد هذا في الأشكال النضالية المسؤولة والسلمية والراقية التي خاضتها الجماهير الطلابية بفرع الجديدة..أرادت الدولة ولكن إرادة الله فوق كل شيء.. سعت الدولة إلى اعتقال مناضلين أبرياء وإخماد الاحتجاجات لكنها أتاحت فرصة ليتخرج العشرات من المناضلين وتشتعل احتجاجات قوية سلمية ومسؤولة...  الأستاذ عبد الفتاح حاجي

  • ...
    المعطي منجب و''حذاء الدولة'

    كتب المعطي منجب مقالة هجاء في حق المغرب، دولة ومؤسسات، طاعنا في كل المتابعات والملاحقات القضائية التي طالت توفيق بوعشرين وهشام المنصوري وعلي أنوزلا، ومن تبعهم ووالاهم، ومنزها جميع هؤلاء من كل الخطايا والزلات المعهودة في بني البشر، إلا من إثم واحد هو "البعد عن النظام". مقالة المعطي منجب هذه، فيها انعدام كامل بالإحساس بالواقع الذي يعيشه المرء. ولعل هذا أكبر مشكل يعانيه المغرب في وقته الراهن. فهناك من الأشخاص من يلتحفون بسرعة جبة المعارض، وعمامة الزعيم السياسي، وعباءة المثقف، بمجرد توضيبهم أو دبجهم لبعض الكلمات والعبارات الرنانة. فيقدمون أنفسهم كتاب افتتاحيات ناقدة، ومحرري أعمدة مؤثرة في الرأي العام، حتى وإن كان عدد متابعيهم أو متصفحي إصداراتهم معدود بحجم أصابع البنان. وهناك منهم من يخلق جمعيات ومنظمات مدنية بنكهة العائلة. فيكون مقرها هو منزل الأسرة، يتولى فيها الأب الإدارة والعلاقات العامة، والزوجة أمين المال وتحصيل المساهمات. بينما يتم توزيع باقي المهام على الأصدقاء والمقربين، باستثناء التمويلات الداخلية والخارجية التي يجري صبيبها في حسابات العائلة، ثم يأتي يوم فيقول، دون أن يحمر له جفن، إن "النظام يستهدف إشعاع مركز ابن رشد، ويستهدف صحافة الاستقصاء".والمعطي منجب، هو أبلغ مثال على هؤلاء، يظن غافلا أنه أصبح حصى في "حذاء الدولة"، لن تقوى على المسير دون التوافق معه، ويعتقد مخطئا بأن رصاص قلم توفيق بوعشرين وغيره، هو رصاص حي وذخيرة ناسفة، سيقوضان النظام، ويهزان أركان الدولة. فأي سطحية و"سنطيحة" هذه التي يتكلم بها المعطي منجب، المؤرخ، الذي لم يسعفه التاريخ في فهم مسار الدول وصيرورتها. إن الإحساس العميق والدقيق بالواقع هو الذي يعطي للمرء حجمه الحقيقي، ويقيد أماله وتطلعاته الثورية، ويكبح جماح اندفاعه. ف"حذاء الدولة" هو "بلغة مغربية تقليدية" لها مداخل ومخارج كثيرة، وحصى المعطي منجب، ومن على شاكلته، هي حصاة كلسية من الطين، ومع المشي والمسير يتلاشى الحصى بسرعة، ويندس من خلف "البلغة"، دون أن يفطن له أحد، بيد أن المغرب يواصل مساره وتستمر معه الدولة والمؤسسات. وفِي الأخير، لابد أن أقول كلمتي وأمضي في حق المعطي منجب، ومن هم يغالون في إحساسهم بالواقع "حتى لا يقال كما تكونوا يولى عليكم.. فالتباهي بمعارضة النظام ليس تهمة تليق بكم.. وإنما هي نزق شبابي استمر، للأسف، حتى بعد المشيب".

  • ...
    الدكتور بنطلحة يقارب إشكالية الاتجار بالبشر بين الجهود والتحديات في السياق المغربي

    لم يعد خافيا على أحد أن الاتجار بالبشر يحتل المرتبة الثالثة في قائمة التجارة غير المشروعة في العالم بعد تهريب السلاح والاتجار في المخدرات، بحيث تحقق أنشطته لممتهنيه أرباحا كبيرة تصل إلى المليارات. وبالنظر إلى تزايد الطلب عليها وتطور ممارساتها وأشكالها، وتنامي تهديداتها ومخاطرها في نفس الوقت، ظهر إجماع دولي على ما تمثله هذه التجارة المزرية (المهينة) من خطر على الإنسانية، إذ يتم من خلالها نقل ملايين من البشر عبر الحدود الدولية سنوياً ليتم الاتجار بهم، ولا توجد أي منطقة جغرافية في العالم بمنأى عن هذه الجريمة التي ينظر إليها على أنها مظهر حديث من مظاهر العبودية التي جرّمتها العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.وباستقراء المعطيات الإحصائية والصور المتداولة بشأن ظاهرة الاتجار بالبشر التي صارت تعد أحد أخطر أشكال الجريمة المنظمة العابرة للحدود (اتسع نطاقها بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مع ما ينجم عن ذلك من تهديد مستمر لكرامة الإنسان وحقوقه)، نهتدي إلى الأشكال المتعددة التي تتخذها، والتي يأتي استغلال الأشخاص في العمل القسري أو استغلالهم جنسيا في أوضاع شبيهة بالعبودية والنخاسة على رأسها. وتزداد هذه الجرائم خطورة بكونها تمس على وجه الخصوص النساء والأطفال. ووعيا منه بضرورة التصدي لجريمة الاتجار بالبشر، صادق المغرب على العديد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بما في ذلك بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، وهو الإطار العام الدولي الذي يحدد تدابير منع ومكافحة الاتجار بالأشخاص وحماية ضحاياه ومساعدتهم وتعزيز التعاون بين الدول الأطراف على تحقيق تلك الأهداف.ولقد كشفت إحصائيات الوزارة المكلفة بشؤون الهجرة والجالية المغربية المقيمة بالخارج، لأول مرة وبشكل رسمي في السنة الماضية، حجم نشاط شبكات الاتجار بالبشر في المغرب، التي كانت ظاهرة طالما نبهت إليها تقارير دولية واعتمد البرلمان قانونا لمكافحتها انطلق تفعيله منذ بداية فبراير 2017، بحيث تم رصد 3094 عصابة وتفكيكها خلال 14 سنة، أي بين 2002 و2016. وفيما يصنف المغرب ضمن الدول التي تبذل جهودا كبيرة للتصدي للظاهرة، يظهر أنها على مستوى الواقع محدودة وغير كافية. في هذ الإطار، يبين التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية حول “الاتجار بالبشر” للعام 2015، عن تقدم عدد من الدول، من بينها المغرب الذي انتقل من المستوى الثالث، أي الأسوأ في الاتجار في البشر إلى المستوى الثاني، ما يعني أن الدول لا تزال بحاجة إلى مراقبة وتحسين جهودها. فالتقرير، الذي يتضمن تقييماً لجهود 188 دولة حول العالم أن يوضح أن المغرب حل في المرتبة 88، لافتا الانتباه إلى أن أكثر الفئات التي تتعرض للاتجار في البشر في المغرب هن النساء اللائي تشتعلن في البيوت، حيث تتعرضن للعمل القسري والاعتداء الجنسي، ويلي النساء الأطفال فالرجال. فالمغاربة الذين يشتغلون في أوربا والشرق الأوسط، وفق التقرير، يتعرضون للعمل الإجباري والاستغلال الجنسي، خصوصا النساء اللائي يجبرن على الدعارة بالسعودية والإمارات العربية، والبحرين، والأردن وليبيا وسوريا. ومن جهة أخرى، أشار التقرير إلى أن الإفريقيات والأسيويات اللائي يعشن في المغرب بطريقة غير شرعية، يتعرضن للاعتداء الجنسي والجسدي من طرف مشغليهن، لافتا الانتباه إلى أنه سجل في جهة شمال المغرب والشرق أكبر نسبة للاتجار في البشر. أمام هذه المعطيات، يجد الباحث نفسه ملزما بمساءلة الظاهرة من خلال الوقوف عند جهود المغرب لمواجهتها ( ثانيا) دون إغفال ضرورة البحث في مظاهر تعثره في هذه المهمة متعددة الأبعاد والأطراف (ثالثا)، مع الحرص على تحديد المقصود بالاتجار في البشر والإطار القانوني الذي ينظمه (أولا).أولا- في تعريف الظاهرة والآليات القانونية المؤطرة لهاعلى الرغم من صعوبة إيجاد تعريف جامع لظاهرة الاتجار في البشر، نسجل أن التعريف المعمول به على نطاق واسع هو التعريف الوارد في المادة الثالثة من بروتوكول الأمم المتحدة المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة ضد الجريمة المنظمة عبر الوطنية لعام 2000 والخاص بمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال، حيث يقصد بتعبير “الاتجار بالأشخاص” تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال. ويشمل الاستغلال، كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة أو الخدمة قسرا، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد أو نزع الأعضاء. وهو التعريف نفسه الذي تبناه المشرع المغربي في المادة الأولى من القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر، مع المزيد من التفصيل ومحاولة إدراج حالات محلية للاستغلال، إذ جاء في هذه المادة أن الاستغلال يشمل جميع أشكال الاستغلال الجنسي، لا سيما استغلال دعارة الغير والاستغلال عن طريق المواد الإباحية بما في ذلك وسائل الاتصال والتواصل المعلوماتي، ويشمل أيضا الاستغلال عن طريق العمل القسري أو السخرة أو التسول أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو نزع الأعضاء أو نزع الأنسجة البشرية أو بيعها، أو الاستغلال عن طريق إجراء التجارب والأبحاث الطبية على الأحياء، أو استغلال شخص للقيام بأعمال إجرامية أو في النزاعات المسلحة. لا يتحقق هذا الاستغلال إلا إذا ترتب عنه سلب إرادة الشخص وحرمانه من حرية تغيير وضعه وإهدار كرامته الإنسانية، بأي وسيلة كانت ولو تلقى مقابلا أو أجرا عن ذلك. ويقصد بالسخرة في مفهوم هذا القانون جميع الأعمال أو الخدمات التي تفرض قسرا على أي شخص تحت التهديد، والتي لا يكون هذا الشخص قد تطوع لأدائها بمحض اختياره. ولا يدخل في مفهوم السخرة الأعمال المفروضة لأداء خدمة عسكرية إلزامية، أو نتيجة إدانة قضائية، أو أي عمل أو خدمة أخرى تفرض في حالة الطوارئ.وللحيلولة دون اتساع دائرة الاتجار بالبشر، أفرد هذا القانون للمستغلين عقوبات مشددة. فدون الإخلال بالمقتضيات الجنائية الأشد، يعاقب بالسجن من خمس إلى عشر سنوات وبغرامة من 10.000 إلى 500.000 درهم كل من ارتكب جريمة الاتجار بالبشر (الفصل 2)؛ ويضيف الفصل الثالث أنه دون الإخلال بالمقتضيات الجنائية الأشد، ترفع عقوبة الاتجار بالبشر إلى السجن من عشر إلى عشرين سنة وغرامة من 100.000 إلى 1.000.000 درهم في الحالات التالية:1- إذا ارتكبت الجريمة بواسطة التهديد بالقتل أو بالإيذاء أو التعذيب أو الاحتجاز أو التشهير؛2- إذا كان مرتكب الجريمة حاملا لسلاح ظاهر أو مخبئ؛3- إذا كان مرتكب الجريمة موظفا عموميا استغل وظيفته لارتكاب الجريمة أو تسهيل ارتكابها؛4- إذا أصيبت الضحية بواسطة استغلالها في جريمة الاتجار بالبشر بعاهة دائمة أو بمرض عضوي أو نفسي أو عقلي عضال؛5- إذا ارتكبت الجريمة من قبل شخصين أو أكثر بصفتهم فاعلين أصليين أو مساهمين أو مشاركين؛6- إذا كان مرتكب الفعل معتادا على ارتكابه؛7- إذا ارتكبت الجريمة ضد عدة أشخاص مجتمعين.أما الفصل الرابع، فينص على أنه : “يعاقب على جريمة الاتجار بالبشر بالسجن من عشرين إلى ثلاثين سنة وغرامة من 200.000 إلى 2.000.000 درهم إذا ارتكبت الجريمة ضد قاصر دون الثامنة عشر؛ أو إذا ارتكبت الجريمة ضد شخص يعاني من وضعية صعبة بسبب كبر سنه أو بسبب المرض أو الإعاقة أو نقص بدني أو نفسي أو ضد امرأة حامل سواء كان حملها بينا أو كان معروفا لدى الفاعل؛ وكذلك إذا كان مرتكب الجريمة زوجا للضحية أو أحد أصولها أو فروعها أو وصيا عليها أو كافلا لها أو مكلف برعايتها او كانت له سلطة عليها.وللمزيد من التشديد، جاء في الفصل الخامس أنه دون الإخلال بالمقتضيات الجنائية الأشد، يعاقب بالسجن من عشرين إلى ثلاثين سنة وغرامة من 1.000.000 إلى 6.000.000 درهم عن جريمة الاتجار بالبشر، إذا ارتكبت الجريمة بواسطة عصابة إجرامية أو في إطار عابر للحدود الوطنية، أو إذا نتج عن الجريمة وفاة الضحية. وترفع العقوبة في هذه الحالة إلى السجن المؤبد إذا ارتكبت الجريمة بواسطة التعذيب أو أعمال وحشية. كما يعاقب بغرامة من 1.000.000 إلى 10.000.000 درهم، الشخص الاعتباري إذا ارتكب جريمة الاتجار بالبشر دون الإخلال بالعقوبات التي تطبق على الشخص الذاتي الذي يمثله أو يديره أو يعمل لحسابه.علاوة على ذلك، يجب على المحكمة الحكم بحل الشخص الاعتباري وبالتدبيرين الوقائيين المنصوص عليهما في الفصل 62 من هذا القانون.إلى جانب هذا الأمر، يعاقب الفصل السادس بالحبس من سنة على خمس سنوات وغرامة من 5.000 إلى 50.000 درهم، كل من علم بارتكاب جريمة الاتجار بالبشر أو الشروع فيها ولم يبلغها إلى السلطات المختصة. غير أنه يجوز الإعفاء من هذه العقوبة إذا كان من امتنع عن التبليغ زوجا لمرتكب الجريمة أو كان من أحد أصوله أو فروعه.وبالمقابل، يذكر هذا القانون، في فصله الثامن، أنه يعفى من العقوبات المنصوص عليها في هذا الفرع، كل من بادر من الجناة بإبلاغ السلطات المختصة بما يعلمه عن جريمة الاتجار بالبشر قبل تنفيذها أو الشروع في تنفيذها أو مكن من الحيلولة دون إتمامها. إذا حصل التبليغ عن الجريمة، فإنه يجوز إعفاء الجاني المبلغ من العقوبة أو تخفيفها، حسب ظروف التبليغ، إذا مكن السلطات المختصة أثناء التحقيق من القبض على باقي الجناة. وتستثنى من ذلك الجرائم المؤدية إلى وفاة الضحية أو إصابتها بعاهة دائمة أو بمرض عضوي أو نفسي أو عقلي عضال.ولما كان جريمة الاتجار بالبشر تتطلب الدقة والسرعة، يتحدث الفصل الرابع عشر على وجوب العمل الفوري على التعرف على ضحية الجريمة وهويتها وجنسيتها وسنها في جميع مراحل البحث والتحقيق والمحاكمة. يمكن للسلطات القضائية المختصة أن تأمر بمنع المشتبه فيهم أو المهتمين من الاتصال أو الاقتراب من ضحية الاتجار بالبشر. كما يمكن أيضا للسلطات القضائية المختصة الأمر بالترخيص للضحية الأجنبي بالبقاء بتراب المملكة على غاية انتهاء إجراءات المحاكمة. ثانيا- جهود المغرب ومقارباته في معالجة مسألة الاتجار في البشرلقد اتخذ مجموعة من الإجراءات والتدابير لتجاوز قصوره التشريعي فيما يخص مكافحة جرائم الاتجار بالبشر، إذ لاحظنا حرص المشرع المغربي على تعريف مصطلح الاتجار بالبشر وفقا للمعايير الدولية واعتباره جناية، وتشديد العقوبة عند اقتران الجريمة بظروف خاصة، شخصية وموضوعية، وتعريف ضحية الاتجار بالبشر واشتراط ارتكاب أفعال تهدر كرامته وإرادته وتمنعه من حرية اختيار مصيره، فضلا على النص على حقوق الضحايا وإمكانية منح رخص الإقامة للأجانب منهم عند الاقتضاء، وإعفاء المبلغين عن الجريمة.في هذا السياق، أحدثت وزارة العدل والحريات خلايا بالمحاكم مكونة من قضاة لهم إلمام بقضايا المرأة والطفل وحقوقهم سنة 2004، وإصدار رسائل دورية متعددة توجه إلى مجموع محاكم المملكة لتحفيز العمل القضائي في هذا المجال والحث على إيلاء ما يلزم من العناية لقضايا الانتهاكات التي يتعرض لها الطفل والمرأة والحرص على سلامة تطبيق القانون وتتبعها، والتواصل الدائم مع الجمعيات المعنية بحماية الطفل، وإعداد دراسة تشخيصية حول وضع الاتجار بالبشر في المغرب مكنت من إفراز معطيات وصفية غير عددية لظاهرة الاتجار بالبشر.واعترافا بهذه الجهود، تم يوم 27 يونيو 2017 بواشنطن تكريم المغرب، في شخص القاضية المغربية أمينة أوفروخي التي بمديرية الشؤون الجنائية التابعة لوزارة العدل ، من قبل كاتب الدولة الأمريكي، ريكس تيلرسون، خلال حفل تميز بحضور إيفانكا ترامب، ابنة الرئيس دونالد ترامب، بمناسبة صدور تقرير الدبلوماسية الأمريكية حول مكافحة الاتجار بالبشر في العالم برسم سنة 2017.وبهذه المناسبة، تسلمت القاضية أوفروخي جائزة “بطلة تقرير مكافحة الاتجار في البشر برسم سنة 2017” تقديرا للدور القيادي الذي اضطلعت به في إطار جهود المملكة لتطوير قانون جديد لمكافحة الاتجار بالبشر. وأكدت الخارجية الأمريكية، في هذا التقرير، على أن السلطات المغربية تبذل جهودا “كبيرة ومتنامية” لمنع الاتجار بالبشر، بما في ذلك استغلال الأطفال. ولربما هذا التكريم يمثل اعترافا بالتقدم الذي أحرزته المملكة في مجال مكافحة الاتجار في البشر، لذلك ظلت ضمن الفئة الثانية، لاسيما من خلال سن القانون السالف الذكر الذي عمل، كما رأينا، على توسيع نطاق الحمايات القانونية والخدمات المقدمة للأشخاص موضوع الاتجار بالبشر.ينص القانون على عقوبة بالسجن لفترات تتراوح بين5 سنوات الى 30 سنة، وهي عقوبات رادعة بالدرجة الكافية وتتفق مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية، وتتناسب مع العقوبات المفروضة على الجرائم الخطيرة الأخرى، مثل الاغتصاب.ذكرت بعض وسائل الإعلام والبعثات الدبلوماسية أن المملكة ظلت على تعاون وثيق مع إسبانيا كمثال بشأن اعتقال ومحاكمة وإدانة العناصر الإجرامية الدولية المتورطة في الإتجار بالبشر. تعاونت الحكومة المغربية في شهر فبراير شباط 2017 مع الحكومة الإسبانية في اعتقال شبكة اتجار إجرامية قوامها 10 أفراد كانت تقوم بنقل الضحايا بين المغرب وإسبانيا.ثالثا- بشأن تحديات مواجهة ظاهرة مركبة عابرة للقاراتالمغرب هو بلد مصدر ومقصد وعبور لرجال ونساء وأطفال يتم اخضاعهم للعمالة القسرية والاتجار بالجنس. وفقا لدراسة أجرتها الحكومة المغربية في نونبر 2015، بدعم من منظمة دولية، يُستغل الأطفال في المغرب للعمل، والخدمة المنزلية، والتسول والإتجار الجنسي. على الرغم من أن عمل الأطفال في المنازل قد تقلص منذ عام 2005 بحسب ما أفادت التقارير، إلا أنه يتم استقدام الفتيات من المناطق القروية للعمل في الخدمة المنزلية في المدن ويصبحن ضحايا للعمل القسري. كما يتعرض بعض الأطفال المغاربة للعمل القسري عندما يعملون كمتدربين في الحرف المهنية والتلمذة الصناعية وصناعات البناء وفي الورش الميكانيكية. الدراسة التي أُجريت عام 2015 أظهرت أيضاً أن بعض النساء يُجبَرن على ممارسة الدعارة في المغرب من قبل أفراد أسرهن أو غيرهم من الوسطاء. يتم إكراه بعض المهاجرات بصورة غير شرعية، القادمات بشكل أساسي من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إضافة الى عدد صغير، ولكنه آخذ في الازدياد، من جنوب آسيا، على ممارسة البغاء والعمل القسري. تقوم الشبكات الإجرامية التي تعمل في وجدة على الحدود الجزائرية وفي بلدة الناظور الساحلية الشمالية بإجبار النساء المهاجرات بصورة غير شرعية على ممارسة الدعارة والتسول. ذُكر أيضا أن شبكات إجرامية في وجدة تجبر أطفال المهاجرين على التسول. يتم إجبار بعض المهاجرات اللاتي يعبرن وجدة، خاصة النيجيريات، على ممارسة الدعارة بمجرد وصولهن إلى أوروبا. ذكرت منظمات دولية، ومنظمات محلية غير حكومية، ومهاجرون أن كلٍ من الأطفال غير المصحوبين ببالغين والنساء القادمين من ساحل العاج، وجمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا والكاميرون يتعرضون بدرجة كبيرة للإتجار بالجنس والعمل القسري في المغرب. تشير بعض التقارير الى أن شبكات كاميرونية ونيجيرية تجبر النساء على ممارسة البغاء، في حين تجبر الشبكات النيجيرية النساء أيضاً على التسول في الشوارع من خلال تهديد الضحايا وأسرهن، وعادة ما يكون الضحايا من نفس جنسية المتاجرين. يتم جلب بعض النساء من الفلبين وإندونيسيا للعمل في مجال الخدمة المنزلية بالمغرب، وعند وصولهن يتعرض بعضهن للعمل القسري ويعانين من عدم الحصول على الأجور واحتجاز جوازات السفر والإساءة البدنية على أيدي أرباب عملهن.ويتم استغلال الرجال والنساء والأطفال المغاربة في العمل القسري والاتجار الجنسي بصفة أساسية في أوربا والشرق الأوسط. النساء المغربيات اللواتي يجبرن على ممارسة الدعارة في الخارج يعانين من تقييد تحركاتهن والتهديد والإساءة النفسية والجسدية. يقوم بعض الأجانب، من أوروبا والشرق الأوسط بصفة أساسية، بالسياحة الجنسية مع الأطفال في المدن المغربية الرئيسية.خاتمة: إن المغرب كغيره من الدول لم يعد في مأمن من جريمة الاتجار بالبشر وتداعياتها المختلفة سواء تعلق الأمر بالاستغلال في العمل أو الاستغلال الجنسي وغيرهما. والوضع يزداد سوءا بخصوص جرائم الاتجار بالبشر مع تكاثر أفواج المهاجرين الراغبين في العبور إلى أوروبا، حيث يتحول التراب المغربي كبلد استقرار بالنسبة إليهم بسبب فشلهم في العبور إلى الضفة الأخرى، بالإضافة إلى انتشار ظاهرة خدم المنازل الأجانب ووكالات الوساطة في تقديم هذه الخدمة من بعض الدول الأجنبية، علاوة على ما يرافق هجرة العمال نحو الخليج من سقوط ضحايا شبكات الاتجار بالبشر. وحيث أن هذا الوضع يقتضي اليقظة الأمنية الدائمة، والتطبيق الصارم للمقضيات القانونية الجديدة، وجب تكثيف جهود جميع المتدخلين للحيلولة دون تنامي أوجه هذه الآفة، لاسيما أنها تتخذ أحيانا صورة مشروعة في الظاهر (كوكالات الأسفار أو التشغيل أو مراكز التجميل أو ممارسة الرياضة وغيرها من الخدمات)، كما يمكن أن يكون الجناة في العديد من الحالات من محيط الضحية أو الأقارب.

  • ...
    الأمن.. ليس مَشْجباً تُعلَّق عليه الخطايا والأوزار !

    "الأمن ليس مشجبا تعلق عليه الخطايا والأوزار... ولا هو حائط مبكى تذرف عليه عبرات الآثمين، وتمسح على أطلاله زلاّت المذنبين..." بهذه العبارات ردّ مصدر أمني على المقالة التي نشرها الصحفي سليمان الريسوني في ظهر يومية "أخبار اليوم" تحت عنوان " بوعشرين تحت  القانون".ففي مقالة معدودة الأسطر والكلمات، استعمل الصحفي سليمان الريسوني لفظة "الأمن" و"الأمنيين" و"البوليس" في تسع مناسبات، محاولا خلق تنافر وهمي بين الأمن والإعلام، وتنازع افتراضي بين الأمنيين والصحافيين، بيد أن عنوان مقالته وظاهرها كان يوحيان، للوهلة الأولى، بأن موضوعها الأساسي هو الحديث عن قضية توفيق بوعشرين، وخلافه مع القانون.مفهوم، أن يحاول صحفي الدفاع عن زميله في المهنة، ومنطقي أيضا أن يناصره بالقلم والكلمات، وأن يبحث له عن أماكن الظل في قضيته. وهذا حق مكفول بسلطة القانون وسلطة الإعلام، وواجب تفرضه أخلاقيات المهنة والصداقة والزمالة. لكن ما هو غير مفهوم ولا مستساغ، يؤكد المصدر الأمني، هو أن يُقحم الريسوني الأمن بطريقة فجّة ومفضوحة في قضية ثالوثها واضح وجلي: توفيق بوعشرين، من جهة، والصحفيات والمستخدمات الشاكيات، من جهة ثانية، والقانون، من جهة ثالثة.فالتذرع الواهي بأن الضحايا، أو الشاكيات والمصرحات، كما وصفهن الريسوني، قد تعرضن للضغط والترهيب في مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، هو كلام موغل في التجني على الواقع، وافتراء على الحقيقة. ألم يطالع الصحفي المعني تدوينات رئيسة تحرير لموقع إلكتروني، تابع لمجموعة بوعشرين؟ ألم يقرأ تدوينات مماثلة لصحفية سابقة في نفس المجموعة، ولصحفيات أخريات لا حاجة لذكر أسمائهن في هذا التصويب؟ ألم يؤكدن جميعا، وبكلام واضح لا تشفير فيه، بأن المعاملة كانت راقية في ضيافة الأمن! فأين "الضغط" الذي يزعم سليمان الريسوني وقوعه؟ يستفسر المصدر الأمني.وإذا كان الريسوني يطالب بأن لا يكون الصحفي لا فوق القانون ولا تحته، فإن رجل الأمن من حقه أيضا على الريسوني أن لا يضعه دون القانون، وأن لا يعلق عليه خطايا الناس وزلاتهم ومشاكلهم.ولئن كان من حق الريسوني أيضا أن يُشهر رصاص قلمه، دفاعا عن زميله توفيق بوعشرين، فإن من حق الأمني عليه أن يراعي مبدأ التناسبية في هذا الدفاع، وأن لا يبخس حق رجال الأمن في الركون إلى "الدفاع الشرعي" انتصارا لسمعتهم واعتبارهم الشخصي.وإذا كان من واجب الريسوني أن يحلل ويناقش قضية بوعشرين، وأن ينهل من معين التاريخ المعاصر للمغرب، شذرات من سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فإن من حق الأمني عليه أن يستحضر أيضا ما تحقق، في الوقت الحاضر، من تطور  وتحديث في المنظومة الأمنية لبلادنا، لا أن يعيش على ذكريات آفلة، ويحاول تعليقها على أجيال قادمة.ولئن كان من حق الريسوني أن يطالب بالتطبيق السليم للقانون لفائدة المتهم، وأن يستعرض ما اعتبره "خروقات مسطرية" في ملف زميله، فإن من واجب الأمني، هذه المرة، أن يؤكد له بأن تحريك المتابعة وممارستها هما من اختصاص سلطة الادعاء، التي تمثلها النيابة العامة، والبت في القضايا وإصدار الأحكام والمقررات، من صلاحيات قضاة الحكم. أما إقحام الأمن لمجرد الإقحام، فهو ضرب من العبث، وانحياز مكشوف لصحفي  يتعمد مشاهدة  رجال الأمن بمنظار الكسوف.

  • ...
    ثقافة الميم.. النسخ التماثلي و التطور الثقافي و السياسي

    يحيل عنوان المقال على عملية الإنتقال الثقافي للأفكار و الممارسات و المعتقدات و التي يرتبط وجودها بوجود الإنسان في هذا العالم منذ بداية التاريخ. دخلت كلمة "ميم"  meme في المعجم الغربي منذ سبعينيات القرن الماضي على يد عالم البيولوجيا ريتشارد دوكين سنة 1976 في كتابه "الجينة الأنانية". تم ابتكار هذه الكلمة على منوال كلمة "جينة"Gene  للتعبير عن معنى خاص بالتطور الثقافي للمجتمعات البشرية. إذا كانت الجينة وحدة بيولوجية لنقل المعلومات الجينية الخاصة بالجسم البشري، فإن الميم هي وحدة ثقافية تنقل الأفكار و المعتقدات و السلوكات. يعتقد عالم البيولوجيا بأن فكرة الانتقال البيولوجي للخاصيات الجينيةDNA للجسم البشري تتم عبر التاريخ بين جسم و آخر [أب، أم، الأولاد] و بين الأجيال و يَخضع هذا الانتقال لما يسميه تشارلز داروين "الانتقاء الطبيعي" و الذي يصف خضوع هذا الانتقال للمحيط و للمؤثرات البيئية. على شاكلة العالم البيولوجي، تنتقل الأفكار و المعتقدات و الممارسات عبر وحدة ثقافية تسمى "الميم" و التي تنتشر و تترسخ أو تختفي حسب التقليد و الإستمرارية أو القطيعة في عملية التقليد.منذ بداية التاريخ كان الإنسان هو الحامل و المفعل لهذا التقليد و الذي كان يتم شفهيا، بصريا و بعد ذلك عبر وسائط كالكتابة والإعلام البصري و الالكتروني. تطورت الأفكار و الممارسات و المعتقدات عبر هذه الطريقة و مازالت خاضعة لنفس العملية و إن بوسائط مختلفة. فكرة الله، و نهاية العالم، و السحر و الشعوذة، و الفلاحة و الطب الشعبي و الأكاديمي وطرق اللباس و الأكل، و الإرهاب و غيرها استمرت و تغيرت عبر التاريخ بفعل هذا النوع من التقليد. تطورت الثقافة البشرية عبر التقليد الذي يحمل في طياته اختلافا نوعيا قد يتغير بتغير تاريخ الشعوب و بالظروف التي تساعد انتشار أفكار و معتقدات دون غيرها. تختلف المعتقدات الدينية و الممارسات الثقافية حسب الظروف التاريخية لمجتمع معين، من حيث أن أفكارا تترسخ في مجتمع ما و تندثر في مجتمعات أخرى. إن منطق التطور الثقافي يشبه إلى حد ما التطور البيولوجي و قد يكون الأول أكثر سرعة من الثاني. إذا كان الانتقاء الطبيعي هو الذي يحدد أي الخاصيات البيولوجية تستمر في التواجد من خلال تأثير المحيط الطبيعي، فإن تطور الأفكار و المعتقدات يخضع لنوع من الانتقاء الثقافي الذي يخضع للتطور التاريخي و على ملاءمة الأفكار أو عدم ملاءمتها للمحيط الاجتماعي و السياسي و للظرف التاريخي.يحيل عنوان كتاب دوكين "الخلية الأنانية" على سلوك بيولوجي للخلية حيث أن ما يهم الخلية هو إعادة إنتاج نفسها و التوالد و بنفس المعنى فإن ما يهم الأفكار في وجودها هو التكرار و إعادة الإنتاج و التوالد. إذا كان انتقال الخاصيات البيولوجية من جينة إلى أخرى تعوضها ليس انتقالا دقيقا من حيث أنه يمكن أن تحدث أخطاء أو تغييرات خلال عملية الانتقال، فإن الأفكار تخضع كذلك لنفس العملية من حيث أن الأفكار تتغير، بطريقة مفارقة، خلال عملية التقليد لأن مفعل التقليد يختلف عن الحامل الأصلي للوحدة الثقافية من حيث الفهم و المعتقدات و الإستعداد العاطفي.إذن فالتغيير النسبي يرافق التقليد كما قد نلاحظه في عملية اللباس، أو الأكل لكن هذا التغيير التاريخي قد يكون بطيئا في أغلب الأحيان و لا يغير أحيانا من جوهر الفكرة أو المعتقد.في عصر ثورة المعلومات و ظهور وسائط الكترونية جديدة، تستمر عملية التقليد و تظهر جليا عبر وسائط التواصل الاجتماعي حيث تنتشر الأفكار و المشاعر و الممارسات و المعتقدات بسرعة غير مسبوقة. الأفكار بطبيعتها هي مجردة و تنتقل بطريقة غير مادية و تنتشر أحيانا كالنار في الهشيم [هذا التعبير هو نموذج لميم استعاري لغوي يستمر في التواجد]  لكن آثارها تظهر في الواقع في السلوك الاجتماعي للناس و في الظواهر الاقتصادية و في الممارسات السياسية و غيرها. يتخذ انتقال هذه الأفكار أشكالا حاملة للميم كالهاشتاغ مثلا، أو الصور أو الرموز التي تُنشر و تَنتشر بسرعة على مواقع التواصل الإجتماعي عبر التقليد[مع إضافة تعليق أو سخرية، قد لا يغيران من جوهر الفكرة]. لكن تلقي هذه الأفكار هو الذي يحدد المدة التي تستمر خلالها هذه الميمات في التواجد، أي أنها تخضع لعملية انتقاء من طرف رواد هذه المواقع. هناك ميمات صمدت و استمرت في التواجد ماديا عبر النشر و رمزيا بتخزينها في الذاكرة الجمعية و تحويلها إلى مرجع أو رمز لحدث معين. يمكن للقراء أن يحيلوا على أمثلة من هذا القبيل كميمات علال القادوس، طحن مو، أمي عايشة، النوام في البرلمان، و غيرها كثير.لكن من وجهة نظر نقدية، نهتم أكثر بمعنى هذا الانتقال للوحدات الثقافية التي نسميها الميم  من حيث آثارها على تطور الثقافة المغربية خصوصا و أن هذا التقليد يتم أحيانا بطريقة عفوية و دون تفكير في حيثيات التقليد و بدون وجود مبررات خاصة لدى مُفعِّل ذلك التقليد. قد نطرح أسئلة أكثر مما نعطي أجوبة لأن الموضوع تتداخل فيه ميادين بحث مختلفة. ما يهمنا فعلا هو أن نثير انتباه القراء إلى وجود ظاهرة تواصلية و ثقافية تؤثر فعليا في المشهد الثقافي و السياسي و تساعد أحيانا على انتشار أفكار غير مفيدة لتطور الثقافة  بل تؤخره و تجعل المجتمع يدور في حلقة مفرغة ويخضع في منطق تطوره لصدف التاريخ و لتطور المجتمعات الأخرى و تأثيرها عليه.إذا كان طبيعيا أن نقلد الآخر، فلماذا نقلد البعض و نستثني آخرين؟ من نقلد [طبقة، فئة اجتماعية، مهنية أيديولوجية، جماعة اثنية...]؟ و لماذا نقلدهم؟ كيف يصبح التقليد "محركا" للتطور الثقافي؟ ما علاقة التقليد بالإبداع؟ هل للتقليد سلطة و من يستفيد من هذه السلطة؟ لماذا و كيف يمنع المجتمع تقليد أفكار لا تتماشى مع القيم السائدة ؟ و ما نوع هذه الأفكار؟قد تتوالد الأسئلة و قد نضيع في متاهة السؤال. لذا أقدم تصورا يضع هذا التقليد في سياقه المحلي الخاص. أرى أن التقليد ضرورة اجتماعية و ثقافية و أن له سلطة تخدم النظام الذي يتأسس عليه سواء الاجتماعي العرفي أو السياسي و الثقافي، أي أنه يتأسس داخل بنية سلطة معينة. لكن التقليد إذا كان مقابلا للإبداع، أي يرفضه و يقاومه، لا يساعد على التطور الفعلي للثقافة. لكن ما يهمني أكثر في هذا الصدد هو انتشار التقليد بطريقة غير مسبوقة على مواقع التواصل الاجتماعي في ظل صعود ظاهر للثقافة الشعبية و لهيمنة الجانب العاطفي و التواصلي [التفاعلي] على الجانب المنطقي و النقدي في الثقافة الرقمية. فانتشار الميمات يتم عبر التماثل و التماهي العاطفي مع الآخر و الرغبة في تجنب التهميش من طرف الرواد الآخرين لهذه المواقع. ما يقع في هذه المواقع يشبه أحيانا الانتشار المعدي للأمراض كالزكام. فالأفكار تنتشر بسرعة فائقة و تُقلد بدون معرفة نقدية لحيثيات خلقها و ضرورة انتشارها. ما يقع يشبه مثلا الانتشار الوبائي للخوف في تجمعات جماهيرية. فعندما يلاحظ الناس نظرة الخوف في أعين الآخرين فمجرد صيحة من أحد الناس تخلق الهلع و ينتقل الخوف بسرعة فائقة دون وجود دليل أو تفسير منطقي لوجود خطر ما لدى الناس الذين يكون الخوف قد سيطر عليهم. على هذه الشاكلة، تنتقل الأفكار عبر التماهي العاطفي في أغلب الأحيان في مواقع التواصل الاجتماعي و في غياب تام للتحقق من صحة خبر، فكرة أو انتقاد. هناك أمثلة كثيرة على ذلك فكثير من الأخبار و الأحكام تكون غير مؤكدة و غير قابلة للتحقق من صحتها تنتشر بسرعة و تؤدي إلى هلع و انتشار أفكار مغلوطة أحيانا. هذا الوضع يغري الفاعلين السياسيين[النخب الحاكمة و المعارضة السياسية وجماعات المقاومة الشعبية] باستثمار هذا التقليد الميمي و المتحكم فيه عاطفيا وغير القابل للتبرير المنطقي للقيام بحملات ضد الخصوم السياسيين. يدفع هذا الوضع الثقافة إلى حالة من السطحية و الهشاشة النقدية و انتشار الأفكار المنفصلة تماما عن الواقع. طبعا الحقيقة هي موضع تنافس، لكن الوضع الحالي يرجعنا إلى زمن الدعاية و التفكير الجماعي و ثقافة القطيع، بدل تثبيت الثقافة  في زمن النسبية الديمقراطية و تأكيد الفردانية و الإبداع و الفكر النقدي و التعبير عن الذات. ما يحصل حاليا على هذه المواقع هو تكوُّن قبائل إلكترونية تتبنى موقفا موحدا رغم التنويعات في الشكل ضد أو مع  جهة معينة في غياب للفكر النقدي. ختاما إذا كان التقليد ضرورة اجتماعية و ثقافية، فمن الأجدر أن نقلد عن وعي ما يُحسِّن من ثقافتنا و ممارساتنا سواء الاجتماعية و الدينية و السياسية. إذا خضع التقليد للعاطفة و افتقد إلى الحس النقدي و التاريخي، فمن الأكيد أننا لن نتقدم بالشكل المطلوب عالميا نحو الديمقراطية النقدية المواطنة و سنبقى نقلد أحيانا من هم أقل منا ثقافة ووعيا و حسا نقديا. هيمنة الثقافة الشعبية و التفاعل العاطفي و تراجع الثقافة النقدية يهدد بثورة في الاتجاه المقلوب و قد لا نجد فيلسوفا يقلب الدياليكتيك من جديد.أستاذ باحث بجامعة أبو شعيب الدكالي  

  • ...
    القرد السجين في متاهة الاستهلاك

    تعيش مجتمعات القرود اليوم مسلوبة الإرادة ، إذ ترزح تحت نير استعباد الرأسمالية العالمية التي قامت بتدجنيها وتهجينها، فحولتها إلى قطيع مستهلك طيّع خنوع، يجثُم مسحورا بعالم الإشهار، ويتهَدَّل أمام رياح سوق العولمة، ويسْترِط كل ما تُنتجه أسواق الرأسمالية، فتارة ترقص القرود على موسيقى الموضة، و تارة تنبهر بالمغنَطة السحرية لمجتمع هوليود وديزني وماكدولندز، هو قطيع قرود سجين في متاهة الاستهلاك و"التضبيع"، هو فريسة تنهَش جثّته بَواشِقُ الرأسمالية العالمية وصقورها ، فتحشو خياله بحياة نمطية مُجنَسّة، توهمه بحاجيات مزيفة، فتختلط عليه الكماليات بالضروريات، ويصعب عليه التمييز بينهما، وهكذا تعيش معظم القرود بئيسة تعيسة، تكد وتعمل جاهدة لكي تلبي ما تعتقده حاجياتها الضرورية في الحياة.لقد استطاعت الآلة الدعائية الرأسمالية "تضبيع" القرود بحاجيات وهمية مزيفة، حولت حياتهم إلى تهافت على الفرجة والتسلية والترفيه، حيث رفعت القرود شعار: " أنا أشتري! أنا أمرح! إذن أنا أعيش!"، فأمست محرومة مما تنتجه، و لا تستطيع اقتنائه مجانا. لقد تحكّم اقتصاد الشركات الكبرى في نشاط السوق العالمية و سياسات الدول، إذ قام بنشر إيديولوجية الاستهلاك عبر وسائله الإعلامية، كما فرض نماذج تعليمية تناسبه، فهو اليوم يقوم باسترقاق القرود على جميع المستويات، حتى أضحت القرود تقدس الاستهلاك في معابد الأسواق، وتطوف بمحلاتها، كما أنها استبطنت الحاجيات الزائفة التي يبثها الإعلام التجاري يوميا على شاشاته وعبر أثيره و على صفحات منشوراته، موهما قطيع القرود بأنها حاجيات ذاتية ضرورية في الحياة.لقد خلقت الآلة الإشهارية العالمية نموذجا مهيمنا لطبقة اجتماعية وسطى مُجنّسَة، تقتني الشقق والأجهزة المنزلية بشتى أنواعها، وتتهافت على ماركات السيارات، وتلتهم الوجبات السريعة، مستلبَة نحو الفرجة و التسلية والترفيه والجنس والأفلام والموسيقى والرقص وكرة القدم. متى كان اقتصاد السوق مهتما بتغيير الأنظمة الاستبدادية ودمقرطة المجتمعات؟ ما يهمه هو الحفاظ على  توازن العرض والطلب، إذ كلما أفرطت القرود في استهلاكها للبضاعة الرأسمالية، إلا وحققت الشركات الكبرى أرباحا طائلة، فيبلغ الوحش الرأسمالي أشدّه. أبهذا النظام التسليعي الذي يبحث عن تخفيض النفقات وتكديس الأرباح في يد الأقليات الغنيّة تأملون توعية القرود؟ إن القرود العضوية التي تتفاعل مع قضايا مجتمعاتها تشكل خطرا حقيقيا على جنّة الترفيه، وبالتالي يُحظَر على القرود المُمَغنطة أن تنشغل عن الاستهلاك، لأن ذلك سوف يهدد مصالح السوق، وهكذا يجتاح الإشهار خيال المشاهد لكي يبيعه في مزاد سوق النخاسة  الجديد، فيستحوذ على إرادة القرود، و تنتظم هذه الأخيرة في صفوف الاستهلاك، بل و تنقاد بغمائم موضات السوق.   انظر عزيزي القارئ كم من الأحذية تقتنيها في السنة، وكم تلبس منها لفترة محدودة، بينما يتجول إخوتك في الغابات و بين طرقات الجبال حفاة عراة؟ كيف يلبس القرد العاري منا حذاء كل حين، بل ومن القرود من يتوفر على خزانة أحذية، تجد فيها البالي والجديد الذي لم يُلبس أبدا، وقرود تمشي حافية القدمين؟ انظر عزيزي القارئ كيف أصبحت القرود المغربية تشتري الشقق في مدن مختلفة، و تتركها مقفلة على مدار السنة ولا تفتحها إلا أيام معدودة في العطل، بينما قرود الجبال تلتحف العراء؟ ما معنى أن تُشترى شقق بالتقسيط، ثم تُوصد أبوابها لسنوات، بينما الأبناك تنهب الفوائد؟ ما معنى امتلاك شقة باقتطاعات بنكية مدى الحياة؟ كيف تُهدر الجهود والطاقات في اقتناء أملاك ريعية بالتقسيط تُثقِل كاهل الموظف، وتُلهيه عن قضايا عمله ومجتمعه؟ تجوّل عزيزي القارئ بين دروب مدينتك وأزقتها ، لترى القرود كم هي منهمكة في البناء والتبليط وإضافة الطوابق؟     تعيش القرود في معتقلات النظام الرأسمالي محاصرة باللوحات والإعلانات والإغراء والإلحاح والتحريض الإشهاري على مداومة الاستهلاك،  فكلما نَطّ قرد فرحاً بما اقتناه من جديد الموضة، إلا و مَغْنَطْتُه الآلة الإنتاجية بجيل جديد من البضائع يصيبه بلوعة التغيير، وهكذا يواظب القرد التائه على الاستهلاك، فهو يشتري و يشتري، بل يتناغَص في طوابير اللهف لاقتناء الموضة الجديدة، كما هو الحال في طوابير نيويورك عند عرض جيل جديد من الآيفون، أو بصورة ميكروية مثيرة للشفقة، تلك الطوابير التي نشاهدها كل جمعة أمام أسواق بيم في المغرب لاقتناء بضاعة المهند و لميس! كم من القرود تكدح وتشقى طيلة الأسبوع لترمي بأجرتها في حانات الدردشة و"الفرفشة"، بينما عوائل تكابد الجوع و العراء؟ أمام تفشي حمى الاستهلاك هذه، قامت بعض المجتمعات الثائرة بتلقيح قرودها ضد النظام الرأسمالي، فحاربته بالعقائد عن طريق جهاد النفس، ومنها من رفع السلاح في وجه الإمبريالية الرأسمالية، و منها من تسلح بالإيديولوجيات المناهضة للرأسمالية، كما هو الحال في عدد من دول أمريكا اللاتينية وكوريا الشمالية؟ فحتى في المجتمعات الرأسمالية نفسها، و أمريكا بالتحديد، رفضت بعض القرود نظام الاسترقاق، فخرجت تقتات من صناديق القمامة على الرغم من مطاردتها من طرف السلطات المحلية، و هذا النوع من القرود يُعرف بالقرد الفْريجِني(freegan)، إذ يعتقد هذا القرد "القُمامي" أنه من العبث أن تقوم مطاعم مانهاتن برمي فائض الطعام و الخضر والفواكه في أكياس بلاستيك قصد الإتلاف بينما يقبع الأمريكي البسيط في أحزمة البؤس، ينتظر بطاقة الدعم التي لا تتجاوز قيمتها خمسمائة دولار شهريا، كما أن قدماه لا تستطيع أن تطأ باب مثل هذه المطاعم.  كيف ترمي القرود الغنية بقايا الطعام في المزابل، بينما يعاني 786 مليون قرد على وجه هذا الكوكب من المجاعة حسب إحصائيات مؤسسة "الطعام أولا"(IFDP)؟ كيف تعيش قرود في أبراج عالية، تتنعَّم بعطلها في جنات الترفيه، وهي تتعامى وتتجاهل معاناة القرود الجائعة التي تتسوّل في العراء من أجل ما يسد الرمق. أهذا هو النظام العالمي الذي تتشدق به القرود المتحدة؟ هو نظام يساهم حتى الآن في تعميق الفوارق الاجتماعية على جميع المستويات، في التعليم والسكن و التطبيب و التغذية والشغل. وفي السياق ذاته، يتحدث كيفين بايلز في كتابه "اقتصاد العولمة والعبودية الجديدة" عن سبعة وعشرين مليونا من القرود العبيد، وهذا عدد يفوق سكان كندا، يعملون ليل نهار لفائدة الشركات متعددة الجنسيات في صناعة الفحم بالبرازيل، و صناعة "الياجور" بالباكستان، و الفلاحة بالهند، بل حتى في الولايات المتحدة و بريطانيا، تشتغل بعض النساء و القرويين في معامل بأبواب موصدة تحرسها نواطيرُ مسلّحة. تتجلى هيمنة النموذج الرأسمالي عبر العالم من خلال تسويق النموذج الناجح، إذ تُسلِّعه في إطار نمطي، مما يفسر لهفة قطعان القرود وضَغْثِهم نموذج التسلية والرفاهية بقيم النجاح: ألم تتحول رموزنا من قدوة الاختراع والإنتاج إلى أصنام الاستهلاك؟ من يُقتدى به الآن في مجتمع القرود؟ هل هم المفكرون والعلماء والمخترعون أم نجوم السينما و الموسيقى وكرة القدم؟ دليلُك عزيزي القارئ نجوم إشهار اليوم: أنظر كيف يتلاعب القرد الساحر ميسي بمشاعر القرود مغربية المنشأ؟ألم تشرّد الآلة الرأسمالية الملايين من القرود المنسية، كما اعتبرتها أمم القرود المتحدة أضرارا تبعية غير مقصودة(collateral damage)؟ أليس هذا ما يستنفر بعض المجتمعات في مختلف بقاع العالم نحو تعبئة قرودها ضد هيمنة النظام الرأسمالي؟ فلنأخذ على سبيل المثال قرود فينزويلا والأرجنتين والأوروغواي وكوبا و بوليفيا التي أطلقت متحدة معا محطة إعلامية سنة 2005، تحت عنوان (Telesur)، أي محطة الجنوب، وذلك لإبلاغ صوت قرود القاع، فتعالت الأصوات بين القرود اللاتينية للحد من زحف النظام الرأسمالي، كما أسست فنزويلا لوحدها 200 محطة إعلامية أهلية قصد ترسيخ العقائد الاشتراكية المضادة للهيمنة الرأسمالية في مخيال القرود. أتذكر عزيزي القارئ أن هذه المجتمعات هي التي ولّدت قِرْدَة فطِنة ثائرة كوبية، صرخت في وجه الغوريلا الإسرائيلي خلال إحدى اجتماعات الجمعية العامة، فاتهمته بالهرطقة و تزييف تاريخ المحرقة اليهودية بهدف دغدغة مشاعر الحاضرين، و استمالة أصواتهم؟  بالله عليكم، دُلّوني أين أجد قردا عربيا فحلا يقف موقف القِرْدة الكوبية؟ ألا تشاهدون شطحات القرود العربية، وهي تترنّح من سكر أنغام إمبراطورية هوليود؟ أبهذه القرود الضائعة الشاردة في متاهة الاستهلاك تريدون تحرير القدس؟ آه وآه كم أنتم حالمون!؟ ذ، محمد معروف ، جامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    المثبتات الاجتماعية للأفكار وللمطالب السياسية

    عالم الطبيعة هو الأصل و هو الملهم للعالم الإنساني الثقافي، يمده بالأفكار و بالأساسات التي يمكن أن تكون أرضية لاختراعات جديدة في العلم و لتأويلات جديدة في عالم الثقافة و الاجتماع. يساعد فهم عالم الطبيعة على فهم عالم الثقافة و يمكِّن من تغييره. خلال قراءتي لأحد المقالات العلمية في البيولوجيا الحيوانية، تعرفت على نوع من الباكتيريا يساعد الحيوانات البحرية على التزود بالغذاء وذلك بتثبيته للكاربون و النيتروجين حتى تتمكن هذه الحيوانات من الاستفادة منه. بدون هذا النوع من البكتيرتا يبقى الكاربون و النيتروجين غير قابل للاستهلاك و يضيع في الفضاء المحيط. الفكرة التي يمكن أن نستفيد منها لفهم عالم الثقافة، طبعا مع الاعتبار التام للفارق بينهما،  هي أن بعض الأفكار و المطالب تبقى دون تأثير فعلي في الواقع إلا إذا تم تثبيتها فعلا بواسطة مؤسسات، أفعال و حركية سياسية على أرض الواقع.  نضيف مثالا آخر، فالسكر في الدم يحتاج، ليكون فاعلا و مفيدا للجسم، للأنسولين ليتحول إلى مادة مغذية للخلايا.قام الكثير من المفكرين بالبحث في الكيفية التي تصبح بها بعض الأفكار أو الأيديولوجيات مهيمنة وربطوا تلك الهيمنة بميادين الصراع و حرب المواقع [غرامشي] و بتحكم البنيات و دور المؤسسات، قمعية كانت أو أيديولوجية، في تثبيت الأفكار السائدة و المهيمنة [ألتوسير]. كما ربط فوكو بين السلطة و المعرفة و أكد على حقيقة أن كل سلطة تسعى إلى الترويج لمعرفة تثبتها و تدعمها و تساعدها على الاستمرار في الهيمنة على المجتمع. ارتبط تثبيت الأفكار في عقول الناس بالصراع و بالترويج لنوع من المعرفة عبر المؤسسات و بالرغبة في تحقيق الهيمنة. نضيف إلى هذه المراجعة السريعة فكرة المقاومة التي لم ينتبه إليها فوكو من حيث أن قوى سياسية أخرى قد تقوم بنفس العمل الذي تقوم به النخبة الحاكمة من حيث الترويج لأفكار معينة و إدارة الصراع من مواقع فاعلة. كما نضيف تأكيدا على جانب الإرادة الإنسانية في مقاومة التحكم التي لم يعرها ألتوسير أي اهتمام بسبب مقاربته البنيوية.ما نشاهده اليوم من تطورات سياسية منذ اندلاع الربيع العربي و أفوله يشهد على وجود صراع و محاولات تثبيت لأفكار معينة تساعد الطرف المروج لها على الاستمرار في الهيمنة و المُسائل لها على الاستمرار في التحدي و المقاومة. تقوم النخبة المهيمنة بالترويج لأفكار معينة كضرورة دعم الاستقرار السياسي، و تحاول تثبيتها بتشجيع المطالب الاجتماعية و تجريم المطالب السياسية، و تشجيع الإنسان العادي على التعبير و الاحتجاج في حدود معينة. يتم دعم و تثبيت فكرة الاستقرار و ضرورة الحفاظ عليه عبر اختزال المطالب و حصرها في ما هو اجتماعي و الاستماع للإنسان العادي و لمطالبه. منذ الربيع العربي، تحاول النخبة السياسية ضرب السياسي المثقف و تشجيع الإنسان العادي غير المسيس لأن مطالب هذا الأخير تبقى في حدود المتحكم فيه و يسهل على النخبة تضليل هذه الشريحة على أساس أنها جماهير غير منظمة. يمر تثبيت الفكرة عبر التواصل المباشر بين السلطة و المواطن العادي، أو عبر المنع و الترخيص، التجاوب و التضييق، كل حسب السياق و في إطار رسم واضح للحدود و للخطوط الحمراء التي يستبطنها الإنسان العادي و تصبح لسان حاله.الاستقرار شيء محمود و مرغوب فيه، لكن ليس كل الفرقاء يقبلون ثمن الاستقرار. يروج المقاومون للاستقرار بدون شروط لفكرة مضادة ترفض الاستقرار بدون تنمية و ديمقراطية. عندما يحتج المروجون لهذه الفكرة [في الريف مثلا] تُنعث مطالبهم بالسياسية و تحارب على أساس ذلك لأنها تثبت فكرة مضادة تقوض سلطة النخبة الحاكمة. عندما أصبح تثبيت الفكرة المضادة واقعا في الريف تدخلت المؤسسات القمعية كما يسميها ألتوسير [البوليس و القضاء]. لكن الصراع لم ينتهي و إن سكنت عواصفه. تم خلق فكرة أخرى تدعم سلطة النخبة الحاكمة و تؤسس من جديد لمشروعيتها، و هي فكرة المسؤولية و المحاسبة لمواجهة الفساد الذي أدى إلى أزمات أحرجت النظام السياسي. فكرة تم تثبيتها بإقالة وزراء و سياسيين كبار و أعوان سلطة من ولاة و عمال. كان التثبيت ناجحا إلى حد ما و حققت الفكرة شعبية كبيرة أعطت للنظام مشروعية أكثر لمحاربته فساد بعض المسؤولين. لم تكن هناك مقاومة فعلا لفكرة ربط المسؤولية  بالمحاسبة، بل فقط لانتقائيتها في تحديد المستهدفين.جاءت أحداث جرادة لتخرج الجماهير في احتجاجات غضب ضد الظروف القاسية للحياة و غياب التنمية في المدينة. فكانت الفكرة المنقذة هي أن التنمية هي الحل. تم الترويج لفكرة ضرورة التنمية كجواب عن الفاجعة و تم بذلك تثبيت الفكرة الأصلية التي أشرنا إليها فيما سبق و هي فصل المطالب الاجتماعية عن السياسية و دعم فكرة الاستقرار و تشجيع الجماهير غير المنظمة على التعبير و الاحتجاج و إعطاء الإنسان العادي الفرصة للتعبير و إسماع صوته، و تجريم المطلب السياسي و تهميش السياسي المثقف.إن الصراع بين الفرقاء السياسيين من أجل البحث عن الهيمنة هو شيء عادي في السياسة، لكن ما يثير الانتباه و بعض القلق هو الاعتقاد في أن الجماهير لا صوت سياسي حقيقي لها و أنه سهل تضليلها و السيطرة عليها و أن السياسي المثقف هو عدو للسلطة القائمة و أن المطالب السياسية خطر على الاستقرار. إن تثبيت بعض الأفكار من طرف السلطة الحاكمة من أجل الهيمنة و إن كان ناجحا في الوقت الحالي، قد يؤدي مستقبلا إلى نتائج لا يمكن التحكم فيها، و قد يخلق وضعا لا يمكن السيطرة عليه سواء من حيث الثقافة و الواقع السياسي. لقد حذرت غياتري سبيفاك [في سؤال ربما استنكاري: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟] من عدم تمكين التابعين من التعبير عن أنفسهم. الآن و قد تكلم المهمشون و المتضررون من غياب التنمية، هل ستعمل الدولة على تثبيت فكرة التنمية بعيدا عن الشرط الديمقراطي؟ و هل سيقبل السياسي المثقف بالتهميش أم سيحاول تثبيت فكرة الترابط الضروري بين التنمية و الاستقرار و الديمقراطية؟ طبعا فالأفكار بدون تثبيت هي أفكار لا قيمة لها، أو هكذا يبدو الأمر. أستاذ باحث/ جامعة أبو شعيب الدكالي

  • ...
    رؤساء جامعات بدون مشاريع حقيقية

    تنص المادة 15 من القانون 00-01 المنظم للتعليم العالي على ما يلي: "يُسيّر الجامعة رئيس لمدة أربع سنوات، يُختار بعد إعلان مفتوح للترشيحات من بين المترشحين الذين يقدمون مشروعا خاصا لتطوير الجامعة.. ويمكن للرئيس الذي انتهت مدة انتدابه أن يترشح لمرة ثانية وأخيرة".والمشروع الخاص لتطوير الجامعة هذا والذي يقدمه المترشحون من أجل مباراة شغل منصب الرئيس هو وثيقة بمثابة تعاقد صريح بين المترشح الفائز بالمنصب والجامعة المعنية بالأمر، والذي على أساسه يتم تعيينه رئيسا لمدة أربع سنوات، يعمل خلالها على تنفيذه وأجرأته.ويرتكز مشروع تطوير الجامعة على مجموعة من المحاور المتعلقة أساسا بمجال الحكامة والبحث العلمي والتكوينات.. تتضمن أفكارا وإجراءات وأهداف، يُفترض أنها نابعة من تشخيص دقيق وحقيقي للواقع وقابلة للإنجاز من أجل تطوير وتنمية الجامعة.للأسف الشديد، تبيّن منذ بداية تطبيق الاصلاح سنة 2002 أن جل المشاريع الخاصة لتطوير الجامعة، والتي يقدمها المترشحون ترتكز بالأساس على طموحات شخصية ومهنية، وأن الهدف من بلورتها وإعدادها هو الفوز في المباراة والوصول إلى الكرسي.مَن منا لا يتذكّر الفضيحة المجلجلة التي انفجرت سنة 2003، والمتعلقة بتطابق مشروع رئيس جامعة شعيب الدكالي ومشروع رئيس جامعة عبد المالك السعدي (copier-coller)، والتي كانت موضوع سؤال في البرلمان؟ومَن منا لم يسمع عن رئيس سابق بجامعة القاضي عياض عندما قال أمام أعضاء مجلس الجامعة أن المشروع الذي قدم في ترشيحه لن يعمل به، وأنه قدم هذا المشروع فقط لان القانون ينص على ذلك؟ومَن منا لا يعرف جيدا أن العديد من المترشحين لشغل منصب رئيس جامعة (أو منصب عميد كلية) يلجؤون إلى مكاتب دراسات للحصول على مشاريع جيدة بالمقابل؟والغريب في الأمر، هو غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ كيف يعقل أن يقدم رئيس جامعة مشروعا قد يكون طوباويا، ويسيّر جامعة لمدة ثمان سنوات، ثم ينصرف دون مساءلة ومحاسبة؟لقد أن الأوان لأن يكون على رأس الجامعات العمومية رؤساء أكفاء يتوفرون على كل مقومات القيادة، رؤساء قادرين على الدفع بالجامعة العمومية إلى الأمام، ولديهم مشاريع حقيقية يؤمنون بها حقا ويحرصون على تنفيذها، وليس رؤساء همهم الوحيد والأوحد هو الوصول إلى الكرسي بمشاريع زائفة ومنتحلة، والسعي لضمان ولاية ثانية عبر تلميع صورتهم وخلق مجالس على المقاس ولوبيات للدفاع عنهم، كما هو حال جل الرؤساء الحاليين، من ضمنهم رئيس جامعة شعيب الدكالي.بالنسبة لتلميع صورة رئيس جامعة شعيب الدكالي، جدير بالذكر أن أول تعيين قام به بعد تحمله المسؤولية هو تعيين أستاذ بكلية الآداب مكلف بالتواصل.. ومع مرور الأيام، تبيّن أن التواصل الذي يقوم به سعادة الأستاذ ويتقاضى من أجله تعويضات من ميزانية الجامعة، هو تلميع صورة الرئيس عبر نشرة "أخبار الجامعة newsletter"، وصفحة بالفايسبوك.. وبنظرة سريعة على هذه النشرة أو هذه الصفحة، يمكن للمتصفح أن يلاحظ هذا الكمّ الهائل من الصور التي يتم التقاطها للرئيس في كل المناسبات، خاصة مع شخصيات دبلوماسية أو حكومية.في نشرة "أخبار الجامعة newsletter" الأخيرة، والتي توصّل بها جل الأساتذة الباحثين عبر بريدهم الالكتروني، توجد صورة للرئيس إلى جانب السيد ياروسلاف كوفال سفير أوكرانيا، في مكتبه بالرئاسة. لكن ما لا يعرفه الرأي العام ولم يتكلم عنه أستاذ التواصل في نشرته هو أن الرئيس استقبل السيد السفير بعد أن ألقى عرضا تحت عنوان "علاقات التعاون بين المغرب وأوكرانيا" بالكلية متعددة التخصصات لم يحضره الرئيس  بنفسه، ولا أي رئيس مؤسسة جامعية، ولا أي نائب عميد أو نائب مدير، ولا أي رئيس مختبر من مختبرات المؤسسات الجامعية، ولا أي طالب باحث بالجامعة، بل حضر فقط عميد الكلية بالنيابة ونائبه، وبعض الأساتذة الباحثين بالكلية متعددة التخصصات لا يتعدى عددهم خمسة أساتذة وأستاذة باحثة واحدة من خارج هذه الكلية، حضرت عن طريق الصدفة.. عن أي تواصل يتكلمون؟أما في ما يتعلق بالتدخل السافر للرئيس في عملية انتخابات هياكل الجامعة، والمدافعين الأشاوس على سيادته داخل أسوار الجامعة، فهذا موضوع سنعود إليه بالتفصيل، حيث لا حديث بين الأساتذة الباحثين والموظفين بمختلف المؤسسات الجامعية إلاّ عن هذا الموضوع..في الأخير، إذا كان من حق الرئيس أن يترشح لولاية ثانية ولا أحد يجادله هذا الحق، وإذا كان من حقه أن يستعد لهذا الترشيح بالطريقة التي يراها مناسبة، فمن حقنا نحن كذلك أن نتساءل أين مشروع تطوير الجامعة؟ ماذا عن البحث العلمي والحكامة الجيدة بالجامعة؟ ماذا عن المشاكل التي يتخبّط فيها السادة الأساتذة الباحثين والموظفين؟ أليس من المفروض أن يكون نائبه المكلف بالبحث العلمي في مكتبه بالرئاسة، للقيام بالمهام المنصوص عليها في المادة 13 من النظام الأساسي للجامعة؟ ألا يوجد في جامعتنا أستاذ باحث واحد يمكنه أن يقوم بمهمة عميد كلية العلوم بالنيابة، عوض تعيين نائب الرئيس المكلف بالبحث العلمي للقيام بهذه المهمة؟ أليس هذا التعيين دليلا على أن البحث العلمي بالجامعة لا يدخل ضمن اهتمامات الرئيس؟إن جامعتنا السيد الرئيس، بحاجة إلى تكريس حكامة جيدة وإلى تطوير وتشجيع البحث العلمي بها، وإدماجها في محيطها السوسيو اقتصادي، وأن تصبح قاطرة للتنمية بجهة دكالة، وليست بحاجة لنائب رئيس شبح، وأستاذ يتقاضى تعويضات من ميزانية الجامعة مهمته تسويق وتلميع صورتك أنت وليست صورة الجامعة.ذ. غريب عبد الحق كلية العلوم بالجديدة

  • ...
    ديمقراطية البؤساء بالمغرب؟

    يعتبر المجال العام، وفق يورغن هابرماس، من أهم أركان الممارسة الديمقراطية الحديثة، إذ يتألف من نخب سياسية محنكة وصحافة نقدية مستقلة ومواطنين مهتمين بالشأن العام، و في عرض حديثه عن هذا المجال، يتبين أن تطبيق المبادئ الديمقراطية يتمحور حول شروط لازمة أولية لهذا المجال، يمكن اختصارها في ما يلي:  - وجود دولة قومية- وجود حدود جغرافية فيزيائية- وجود مواطنين مخلصين أوفياء لوطنهم- وجود فضاء لساني مشترك - وجود صحافة نقدية مستقلة- سيادة الحصافة و العقلانية في ثقافة المجتمع- وجود نخب سياسية مواطنة مؤطرة- وجود حكومة تعتمد مقاربة تشاركية، ذلك لأن السمة الأساسية للمجال العام، تكمن في تأثيره في القرار الحكومي.  تعتبر هذه المقومات السمات الأساسية التي تميز النظام الديمقراطي عن غيره، كما تضع اللبنات الأولى لإنتاج مجال عام قوي، قد يشكل حلبة صراع بين جميع أطياف المجتمع ومشاربه السياسية، لكن السؤال الذي يقلقنا في هذا السياق هو:  هل كان المنظر هابرماس يصمم مجالا عاما يشمل الممارسة الديمقراطية في مختلف تجلياتها، أم هو تصور محلي ينبثق من دولة قومية تاريخية نشأ بها صاحب النظرية ؟  ونضيف سؤالا آخر، قد يخامر فكر القارئ: هل تحاكي مجتمعات الحاضر المجال العام الهابرماسي الذي دأب على تأثيث الفضاء الديمقراطي بحوارات عالمة ونخب سياسية متمرسة وصحافة نزيهة تنتقد السلطة الحاكمة و تجاهرها بالحقيقة؟ لقد كتبنا بالأمس عن مجتمعات القرود وديمقراطية الفرجة، فحاولنا تسليط الضوء على أقنعة الإعلام النخبوي، حيث لا يستطيع هذا الأخير أن يشكل مجالا عاما مستقلا، نظرا لأن من يمتلك الشركات الإعلامية العملاقة، لا يهمه العمل الديمقراطي  بقدر ما يهمه الربح المادي و شراء الزبناء، وبيعهم للشركات الإشهارية، و مداهنة مصادر المعلومات التي تتمركز في يد الحكومات، و هكذا يوجد الإعلام التجاري والعمومي معا بين مطرقة السوق و سندان الدولة، فهو يقع تحت سيطرة قوى السوق التي تتحكم فيه عبر الإدماج الأفقي والعمودي، كما يخضع لمقصلة المراقبة والقوانين والمساومات الحكومية، خصوصا لما يتعلق الأمر "بالقضايا المصيرية".  إنه إعلام النخب التي تعتبِر نفسها سلطة أبوية في إذاعة المعلومة، و تنصّب نفسها معلما لقطعان الجماهير المستهلكة، حيث تسٓوّق الديمقراطية في قالب فرجوي و برامج ترفيهية، يلتهمها القطيع على الشاشات، اعتقادا منه بأنها الحقيقة الواقعية دون أي تفاعل إيجابي أو تواصل متنوع، على النقيض من ذلك المجال العام البورجوازي الذي احتضنته مقاهي وصالونات القرن التاسع عشر. أليس هذا الإعلام المتلفز والمرقن أحادي التواصل هو من يصنع تمثلات الرؤساء و يزود القطيع بمخيال السلطة و الحكم، كما يلمع صورة مرشح و يبشّع آخرى؟ هل يعلم قطيع المشاهدين أن تخديرهم بأوهام الصور، تعد صناعة إبداعية تصرف عليها الملايير لتحقيق  مصالح النخب الاقتصادية ومكاسبها السياسية، إذ تسعى من وراءها شركات وحكومات و لوبيات ضغط للتحكم في مصائر الشعوب بغض النظر عن طبيعة الأنظمة السياسية؟ انظروا ما يقع في الولايات المتحدة من تدخل لهذه اللوبيات في اختيار الرؤساء، و كيف تمارس الشركات العملاقة، والمنظمات الدولية، و الحكومات ضغطها لاختيار رئيس دون آخر؟ و آخر مثال عن هذا العبث المنظم هو اختيار ترامب الذي سوقته الآلة الدعائية بأنه رجل المرحلة، فانساقت القطعان الأمريكية وراء الرجل منخدعين بشعاراته الطنانة التي يتعَنْفَص بها " سنفوز ونفوز و نفوز ونفوز، حتى تقولون لي:'كفانا فوزا يا رئيس!'"، بالله عليكم من يصدق هذا الكلام الأرعن سوى قطيع الممغنطين المنهومين بتصديق أوهام الصور و تقديس النزعة الأبوية في إذاعة المعلومة!           كم عدد الأنظمة السياسية الثالثية التي تماثل النموذج الهابرماسي أو تشابهه؟ لماذا، إذن تعثرت النسخة العربية للمنظومة الديمقراطية؟ ولماذا عزفت بعض دول أمريكا اللاتينية عن النموذج الرأسمالي الهابرماسي، حيث لجأت إلى تطوير نماذج اشتراكية ديمقراطية جديدة في إطار ما يعرف اليوم "بالبينك تايد"(Pink Tide)؟ كيف يمكن توفير البنيات الداعمة للمنظومة الديمقراطية بين عشية وضحاها في عالم متخلف، بينما أنتجتها الآلة الرأسمالية في أوروبا على مدى قرون؟  ماذا يحدث اليوم في الهند على سبيل المثال؟ هل تتوفر على صحافة مستقلة، ونخب سياسية مؤطرة تمكنها من إرساء قواعد الحوار العام؟  تعتبر الهند البلد الوحيد عبر العالم الذي يستقطب الملايين من الناخبين، جلهم من جماهير الفقراء، ويتم اختزال الأداء الديمقراطي في عملية الانتخابات التي يبرم عقدها بين الساسة والفقراء، بينما تشتكي الطبقات المتوسطة المتعلمة من الإقصاء والتهميش، حيث لا يحظى رأيها بأي اعتبار، مادام تنشيط المجال العام و تأطير الجماهير وتوعيتها مفقودا. تقوم الطبقة السياسية باستغلال فقر ملايين البؤساء وجهلهم السياسي، فيسقطون لقمة سائغة في يدها لتحقيق مكاسب سياسية، وغالبا ما يحدث هذا عبر انتخاب سواد الفقراء للنخب السياسية دون الحاجة إلى المرور عبر أي مجال عام حقيقي يعكس التجاذبات والمناقشات السياسية، مما يقصي حتما المساهمة الممكنة للطبقات الوسطى المتعلمة في بلورة الرأي العام السائد، وهكذا تُنَمْذِجُ الانتخابات الهندية المشهد السياسي على شكل تعاقد بين فقراء البلد وأغنيائه، ينتهي بانتهاء الانتخابات، وفوز الأغنياء، ثم عودة قطيع الفقراء ليلتصق بمقاعده أمام شاشات التليفزيون، يتفرج على باقي فصول المشهد السياسي.  أليس هذا ما يحدث في المغرب؟ و كأننا لا نتماهى مع أفلام هندية فقط، بل نعيش ديمقراطية هندية بامتياز! هل يتوفر المغرب على نخب سياسية قوية تؤطر المجتمع إيديولوجيا وتتوفر على رؤى مستقبلية و برامج مدروسة؟ ما هي الآليات التي تستخدمها الأحزاب في استقطاب قطعان الناخبين؟ وتتناسل الأسئلة المبدئية في هذا المضمار حول العملية الديمقراطية بالمغرب، لتصل إلى عملية الانتخابات: من ينتخب في المغرب؟ هل هناك دراسات دقيقة حول هوية الناخبين و دوافع اختياراتهم السياسية؟ هل يتوفر المغرب على ناخب مضطلع على إحصائيات الدخل القومي ونسب البطالة ومهام المؤسسات التشريعية و التنفيذية، وكيفية تخصيص الميزانيات وصرفها، وأدبيات الأحزاب وبرامجها؟  لنكن صرحاء مع بعضنا البعض: ألا يتم تجييش قطعان من الناخبين إبان الانتخابات وهم لا يحيطون حتى بجغرافية بلدهم؟  ألا تتفقون معي بأن الانتخابات في المغرب تشكل تعاقدا كاثوليكيا بين أحزاب مشخصنة في أسماء معروفة  في دوائرها الانتخابية وقطعان من البؤساء يصوتون لملأ البطون أو من أجل وعود غودوية (نسبة إلى غودو)، أو انطلاقا من نوازع عقائدية أو أخلاقية؟ أين هي الطبقة الوسطى المتعلمة التي تشمل التقنيين والكوادر والأساتذة و الأطباء والمهندسين و غيرهم من الطلاب والمتمدرسين؟ كم من هؤلاء ينزلق إلى لوائح الترشيح باسم الأحزاب أو إلى صناديق الاقتراع؟ لماذا أصبحت الطبقة الوسطى في المغرب تشكل كثلة صامتة، تقاطع الانتخابات و تتقوقع في مواقع سلبية تتفرج من خلالها على عتمة المصير؟ ما هذا الخليط الهجين للأداء الديمقراطي؟ ليست العبرة باستبدال صناديق الخشب بصناديق شفافة، ثم الحفاظ على دكاكين حزبية تفتح أبوابها فقط أيام الانتخابات، فتبرم صفقات تجارية مع قطعان لا تدرك مغزى التصويت وسطوته ، ذلك لأنها قفزت من مقاعد المشاهدة التلفزية إلى صناديق الاقتراع دون المرور بمجال عام يُقعّد للأداء الديمقراطي، و يخلق الأجواء السياسية الصحية التي تصنع اللاعب السياسي والناخب معا؟ أين هو المجال العام بالمغرب؟ هل يمكن اختزاله في  مجتمع مدني متعثر؟ هل يحظى المغرب بإعلام نقذي مستقل قادر على المساهمة في صنع القرارات الحكومية؟ كيف يمارس المواطن المغربي ضغطه على الحكومة؟ أليس غياب المجال العام هو ما أدى بعدة دول إلى الاقتتال حين انهارت أنظمتها السياسية؟ أليس غياب المجال العام بالمغرب هو ما يبعثر الناس في الشوارع من التغريد إلى الاحتجاج؟  تنهار الأنظمة، لكن تستمر الدول إذا توفرت على مجال عام قوي يحتضن الاختلاف ويحتويه، ويخلق مناخا سياسيا نقديا يؤسس لتسامي العنف وإعادة صقله في ثقافة المحاسبة و المقاربة التشاركية في بناء الوطن.   إن المجال العام ليس حكرا فقط على النخب المتعلمة والمثقفة، كما جاء في البداية على لسان هابرماس الذي اشترط توفر مبدأ العقلانية التي ظلت حكرا على الطبقات البورجوازية المتعلمة، وبالتالي فالمجال العام بهذه المواصفات يقصي قطعان الكادحين في المجتمع، بل هناك مراجعات من طرف هابرماس نفسه، ونقاد آخرين يقرون بدينامكية هذا المجال و حركيته على أساس علاقات القوة بين الأفراد والجماعات، فهو مجال متنوع مليء بالمتناقضات، ليس بالضرورة متجانسا، لكنه متماسكا يحتوي تضارب الآراء وصدام المصالح، وهذا ما يجعله حصنا متينا مؤثرا في القرار السياسي، و درعا واقيا من نشوب أزمات عقائدية وحركات متطرفة عنيفة تسعى إلى الانقضاض على الحكم. يشكل إعلام المواطن اليوم إعلاما بديلا عن الإعلام الرسمي الذي تم تسليعه من طرف القوى الاقتصادية، هذا بالرغم أن المواقع الاجتماعية التي ينشط فيها المواطن تخضع هي الأخرى لإيديولوجية السوق. وتتحدث الأبحاث الأكاديمية عن المواطن الشابكة (Netizen) الذي يتخذ من المواقع الاجتماعية منابر لمخاطبة السلطة و مجاهرتها بالآراء والأفكار والقناعات السياسية التي يؤمن بها، فهل تشكل هذه المنابر نواتا لمجال عام قادم بالمغرب، خصوصا لما تتوالى الأحداث من الفايسبوك إلى الشارع، وترتج رجالات السلطة من مواقعها، و ترتجف القرارات الحكومية، هذا بالرغم من الكلفة التي قد يؤديها نشطاء الفضاء الأزرق في السجون؟ على الرغم من قوة الفضاء الأزرق في تدويل المعلومة وتنوير المواطن، إلا أنه لا يشكل مجالا عاما مثاليا لترسيخ مبادئ الديمقراطية، إذ يظل حلا ترقيعيا أمام غياب المجال العام الحقيقي. يعاني المجال العام الافتراضي بالمغرب من ضعف التمثيلية الاجتماعية نظرا لقلة الإمكانيات وانتشار الأمية الوظيفية، كما يعاني من تشتت الآراء وتشرذمها، مما يزيد في بلقنة الأداء السياسي، كما أن هذا المجال لا يخضع حاليا لسيطرة نخب مثقفة أو ما يطلق عليهم بأمناء المعلومة (gatekeepers) ، فهو مجال مفتوح على جميع الآراء الواردة من جميع أنحاء العالم،  وعلى متدخلين مجهولي الهوية والمقاصد، لا تحكمه سلطة مركزية، ولا حدود جغرافية، وهكذا قد تتلاشى بين أحضانه الولاءات المحلية وتضيع مركزة السلطة وتتمزق الآراء، وبالتالي قد ينزلق الأداء السياسي نحو المجهول؟   و في الختام، نتوقف لنتأمل ما بعد تقرير المديرية العامة للجماعات المحلية التي نشرت أرقاما صادمة عن المستوى التعليمي لأعضاء مجالس الجماعات الترابية، هذا مع العلم أنه كان ينبغي على المديرية أن ترفق هذه الأرقام بأرقام أخرى تحصي قطعان الناخبين الأميين الفقراء الذين يتعاقدون مع الجلاد السياسي الأمي لتحقيق مكاسب ظرفية.  إذا كان هابرماس يشترط في الأداء الديمقراطي المستوى التعليمي المتقدم والوعي السياسي الثاقب، نحن نشترط تفطين الناخب المغربي، في انتظار تشكيل مجال عام مؤطر له، عبر تدريبه في سياق مؤسساتي، فكما تشترط الدولة في السائق حصوله على رخصة سياقة، فكذلك يجب على الناخب و المرشح معا أن يستكملا تكوينهما على المواطنة في إطار تدريب مؤسساتي و اضطلاع اقتصادي وتكوين رأي سياسي حول الإيديولوجيات والبرامج، وهكذا لن يترشح  أحد أو يصوت ناخب إذا لم  يستوف شروط "رخصة التصويت أو الترشيح"، تسهر على إعداد بنودها جامعات ومعاهد متخصصة، كما تراقب هذه المؤسسات المستقلة عملية تأطير الناخب و المرشح من طرف الأحزاب التي توضع هي الأخرى أمام مسؤوليتها في تأطير المواطن، و تطالبها الدولة بكوتا في التكوين قبل السماح لها بالمشاركة في الانتخابات. و هذا ما قد يؤدي إلى إعادة هيكلة معظم الأحزاب في أقطاب تحقق التجاذب السياسي المطلوب عوض البلقنة والتشرذم، و إلا فسنستمر في سياسة الإقصاء والمقاطعة السلبية و مباشرة ديمقراطية البؤساء برمي مناشير ومطويات في الأسواق الأسبوعية و الأحياء الشعبية، تدكها أقدام الأمية، و في أحسن الأحوال، قد  يصنع منها أطفال أحزمة البؤس لعبتهم المفضلة، تلك البواخر الورقية التي تطفو فوق "ضايات" الحي...   ذ، محمد معروف ، جامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    تساؤلات حول صفقة ب 148 مليون سنتيم لشراء عتاد معلوماتي بالمدرسة الوطنية للتجارة و التسيير بالجديدة

    تستعد المدرسة الوطنية للتجارة و التسيير بالجديدة لإقتناء تجهيزات و عتاد معلوماتي تقدر قيمته بحوالي 148 مليون سنتيم، إلا أن مجموعة من التساؤلات بدأت تجول داخل الأروقة الجامعية، حول الدوافع التي أضحت تُسَيَرْ بِها المدرسة الوطنية في ظل تعيين مديرة بالنيابة و مرشحة في نفس الوقت لنيل المسؤولية.إذ أن قيمة هذا الإستثمار ليست مخصصة لإقتناء حواسيب و معدات تكنولوجية يمكن حملها أو نقلها، و لكن تهدف إلى تثبيت نظام تقني معلوماتي يهم وسائل الإتصال بالأنترنت، (Fibre Optique) داخل البناية المؤسسة الجامعية مع العلم أنها توجد في ملكية الجماعة الحضرية للجديدة منذ أيام الرئيس الأسبق الطاهر المصمودي، لكن المثير للاستغراب أن حكومة جلالة الملك قد برمجت برسم مشروع قانون المالية لسنة 2018 إعتمادات مالية لتشييد و بناء مقر جديد للمدرسة الوطنية للتجارة و التسيير بالجديدة، بالمركب الجامعي مازاغان بجماعة الحوزية.هذا ويتسائل الرأي العام لماذا هذا البذخ و صرف هذه الأموال الطائلة ؟ هل فعلا ENCG بحاجة لFibre optique ؟ إذا كان ذلك فهل السير العادي متوقف داخل هذه المؤسسة ؟ أين الحديث عن النجاعة في التدبير من خلال عقد شراكات رابح-رابح مع مختلف المؤسسات العمومية و الخاصة ؟ ألا يتواجد المكتب الجهوي لشركة إتصالات المغرب على بعد أمتار قليلة من البناية ؟ ألا يمكن الإستفادة من Fibre optique  الخاص به ؟ أليس الأجدر إستثمار 148 مليون سنتيم في البناية الجديدة بالمركب الجامعي مازاغان ؟ أليست هنالك مؤسسات جامعية أخرى بحاجة إلى 148 مليون سنتيم لإستكمال أشغال متوقفة لسنوات (نعود لها لاحقا) ؟ هل يمكن القول على أن عقلية التسيير الحالي هي مبنية على ترضية الخواطر .إن مبدأ الحكامة الجيدة الذي نص عليه دستور فاتح يوليوز 2011، يؤكد على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، و لعل تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول مشروع الحسيمة لمنارة المتوسط، قد أتى بمعطى جديد، صحيح أن المسؤول لم يختلس أموالا و ليس بسارق أموال المواطنين أو خائن حتى لثقة جلالة الملك، لكن فشل التدبير و أثره في التسيير اليومي و الإستراتيجي على المدى البعيد أسقط أسماءا وازنة، فهل كان في ذلك موعظة حسنة لبعض المسؤولين الجامعيين ؟إن مسؤولية تمرير صفقة 148 مليون سنتيم، قد لا تتحملها المديرة بالنيابة لوحدها رغم دفاعها المستميت عنها، كون إعتقادها الخاطئ على أن المجالس الجماعية المتعاقبة ربما قد تتنازل بشكل كلي عن الوعاء العقاري لفائدتها، فإذا كان الرئيس السابق عبداللطيف التومي قد وضع رهن إشارة الجامعة بناية المركب الثقافي، فالأكيد أن المجلس الحالي و لا القادم سيسترجعها قصد الاستفادة منها أو تفويتها و بيعها كما هو الحال مع مجموعة من البنايات،، لهذا يبدوا جليا أن المسؤولية لا تتحملها لوحدها المديرة بالنيابة بقدر ما يتحملها مجلس المؤسسة الذي صادق على الصفقة ربما بالإجماع.حمزة رويجع