أعمدة الرأي
  • ...
    قراءة في أبعاد توجه المدرسة المغربية نحو التكوين المهني

    أرباب المقاولات ورجال الأعمال، لم يعد يقتصر تأثيرهم على السياسة وحدها، بل تعداه إلى المدرسة، من خلال فرض تصوراتهم حول المهمة الجديدة لوظيفة المدرسة، لتصبح أداة في يد الاقتصاد وسوق الشغل لقولبة المتعلمين وفق متطلبات مهنية صرفة، ففقهاء الاقتصاد والمؤسسات المالية، صارت لهم اليد الطولى في توجيه سياسات النظم التعليمية، فنقلوا معادلاتهم  من جبر وهندسة لصياغة نظريات اقتصادية ذات طبيعة تقنية صرفة، تستجيب لمهن سوق مصانع السيارات والطائرات والطاقات المتجددة (...).يبدو واضحا اليوم أن سوق الشغل يعد كمؤشر قوي في اقتصاديات الدول الحديثة، فقطاعات كالصناعة والفلاحة والتجارة والخدمات في سباق محموم مع الزمن لخلق أكبر عدد من فرص العمل لشعوبها، لعلها تبعد عنهم شبح البطالة، الذي يولد البؤس والثورات ويسقط الأنظمة السياسية من عرينها، وبالتالي الكل أصبح خاضعا لتلبية حاجيات هذه السوق.إذا كان التعليم والمعرفة قديما، يلامس أكثر شريحة النخب المثقفة والميسورة، حتى أن الحرف كان ينظر إليها بازدراء، كما هو الشأن في فترة الحضارة الإغريقية، حيث الحرف كانت مرتبطة بشريحة العبيد، في حين أن الاشتغال على المعرفة والتأمل كان حكرا على علية القوم من النبلاء، غير أن هذا الوضع بدأ يأخذ منحا مؤسساتيا رسميا، ليشمل قوانين وأنظمة المؤسسات التعليمية التي بدأت تتخذ من المهن كوسيلة للخلاص بالنسبة للمتعلم.  بلادنا بدورها انخرطت في ذلك تدريجيا، فقد أُدمجت وزارتا التكوين المهني و التربية الوطنية، في بوتقة وزارة واحدة، كمكون مشترك، يؤدي إلى توحيد الرؤية في المدخلات والمخرجات.هذا الأمر برز جليا في مقتضيات رؤية الإصلاح الإستراتيجية في أفق (2015-2030)، من خلال دمج التعليم العام والتكوين المهني في مختلف المستويات التعليمية للاندماج بسهولة ويسر وفق حاجيات سوق الشغل المهنية، سيبدأ من القاعدة بالتعليم الابتدائي عبر مسارات اكتشاف المهن عن طريق إدماج الأنشطة التطبيقية والمحتويات البيداغوجية الخاصة باكتشاف المهن في السيناريوهات البيداغوجية، مرورا عبر إدماجها بشكل تدريجي في مرحلة الإعدادي، وصولا إلى إرساء الباكالوريا المهنية بناء على اختيارات المتعلمين لعديد التخصصات المرتبطة بسوق الشغل، مستعينة بمنظومة التوجيه التربوي التي تكرس جهدها لتوجيه المتعلمين بناء على خطة وطنية لدمجهم في التكوين المهني.قد يكون من حسنات هذه السياسة خلق نوع من التنوع في مسارات التعلم، وتوسيع الإمكانات لدى المتعلمين لاختيار شعب مهنية وتقنية، خصوصا وأن نسبة مهمة من المتعلمين، قد لا تجد ذاتها ولا ميولاتها في التعليم النظري، فضلا عن التمكن من ربط المدرسة بمحيطها الاقتصادي، وهذا ما تجلى في عقد الباطرونا أو رجال الأعمال والمقاولات في المغرب لشراكات مع وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني من أجل خلق تخصصات معينة، يحتاجها سوق الشغل، علما أن مجموع الاستثمارات الأخيرة التي حطت بتراب المملكة، المتعلقة بالأخص بصناعة السيارات والطائرات، كانت بدورها من بين العوامل التي دفعت السياسة الحكومية في هذا الاتجاه.من جهة أخرى، يمكن القول بأن وثيرة إنزال هذه الإجراءات في اتجاه دمج التعليم العام بالتكوين المهني، تبدو وكأنها سريعة، بل نزعم أنها متسرعة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مجال التعليم وحيويته الإستراتيجية، التي تتطلب التشاور وإجماع  كل الفاعلين الأساسيين ، من آباء وأولياء التلاميذ، والمشتغلين في القطاع، إضافة إلى خبراء التربية والاقتصاد والسياسة، لكون أي مشروع تعليمي تربوي، يتطلب استراتيجية مندمجة واضحة المعالم للبلد، حيث سيرهن مستقبل فلذات أكباد المغاربة وسيمتد تأثيره لعقود قادمة، وبالتالي فالمغرب، هل سيكون مؤهلا لإنجاح هذه الاسترتيجية، بحيث وفر لها الإمكانات والبنيات التحتية والاقتصادية التي ستستوعب هذه الأفواج من الشباب المغاربة الخريجين؟ ماذا لو انسحبت الشركات الاستثمارية الدولية من المغرب، تحت أي ظرف من الظروف؟ هل ستكون للدولة بدائل لتشغيل ذلك الشباب؟يرى المتتبعون لمجريات سياسة التشغيل في المغرب، أن الشركات الاستثمارية التي حطت رحالها بالمغرب، تنهج سياسة انتقائية واقصائية لليد العاملة والكفاءات المغربية، فهي تشغل في الغالب الأيادي العاملة التقنية المتخصصة، في حين يجد المهندسون صعوبات بالغة في إيجاد فرص الشغل، حيث تتكفل تلك الشركات باستيراد مهندسيها ومدرائها من الخارج، وهو شيء يطرح أسئلة عدة، فهل المغرب وقع شيك على بياض لهذه الشركات مقابل ولوجها تراب المملكة؟ ولم يفرض شروطه من أجل الحفاظ على مصلحة الأيادي العامل الوطنية؟قد تبدو سياسة توجه المدرسة المغربية نحو التكوين المهني منطقية، إذا ما تم ربطها بالسياق الاقتصادي الدولي،الساعي إلى تنمية سوق الشغل، لضمان دخل فردي للمواطنين، يساهم في تحريك عجلة الاستهلاك، وتلبية حاجيات الأفراد والمجتمعات، فضلا عن إنقاذ المتعلمين، الذين تركوا صفوف الدراسة مبكرا، من خلال ولوجهم لإحدى المسارات المهنية عوض أن يكونوا عرضة للشارع،  لكن ذلك يسير في اتجاه إنتاج أجيال جديدة متشبعة بتكوين وتعليم تقني مهني وحرفي جاف وجامد، قد تكون له تداعيات على صلب الشخصية الإنسانية، ويجعل تفكيرها ينصب على الجانب المادي المحض، لجلب الثمار والمنافع المالية، على حساب بناء الوعي والمعرفة والثقافة النقدية.في السياق ذاته، فمسألة التركيز على توجيه التعليم إلى التكوين المهني، قد يضرب في العمق وظيفة التعليم الأساسية والسامية، في توعية الإنسان وإنتاج نخب مثقفة على درجة عالية من المعرفة، متشبعة بالفكر المتنور و النقدي والإبداعي، الذي تبدو المجتمعات الحالية في حاجة ماسة إليه، خصوصا مع ازدياد وثيرة التزمت والتشدد باسم الأديان والمعتقدات، حيث تشير الدراسات إلى أن أسلوب الأبيض أو الأسود الذي يتبناه الفكر الارهابي، يتطلب في الغالب عقلية ذات تكوين تقني وهندسي، الشيء الذي يبتعد عن فكر الوسطية والاعتدال في رؤية الأمور، وطرح التساؤلات.هذه السياسة الجديدة، قد تعني بداية محاصرة الآداب و العلوم الإنسانية، التي بدأت تصوب نحوها سهام النقد حتى الرسمي، باعتبارها علوم نظرية تفرخ بطالة الشباب، في اتجاه تبني الفكر المقاولاتي، الذي يستوحي أسسه من الاتجاهات النفعية البراغماتية، وهذا ما نلمسه في دول الاقتصاديات المتقدمة، كما هو الشأن في اليابان حيث تم حذف شعب العلوم الإنسانية من الجامعات باعتبارها علوما غير نافعة ولا تلبي حاجيات الاقتصاد والمجتمع.عندما نتطرق إلى مسألة تحقيق النمو الاقتصادي في المجتمعات، التي تسعى للرقي بمواطنيها إلى أفق الرخاء والعلم والمعرفة، فإن ذلك لا يقتصر فقط على مستوى التمكن من العلوم المهنية  التقنية، بل يشمل بالضرورة الاهتمام بشؤون الثقافة والفكر، الذي يبقى حجر الزاوية في نسج مخيلة العلماء والمبدعين، لإنتاج الأفكار، التي هي أصل الاختراع، فالفكرة تأتي بالمال، لكن المال لا يأتي بالفكرة.       نخاف أن تجد هذه التجربة الجديدة نفسها في دوامة أسئلة ذات أفق غامض، شبيهة بتجربة الثانويات التقنية، التي كانت تسعى مراميها في نفس الاتجاه، لكنها إلى حدود الساعة، لم تشمل تجربتها سياسة تقويمية علمية في مدى نجاحها من فشلها.    كما نخاف من أن يكون هذا التوجه الجديد ، بوابة قد يدخل منها مناصرو التدريس بالدارجة، على اعتبار أن تدريس المهن لا يتطلب لغة عربية فصيحة، بقدر لغة مبسطة أقرب إلى اللغة العامية المستعملة التي يتحدث بها عموم الناس، مما يجعل هذا التوجه حصان طروادة لهدم ما تبقى من لغة الضاد على حساب لغات أخرى. على صعيد آخر، تطرح جدلية من يخدم الآخر، هل المدرسة هي في خدمة الاقتصاد، أم هذا الأخير في خدمة المدرسة، تبدو المؤشرات في سياقاتها الدولية تميل إلى الخيار الأول، مادام أن مالكي الإمبراطوريات من الشركات الاقتصادية، هم الذين ينجحون في الوصول إلى الحكم، حتى في أعتا الإمبراطوريات الديمقراطية كما هو الأمر حاليا بالولايات المتحدة الأمريكية، في حين أن النخب المثقفة بدأت تنسحب تدريجيا من مواقع إنتاج القرار. محسن زردانكاتب ومهتم بشؤون المعرفة  

  • ...
    العيادات الطبية بمدينة الجديدة و فوضى الانتظار

    في الدول التي تحترم مواطينها، يلجأ الطبيب إلى منظومة حجز المواعيد لتنظيم زيارات الزبناء له، و يلتزم بمدة زمنية كافية لفحص المريض، و جمع المعطيات، كما يلتزم بسقف عددي محدد من الزبناء يستقبله خلال اليوم، لكن ما نشاهده بعيادات و مصحات طبية بمدينة الجديدة، يعتبر فوضى بجميع المقاييس، إذ تحوّل تدافع المرضى في المزار من أجل نيل بركة الولي أو المجذوب إلى تزاحمهم و تدافعهم أمام العيادة قصد نيل علاج الطبيب، وعوض أن يعمل الطبيب الحداثي المتنور على  تغيير الخطاطات الثقافية، و ابتكار  طرق حضارية جديدة لتنظيم الزيارة، أو على الأقل تقليد المجتمعات المتقدمة في هذا المجال، فضّل استخدام دكاء الحيلة و استغلال نقص مناعة الجماهير النقدية، فعمِل على ابتزازهم عاطفياً عن طريق الدعاية و الترويج لسمعة الطبيب "الواعر"، معتمدا تقنية الزِّحَام و اكتظاظ قاعة الانتظار كمؤشر على جودة فحصه، و تمكُّنه من علاج مرضاه، لترتفع بذلك شعبية الكثير من الأطباء في المدينة بين جمهور ينحدر من وسط ثقافي مستعد لتصديق الخرافات و الإشاعات و الخوارق.  إن تقنية العلاج بالعرّام هذه تنتعش في مجتمع لا يؤمن بالعلم كوسيلة للعلاج بقدر ما يؤمن بمعجزة البركة والسيطرة الخرافية على المصير، فكما انتشر سابقا أولياء تخصصوا في علاج أمراض مستعصية حتى على الطب، ينتشر اليوم أطباء أولياء يمتلكون بركة الإشفاء،( يدّهم مزيانه)، و تحكى عنهم قصص و بطولات دعائية تجعل منهم منقذين من الموت دون غيرهم. و قد تُستخدم وسائل مختلفة في بسط هيمنة بعض الأطباء على الساحة العلاجية بالمدينة إما عن طريق تكوين ائتلافات بين الأطباء، حيث يرسلك طبيب إلى زميله بدعوى أنه هو الكفء في هذا التخصص ويثق بفحصه، و إما عن طريق الدعاية التي ينخرط فيها ممرضات و سائقي الطاكسيات و بائعي الأدوية في الصيدليات. و غالبا ما يقع المواطن ضحية الدعاية، نظرا لاستعداده المسبق لتصديقها، حيث لا يتوفر على طبيب العائلة، و كل مواطن له قصة مختلفة مع المرض، فهناك من يستقي معلوماته حول الطبيب من الحومة، أو الحمام، أو مكان العمل، أو صديق، أو ربما نظرا لشهرة الطبيب في المنطقة، و هناك عامل تاريخ العائلة في التعامل مع المرض، هل يقوم أفرادها بزيارة الطبيب أم الولي؟ كل هذه عوامل ومعطيات تؤثر في اختيار طبيب دون آخر لطلب العلاج، لهذا يلجأ معظم الأطباء إلى تقنية الترويج لسمعتهم و حرفيتهم لجلب الزبناء و ملء قاعات الانتظار.هل يعقل أن يبتدئ ميقات التسجيل في لائحة زوار الطبيب منذ الخامسة صباحا قبل الفجر؟ كيف لمريض يتألم من شدة المرض أن يتوسل بباب عيادة الطبيب و يتمسح بعتبتها منذ الرابعة صباحا في بعض العيادات، وهو ينتظر صاحب الطلعة البهية، ذلك الطبيب العزّام لكي يُطل عليه، و يشفيه من سقمه بمصافحته ولمس جسده بيده الملائكية، وكأنه يذكرنا بغرائب المعالج الروحاني المكي الترابي. هل يعتبر هذا الإجراء احتراما لكرامة المواطن الذي سيدفع للطبيب أجر فحصه؟ هل فكر هذا الطبيب مليا و بشكل إنساني في محنة مرضاه؟ كيف يُعقل أن يصارع الشخص منّا آلام المرض، ومعاناة الانتظار لساعات طويلة أمام باب عيادة الطبيب؟ ثم تفتح الأبواب لنتمدد بداخل قاعة الانتظار لساعات طويلة، وكلما ابتسمت الممرضة في وجه مريض، تجهّم وسألها السؤال نفسه: "متى سيأتي الطبيب؟" فتجيبه و عيناها تنطق كذبا بالجواب الذي ضٓجِرت شفتيها من ذكره: " هاتَفتُه منذ هنيهة... و هو في الطريق!"إن تقنية كَردسة الزبناء في قاعات الانتظار قد تأخذ أشكالا مختلفة ابتداء من التسجيل في اللوائح إلى الحصول على رقم ترتيبي لزيارة الطبيب، و غالبا ما تقوم العوائل التي تقبل على مضض بهذا الإجراء، بإرسال فرد من العائلة لتسجيل اسم المريض أو الحصول على الرقم الترتيبي. و الغريب في الأمر هو أن العوائل حتى كتابة هذه السطور تنخرط ذليلة في هذه المنظومة الفاسدة دون أن ترتفع أصوات تندد بهذا السلوك المهين لكرامة المريض.أمام فوضى الانتظار هذه، تتبادر عدة أسئلة إلى أذهاننا، لماذا لا يطبّق الأطباء منظومة حجز المواعيد عبر الهاتف، خصوصا و أن الهواتف الآن تغزو مدننا وقرانا و دواويرنا، حيث أصبح الكل يحسن استعمال الهاتف، فلماذا يصر الأطباء على كَردسة قاعات الانتظار بالمرضى وذويهم؟ لماذا يتعمد الطبيب الالتحاق بالعيادة متأخرا؟ إذا كانت طوابير المرضى تتجمع منذ الصباح الباكر، لماذا لا يلتحق الطبيب بعيادته منذ السابعة صباحا مثلا بعدما ينتهي من زيارة مرضاه بالمصحات؟ و تتناسل الأسئلة في هذا الصدد حول العواقب المحتملة للعلاج بالعرّام، إذ كم من الوقت يستغرق الطبيب في فحص المريض و طوابير المرضى في الخارج تنتظر يده الملائكية؟ هل سيتمكن من فحص مريضه جيدا في هذه الظروف؟ هل يتوفر الطبيب على معلومات دقيقة حول التاريخ الباثولوجي للمريض؟  هل يحترم الأطباء عدد المرضى المسموح به في عملية الكشف والعلاج؟ كيف لطبيب أن يستقبل أزيد من 50 مريض في اليوم؟ كيف يستطيع هذا الدماغ البشري التركيز و الفحص الدقيق لهذا العدد دون استراحة أو كلل؟ هل هذا نسخة أخرى من المعلّْم بوزكري الذي تحدثنا عنه في مقال سابق، و نعني به هنا ذلك النموذج الذي يسرع في الفحص دون إتقان و يتطلع إلى الفوترة فقط.ما لا يدركه هؤلاء الأطباء هو أنه حين يلجئون إلى كَردسة المواطنيين في قاعات الانتظار بهذه الطريقة بحجة أن المواطنين لا يلتزمون بالمواعيد و قد تعودوا على هذا السلوك، فهم يعيدون إنتاج السياسة المخزنية التي تركّع المواطن و تقزِّم حجم تطلعاته، إذ أن إستراتيجية الانتظار الازدحامي الفوضوي يضع الإدارة على مسافة بعيدة من المواطن، و يمرّنه على احتلال  مرتبة دونية في التسلسل الهرمي للسلطة، و القبول بالطاعة و الخضوع لذوي القرار من مُقدّمِ المقاطعة إلى قائدها. ألا يتذكر هؤلاء الأطباء كيف كان جل المواطنين في الماضي القريب يجلسون بالساعات في انتظار غودوي نسبة إلى غودو أمام المرافق العمومية و المحاكم والمستشفيات قصد الحصول على بعض الخدمات؟لنكن صرحاء مع أنفسنا، لا يبدو أن هؤلاء الأطباء يحملون همّ المواطنة و تمرين المواطن على سلوك الانضباط واحترام المواعيد، بل يظهر جليا أن همهم الوحيد هو ملء قاعات الانتظار لخلق هالة حول جودة فحصهم الطبي، و استثمارها لجلب المزيد من الزبناء، فكلما اكتظت العيادة بالمرضى، كلما ذاع صيت الطبيب و توافدت عليه "الدهماء"، هكذا يراها هذا الطبيب مادام لا يفكر في الهدر الزمني الذي تتسب فيه تقنية الكردسة، حيث تتعطل مصالح الفلاحين والحرفيين والأطر، لتلبي رغبة مادية نرجسية ضيقة لطبيب يكرس خطاطات مخزنية بالية. ما الفرق يا ترى بين هذا الطبيب و قائد المقاطعة الذي قد يحرص على تدافع الجماهير في طوابير لانتظاره؟ حيث لازالت ريما على حالتها القديمة في الكثير من المقاطعات، هذا السلوك يعتبر سلوكا مخزنيا بامتياز، فإذا أقدم الطبيب والأستاذ والمحامي والمهندس وغيرهم من الأطر على مخزنة وظائفهم، نتساءل بكل استغراب من سيقود التغيير بالمغرب نحو محاربة المخزنة؟ حين يضع الأستاذ مثلا مسافة سلطوية بينه وبين الطالب، فهو كذلك يكرس خطاطة الشيخ والمريد التي تشرعن الهرمية السلطوية في المجتمع، و كم من شيخ مع الأسف لا زال يقبع بين ظهرانينا في المنظومة التعليمية بالمغرب؟! إن تمسك الأطباء بمبدأ القاعة الممتلئة لم يأتِ من فراغ، بل هو نابع من تصورات ثقافية يؤمن بها الطبيب والمريض معا، إذ أن المغاربة ينتمون إلى ثقافة مارابوتية تقيس مكانة الأولياء بتهافت الزوار على كراماتهم، فالمزار العامر يدل على نجاعة بركة وليه، و لم يحدث أن امتلأت قاعة معالج تقليدي أو مزار ولي ما لم يتحدث الناس عن كراماته، و ها هي الخطاطة نفسها تتكرر مع الطبيب الذي يضطر لملأ قاعة الانتظار حتى يصنع لنفسه هالة الطبيب البارع، و يتبادل المرضى أطراف الحديث حول إنجازاته، و من حسنات القاعة الآهلة بالمرضى هو  رفع معنويات المريض الذي يزور الطبيب لأول مرة، لأن الحديث الإيجابي عن قدرة الطبيب في علاج مرضاه قد تساعد المريض في التماثل إلى الشفاء عبر قوة "البلاسيبو"، و حتى نكون منصفين لهذا الطبيب، لازال  المريض في مجتمعنا يتخوف كثيرا من زيارة طبيب قاعة انتظاره شبه فارغة،  و أخيرا، نتساءل عن دور الطبيب في المجتمع؟ هل دوره خدماتي محض يقتصر على علاج المرضى، أم هو دور مثقف ينخرط في تقويم المنظومة القيمية للمجتمع وإصلاحها عبر عمله وتطوعه لخدمة الصالح العام؟ و في هذا الصدد، نتساءل عن الأعمال الخيرية التي يقوم بها أطباء مدينتنا و عن القوافل الطبية متعددة التخصصات التي يرسلون بها إلى القرى المجاورة لمساعدة أبناء المنطقة ومساندتهم في محنتهم خلال الفصول التي تنتشر فيها الأمراض والأوبئة؟ ماذا يمنع هؤلاء الأطباء الذين يسكن جلّهم فيللا بالمسابح شُيِّدت بفضل جيوب الكادحين من أبناء هذا الشعب من تقديم خدمات مجانية لفائدة القرى و المداشر المجاورة؟  إن تقنية العرّام تسيء لمهنة الطبيب و تحقّر المواطن، حيث تضع مسافة سلطوية بين المعالج و المريض، و تضاعف من معاناة هذا الأخير، حيث تضيف إلى آلام المرض عبء آلام "الحكرة".  ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي

  • ...
    لَمْخَيَر يَكْتُب.. حُقُوقِيُون يَلْجَؤُون لِإسْتِغلَال أُنَاس بُسَطَاء وَ تَوْظِيفِهِم لِتَصْفِيَة حِسَابَات مَعَ رَئِيس جَمَاعَة أَولَاد احْسِين

    لم يكن يعلم أولائك الأسر المكلومة و المتضررة، مِن مَا بَاتَ يُعرف بضحايا مافيا العقار، القادمين من دواوير سيدي علي بنحمدوش و الحوزية و اولاد افرج، أو حتى ضحايا جمعية الزهور للتنمية الإجتماعية بدوار أولاد ربيعة بجماعة أولاد غانم، لم يكونوا على علم أنه سيتم إستغلال معاناتهم و سذاجتهم مِن مَنْ أوكلوا لهم طلب المؤازرة و الوقوف بجانبهم، حيث تكبد المتضررون عناء السفر و المعاناة اليومية مع ملفاتهم التي لا زالت تروج أمام أنظار السلطة القضائية.فيما أقدمت نساء من دعاة الدفاع عن حقوق الإنسان بالجديدة، بتنظيم وقفة إحتجاجية ضد رئيس جماعة اولاد احسين، إستغلت من خلالها سذاجة تلك الأسر المظلومة، لتصفية حساباتها تعود إلى حراك الربيع العربي 20 فبراير، و هذا أضحى ظاهرا للعيان و لكل عارف بقضايا الشأن العام المحلي، أن التمييع الذي أضحى يعرفه مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، ليسائلنا جميعا كمنتخبين و فاعلين إعلاميين و مدنيين، هل أن الغاية تبرر الوسيلة لهذه الدرجة، فأحقر و أخطر شيء هو إستغلال مآسي الأخرين و توظيفها لتصفية حسابات خاصة و جد ضيقة.ألم يكن من الأجدر أن يلتجأ دعاة حقوق الإنسان إلى السلطة القضائية و أخد حقوقهم، كما إحترم و لجأ إلى ذلك من يؤازرونهم، فهم اليوم أضحوا عبرة لهم قبل تنصيب أنفسهم كحماة للحقوق الكونية السامية، أليس من حق رئيس جماعة أن يصدر بلاغا للرأي العام، يحمل توقيعه و خاتم الجماعة التي يرؤسها، و التي تسبونه بإسمها صباحا مساءا، ما سر تواجد مستشار معارض ينتمي لحزب سياسي ذو توجه إديولوجي بينكم، كيف ندعي اليوم أننا ندافع عن الحقوق و ننسى الواجبات، و لانقبل حتى بالرأي الآخر، بل نسعى لتكميم الأفواه و ندعي أننا نملك الحقيقة لوحدنا، ألم تكن هنالك القدرة على تنظيم الوقفة أمام الجماعة الترابية المعنية، أين هم أولائك الجزارون الذين إنتقلوا للوقفة، ألا يتواجدون اليوم بسوق أربعاء مكرس و غيرها من الأسواق الأسبوعية، بل أكثر من ذلك أين سيتواجدون يوم السبت المقبل، هل هم مضربون أم مزاولون لتجارتهم، بالله عليكم ألستم دعاة للفتنة و التحريض على الشغب.لقد ظهر اليوم، الحق من الباطل، فليست الفصاحة و الخطابات هي من تميز مكانتك أو قيمتك، فما أكثرهم من الحكماء ينزَوُون الى الصمت لِما فيه من حكمة و خير و صلاح للإنسان بذاته و لمجتمعه، أما التهويل و إدعاء خوض المعارك و أن السجون لا ترهب و غيرها من المفردات التي تنهل من قاموس التبجح و الجهل، أكل عليها الدهر و شرب، ألا يجدر أولا أن يقوم الإنسان بالنقد البناء لذاته و للآليات الديمقراطية التي يشتغل بها، فمن يقضي الإجازات الصيفية بالخارج في دولة المستعمر الغاشم فرنسا مثلا، و من يدرس أبنائه بكبار المؤسسات الخصوصية، و من يتداول على الرئاسة بمنطق ولاية لك و لاية لي، فغدا سيعود العسال و بعده الرجدال ليظهر فيما بعد اللبان ثم السمسار بحقوق الناس.لقد كنا نتعاطف فيما قبل و نحترمهم، و نقول أنهم مساكين يتعرضون لكل أشكال التضييق الممنهج و يحرمون من القاعات العمومية، و تصد في أوجههم الأبواب و ينابيع الدعم الداخلي، لكن صدمنا لهول ما عرفناه من أموال خارجية تقدر بالملايير، تغدق عليهم ذات اليمين و ذات الشمال، فلم تخطأ حينها أجهزة الدولة في قرارتها، و اليوم تأكدنا من صواب و نجاعة الدولة المغربية الملكية الشريفة لحمايتنا من سوء و مضار التدخل الخارجي، إن الإستغلال البشع لأناس بسطاء لا ناقة لهم و لاجمل في الصراع مع جماعة اولاد احسين كمؤسسة دستورية ذات شرعية إنتخابية، يؤكد بالملموس الوسائل الخبيثة التي مست الحركة الحقوقية بمدينة الجديدة، لا سيما من تناقض للمواقف بين عشية و ضحاها، بين المكالمات الهاتفية المتضامنة و البيانات المستنكرة، في قضايا و ملفات عديدة، و لعل في قضية مندوب التعاون الوطني مثال، زد عليها الشيكات بدون رصيد.  و يضل التساؤل عندي كبيرا، هو من حطم هاتف تلك الحقوقية ؟ لأعلن تضامني التام و المطلق و الغير المشروط معها، هذا إن كانت على حق.

  • ...
    تلاميذ مغاربة يدفعون فاتورة الانقلاب في تركيا.. ''طاحت الصومعة علقوا الحجّام''

    يعتبر قرار إغلاق مدارس "محمد الفاتح" التابعة لمنظرها فتح الله كولن مجحفا بجميع المقاييس في حق التلاميذ المغاربة الذين هم الآن بصريح العبارة يسدّدون فاتورة الانقلاب في تركيا، لأن هذا القرار بالرغم من بواعث التخوف التي يطرحها، يظل قرارا سياسيا بامتياز يخضع لحسابات وشروط إقليمية و دولية، لكنه غير مناسب بتاتا للتلاميذ المغاربة في هذا التوقيت بالذات، و عملية الإغلاق ستترتب عنها عواقب اجتماعية وخيمة سوف تكابدها العوائل التي اختارت هذه المدارس لأسباب اجتماعية محضة، كعامل القرب، و عامل الجودة، و عامل الثمن، و غيرها من العوامل. هل تتوفر الدولة على بحوث سوسيولوجية تؤكد أن العائلات أرسلت أبنائها إلى هذه المدارس بأهداف إيديولوجية، أو أن هذه المدارس نجحت في تكوين تلاميذ متمذهبين؟  إن المبررات التي يتضمنها القرار لا تبدو مقنعة من حيث الشكل أو المضمون، و لو افترضنا أن هذه المدارس زاغت عن المحجة البيضاء، و أصبحت الآن تهدد السلم الاجتماعي، لماذا لم تفكر السلطات المعنية بهذا الملف بشكل استباقي من قبل، كما نشاهدها الآن و هي تقوم بتفكيك الخلايا الإرهابية النائمة؟ لماذا تأخرت في قرارها و سارت تقلّد تركيا في إغلاقها لمدارس كولن؟ هل يمكن اعتبار هذا القرار نتيجة مخاض إملاءات تركية؟ هل لرئيس الحكومة المعين علاقة بهذا القرار؟ لماذا تركت الدولة هذه المدارس تشتغل لأزيد من عقد من الزمن، و الآن بجرة قلم أُريد لها الإغلاق؟  إذا كانت تركيا تهدف إلى تجفيف منابع تمويل جماعة الخدمة التابعة لكولن بأي ثمن، هل نحن الشعب المعنيون بدفع الثمن؟ أليس هذا يشبه القول المأثور في ثقافتنا، إذ يشيع أنه إذا "طاحت الصومعة علقوا الحجام"، لماذا ستدفع هذه العائلات المغربية و فلذات أكبادها ثمن الانقلاب في تركيا؟ لماذا نطرح الإشكال على هذا النحو؟ هذا لأن القرار لا يحمل في طياته بدائل مريحة للعائلات التي تدرّس أبنائها في هذه المدارس، ثم نطرح سؤالا آخر: ما هو التعويض الذي ستدفعه لنا تركيا عن هذا الإغلاق؟   إذا افترضنا، و نؤكد على كلمة "افترضنا" في غياب دراسات علمية تتبث انتشار الفكر الكولوني الهدام، حيث تغيب في مجال التدين الشعبي و الإسلاموي دراسات ميدانية أنجزت حول هذا الموضوع، إذن نكرر إذا افترضنا أن كولن يروج الآن لفكر يهدد السلم الاجتماعي بالمغرب، حيث كما قرأنا لباحث في العلوم السياسية بجريدة هسبريس يقول بأن تحولات طرأت على جماعة الخدمة و بدأت تتبنى منطق تجييش القواعد لتنفيذ مخطط الفوضى الخلاقة، نتساءل هل هذا منحصر في هذه المدارس فقط، أم هو ممتد ليشمل أتباعا في الجامعة المغربية و المدارس الحكومية، وغيرها من المؤسسات، فما هو الحل يا ترى في هذا السياق؟ هل سيصدر قرار آخر بإغلاق بعض المؤسسات أو توقيف بعض الأطر؟  حسب علمنا، إن الفكر يُحارَب بالفكر، و ليس بالإغلاق، حيث تتم مقارعته بالحجة و البرهان، ومعالجة انتشاره بالمراقبة و التيارات الاستقطابية المضادة، وغيرها من الوسائل الفكرية المتاحة، و عند هذه النقطة بالذات نتساءل عن مصير السلفية الوهابية التي نخرت ظهورنا و تغلغلت بين صفوفنا؟ فيما مضى، انتشر هذا الفكر بشكل مؤسساتي في المغرب ، حيث وزعت جوائز في الإعدادي و الثانوي لفائدة الطلبة، و هي عبارة عن كتب إسلامية تضم فكر محمد بن عبد الوهاب. لماذا لم تتم مراقبة تلك الجوائز مثلا وغيرها من الكتب آنذاك أيام ادريس البصري و جبروته؟ و هل يرفض المغرب هدايا و جوائز الدول الصديقة؟  هذا القرار تجاهل أن المدارس تتوفر على بنايات مجهزة، و أطر مدربة، و بأن لها وضعا قانونيا في البلد، إذن كيف ستُغلق بأمر من وزارة  ليست بجهة وصية على القطاع؟ و ما هي هذه الأخطاء التي ارتكبتها هذه المدارس؟ و هل هناك أدلة دامغة ستجد أذنا صاغية في حالة مقاضاة الوزارة التي أصدرت القرار من لدن مسؤولي هذه المدارس؟ إذا كان لابد من إرضاء الصديق التركي، أليس هناك بدائل للاستفادة من هذه المدارس والطاقات التي تتوفر عليها، إما بتأميمها أو تفويتها للخواص بمشاركة المستثمر التركي اللامنتمي عوض السعي إلى إقفالها؟ نحن في حاجة إلى مدارس مجهزة لاستيعاب التلاميذ و تقديم الخدمات التعليمية ذات الجودة العالية.  هناك أسئلة عديدة تطرح حول هذا القرار الذي تجاهل كذلك مصير التلاميذ و الأطر العاملة في هذه المؤسسات، حيث لما وُضعت  هذه الأطر اليوم في قفص الاتهام، و أُلصقت بها تهمة الترويج للفكر المتطرف، و تجييش قاعدة ناعمة لأخونة المجتمع، هذا يعتبر حكما قاسيا بدون محاكمة على هؤلاء الأطر بالضياع؟  مٓن من المدارس التي ستقامر مستقبلاً بتوظيف إطار سيئ السمعة لزقت به تهمة "مروج لمخدرات فتح الله كولن"، حتى لو كان هذا أستاذ فلسفة سيتهم بأن فكره كولنيا، و ما مصير هذه العوائل التي يشتغل أفرادها في هذه المدارس؟ أليس منهم من  اشترى  شققا بالتقسيط، وله التزامات بنكية و قروض، كيف ستتم إعانة هؤلاء وحل أزماتهم الاجتماعية؟ أليس لهم أطفالا في المدارس؟ وربما مسنيين يقومون برعايتهم؟ هل نرمي بهم إلى الشارع تماهيا مع القرار التركي بإغلاق مدارس "الخائن الانقلابي"؟  فالولايات المتحدة المدججة بمؤسسات استخباراتية عالمية لا زالت تطالب تركيا بالمزيد من الإيضاحات والأدلة التي تدين كولن. و ما هي الدراسات التي تصنف كولن في خانة التطرف؟  لماذا الإصرار على تنفيذ قرار الإغلاق في هذا الوقت بالذات الذي لم تتشكل فيه حكومة منتخبة بعد، و لم تتم فيه احترام نهاية السنة الدراسية على الأقل؟ أليس من الأجدر التريث حتى نهاية الموسم الدراسي؟ إن تطبيق هذا القرار في منتصف السنة الدراسية سيحولها إلى سنة بيضاء بالنسبة للكثير من التلاميذ، نظرا للانتقال المفاجئ و اللامدروس الذي سيحدُث بشكل عشوائي، حيث سيُربك لا محالة العائلات والأبناء و الأساتذة المعنيين باستقبال هؤلاء التلاميذ.  و في الختام، نطرح سؤالا آخر: لو وُجدت حكومة منتخبة عوض حكومة تصريف الأعمال هذه، هل سيتم اتخاذ مثل هذا القرار؟ هل نوقش هذا القرار في البرلمان؟ أم هذه المؤسسة في عطلة مفتوحة؟ هل هذا القرار له علاقة بتصفية حسابات سياسية داخلية مع المتعاطفين مع فتح الله كولن، و هل لهذا القرار علاقة من بعيد أو من قريب بحلحلة المياه الراكدة في البلوكاج الحكومي؟    ذ. محمد معروف أستاذ بجامعة شعيب الدكالي   

  • ...
    الشعبوية على المحك

     رغم الاستعمال القدحي لعبارة "الشعبوية" لنعت الخصوم السياسيين، فإن هذه الممارسة و الخطاب السياسي جديران بالدراسة و التحليل نظرا للأثر الكبير الذي أصبح لهما على الخريطة السياسية للعالم و المغرب. سنقوم بتحليل هده الظاهرة انطلاقا من نماذج معاصرة و من خلال تأطير نظري يساعدنا على فهم ما يجري و تقييمه من حيث الفعالية و النتائج.مند القدم تحدث الفلاسفة، كأرسطو تمثيلا لا حصرا، عن التفاعل الأفقي للسياسيين مع الشعب ونظًّر الكثير من الباحثين لهذه الممارسة و اعتبروها كبعد في الثقافة السياسية[لاكلالو، 2005] قد يكون حاضرا في الإيديولوجيات سواء من اليمين أو اليسار، وفي المجتمعات الديمقراطية أو السلطوية على السواء.  قبل مباشرة تحليل الحالات التي اخترناها لهذا الموضوع، نقدم بعض المقدمات حول الشعبوية و التي ستمثل أساسا للتحليل اللاحق:-إن تنظيم العامة، الجمهور أو الجماعات في إطار تنظيم شعبوي يتوفر على لحمة اجتماعية و سياسية قوية يعتمد في أساسه، كما وضح ذلك فرويد في كتابه علم نفس الجماهير، على التماهي، أي وجود رابط عاطفي بين الإفراد، و قد يكون التماهي مع الأب، أو موضوع للرغبة أو الحب أو أي تصور آخر. لكن ما يهمنا في هذا الموضوع هو التماهي مع الأب/القائد و الذي يفترض تعظيما له كمثال بعيدا عن كل انتقاد، كما أن هذا التماهي قد يتخذ شكلا أفقيا بين الأفراد أو عموديا بين الأفراد و القائد.- ثمة ميكانيزمات خطابية تعزز هده اللحمة الاجتماعية و السياسية منها التأكيد و التكرار و الشيوع. فتأكيد فكرة ما يدخلها عقول الجماهير، لكن تكرارها يجعلها تسكن في لاشعور هذا الجمهور و تنتشر في شكل شحنة عاطفية بين الأفراد كما ينتشر الوباء في المجتمع[ المقارنة ليست قدحية]. يصبح تبعا لذلك الاعتقاد الإيماني هو أساس الترابط و اللحمة في الجماعة المنظَمة، و ليس التحليل العقلاني.- إن الشعبوية كخطاب تبسط الممارسة السياسية و ذلك بخلق تقاطب بين الجماعة المنظمة أو الحزب السياسي باعتبارها ممثلا للشعب و لمطالبه في الحرية و العدل و المساواة، مثلا، و النخب السياسية المهيمنة على الحكم و التي تمنع الشعب من الحصول على هذه المطالب.-إن الشعبوية تستفيد من الأزمات السياسية و الاقتصادية لضمان هيمنتها على المشهد السياسي و الوصول إلى الحكم.- إن الخطاب الشعبوي يعتمد في فعاليته على شحن دوال متعالية فارغة أو عائمة، حسب تعبير لاكلو، بمعاني خاصة تتماشى و البعد السياسي الشعبوي الذي يتبناه.سنقوم بجولة في أوروبا و أمريكا لدراسة حالات نجح فيها المد الشعبوي في الفوز بالانتخابات و الصعود للسلطة ثم نرجع للمغرب لمقاربة تجربة حزب العدالة و التنمية في الخمس سنوات الأخيرة. قام حزب بوديموس في اسبانيا  بتحقيق المفاجأة سنة2015 بحصوله على أكثر من 20 بالمائة من أصوات الناخبين و حصل في الانتخابات المحلية و الجهوية على رئاسة العاصمة مدريد ومدينة برشلونة. و قد استفاد حزب بوديموس من فشل الأحزاب التقليدية و خصوصا الحزب الاشتراكي في تدبير أثار الأزمة الاقتصادية التي ضربت إسبانيا ابتداء من 2008 ووضع سياسات تقشفية. و يتشكل هذا الحزب من قيادات جامعية بنت خطابا مؤسسا على نظريات مفكرين يساريين كزيزك و باديو و لاكلو. و كان معظمهم معجبين باشتراكية القرن الواحد و العشرين كما يتم تطبيقها في فنزويلا و كوريا و الإكوادور. رغم أن بوديموس قدمت مطالب راديكالية تمس جوهر الحكم في إسبانيا كرفضها لدستور 1976 و الاتفاقيات التي مهدت للانتقال نحو الديمقراطية بعد حكم فرانكو، فإن مقترحاتها لحل الأزمة الاقتصادية  لم تحظ بدعم كبير و لم يستطع الحزب تشكيل الحكومة في إطار تحالف مع باقي الأحزاب أو الفوز بأغلبية في  الانتخابات المعادة[يونيو 2016] . و بعد أن استمر الفراغ السياسي في اسبانيا لمدة 314 يوما تم تشكيل حكومة يتزعمها الحزب الشعبي.إذا كان النموذج الشعبوي الأسباني ممثلا في حزب بوديموس مثالا معبرا عن الظرفية التاريخية للصعود المفاجئ للتيارات الشعبوية ممثلة في الأزمة الاقتصادية و البطالة و سياسات التقشف، فإنه يمثل في نفس الوقت انحصارا لهذا المد في إطار صراع سياسي بين الأحزاب داخل قبة البرلمان. و قد شكلت فترة الفراغ السياسي ارتياحا لدى الشعب باعتباره عقابا لكل السياسيين، حسب استطلاع أجرته مجلة نيوزويك، و لم تزد من شعبية بوديموس حيث يبدو أن الغضب من السياسات التقشفية و من أزمة البطالة بقي منحصرا في الفئة الأصلية الداعمة لبوديموس مند 2014 و التي تتقاسم معه بعض من توجهاته اليسارية. كما نلاحظ أن الشعبوية في اسبانيا بنت خطابها على مطالب جزء منها راديكالي و غير قابل للتحقيق و على تقديم حلول سهلة  لمشاكل معقدة و بنيوية. لكن الأمر الإيجابي في هذه التجربة هو تحفيزها للشباب سياسيا و دفع الممتنعين و العازفين عن السياسة إلى المشاركة في الانتخابات، أحيانا بهدف معاقة الحزب الاشتراكي الذي كان في الحكم أنداك.ما حدث في اليونان يختلف شيئا ما عن الحالة الإسبانية حيث نجح حزب سريزا اليساري الراديكالي في الوصول إلى الحكم بعد فوزه في الانتخابات و تحالفه مع حزب يميني راديكالي شعبوي. و قد استغل حزب سيريزا الظروف السياسية و الاقتصادية الصعبة التي كانت تعيشها اليونان و التي أخضعت هذا البلد لشروط أوروبية قاسية للإصلاح الاقتصادي الهيكلي و التي مست القدرة الشرائية لليونانيين و فرضت عليهم إجراءات تقشفية. لكن الملاحظ هو أن هذا الحزب لم يستطع الوفاء بالوعود التي قدمها للشعب اليوناني أثناء حملاته الانتخابية، و التي نذكر منها محاربة النيو ليبرالية و وضع حد للإجراءات التقشفية. المفارقة في الموضوع هو أن هذا الحزب رضخ للشروط الأوروبية و يطبق حاليا الإجراءات التقشفية، مع بعض التعديلات الطفيفة.تؤكد الحالة اليونانية و الإسبانية أن الشعبوية تستفيد من الأزمات لاختراق المشهد السياسي و ذلك بتبني مطالب شعبية، لكنها تكون عاجزة عن الاستمرار نظرا لسطحية الحلول التي تقترحها و أحيانا لا واقعيتها. فالمشاكل الاقتصادية كالتي عاشتها اليونان و إسبانيا تحتاج لحلول هيكلية تمس جوهر النظام الاقتصادي و تحتاج لوقت طويل لتحقيق نتائج ملموسة. تختلف الشعبوية في الحالتين السابقتين عن ما حدث في الولايات المتحدة من حيث الانتماء و النوعية. فإذا كان بوديموس و سيريزا أحزابا يسارية فإن الحزب الجمهوري ممثلا بترامب هو حزب يميني محافظ، و بالتالي فالشعبوية اليسارية تختلف عن الشعبوية اليمينية من حيث أن الأولى مبنية على الشمول و لا تقصي أية شريحة اجتماعية، في حين أن الثانية مبنية على إقصاء جزء من المجتمع و خصوصا الأقليات و المهاجرين. فرونالد ترامب استغل خوف الأغلبية من البيض البروتستانت من زوال الامتيازات التي استفادوا منها مند القدم بسبب تنامي الهجرة خصوصا من أمريكا اللاتينية. و قد أحدث الخطاب الشعبوي ارتجاجا في المشهد السياسي الأمريكي و أحيا مخاوف البيض و استغلها ترامب استغلالا سياسيا للوصول للبيت الأبيض.يشترك الشعبويون إذا في استغلالهم للأزمات و الخوف من اللاأمن و من زوال الامتيازات للحصول على دعم شعبي بتبنيهم لمطالب الشعب و الركوب عليها للوصول إلى الحكم. كما يشتركون في النتائج من حيث أن الحلول التي يقدمونها تكون تبسيطية و لا واقعية، فسيبدو، مثلا، المشهد غريبا جدا إذا ما حاول ترامب بناء سور عنصري بين بلده و المكسيك، و سيكون صعبا على سيريزا في اليونان تبني سياسات غير تقشفية و التخلي عن تبني سياسات إصلاحية هيكلية للاقتصاد.عندما نحط الرحال بالمغرب، لا نجد فرقا إلا في المرجعيات. فحزب العدالة و التنمية استفاد و استغل الربيع العربي و الحراك الذي أحدثته حركة 20 فبراير، و استغل مخاوف النظام و آمال الجماهير في تحقيق تغيير إصلاحي حقيقي في نظام الحكم في المغرب. و طيلة فترة رئاسته للحكومة ظل يمارس سياسة نيوليبرالية يدعمها خطاب شعبوي يلطف من آثارها و يدعو إلى التعاطف مع الحزب بوسائل سنوضحها  فيما يلي:-يعتمد الخطاب الشعبوي للعدالة و التنمية في شخص بنكيران على قطبية تبسيطية للمشهد السياسي و لعلاقات السلطة، حيث يقسم المجتمع إلى قسمين: الشعب الطاهر غير الفاسد المؤمن بالله و الراضي بقضاء الله، و بالطبع فالعدالة و التنمية جزء من هذا الشعب، و نخبة حاكمة متحكمة، فاسدة و تحارب من يمثل هذا الشعب، و قد رمز إليها بنكيران بالتماسيح و العفاريت. يستوجب هذا الاستقطاب خلق عدو للشعب، يزيد من لحمة هذا الشعب و بتعلقه بمن يدافع عنه. فإذا كانت النخبة المتحكمة هي من تحارب الشعب و من يمثله، فهي عدو لهذا الشعب، و بالتالي يجب الوقوف بجانب بنكيران لأنه يمثل الشعب و يحارِب و يحارَب من طرف هذا العدو.-إن من يعتقد في صحة هذا التصور سواء من أعضاء الحزب أو المتعاطفين، لا يمكنه أن يساءل سياسات الحكومة و لا أن يساءل القائد على أخطائه و لا أن ينتقده بأي وجه لأن التماهي العاطفي يمنع أي انتقاد أو تحليل عقلاني لمجريات الأمور.-رغم فشل الحكومة في تبني سياسة مختلفة عن السياسة النيوليبرالية للدولة، فإن الحكومة تحاول كسب تعاطف الفئات الهشة و الفقيرة و ذوي الدخل المحدود بسن قوانين تساعدهم على الاستفادة إما من زيادة في الأجر، أو مساعدات مالية للأرامل الذين لهم أبناء في طور الدراسة.- رغم الإجراءات اللاشعبية التي تبنتها الحكومة كالرفع من سن التقاعد، و إلغاء دعم جل المواد الأساسية، و سن التعاقد في الوظيفة العمومية، فإن الخطاب الشعبوي لرئيس الحكومة ينجح باستمرار في كسب تأييد أعضاء الحزب أولا و الذين يجدون دائما تبريرات لتلك السياسات اللاشعبية، ثم تأييد فئة عريضة من الناس البسطاء و العامة و ذلك من خلال استعمال ذكي لآليات خطابية تعتمد في أساسها على، أولا، استعمال للغة الدارجة لتقليص المسافة مع المخاطب و لجعله يؤمن بأن مخاطبه ينتمي للشعب و يصطف بجانبه ضد الآخر العدو الذي يحارب الشعب و يمنعه من تحقيق مطالبه. ثانيا، استعمال الحس الديني و الثقافة الدينية المارابوتية لكسب تأييد الناس اللامشروط. إن التحليل و لو السطحي البسيط لخطابات بنكيران يظهر هذا الاستعمال اللغوي المتكرر للمخزون الثقافي الديني كوسيلة بلاغية في الإقناع. لا تخلو خطابات بنكيران من هذا النوع من اللغة التي تخلق أثرا عاطفيا و أخلاقيا، فمثلا في أحد خطاباته في الحملة الانتخابية، يحاول بنكيران امتصاص بعض العتاب و النقد الموجه للحكومة و ذلك برد كل شيء لقضاء الله[رغم أن كل شيء بمشيئة الله، ينتقد البعض تحديدا استعمال هذا الخطاب في السياسة]:"هذا جهدنا، شكون اللي غادي يحمينا بعد الله سبحانه و تعالى"، "إلى اقتضى الأمر أنني نضحي بالعمر ديالي على هذا الشعب، أنا قابل أو راضي بالقضاء ديال الله". تتعدد الأمثلة و لا يكاد يخلو خطاب منها و الهدف من هذا الاستعمال هو كسب تأييد مبني على الاعتقاد الإيماني بأن بنكيران يفعل كل ما في جهده، لكن اللوم كله يجب أن يوجه لأعداء هذا الشعب وهم النخبة الفاسدة المتحكمة.ثالثا، يؤكد بنكيران صراحة على أنه يمثل الشعب، و أنه هو و الشعب يواجهون خصوما معروفين، كما يتبنى مطالب الشعب و يقدم نفسه كمدافع عنها. في أحد تدخلاته بالبرلمان، يقول بنكيران بأن "الشعب يعرفني و يعرف خصومي..الشعب آمن بي..انتهى الكلام"[2013]. و في مداخلة أخرى يقول بأن "الشعب المغربي مولف الفقر، أوما كيتشكاش من الفقر، بل من الظلم". بهذا ينصب بنكيران نفسه ممثلا للشعب في مواجهة الظلم، وضد التحكم و التشويش على تجربته في الحكومة، و بالتالي فإن الاعتقاد في بنكيران كقائد هو واقع لدى الكثير من الناس. رابعا، هناك بعد إيديولوجي في الخطاب الشعبوي لبنكيران يمكن تفكيكه باعتماد مفهوم الدوال العائمة أو الفارغة التي أشرنا إليها في البداية. فبنكيران يستعمل مفاهيم يتبناها من المجال العام و يعطيها دلالات خاصة كمفهوم "الاستقرار السياسي" الذي يعني في خطاب الحزب الملكية كأساس للدولة بالإضافة إلى حزب العدالة و التنمية في رئاسة الحكومة لأنها حسب اعتقادهم قادرة على تحريك الشارع و الرجوع به إلى مرحلة الربيع العربي في حالة إقصاءها بطريقة أو أخرى. كما أن استعمال مفهوم "التحكم" يحمل معنى العرقلة و التضييق أو التشويش على الحزب من طرف قوى معروفة ضمنيا و غير مشار إليها تصريحا. بالإضافة إلى مفهوم "الفساد" الذي أصبح مفهوما إشكاليا بعد تصريح بنكيران "عفا الله عما سلف" و أصبح بذلك مفهوما محصورا في الفساد الانتخابي. و يمكن للقارئ تأمل غير هذه المصطلحات و إدراك المعاني الخاصة التي يعطيها بنكيران و حزبه لها.لأن المجال لا يسمح بالمزيد من التحليل، نجد في مقارنة حالات الشعبوية  التي سردنا لحد الآن مجالا للتلخيص و المقارنة. حيث يمكن القول أن الشعبوية في عمومها تستفيد من الأزمات السياسية و الاقتصادية لاكتساح نسبي أو كلي للانتخابات ,وأنها تعتمد على تقسيم تبسيطي للمجال السياسي بين الشعب و أعداء الشعب من النخب السياسية. كما يمكن أن نلاحظ بأن المد الشعبوي يواجه بامتعاض من باقي الفاعلين السياسيين و هذا يضعه في موضع المنافس الجدي، الأمر الذي يجعل من انكماشه مسألة وقت و ذلك كنتيجة لمحاولات ضبط علاقات السلطة عبر آليات و مؤسسات أخرى غير الانتخابات كما يحدث حاليا في المغرب. كما أن هناك فرقا واضعا بين هذه الحالات و هو كون الشعبوية في المغرب تُمارس من طرف حزب يقود الحكومة ضد الدولة و الفاعلين السياسيين الآخرين، و هذا يعتبر تناقضا جوهريا يعكس التناقض الهيكلي للنظام السياسي وازدواجيته. أستاذ باحث بجامعة شعيب الدكالي

  • ...
    من مآزق التعليم الجامعي.. التدريس بالماراثون

    هبط الإصلاح البيداغوجي في الساحة الجامعية بالمغرب بمظلة هبت بها ريح من أوروبا حسب إملاءات و شروط وضعتها المؤسسات البنكية المانحة، إذ بعدما كان الطلبة المغاربة يقطعون أشواطا كبيرة، و مسافات بعيدة من أجل التحصيل و طلب العلم، حيث تستغرق مدة الدارسة للحصول على دبلوم الإجازة أربع سنوات أو أكثر، و تدرّس المواد على مدار سنة كاملة، اختصر الإصلاح طريق المعرفة بتحوليها إلى معلبات جاهزة أُطلق عليها إسم وحدات، تم تركيز معارفها و تكثيفها في غلاف زمني قياسي لا يتعدى 16 حصة. إن السؤال المطروح في هذا الصدد، هو كيف ننتظر من طالب يدرس في بيئة مليئة بالعطل و التغيبات سواء في صفوف الطلبة أو الأساتذة استحصاف المعرفة في هذا الزمن القياسي؟  يتبين أن جل الوحدات المقترحة للتدريس في معظم أسلاك الإجازة بالعلوم الإنسانية تحتوي على مقدمات و معارف جزئية، لا تتعمق في دراسات المفاهيم و المقاربات و لا تشتمل على دراسات تحليلية معمقة. فبعد مسح استطلاعي للعديد من الوحدات في تخصصات مختلفة، اتضح لنا أنها جملة من المداخل و المقدمات المعرفية، منها ما هو إلحاق أو تتمة لفصول و مواضيع في وحدات سابقة، ومنها ما هو كوكتيل من المعارف الجزئية. و تجدر الإشارة هنا إلى غياب الوحدات التحليلية أو الإبداعية التي تنمي مهارات التفكير الناقد لدى الطالب، حيث تقتصر مجمل الوحدات على المباحث النظرية و المعارف المحيطة بها، عادة ما تلقن عن طريق مسح استطلاعي، دون استقصاء علمي دقيق و تطبيقات في عالم الواقع. لنأخذ مسلك السوسيولوجيا كمثال، فنتساءل عن عدد الوحدات التطبيقية للمناهج السوسيولوجية التي تتوفر عليها المسالك في هذا التخصص، وكم عدد البحوث الميدانية التي قام بها الطالب منذ التحاقه بهذا المسلك؟ إن فاقد الشيء لا يعطيه، إذا كان الأستاذ هو نفسه نادرا ما ينزل إلى الميادين ليتجول بين قراها ومداشرها وأسواقها ودروبها، إذن، كيف سيُنبِت هذا السلوك الاستقصائي في طلبته؟ بينما تحرص جامعات غربية على إرفاق وحدات سيمِنار(حلقات دراسية للنقاش) بالوحدات النظرية لفهمها وشرحها ومناقشتها، تكتفي الوحدات في نظامنا بوضع المعارف على شكل مباحث وفصول ومواضيع تتخللها مناقشات طفيفة، وقد تملى الدروس على الطلبة من طرف بعض الأساتذة الذين يفضلون إستراتيجية الإلهاء هذه قصد استهلاك الوقت و إنجاز الحصة بدون تعب يذكر. و إذا أخذنا أمثلة من أسلاك الماستر، عادة ما يقوم الأساتذة بإلقاء محاضرة أو اثنين لطرح الإشكاليات الكبرى و تسليط الضوء على المواضيع المزمع استقصاؤها، ثم تسند مهمة الاستقصاء العلمي للطلبة عن طريق تكليفهم بإنجاز عروض حول القضايا المطروحة للنقاش، هذه الطريقة جيدة جداً، إذا اقترنت بمحاضرات و شرح و تأطير من طرف الأستاذ المؤطر، لكن عندما يعتمد الأستاذ طيلة مدة تدريس الوحدة على أعمال الطلبة لاستهلاك الغلاف الزمني، نتساءل هل هذا كاف لتطوير معارف الطالب؟ كيف سيبحث الطالب في موضوع لا يتوفر فيه على معارف مسبقة؟ لماذا لا يقوم الأستاذ بدوره، و يتعمق في البحث في المادة التي يدرّسها، و يلقي محاضرات تلو الأخرى لإثراء النقاش و تعميق معارف الطالب؟  يبدو أن النظام القديم شكل شبحا غير ملائم لمتطلبات التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المغرب، فتخلصت الدولة من أعباءه، نظرا لكثرة المشاكل التي كان يطرحها، من ضمنها غياب الطلبة و تكرارهم لسنوات الدراسة ، إذ قد تستغرق مدة الإجازة بالنسبة للبعض أكثر من ستة سنوات. إذن، هل الحل هو مراجعة هذا النظام وتطويره، أم التشطيب عليه كليا و استيراد علب جاهزة من الغرب دون مراعاة الأقلمة و التكييف الثقافي لهذه المنظومة التعليمية، ثم الرمي بها على رؤوس الأساتذة والطلبة تحت شعار:  الإصلاح البيداغوجي؟ لنكن صرحاء مع بعضنا البعض، إن نظام الوحدات يقتضي مجتمعا منضبطا بالمواعيد الزمنية و ملتزما بها، إذ يحتاج مواطنا ينظم مواعيده بالدقيقة والثانية، و لا يقف لساعات ينتظر وسائل النقل مثلا، كما هو حاصل في المغرب، و ينبغي أن تتوفر المؤسسات الجامعية على ترسانة من الطرق البيداغوجية لتركيز المعارف و اختصارها، و لا ننسى أن الغرب  قطع أشواطا كبيرة في تجهيز البنى التحتية و الأنظمة المعلوماتية التي تمكنه من تطبيق مثل هذا النظام، هذا بالرغم من المشاكل التي أصبح يتخبط فيها نظام الوحدات بدول النشأة نفسها. مع الأسف، لقد جئنا بإصلاح على الورق، و عندما بدأنا في التطبيق، ظهر لنا إصلاح مشوه الخلقة يعاني أعطابا بالجملة، نجيز بعضها في النقط التالية: 1- اعتقدنا أن الإصلاح سوف يحارب الهدر الجامعي و الغيابات و التكرار، لكن إذا به يعيد إنتاج الأعطاب نفسها في أسوء مظاهرها، إذ يسجل الكثير من الطلبة أنفسهم في الوحدات ولا يحضرون سوى يوم الامتحان، و حين يقتضي نظام الوحدات فتحها من فصل إلى فصل، تقوم الجامعة المغربية بفتحها من سنة إلى أخرى، نظرا لغياب اللوجستيك و البنى التحتية لتطبيق مثل هذا النظام، و هكذا، إذا رسب طالب في وحدة من الوحدات بالفصل الأول أو الثالث أو الخامس مثلا، لا يسجل فيها في الفصل الموالي في نفس السنة، نظرا لأن الأساتذة منشغلين بتدريس الفصل الثاني و الرابع و السادس، وهكذا يجب أن ينتظر حتى السنة القادمة لما تفتح هذه الوحدة، كما يحرم من ولوج الوحدات المقابلة لهذه الوحدة في الفصول المقابلة. أليس هذا تكرار بمظهر أسوء من الماضي؟ هل هذا يعتبر تدبيرا عقلانيا للغلاف الزمني للتدريس؟ أين هي البيداغوجية في هذا الإجراء المؤجِّل؟ لو توقفت الصعوبات عند هذه النقطة بالذات، لكان الأمر أهون على الطالب، لكن المشكل تعتريه مطبات بيداغوجية كارثية، إذ لا يعقل أن طالبا لم يستوف وحدة في الفصل الأول مثلا، و لنقل وحدة النحو، لكنه يمر لدراسة وحدة مشابهة في الفصل الثاني تحتوي على مواد تستكمل معارف الوحدة السابقة. كيف يحدث هذا و هو لا زال لم يستوف شروط الوحدة الأولى؟ يتم هذا في غياب المقابلات بين الفصل الأول والثاني، و الثالث والرابع، والخامس والسادس في نظامنا البيداغوجي، و هكذا تبدأ الإعاقة المعرفية الحقيقية لدى مجموعة من الطلبة، حيث يمرون من وحدة إلى وحدة في الفصل الموالي دون استيفاء السابقة وهضم معارفها.  2- لقد أتى الإصلاح البيداغوجي بنظام "الكريدي" في التكوين، فتحول الطالب من طالب للمعرفة إلى متسول للنقط قصد استيفاء الوحدات والفصول، و ظهرت عدة تقنيات منها الإدماج واستيفاء الفصول واستيفاء السنة، جعلت من الطالب عبارة عن آلة حاسوب يضيع وقته في جمع النقط بين الوحدات لاستيفاء الفصل. و تتراكم مشاكل الطالب كلما زادت نسبة الوحدات غير المستوفاة، إذ يثقل كاهله بالوحدات القديمة و الجديدة، وتختلط عليه المعارف، و يجد نفسه مشتتا بين المستويات، إذ أن هويته أصبحت هجينة مستعصية على التعريف، فهو ليس "طالبا ساقطا"بالمعنى القديم للكلمة، وليس مستوف للفصل بالمعنى الجديد، هو طالب "بين هذا و ذاك"، في وضعية بينيّة مؤجلة، لذا تجده يتوسل إلى أساتذته بمنحه بعض فواصل النقط لإنقاذه من الضياع في نظام الكريدي هذا. هناك طلبة قد تضيع عنهم فرصة استيفاء ثلاث وحدات بسبب نقطة واحدة  أو أقل، و هذا سببه نظام التنقيط الذي يراعي شروط نظام أبوجي أكثر مما يراعي الشروط البداغوجية للتنقيط.  2- جاء الإصلاح بتقنية المعاوضة لحماية الطالب من الرسوب وضمان حقه في استيفاء الفصول و اجتيازها، لكن تطبيق هذا المقياس أمسى آفة كبرى في جميع المؤسسات الجامعية، حيث يعبث يوميا بروح الإصلاح و يفسد العملية التربوية برمتها. كيف يحصل هذا؟ بفضل المعاوضة، أصبح اليوم  بإمكان طالب غير متمكن من تخصصه أن يحصل على دبلوم الإجازة بالمعاوضة، حيث يراهن على نقط عالية في الوحدات التكميلية و الوحدات التطبيقية أو الموجهة لاكتساب الوحدات الرئيسية بالتعويض  واستيفاء الفصول، ما لم تنخفض نقط هذه الوحدات الرئيسية إلى مستوى أقل من عتبة 05. إن الإصلاح الجديد يشهد تقهقرا خطيرا لم يشهده النظام القديم منذ نشأته، و لنأخذ طالبا في اللغة الانجليزية غير متمكن من الكتابة والنحو مثلا، وسجل نقطا ضعيفة لا تتجاوز عتبة 05 في هذه الوحدات، بالرغم من هذا المستوى الضعيف، يستطيع بفضل  فازورة  المعاوضة أن يقفز بسرعة البرق إلى مستويات عليا مستوفيا الفصل، نظرا لحصوله على نقط عالية في اللغة الفرنسية و وحدات توجيهية أخرى تعوضه عن النقط التي يحتاجها في الوحدات الرئيسية. فمن يا ترى هذا المهندس العبقري الذي وضع عتبة خمسة لاستيفاء الوحدة بالمعاوضة، و لماذا هذا الرقم بالذات؟ ولماذا المعاوضة؟ هل فكر في مزالق المعاوضة و ما ستخلقه من مشاكل بصفة إجمالية؟  3- يحدد الإصلاح لكل وحدة غلافا زمنيا يتضمن ثلاث ساعات، و يمكن تقسيمه من الناحية البيداغوجية إلى حصتين بمدة ساعة ونصف لكل واحدة أو ساعتين لحصة نظرية وساعة لحصة تطبيقية، حتى لا يُرهق الطالب ذهنيا، و يستطيع متابعة الدروس باختلاف موضوعاتها، لكن ما يقع في المدرجات وأقسام الجامعة هو التدريس بالمارثون، إذ يفضل الكثير من الأستاذة المدججين بالمعارف و المقاربات وضع حمولتهم المعرفية و إثقال الطالب بالمعلومات في حصة ماراثونية واحدة لمدة ثلاث ساعات في الأسبوع. هذا الإجراء قد يختصر وقت الأستاذ الذي يسافر من مدينة إلى مدينة للتدريس في الجامعة، أو الأستاذ الذي له ارتباطات أخرى، لكنه يظل سلوكا غير مقبول بيداغوجيا. لماذا؟ أولا، إن الحصص الماراثونية تطالها اقتطاعات زمنية في بداية الحصة وعند نهايتها و أثناء الحصة من ساعة ونصف إلى أخرى. هكذا قد تُقزّم الحصة إلى ساعتين  أو ساعتين وربع، بينما يُستهلك باقي الوقت في شرب القهوة والاستراحة و الدخول المتأخر و النهاية المبكرة. ثانيا، هناك فرق شاسع بين أستاذ يلتقي طلبته مرتين في الأسبوع قصد تثبيت المعارف التي يلقنها لهم و استحصافها، و أستاذ يلتقي طلبته مرة واحدة في الأسبوع، فلا يستفيد من عملية المراجعة والتثبيت هذه. و يظل السؤال الأساسي المطروح على التدريس بالماراثون كالتالي: كم مدة المحاضرة الماراثونية التي سيلقيها أستاذ الماراثون هذا؟ إن أطول مدة زمنية لمحاضرة في جامعة أمريكية تتذبذب بين 45 دقيقة و ساعة من الزمن، إذن كيف سيستهلك  هذا الأستاذ المدة المتبقية من الوقت؟ هل سيلقي محاضرتين متتابعتين؟    في الحقيقة، لا تقف المشاكل عند هذه النقطة بالذات، بل تتناسل بالجملة، حيث تغيب جسور المسالك، نظرا لعدم وجود مسالك إجازة تؤطرها شعب مختلفة، بل تكتفي كل شعبة بخلق مسلك إجازة خاص بها لتعيد إنتاج النظام القديم بمظهر معلبات جاهزة جديدة. وبينما ينص الإصلاح على التفويج، تلتجئ الشعب إلى المقاربة "العرّامية" في التدريس، بوضع المئات في فوج واحد، واحتباسهم في حصص ماراثونية لمدة ثلاث ساعات. و لنكن واضحين عند هذه النقطة بالذات، إذ يتعذر كليا على الجامعات أن تفوج أقساما بأعداد ثلاثين أو أربعين طالب في غياب بنى تحتية ولوجيستيك يفي لهذا الغرض. كيف تستطيع هذه المؤسسات التفويج و هي غير قادرة على إجراء امتحانات مستقلة غير موحدة، و نظرا لضعف طاقتها الاستيعابية، أقدمت العديد من المؤسسات الجامعية على الرجوع إلى النظام القديم في إجراء الامتحانات للتغلب على الصعوبات التي تطرحها الامتحانات المستقلة. و بالرغم من حزمة المشاكل هذه، لازلنا نتشبث بهذا الإصلاح  و نعيش في ظل متاهته؟ كلما وضعنا إصلاحا حيز التطبيق، اتضح لنا أنه هو الآخر في حاجة إلى إصلاح، ثم ندخل دوامة إصلاح الإصلاح. إن الجامعة المغربية اليوم تواجه مأزقا وجوديا يتجلى في غياب النقاشات البيداغوجية بين الفاعلين، حيث لازال العديد منهم يعتبرون الحديث عن مشاكل التدريس من المقدسات التي لا يجب المساس بها أو مناقشتها، ويمتعضون من النقد ونقد النقد، و هذا راجع ببساطة لعدم مأسسة الحوار و النقاش وتبادل الآراء منذ البدايات الأولى للتعليم بمختلف مستوياته. أين هو أرشيف تقارير الشعب البيداغوجية و تقارير أيامها الدراسية التي تنظمها لتقييم التكوينات المنضوية تحت إشرافها؟   لن تقوم قائمة لأي إصلاح بيداغوجي دون تحطيم صنم الأستاذ الشيخ بالمغرب! لقد حان الوقت لتقييم عمل الأساتذة و أدائهم البيداغوجي، لأن الإصلاح لا يقاس بالأرقام فقط ، و لا يهبط كجلمود الصخر الذي حطه السيل من عل، بل تساهم في أقلمته و تكييفه كوادر مؤهلة تقيم عملها و تطبيقها على الأرض،  فمتى سينزل الشيخ من منبره لكي ينصت لرأي طلبته فيه، و يقبل تنقيطهم كما يفعل هو معهم كذلك؟ فإذا كان الأستاذ يقوم بتقييم عمل طلبته و الحكم عليه سواء بأنه سيئ أو جيد ، فلماذا لا يقوم الطالب بدوره بتقييم عمل الأستاذ و الحكم عليه ما إذا كان  سيئا أو جيدا؟ لماذا يتحدث الطلبة فقط في الساحات والمقاهي وعلى صفحات الفايسبوك عن الأداء السيئ أو الجيد للأستاذ دون مأسسة هذا التقييم؟ ألا يصح أن تأخذ المؤسسة برأي طلبتها  في أستاذ لا يستكمل تدريس مواده المقررة في الوحدة، و عن آخر يحكي قصص تجاربه الشخصية في محاضرته لاستهلاك وقت الطالب في التافهات؟ و آخر يرتكب أخطاء معرفية، و آخر لا يزال متشبثا بمقاربات بدائية من عهد أفلاطون، لا نذكرها إلا على سبيل التقعيد للنظريات الحديثة، أو عن أستاذ يلقن معارف مفككة جزئية بدون شرح أو إفاضة في التحليل. و ماذا عن أستاذ درس بنفس المراجع أكثر من عشر سنوات؟ و عن أستاذ مُمْل يدرّس بطريقة ببغاوية؟ ألا ترون أنه حان الوقت لمنح الطالب حقّا مؤسساتيا بتقييم عمل أستاذه وإبداء رأيه فيه إن كان فعّالا أو غير فعّال، و هكذا قد نعبد الطريق نحو نقد الذات و تحطيم صنم الأستاذ الشيخ بالمغرب؟! ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    قائد قيادة اولاد احسين.. انعدام في التجربة و تقاعس في أداء المهام

    أرسى جلالة الملك محمد السادس في ظل العهد الجديد، المفهوم الحقيقي للأدوار المنوطة برجل السلطة المحلية في تجسيد الإحترام و الإمتثال للقانون و حفظ الأمن و النظام العام. و من أجل تيسير مهام رجل السلطة وُفّرت له كل الظروف و الوسائل المادية التي تساعده في ذلك، من بينها صفة ضابط الشرطة القضائية، التي من خلالها تمكنه من ضبط كل المخالفات للقوانين التي أصدرها المشرع المغربي.و لعل إحداث المعهد الوطني للإدارة الترابية، قصد ضخ رجال سلطة أشداء في الجانب المعرفي و العملي، يُلزم لقبول الولوج الى هذا المعهد، الحصول على الأقل على دبلوم الإجازة أو الماستر، و من بين الامتيازات التي يحظى بها بعد التخرج أجر يقارب مليون و نصف سنيتم شهريا، ناهيك عن الامتيازات من السكن الوظيفي و سيارة الخدمة وغيرها، والأهم من كل ذلك أن المنصب يضمن مكانة اجتماعية جد محترمة، فالقائد يعتبر في التمثلات المغربية هو ذلك الرجل القوي الممثل الرسمي للمخزن و الحافظ لمكانته و هبته داخل نفوذه الترابي.لكن للأسف، فقيادة أولاد احسين التابعة لعمالة اقليم الجديدة، أضحت اليوم تشكل الاستثناء بكل المقاييس، فهذه القيادة التي كانت في وقت سابق مندمجة مع قيادة جماعة مولاي عبدالله (قيادة اولاد بوعزيز)، و بعد قرار إحداثها قصد تقريب الإدارة من المواطن، و بغية تسريع وثيرة تنمية المنطقة، من خلال نهج سياسة تحترم في أبعادها مكانة و حقوق الإنسان، إلا أن تراكمات ست سنوات من العبث، أتت نتائجها بشكل عكسي، أخرجت عموم الساكنة في وقفات احتجاجية مختلفة،  أبانت عن ضعف و تقصير في أداء الأدوار المنوطة برجل السلطة المحلية.فوزي من موظف بعمالة إقليم الجديدة إلى قائد قيادة اولاد احسين بقدرة قادر، بعدما كان يشغل القائد الحالي موظفا بسيطا داخل دهاليز عمالة إقليم الجديدة، مكلفا بحسابات الشيوخ و المقدمين، و بعد أقدمية في العمل الوظيفي و مع مناسبة إحداث القيادة، تم تكليفه بتدبير شؤونها في نوع من المخاطرة، حينها لم يكن يعلم السيد مصطفى لحرش الرئيس السابق لقسم الشؤون العامة بعمالة الجديدة، عن ما يخفيه المستقبل لهذه التزكية.و في تذكير لكرونولوجيا الأحداث و الوقائع التي لا نعتقد أنها قد تختفي عن تقارير إخوتنا في مهنة المتاعب و إن كانوا يحملون هاجسا أمنيا أكثر، ف"القايد فوزي" عَمَّر لحدود الساعة لأزيد من ست سنوات على رأس هذه القيادة منذ تاريخ احداثها. و كان أول اختبار له هي محطة الاستفتاء الخاص بدستور فاتح يوليوز، إذ أبان عن فتور في تعبئة الساكنة من أجل التوجه نحو الصناديق لأداء الواجب و الحق الوطني من خلال التصويت. ف"فوزي" كان شبه غائب و لا يسمع له صوت في أرجاء الجماعة. يقول أحد الفاعلين الجمعويين أنه كنا نأمل أن يستقبلنا السيد القائد بحكم أنه ممثل لعامل إقليم الجديدة و لوزارة الداخلية، قصد التعاون مع المجتمع المدني في التعبئة للتصويت بنعم على الدستور، لكن التعاون، يضيف الفاعل الجمعوي، كان بارزا فقط بين مكونات الحقل الجمعوي و المنتخبين الذي أبانوا عن تعبئة واسعة وراء جلالة الملك محمد السادس، أما "القايد فوزي" قد كان وقتها منشغلا بتأثيث منزله الجديد.  ملف تدبير الاستحقاقات الجماعية و البرلمانية، لا يخفى أن دور رجل السلطة في تدبير هذا الملف الساخن يقتضي أن يتحلى بالحزم و الصرامة في التعامل مع جميع المتنافسين على مسافة واحدة، و أهم شيء هو إحترام الإرادة الشعبية و إختيارت الساكنة. و حسب أحد المترشحين السابقين، لم يود الكشف عن إسمه، أن "القايد فوزي" قرر المحاباة و التقرب من جهة على حساب جهة أخرى، أو التعامل بوجهين حسب كل ظرفية، فها هو مرة تجده مقرب من آل ولد موسى و طيب بنغانم و قبيلته، و مرة أخرى تجده بجوار آل المخير الذي لم يعمر الوئام بينهما طويلا، ليظل فوزي أبرز المناصرين لأحد أعيان الجماعة، في جل المحطات الموالية، خاصة من خلال القضية التي تفجرت و تابعها الرأي العام  والمتعلقة بتشييد ثانوية تأهيلية بتراب الجماعة، التي تعرف نسبة مرتفعة من الهدر المدرسي و بالخصوص لدى فئة الفتيات، القايد فوزي شاء أن يمارس الحياد السلبي في النهار، و لكن ما كان يعمله  في الليل لا يعلمه إلا هو و الآخر و ثالثهم الشيطان.و تظل الطامة الكبرى و النقطة التي أفاضت الكأس، و لم يعد بعدها أي عذر أو تسامح هي أن تسقط روح بريئة، ضحية لتقاعس في أداء المهام و فرض هيبة وزارة الداخلية، خصوصا بعد تعالي مجموعة من الأصوات المنددة و المستنكرة للوضع، إذ أن شخصا يمكن أن نلقبه ب"بطل اولاد بوعزيز" استطاع فرض هيبته و مكانته بفتوة عضلاته و إخضاع العديد تحت سلطته، بعدما أضاعها من كان وزير الداخلية قد كلفه بالحرص عليها و صونها. شاب من ذوي السوابق العدلية و مخبر لبعض الأجهزة، قام بهدم و تخريب مملتكات الدولة في واضحة النهار، و أمام نافذة مكتب "القايد فوزي" بينما هو يحتسي شرابه المفضل "أتاي بالشيبة" مع الإسفنج المحلي، غير مكترث لما يقع بنفوذ تراب القيادة، تخريب طال ممتلكات الغير، كان من بينها جزار طاعن في السن (85 سنة)، استيقظ على هدم محله، إلا أن شكواه للقايد فوزي لم تجد صدى غير مطالبته بالصبر، ما جعل الاستنتاجات تحوم حول علاقة ما بين هذا البطل و القائد، لا سيما أن "البطل الخرافي" تربطه علاقة وطيدة مع أحد أعيان الجماعة، المقربين من القائد، حيث يحكي شهود عيان لإحدى الوقائع أن القايد اتصل بهذا الأخير ملتمسا إياه التدخل لثني البطل عن محاولة انتحار، ما تؤكده المكالمات الهاتفية و التسجيلات الصوتية التي يتوفر عليها البطل، ما جعل فوزي خائفا بأن يطاله قصاص يد البطل إن مسه بسوء، فهل ستسارع الجهات الوصية (وزارة الداخلية) باتخاذ اللازم و تعيين من هو كفؤ و أجدر لمسؤولية تمثيل أقوى جهاز بالدولة، بعد كل هذا أم أن بطلنا الخرافي أضحى رعبه يتعدى فوزي.فحتى الحركة الانتقالية داخل إقليم الجديدة، التي كانت مقررة خلال الصيف الماضي، لم تجر في عهد العامل معاذ الجامعي لتتزايد التساؤلات حولها، لا سيما مع فراغ مهول لمراكز حساسة من حيث حجم المسؤولية، آخرها شغور منصب باشا مدينة الجديدة المحال على التقاعد، بالإضافة لرئيسي دائرتي الجديدة و أزمور ومنصب قائد اولاد عيسى، فالوضع الحالي أضحى يتطلب تدخلا عاجلا من قبل السيد وزير الداخلية.  قائد القيادة هو ذلك الرجل المحترم ذو الهنددم اللائق و الأنيق، ليس ذلك من يحكي القصص و الحكايات لكل من زاره بمكتبه، و إلى حين كتابة قصة أخرى عن حكايات القايد فوزي تقبلوا فائق الإحترام و التقدير.

  • ...
    البرقع وصفة سحرية لحل البلوكاج الحكومي

    لماذا تحول الرأي العام تدريجيا من مناقشة أزمة تشكيل الحكومة إلى مناقشة ارتداء البرقع من عدمه؟ ماذا استجد في الشارع حتى يصدر بلاغ رسمي يمنع إنتاج وتسويق لباس البرقع، ويحذر من أخطار ارتدائه ؟ هل يعتبر ارتداء البرقع اكتشافا جديدا، أم لباسا مبتذلا يستسيغه المجتمع ؟ كيف تحول البرقع من لباس معبر عن هوية متدين متمذهب إلى تهديد للسلم الاجتماعي في هذا الظرف السياسي بالذات؟ لماذا بدأ يطرح مشكلا الآن؟ ألا تقوم أجهزة الدولة المختصة بإحصاء دقيق لكل متمذهب ملتحي أو مُنقّب؟ أليس الغرض من إثارة قضية البرقع إلهاء الجمهور عن مشاكل أهم، و تحويل انتباههم عن قضاياهم السياسية، والتغييرات التي ستققرها النخب الحاكمة في أزمة البلوكاج الحكومي؟    وفقا لتشومسكي، تعتبر إستراتيجية الإلهاء سلاحا قويا للتحكم في المجتمعات و السيطرة على المجال العام، إذ تعتمد عدة أسلحة كاتمة تستخدمها لامتصاص المعارضة والقضاء على الخصوم، و التخفيف من حدة  الضغط الجماهيري، و ما يهمّنا في هذا السياق، هو استخدام النخبة الحاكمة لسلاح خلق المشاكل وانتظار ردة فعل المجتمع لاقتراح الحلول المناسبة والمتوقعة، إذ قد تتصاعد مثلا وتيرة العنف و "التشرميل"، و بالتالي تلتجأ الجماهير إلى المطالبة بقوانين أمنية حتى لو جاء ذلك على حساب الحقوق و الحريات الفردية، أو قد تلتجأ بعض الجهات النافذة إلى خلق أزمات اقتصادية لتمرير بعض القرارات كتقاسم تكاليف الدراسة و ضرب مجانية التعليم مثلا، أو كإصلاح صندوق التقاعد باقتطاع من أجور الموظفين، و الأمثلة عديدة من الماضي القريب، حيث تم افتعال عدة مشاكل اجتماعية لإلهاء الجمهور عن حراكه الشعبي، فمنذ انطلاق حركة عشرين فبراير والمجال الافتراضي يعج بمشاكل أخلاقية واحدة تلو الأخرى، حاولت إبعاد الرأي العام عن النقاش السياسي، و عن انتقاد النخب وتقريعها على فشلها في إدارة شؤون البلاد، وهكذا انتقل الرأي العام من الاهتمام بقضاياه المصيرية إلى الانغماس في تحليل قشور  قضايا أخلاقية نذكر منها فتيات انزكان والمثليين و فيلم نبيل عيوش و فضائح السياسيين و الفنانين و رجال الدين وغيرها من الفضائح الجنسية.  إن إستراتيجية الإلهاء التي تمارسها النخب السائدة منذ انطلاق حركة عشرين فبراير تجلت في عدة مظاهر منها تفكيك الخلايا الإرهابية التي يعلن عنها في أوقات دقيقة و حساسة يكون الرأي العام منشغلا بقضية سياسية أو اقتصادية كإضراب الأساتذة المعطلين مثلا، و تأتي قضية البرقع اليوم لإلهاء الجماهير الإسلاموية وتهييجها لمناقشة هذا الموضوع و الدفاع عن البرقع، مما قد يفتّت انشغالها بالدفاع عن زعيمها السياسي  و مساندته ضد خصومه، هذا مع العلم أن هذا "الزعيم الوهمي" قد استُهلِك و أُكِلَ يوم أُكل الثور الأبيض ( حركة عشرين فبراير) في مسرحية سياسية نشاهدها منذ 2011 بالمباشر تحت عنوان "المخزن  والثيران الثلاثة."  ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    ''بيضة بيضة... باش نزوق لوحتي''.. شعار تاريخي من أجل الحفاظ على تعليم اجتماعي تضامني بالمغرب

     إن إلحاح المجلس الأعلى للتربية والتكوين على ضرورة تنويع مصادر تمويل المؤسسة التعليمية، بما فيها تشجيع التضامن بين الأسر الميسورة و الأسر المعوزة من خلال مساهمة الأولى  في النهوض بالمدرسة العمومية عن طريق أداء رسوم التسجيل، يعد تحولا منهجيا في معالجة قضايا هذا القطاع، ويدق ناقوس الخطر حول ما يتهدد قطاع التعليم من كوارث مستقبلية، إذا ما استمرت الدولة في تحمل عبء ميزانيته، و كاهلها مثقل بالمديونية وشح الموارد أمام انفجار ديموغرافي وازدياد أعداد المتمدرسين، و الإلحاح في طلب العلم في ظل شعار: "التعليم قاطرة التنمية".  لماذا ارتأى المجلس هذا المقترح في هذا الوقت بالذات؟ هل استنفدت الدولة جميع الحلول لتنويع مصادر تمويل المدرسة العمومية حتى تعرب مرة أخرى من خلال المجلس عن رغبتها في صلب جيوب الطبقات المتوسطة بإجبارهم على أداء رسوم التسجيل، أم هي التحولات العالمية لسوق الشغل و عولمة التخصصات الجامعية التي تفرض علينا هذا الواقع الجديد؟ قد يعتقد بعض أعضاء المجلس أن سن ضرائب للنهوض بالقطاع، و إحداث رسوم تسجيل باعتبارها واجباً إلزاميا على الطبقات الاجتماعية الوسطى مع إعفاء الأسر المعوزة، حل يتماشى مع موضة العصر، خصوصا وأن أعددا هائلة من الأسر المغربية الآن ترسل أبناءها إلى مدارس حرة، وتؤدي رسوم تسجيل باهظة الثمن مقابل الخدمات التي تقدمها هذه المؤسسات، إذن، أين هو العيب في تحويل جزء بسيط من هذه المبالغ لفائدة المدرسة العمومية، والرفع من جودتها، و بهذا قد نحقق تضامنا وطنيا بالإسهام في إنقاد المدرسة العمومية؟ ربما هكذا خمن حُصفاء وخبراء هذا المجلس الموقر!؟ هل استورد المجلس مبدأ التكافل الاجتماعي و فكرة تقاسم التكاليف (cost sharing) من ممارسات المنظومة التربوية في الدول الغربية الرائدة في هذا المجال؟ و إذا كان الجواب بنعم، أليس من الحكامة الجيدة أن نقوم بدراسات ميدانية حول مدى قابلية هذا المبدأ للتطبيق في دولة الاستقبال تفاديا لأي ضرر محتمل على الاقتصاد الوطني، فربما يؤدي هذا الإجراء إلى انخفاض القدرة الشرائية للمواطن؟ كيف يمكن توطين هذا المبدأ وأقلمته في ثقافة تؤمن بمجانية التعليم منذ الاستقلال، و تعتبره حقاً دستوريا مهما كانت العائدات الشهرية للعوائل؟ لماذا هرولت نخبنا لهذا الاكتشاف البالي الذي استهلكه الغرب منذ زمن، و بدأت تطبل و تزمر له كحل سحري دون دراسة استباقية  لمدى قابلية أقلمته في الواقع المحلي بمختلف خصوصياته؟ هل يكمن مشكل المدرسة العمومية  في تنويع موارد التمويل؟ هل بأداء الرسوم المدرسية ستتبخر مشاكلنا التعليمية؟ أنظر إلى الدول الأوروبية التي طبقت مبدأ تقاسم التكاليف في المستوى الجامعي، كفرنسا مثلا، كيف تساهم في إعانة الأسر متوسطة الدخل عند بداية كل موسم دراسي في المستويات الأدنى قصد شراء الكتب و أداء واجبات التسجيل، و الأمر هنا لا يتعلق بالأسر المعوزة فقط؟ قبل أن نتطرق لمطبات أجرأة هذا المقترح، و التأمل في بعض الحلول البديلة، نود أن نسلط الضوء في البداية على الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها المدرسة العمومية، ونخص بالذكر هنا قطاع التعليم العالي و ما يطرحه من قضايا شائكة آنية و مستقبلية في إطار عدم ملاءمته لسوق الشغل. إن الوجه الخفي لمقترحات المجلس الأعلى للتربية والتكوين يتضح في اعتراف المجلس الضمني والصريح بتراجع المنظومة التعليمية و تعثرها بشكل جلي في سوق الشغل، حيث يوجد الآن إجماع وطني حول هذه النقطة بالذات، و تؤكد التقارير الرسمية والصحفية على فشل المنظومة التعليمية في تصدير كفايات و مهارات تحتاجها سوق الشغل لإدماجها في العمل.  هذا طبعا لا يفاجئنا لأن المنظومة التعليمية التي أُسست منذ عهد الاستقلال، اهتمت بتكوين النخب لولوج الإدارات العمومية، وليس للالتحاق بسوق رأسمالية تستند إلى الخبرة التكنولوجية والمعلوماتية. الكل يعلم أن التعليم الجامعي تمحور حول القضايا الاجتماعية و الدينية والثقافية والسياسية والتاريخية و الجغرافية التي تهم هذا البلد، و لم يهتم كثيراً بالعلوم التطبيقية والابتكارات التكنولوجية إلا في ميادين جد محدودة. لقد كان و لا يزال تعليما اجتماعيا بامتياز، يستمد قوته من العلوم الإنسانية لتحريك عجلة الإدارات العمومية والاقتصاد عموما. لفائدة هذا التعليم يشهد التاريخ بأنه أدى الرسالة المجتمعية، و أنجب كوادر أكفاء في تخصصات شتى، كما يشهد له التاريخ بأنه لم يتخل قط عن رسالته التوعوية، أو حدث أن انسلخ عن قضايا مجتمعه.  هذه المنظومة التعليمية اليوم تقف في قفص الاتهام، و تُتهم بتشريد الناشئة في الشوارع، و تسويق بضاعة فاسدة منتهية الصلاحية في سوق الشغل، حيث الطلب الآن ينصب على تكوين أطر تقنية خدماتية تواكب التطور التكنولوجي  والمعلوماتي، وليس على تخصصات أكاديمية نظرية ذات أبعاد مفاهيمية إبستمولوجية. وهكذا أصبح مصير التعليم مرتبطا بقدرته التنافسية على خلق و ابتكار تخصصات تطبيقية تستجيب لطموحات المشاريع الاستثمارية في القطاع الخاص. وأمام تراجع قدرة القطاع العام على استيعاب خرّيجي العلوم الإنسانية، أمسى هذا التخصص الذي يساهم في بناء المنظومة القيمية للمجتمع، و يساهم في تطوير العقول و الذهنيات على حافة الاندثار. هذه الكليات الآن تنحو مسارا قاتما، إما أن تنفتح على تخصصات تطبيقية، و بالتالي تضحّي بالعلوم الإنسانية في بعدها الفلسفي، و إما سيتم إغلاقها مستقبلا بسبب شواهد "الإعاقة المهنية" التي تسلمها إلى الشباب المغاربة. إن البضاعة الوحيدة التي تستطيع هذه المؤسسات إنتاجها اليوم هي الشواهد الجامعية المعترف بها إداريا، لكن نادرا ما تُقبل في القطاع الخاص.    حين تصبح القوة الاقتصادية عاملا محددا لإنتاج المعرفة،  ستنقرض تلك التخصصات التي أنتجها المجتمع لأسباب اجتماعية و سياسية و ثقافية  أكثر منها اقتصادية، فالآداب و العلو م الإنسانية والاجتماعية قد لا تجد فرصا للشغل بالمقارنة مع العلوم التطبيقية والتكنولوجية في مغرب اليوم، خصوصا إن لم تتحول إلى بضاعة قابلة للتسويق.   أصبح أخطبوط الرأسمالية العملاق المتمثل في الشركات متعددة الجنسيات يحتل الأسواق المحلية اليوم، و يضع شروطه ومناهج عمله، و يخلق التخصصات التي تناسب صناعاته ونشاطاته الاقتصادية. هنا قد يتساءل القارئ عن مآل العلوم الإنسانية والاجتماعية التي ساهمت تاريخيا في بناء نسيج المجتمعات و أنساقها الفكرية، و عبأت الفاعلية السياسية وجندت المجتمعات للدفاع عن حقوقها؟ فلتذهب إلى الجحيم!؟، هكذا يجيبك الأخطبوط ، ويضيف بأنه في حاجة إلى تقنيين و خبراء و مهندسين و أطباء و علماء مهادنين مذعنين خاضعين. ليس المهم هو تعبئة المجتمع أو تخليقه بقدر ما هذا المجتمع في حاجة إلى الفرجة والاستهلاك. إن المسالك التي يقترحها علينا الأخطبوط العملاق، قد توفر لناشئتنا وظيفة و أجرة، لكنها ستكتفي بمعرفة خدماتية برغماتية، تكون في غالب الأحيان مبتورة من أنساقها الفكرية وأسسها الإبستمولوجية، تلك معارف جزئية بدون قيم أو مبادئ أو مواقف تضامنية، و حتى درع الإيمان سيتصدع في هذا السياق من جراء قوة الصدمة الحداثية التي نعيشها اليوم. و كل تفريط محتمل في العلوم الإنسانية يعتبر جريمة في حق المجتمع و إهدارا للمسؤولية الأخلاقية في حقه، و لنمعن النظر كيف أدى تراجع العلوم الإنسانية (خصوصا الفلسفة وعلم الاجتماع) في العقود الأخيرة إلى فتح الباب أمام ولوج أفكار راديكالية متطرفة بين ثنايا مجتمعاتنا العربية.   نحن نعي جسامة المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات الجامعية اليوم، إذ أن الهدف هو تحويلها من مركز لتلقين المعارف النظرية إلى محرك للاقتصاد الوطني، و هذا يتطلب تسليع التعليم وبيع منتجاته في السوق المحلية والدولية، مما يحتم علينا إنتاج معارف تطبيقية تساير مقاربات الشركات العملاقة. نحن نعيش اليوم اقتصادا سياسيا للمعرفة تتحكم المقاربة الاقتصادية في  بلورة مفاهيمه و طرق تعليمه. إنها التبعية التي تفرضها عولمة الرأسمالية و المؤسسات المانحة التي تعبّد لها الطريق، فحتى في الدول الإمبريالية، يعرف التعليم الاجتماعي تراجعا أمام التعليم التسويقي، ففي الولايات المتحدة مثلا، يحتل التعليم الجامعي الرتبة الثالثة في قائمة الصادرات الوطنية، و يضخ في خزينة الدولة حوالي 20 مليون دولار سنويا، مما يمنح هذا القطاع أولوية خاصة عند رسم السياسات الكبرى، و يضمن له استمرارية التنافس في السوق العالمية.  يبدو لنا ظاهريا أن المجلس الأعلى للتكوين قدم مقترحا دون دراسة جوانبه الإيجابية والسلبية، لأننا حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم نقرأ عن الإكراهات والمشاكل التي قد يطرحها مثل هذا الإجراء، و هل فعلا يتبنى المجلس وجهة نظر ناقدة، أم يبصر الواقع بمنظار وردي الألوان يعتقد في سماء تمطر ذهبا وفضة بعد تبخر عرق البؤساء من أفلاذ هذا الشعب في المثابرة لتغطية نفقات صك البقاء على قيد الحياة. هل اعتماد مبدأ تقاسم التكاليف و إحداث تكوينات مؤدى عنها سيطرح مشاكل مستقبلا؟ و ما نوع هذه المشاكل يا ترى؟  لقد بدأت بالفعل إرهاصات أداء تكاليف الدراسة عن طريق إحداث تخصصات ماستر بالمقابل، و إنشاء جامعات حرة، و هذه التكوينات و المؤسسات غالبا ما تستقطب طلبة لا يتوفرون على معدلات تنافسية عالية بالمقارنة مع نظرائهم الذين  يلتحقون بالتكوينات والكليات المجانية. تواجه هذه التكوينات غير المجانية بالأساس عائق الجودة بالرغم من ضخها أموالا في ميزانية المؤسسة، لأنها عادة ما تأتي على حساب تقلص أنشطة البحث العلمي، وسؤالنا  في هذا الصدد، ماذا استفادت الدولة والجامعة المغربية بصفة عامة من ظهور جامعات حرة؟ هل ساهمت هذه الأخيرة في تطوير البحث العلمي بالمغرب؟  أمام تزايد الطلب على جودة التعليم، و أزمة الانفجار الديموغرافي، و تفاقم الأعداد المسجلة من الطلبة بين التخصصات المطلوبة والتخصصات المستغنى عنها في سوق الشغل، و تكاثر البطالة المؤهلة، دخلت الدولة في سباق محموم لانتشال منظومتها التعليمية من وحل العطالة و انتهاء الصلاحية، فأصبحت تسطر برامج استعجالية، و هي الآن بصدد التفكير في الحل المنتشر عالميا تحت مسمى تقاسم التكاليف، إذ تسعى إلى إجبار العائلات على تحمل مصاريف تعليم أبنائها، وهذا في العمق فعل تضامني ، إذ ينطلق من مبدأ التكافل بين الميسور والفقير في إطار صدقة إلزامية تفرضها الدولة في شكل رسوم تسجيل، لكن السؤال المطروح، هو هل هذا كاف لتغطية مصاريف المؤسسات الجامعية؟ هل هذا سيساهم في حل عجز ميزانية الدولة الموجهة إلى هذا القطاع؟ لا ننسى أنه في دول أوروبا وأمريكا التي عملت بهذا المبدأ منذ عقود، اعتمدت تنويع مصادر تمويل المؤسسات التعليمية عن طريق جمع التبرعات من المجتمع المدني و مؤسسات أخرى مانحة لضمان جودة خدماتها. علينا أن نعي أن مبدأ تقاسم التكاليف (cost-sharing) لا يشجع التعليم الديمقراطي، كما يظن بعض أعضاء المجلس، لأن تطبيق هذا النظام على الأسر القادرة على المساهمة، سيطرح عدة مشاكل، نذكر منها أولا صعوبة أجرأة المعايير المتعلقة بالأسر الملزمة بالمساهمة، ثانيا، هل ستقيم الدولة بُنى تحتية و استراتجيات للقروض على غرار الدول المتقدمة لسد الفراغ بين من سيساهم من ماله الخاص لتغطية تكاليف الدراسة، و من قد يلتجأ إلى القروض أو المنح الدراسية؟ هل فكرت الدولة في التسعيرة الأدنى التي لن تضر بمصلحة الاقتصاد الوطني؟ إن تقاسم التكاليف سيضعف حتما القوة الشرائية للطبقات الوسطى، مما قد يؤثر سلبا على الاقتصاد الوطني، هذا بغض النظر عن العطالة في صفوف الخريجين و تكاثرهم في تخصصات غير مطلوبة في سوق الشغل.  هل من الممكن تصور سيناريوهات بديلة لتقاسم تكاليف التعليم الجامعي؟ هذا السؤال الجوهري هو الذي دفعنا في الحقيقة إلى استكشاف تاريخ الثقافة التعليمية بالمغرب، و استنباط بعض المعاني من طقوسها، مثل طقس  " بيضة بيضة... باش نزوق لوحتي"، إذ لا زالت الذاكرة الشعبية تختزن هذا الطقس الاحتفالي لحفظة القرآن في عدة مناطق مغربية، حيث دأب الطلاب على جمع تبرعات و هبات عينية أو نقدية أيام العيد، أو كلما تخرج طالب جديد، وهي عبارة عن ابتهالات يرددها طلبة القرآن، تدل على مدى كرم مجتمعنا وتضامنه  مع أهل العلم، حيث تكافئ ساكنة الدواوير الفقيه على كده في سبيل تلقين الأطفال آيات من القرآن الحكيم، و تنشئتهم على التربية الدينية. ألا يحق لنا اليوم أن نحيي هذا الطابع التضامني و نحافظ عليه بطريقة حداثية في تعليم أبنائنا ؟ هكذا يبدأ مطلع تلك الابتهالات:  أمولات الخيمة أعطيني بيضة بيضة... باش نزوق لوحتي لوحتي عند الطالبوالطالب في الجنة والجنة محلولةحللها مولانا مولانا مولانا لا تقطع رجانا الطالب وأصحابو في الجنة يتصابوا... هذا مطلع دال جداً، إذ يحيلنا على الدرجة الرفيعة التي يحتلها الفقيه والمتعلم في الذهنية الشعبية، فهما معا يُصنّفَان من أهل الجنة. و يعتبر هذا رأسمالا رمزيا يستند إليه طالب العلم  لبسط سلطته الثقافية على باقي المجتمع، كما يدل هذا المقطع على أن مبدأ التضامن في تعليم الناشئة ظل بعيدا عن التسويق والتسليع والاستهلاك. لقد ازدهر التعليم الاجتماعي بمجتمعنا، و تخللت مجالسه  الولائم والإحسان و الصدقات، فانتشرت الزوايا و المراكز الصوفية لنشر المعرفة والعلم بالمجان، وانخرطت القبائل في دعم هذا النوع من التعليم، و كما قامت بالحرث التضامني للأرض في إطار "التويزة"، عملت على حراثة الذهن بشكل تضامني كذلك. إذن، ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من شعار "بيضة بيضة... باش نزوق لوحتي"؟ أولا، يجب إعادة النظر في فوضى توزيع رخص قطاع التعليم الخاص، و ضمان جودته، و الحرص على أن لا تذهب عائدات هذا التعليم فقط إلى جيوب المستثمرين دون إسهامهم في تطوير القطاع العمومي، إذ لا يعقل أن تدر مؤسسات تعليمية حرة أرباحا طائلة على أصحابها دون أن يساهموا في النهوض بالمدرسة العمومية سواء على مستوى التكوين أو اللوجيستيك أو البنية التحتية. إذا كان طلبة العلم يطوفون الدواوير لجمع التبرعات، فالوضعية الراهنة الآن تقتضي مساهمة إجبارية من المؤسسة الحرة للنهوض بالقطاع العام في إطار تعليم تضامني. ثانيا، "بيضة بيضة باش نزوق لوحتي" تعتبر مقاربة تشاركية جديدة بين القطاع العام والخاص والمجتمع المدني و الأوقاف، حيث أصبح اليوم من الضروري مساهمة الأوقاف  في تمويل القطاع العام، و هنا نتساءل عن الدور التي تقوم به الأوقاف للنهوض بالخدمات الاجتماعية في هذا البلد، فكيف هي التي لعبت دورا تاريخيا في نشر الرسالة العلمية عبر أنحاء المغرب، من خلال دعم الزوايا و مدارس التصوف المختلفة، تقف اليوم موقف المتفرج على غرق سفينة التعليم الاجتماعي التضامني في سبيل تسليع معارف تقنية لخدمة مصالح الرأسمالية.  ما دور القطاع الخاص في دعم المنظومة التعليمية؟  في إطار تنويع مصادر تمويل المدرسة العمومية، لماذا لا تفرض مساهمة قارة على المؤسسات التجارية و الشركات الكبرى لفائدة المؤسسات التعليمية الموجودة في الجهة التي تنشط بها هذه المؤسسات؟ لقد أضحى الآن واجباً وطنيا اقتطاع "ضريبة النهوض بالمدرسة" من جيوب المستثمرين المحليين والأجانب، كل حسب أرباحه و أنشطته الاقتصادية، إذ من يتاجر في الحليب ليس كمن يتاجر في الكحول والقمار.  لقد أصبح من الضروري تقنين عملية جمع التبرعات ووضع إستراتيجية لإبرام شراكات مع مختلف الجهات الفاعلة في المجتمع بما فيه من منظمات مدنية و مؤسسات اقتصادية وشركات كبرى و مؤسسات تعليمية حرة، كما تقتضي الظروف الراهنة تكتل مكونات المجتمع المدني والمثقفين والسياسيين في جبهة وطنية للحفاظ على التعليم الاجتماعي، و محاربة تعليب التعليم في وصفات جاهزة بأسلوب ماكدونالدز في بناء منارة الفكر والإبداع، فبدون تعزيز دور العلوم الإنسانية في ترسيخ قيم المجتمع ومبادئه النبيلة من أجل تقوية أواصر الترابط الاجتماعي ومحاربة تفككه، سينهار لا محالة من جراء الهزات الرأسمالية و فوضاها الخلاقة.    ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    رواية حكومة شهرزاد.. قراءة في بلاغ بنكيران

    إن البلاغ الصادر يوم 08 يناير 2017 عن قيادة البيجيدي يؤكد بالواضح شخصنة الممارسة السياسية في المغرب، إذ يبتعد البلاغ عن خطاب المؤسسات، و يشخصن الحوار بين فاعلين سياسيين، و كأن الأحزاب أضحت مجرد أقنعة يلبسها السياسي ليتقمص دورا معينا تمليه عليه ظروف المسرحية السياسية. بدأ المتحدث في البلاغ باستعمال أفعال كلامية مثل "وجّهته"، "انتهى الكلام"، و تضع هذه الاختيارات اللفظية المتحدث في موقع القوة خلال مواجهة خصمه الذي ذكره بالإسم "عزيز أخنوش"، ويستمد المتحدث قوته من أفعال "عيّنني"، و "كلّفني"، و الفاعل هنا هو الملك، مما يعني أن أعلى سلطة في البلاد فوضت له صلاحية التفاوض والاختيار، لهذا ليس من صالح المفاوِض الموجه إليه السؤال، في نظر المتحدث، أن يضع قواعد وشروط للمفاوضات، و تحمل الأفعال التي نُسبت إلى أخنوش  دلالات سلبية مثل "خطَّ"، بمعنى كتب كلاما خارج السياق، أو كلاما غير مفهوم نسبة إلى الخط أو الخطوط غير المفهومة، و كلمة "خطَّ" هنا لا ترمز إلى وجود المعاني، بقدر ما ترمز إلى التسرع والارتجال، ثم استعمل المتحدث تعابير تحمل في طياتها أحكام قيمة أخلاقية: "وعدني" و "لم يفعل"، هذا النفي للفعل الإيجابي يضع أخنوش في وضعية ناقض العهود، و المتلاعب الذي لا يفي بكلمته، خصوصا وأن المتحدث في البلاغ يضعه في وضعية بأنه لا يملك حرية القرار: "في وضع لا يملك معه..."، و يستدل المتحدث بنمط حجاجي جدلي (لكل سؤال جواب)، ليبين أن أخنوش أخل بقواعد الحوار، بل عوض أن يلتزم بفعل كلامي جوابي، تجاهل السائل، و أصدر فعلا كلاميا في صيغة بيان بمعزل عن السؤال، يملي شروطا جديدة، فانتبه المتحدث أن محاوره يسعى إلى التحكم في توزيع أدوار الحوار، وبالتالي قد يتحكم في سير المفاوضات. هذا البلاغ بصفة عامة يبين أن الممارسة السياسية في المغرب تدور رحاها بين أشخاص لهم نفوذ ، ويتحكمون في اللعبة السياسية، وبأن الأحزاب بصفتها مؤسسات لا وجود لها على أرض الواقع، لأن من يتفاوض هم أشخاص تنتمي إليهم  الأحزاب، و ليست أحزابا تتحدث بلسان ناطقها الرسمي. إن البلاغ الصادر مؤخراً يُعتبر وثيقة مقنِعة توضح شخصنة العمل السياسي، فهناك أشخاص يتحكمون في دواليب القرار، و يخاطبهم البلاغ تارة بالإسم و تارة بإشارات مسكوت عنها، إذ أن البلاغ يشير إلى غائب مسكوت عنه، و يعتبره المسؤول الرئيس عن الوضع الذي يوجد فيه أخنوش وأمثاله، و يحاول المتحدث في البلاغ وضع مسافة بينه وبين مفاوضيه، إذ أنهم لا يملكون حرية القرار ( في وضع لا يملك معه...)، عكس المتحدث الذي يتحدث بلغة الحزم، و يستمد قوته من شرعيته الديمقراطية،  فمن هو هذا يا ترى الذي يتحكم في المفاوضات عن بعد في رأي المتحدث؟  قال المتحدث: "انتهى الكلام"، هذه صيغة جازمة لا تعكس جو المفاوضات السياسية الرصينة، وتحيلنا على توتر عاطفي للمتحدث، مخلا باللياقة السياسية. و مما يدل على أنه كتب بلاغه في حالة توتر كبير، و انفجر في هذا البلاغ ليرد على خصومه بعد أن أحس بأنهم يسعون إلى تقزيم زعامته للمفاوضات، هو ارتكابه لخطأ نحوي لم تتم مراجعته أو تصحيحه (يكون لكل سؤال جوابا)، هذا بالإضافة إلى موضَعة (topicalization) المتلقي الضمني للبلاغ ( ومعه انتهى الكلام)، و المقصود هنا هو ذلك الشخص المسمى عزيز أخنوش الذي يعتبر المحور الرئيسي في المفاوضات في رأي المتحدث، لكن يبدو أنه خاب ظنه فيه، فانفعل، ثم تضاف ركاكة الخطاب إلى سلسلة الأدلة التي تشير إلى حالة انفعال وتوتر المتكلم،  و بهذا التعبير السردي (انتهى الكلام)، يذكرنا المتحدث بحكايات شهرزاد التي امتنعت عن الكلام المباح عندما أدركها الصباح. و هنا نطرح السؤال حول قصة بنكيران التي اقتربت من اجتياز عتبة المائة ليلة، و بدأ الشارع يمل من بلاغات حكائية و خرجات إعلامية و شكاوى و خطابات...يحكي و يحكي...هل هذا هو الوزير المكلف بتشكيل الحكومة ، كما جاء في توقيعه على البلاغ، وكأنه يؤكد على وظيفته التي سلبت منه على مستوى الممارسة؟ هل حصل استتمام مسخه إلى حكواتي شعبي؟ ما هو يا ترى المقصود من هذا البلوكاج السياسي الذي يعيشه المغرب الآن؟ هل الهدف هو تآكل سمعة قيادي البيجيدي بين الأوساط الشعبية عبر إخصاء فحولتهم الخطابية مع مرور الزمن ( انظر ما وقع للشوباني، وبنحماد، وفاطمة النجار، حيث تتعدد الأسباب، و لكن الهدف واحد: تمريغهم في الوحل).  إن السياسي المحنك يعي تماما أن أمام مرآة البلقنة السياسية تتحطم أوهام ديمقراطية الصناديق، و هذا ما يؤكد عليه البلاغ بنفيه، لأن النفي لا وجود له في الواقع، وحين ينفي شخص شيئا في اللغة، فهذا معناه أنه يشك  في الخلاصات التي يتحدث عنها. إذن، فعدم اعتراف  المقال بقوة أخنوش والعنصر و غيرهم عن طريق نفيه لغة، هو في حد ذاته شك عميق في قدرة المتحدث على مواجهتهم. هذا بالإضافة إلى أن ممثلي العدالة والتنمية يسقطون واحدا تلو الآخر في فخ البلاغات المسيئة إلى سمعتهم، إذ ينكشف أنهم يفتقرون إلى الحنكة السياسية، فبعد هذا البلاغ المتوتر، جاء تصريح الرميد كالصاعقة مؤكدا بأنه لن يقبل باستبدال الزعيم "محمد الخامس العدالة والتنمية" (المبدأ المتقابل الصامت في ثنائية "بنعرفة" التي ذكرها الرميد)، و يحل محله ليصبح في وضعية "بنعرفة" الخائن للأمانة الوطنية. ما هذه الاستعارة الخطيرة التي تصنع مغالطة سياقية، إذ تضع بنكيران باعتباره رمزا وطنيا يضاهي الملك محمد الخامس في وطنيته و كفاحه ضد الاستعمار. إن الخطير في تصريح الأستاذ الرميد، هو استقراء الاستعارة في سياقات متباينة و متنافرة، لأن محمد الخامس ذلك الملك البطل الذي أحبه المغاربة، و خُيّل إليهم مشاهدة صورته على وجه القمر ليلة منفاه، هو من تحتفظ له الذاكرة الشعبية بمواقفه النضالية الصامدة في وجه الاستعمار، أما السيد بنكيران، فمن هو؟ و هل تاريخ البيجيدي هو تاريخ الأحزاب الوطنية التي قدمت الشهداء، و ملأت السجون لتحقق مكاسب سياسية ينعم الآن بجزء منها دعاة النضال في البيجيدي؟  من هو هذا العدو المستعمر الخائن الآن الذي  يحاربه "ملك البيجيدي"؟ هذه مغالطة وخروج عن السياق، و ليس لقادة البيجيدي الحق في المتاجرة الكلامية بالرموز الوطنية المقدسة. إن المعركة التي يخوضها بنكيران اليوم هي معركة مع خصوم سياسيين مغاربة، قد يستخدمون ذكاء الحيلة والدهاء السياسي لإرباك خصمهم،  وهذا ما يجب مناقشته و معالجته في إطار اللعبة الديمقراطية، أما استعارة "بنعرفة"، فهذا تعبير إيديولوجي يفرغ المعركة من معاني التدافع السياسي، لينقلها إلى سياق المؤامرة والتخوين، لكن هذه المرة بإدانة إيحائية لمؤسسات الدولة؟ و هذا ما يدفعنا للتساؤل ما إذا كانت العدالة والتنمية تتوفر على كوادر سياسية قادرة على ممارسة الخطاب السياسي الاحترافي المسؤول؟  و حتى المقارنة التي أشرنا إليها سابقا على ضوء العبارة التي أوردها بنكيران في بلاغه (انتهى الكلام)، و التي توازن بين سكوته و سكوت شهرزاد عند حلول الصباح، لا نستشف لها وجها للمقارنة، لأن لو تكلمت شهرزاد بالطريقة البيجيدية في الخطاب ، لما حصلت على صك الحياة في عالم ألف ليلة وليلة!؟  ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي