أعمدة الرأي
  • ...
    قائد قيادة اولاد احسين.. انعدام في التجربة و تقاعس في أداء المهام

    أرسى جلالة الملك محمد السادس في ظل العهد الجديد، المفهوم الحقيقي للأدوار المنوطة برجل السلطة المحلية في تجسيد الإحترام و الإمتثال للقانون و حفظ الأمن و النظام العام. و من أجل تيسير مهام رجل السلطة وُفّرت له كل الظروف و الوسائل المادية التي تساعده في ذلك، من بينها صفة ضابط الشرطة القضائية، التي من خلالها تمكنه من ضبط كل المخالفات للقوانين التي أصدرها المشرع المغربي.و لعل إحداث المعهد الوطني للإدارة الترابية، قصد ضخ رجال سلطة أشداء في الجانب المعرفي و العملي، يُلزم لقبول الولوج الى هذا المعهد، الحصول على الأقل على دبلوم الإجازة أو الماستر، و من بين الامتيازات التي يحظى بها بعد التخرج أجر يقارب مليون و نصف سنيتم شهريا، ناهيك عن الامتيازات من السكن الوظيفي و سيارة الخدمة وغيرها، والأهم من كل ذلك أن المنصب يضمن مكانة اجتماعية جد محترمة، فالقائد يعتبر في التمثلات المغربية هو ذلك الرجل القوي الممثل الرسمي للمخزن و الحافظ لمكانته و هبته داخل نفوذه الترابي.لكن للأسف، فقيادة أولاد احسين التابعة لعمالة اقليم الجديدة، أضحت اليوم تشكل الاستثناء بكل المقاييس، فهذه القيادة التي كانت في وقت سابق مندمجة مع قيادة جماعة مولاي عبدالله (قيادة اولاد بوعزيز)، و بعد قرار إحداثها قصد تقريب الإدارة من المواطن، و بغية تسريع وثيرة تنمية المنطقة، من خلال نهج سياسة تحترم في أبعادها مكانة و حقوق الإنسان، إلا أن تراكمات ست سنوات من العبث، أتت نتائجها بشكل عكسي، أخرجت عموم الساكنة في وقفات احتجاجية مختلفة،  أبانت عن ضعف و تقصير في أداء الأدوار المنوطة برجل السلطة المحلية.فوزي من موظف بعمالة إقليم الجديدة إلى قائد قيادة اولاد احسين بقدرة قادر، بعدما كان يشغل القائد الحالي موظفا بسيطا داخل دهاليز عمالة إقليم الجديدة، مكلفا بحسابات الشيوخ و المقدمين، و بعد أقدمية في العمل الوظيفي و مع مناسبة إحداث القيادة، تم تكليفه بتدبير شؤونها في نوع من المخاطرة، حينها لم يكن يعلم السيد مصطفى لحرش الرئيس السابق لقسم الشؤون العامة بعمالة الجديدة، عن ما يخفيه المستقبل لهذه التزكية.و في تذكير لكرونولوجيا الأحداث و الوقائع التي لا نعتقد أنها قد تختفي عن تقارير إخوتنا في مهنة المتاعب و إن كانوا يحملون هاجسا أمنيا أكثر، ف"القايد فوزي" عَمَّر لحدود الساعة لأزيد من ست سنوات على رأس هذه القيادة منذ تاريخ احداثها. و كان أول اختبار له هي محطة الاستفتاء الخاص بدستور فاتح يوليوز، إذ أبان عن فتور في تعبئة الساكنة من أجل التوجه نحو الصناديق لأداء الواجب و الحق الوطني من خلال التصويت. ف"فوزي" كان شبه غائب و لا يسمع له صوت في أرجاء الجماعة. يقول أحد الفاعلين الجمعويين أنه كنا نأمل أن يستقبلنا السيد القائد بحكم أنه ممثل لعامل إقليم الجديدة و لوزارة الداخلية، قصد التعاون مع المجتمع المدني في التعبئة للتصويت بنعم على الدستور، لكن التعاون، يضيف الفاعل الجمعوي، كان بارزا فقط بين مكونات الحقل الجمعوي و المنتخبين الذي أبانوا عن تعبئة واسعة وراء جلالة الملك محمد السادس، أما "القايد فوزي" قد كان وقتها منشغلا بتأثيث منزله الجديد.  ملف تدبير الاستحقاقات الجماعية و البرلمانية، لا يخفى أن دور رجل السلطة في تدبير هذا الملف الساخن يقتضي أن يتحلى بالحزم و الصرامة في التعامل مع جميع المتنافسين على مسافة واحدة، و أهم شيء هو إحترام الإرادة الشعبية و إختيارت الساكنة. و حسب أحد المترشحين السابقين، لم يود الكشف عن إسمه، أن "القايد فوزي" قرر المحاباة و التقرب من جهة على حساب جهة أخرى، أو التعامل بوجهين حسب كل ظرفية، فها هو مرة تجده مقرب من آل ولد موسى و طيب بنغانم و قبيلته، و مرة أخرى تجده بجوار آل المخير الذي لم يعمر الوئام بينهما طويلا، ليظل فوزي أبرز المناصرين لأحد أعيان الجماعة، في جل المحطات الموالية، خاصة من خلال القضية التي تفجرت و تابعها الرأي العام  والمتعلقة بتشييد ثانوية تأهيلية بتراب الجماعة، التي تعرف نسبة مرتفعة من الهدر المدرسي و بالخصوص لدى فئة الفتيات، القايد فوزي شاء أن يمارس الحياد السلبي في النهار، و لكن ما كان يعمله  في الليل لا يعلمه إلا هو و الآخر و ثالثهم الشيطان.و تظل الطامة الكبرى و النقطة التي أفاضت الكأس، و لم يعد بعدها أي عذر أو تسامح هي أن تسقط روح بريئة، ضحية لتقاعس في أداء المهام و فرض هيبة وزارة الداخلية، خصوصا بعد تعالي مجموعة من الأصوات المنددة و المستنكرة للوضع، إذ أن شخصا يمكن أن نلقبه ب"بطل اولاد بوعزيز" استطاع فرض هيبته و مكانته بفتوة عضلاته و إخضاع العديد تحت سلطته، بعدما أضاعها من كان وزير الداخلية قد كلفه بالحرص عليها و صونها. شاب من ذوي السوابق العدلية و مخبر لبعض الأجهزة، قام بهدم و تخريب مملتكات الدولة في واضحة النهار، و أمام نافذة مكتب "القايد فوزي" بينما هو يحتسي شرابه المفضل "أتاي بالشيبة" مع الإسفنج المحلي، غير مكترث لما يقع بنفوذ تراب القيادة، تخريب طال ممتلكات الغير، كان من بينها جزار طاعن في السن (85 سنة)، استيقظ على هدم محله، إلا أن شكواه للقايد فوزي لم تجد صدى غير مطالبته بالصبر، ما جعل الاستنتاجات تحوم حول علاقة ما بين هذا البطل و القائد، لا سيما أن "البطل الخرافي" تربطه علاقة وطيدة مع أحد أعيان الجماعة، المقربين من القائد، حيث يحكي شهود عيان لإحدى الوقائع أن القايد اتصل بهذا الأخير ملتمسا إياه التدخل لثني البطل عن محاولة انتحار، ما تؤكده المكالمات الهاتفية و التسجيلات الصوتية التي يتوفر عليها البطل، ما جعل فوزي خائفا بأن يطاله قصاص يد البطل إن مسه بسوء، فهل ستسارع الجهات الوصية (وزارة الداخلية) باتخاذ اللازم و تعيين من هو كفؤ و أجدر لمسؤولية تمثيل أقوى جهاز بالدولة، بعد كل هذا أم أن بطلنا الخرافي أضحى رعبه يتعدى فوزي.فحتى الحركة الانتقالية داخل إقليم الجديدة، التي كانت مقررة خلال الصيف الماضي، لم تجر في عهد العامل معاذ الجامعي لتتزايد التساؤلات حولها، لا سيما مع فراغ مهول لمراكز حساسة من حيث حجم المسؤولية، آخرها شغور منصب باشا مدينة الجديدة المحال على التقاعد، بالإضافة لرئيسي دائرتي الجديدة و أزمور ومنصب قائد اولاد عيسى، فالوضع الحالي أضحى يتطلب تدخلا عاجلا من قبل السيد وزير الداخلية.  قائد القيادة هو ذلك الرجل المحترم ذو الهنددم اللائق و الأنيق، ليس ذلك من يحكي القصص و الحكايات لكل من زاره بمكتبه، و إلى حين كتابة قصة أخرى عن حكايات القايد فوزي تقبلوا فائق الإحترام و التقدير.

  • ...
    البرقع وصفة سحرية لحل البلوكاج الحكومي

    لماذا تحول الرأي العام تدريجيا من مناقشة أزمة تشكيل الحكومة إلى مناقشة ارتداء البرقع من عدمه؟ ماذا استجد في الشارع حتى يصدر بلاغ رسمي يمنع إنتاج وتسويق لباس البرقع، ويحذر من أخطار ارتدائه ؟ هل يعتبر ارتداء البرقع اكتشافا جديدا، أم لباسا مبتذلا يستسيغه المجتمع ؟ كيف تحول البرقع من لباس معبر عن هوية متدين متمذهب إلى تهديد للسلم الاجتماعي في هذا الظرف السياسي بالذات؟ لماذا بدأ يطرح مشكلا الآن؟ ألا تقوم أجهزة الدولة المختصة بإحصاء دقيق لكل متمذهب ملتحي أو مُنقّب؟ أليس الغرض من إثارة قضية البرقع إلهاء الجمهور عن مشاكل أهم، و تحويل انتباههم عن قضاياهم السياسية، والتغييرات التي ستققرها النخب الحاكمة في أزمة البلوكاج الحكومي؟    وفقا لتشومسكي، تعتبر إستراتيجية الإلهاء سلاحا قويا للتحكم في المجتمعات و السيطرة على المجال العام، إذ تعتمد عدة أسلحة كاتمة تستخدمها لامتصاص المعارضة والقضاء على الخصوم، و التخفيف من حدة  الضغط الجماهيري، و ما يهمّنا في هذا السياق، هو استخدام النخبة الحاكمة لسلاح خلق المشاكل وانتظار ردة فعل المجتمع لاقتراح الحلول المناسبة والمتوقعة، إذ قد تتصاعد مثلا وتيرة العنف و "التشرميل"، و بالتالي تلتجأ الجماهير إلى المطالبة بقوانين أمنية حتى لو جاء ذلك على حساب الحقوق و الحريات الفردية، أو قد تلتجأ بعض الجهات النافذة إلى خلق أزمات اقتصادية لتمرير بعض القرارات كتقاسم تكاليف الدراسة و ضرب مجانية التعليم مثلا، أو كإصلاح صندوق التقاعد باقتطاع من أجور الموظفين، و الأمثلة عديدة من الماضي القريب، حيث تم افتعال عدة مشاكل اجتماعية لإلهاء الجمهور عن حراكه الشعبي، فمنذ انطلاق حركة عشرين فبراير والمجال الافتراضي يعج بمشاكل أخلاقية واحدة تلو الأخرى، حاولت إبعاد الرأي العام عن النقاش السياسي، و عن انتقاد النخب وتقريعها على فشلها في إدارة شؤون البلاد، وهكذا انتقل الرأي العام من الاهتمام بقضاياه المصيرية إلى الانغماس في تحليل قشور  قضايا أخلاقية نذكر منها فتيات انزكان والمثليين و فيلم نبيل عيوش و فضائح السياسيين و الفنانين و رجال الدين وغيرها من الفضائح الجنسية.  إن إستراتيجية الإلهاء التي تمارسها النخب السائدة منذ انطلاق حركة عشرين فبراير تجلت في عدة مظاهر منها تفكيك الخلايا الإرهابية التي يعلن عنها في أوقات دقيقة و حساسة يكون الرأي العام منشغلا بقضية سياسية أو اقتصادية كإضراب الأساتذة المعطلين مثلا، و تأتي قضية البرقع اليوم لإلهاء الجماهير الإسلاموية وتهييجها لمناقشة هذا الموضوع و الدفاع عن البرقع، مما قد يفتّت انشغالها بالدفاع عن زعيمها السياسي  و مساندته ضد خصومه، هذا مع العلم أن هذا "الزعيم الوهمي" قد استُهلِك و أُكِلَ يوم أُكل الثور الأبيض ( حركة عشرين فبراير) في مسرحية سياسية نشاهدها منذ 2011 بالمباشر تحت عنوان "المخزن  والثيران الثلاثة."  ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    ''بيضة بيضة... باش نزوق لوحتي''.. شعار تاريخي من أجل الحفاظ على تعليم اجتماعي تضامني بالمغرب

     إن إلحاح المجلس الأعلى للتربية والتكوين على ضرورة تنويع مصادر تمويل المؤسسة التعليمية، بما فيها تشجيع التضامن بين الأسر الميسورة و الأسر المعوزة من خلال مساهمة الأولى  في النهوض بالمدرسة العمومية عن طريق أداء رسوم التسجيل، يعد تحولا منهجيا في معالجة قضايا هذا القطاع، ويدق ناقوس الخطر حول ما يتهدد قطاع التعليم من كوارث مستقبلية، إذا ما استمرت الدولة في تحمل عبء ميزانيته، و كاهلها مثقل بالمديونية وشح الموارد أمام انفجار ديموغرافي وازدياد أعداد المتمدرسين، و الإلحاح في طلب العلم في ظل شعار: "التعليم قاطرة التنمية".  لماذا ارتأى المجلس هذا المقترح في هذا الوقت بالذات؟ هل استنفدت الدولة جميع الحلول لتنويع مصادر تمويل المدرسة العمومية حتى تعرب مرة أخرى من خلال المجلس عن رغبتها في صلب جيوب الطبقات المتوسطة بإجبارهم على أداء رسوم التسجيل، أم هي التحولات العالمية لسوق الشغل و عولمة التخصصات الجامعية التي تفرض علينا هذا الواقع الجديد؟ قد يعتقد بعض أعضاء المجلس أن سن ضرائب للنهوض بالقطاع، و إحداث رسوم تسجيل باعتبارها واجباً إلزاميا على الطبقات الاجتماعية الوسطى مع إعفاء الأسر المعوزة، حل يتماشى مع موضة العصر، خصوصا وأن أعددا هائلة من الأسر المغربية الآن ترسل أبناءها إلى مدارس حرة، وتؤدي رسوم تسجيل باهظة الثمن مقابل الخدمات التي تقدمها هذه المؤسسات، إذن، أين هو العيب في تحويل جزء بسيط من هذه المبالغ لفائدة المدرسة العمومية، والرفع من جودتها، و بهذا قد نحقق تضامنا وطنيا بالإسهام في إنقاد المدرسة العمومية؟ ربما هكذا خمن حُصفاء وخبراء هذا المجلس الموقر!؟ هل استورد المجلس مبدأ التكافل الاجتماعي و فكرة تقاسم التكاليف (cost sharing) من ممارسات المنظومة التربوية في الدول الغربية الرائدة في هذا المجال؟ و إذا كان الجواب بنعم، أليس من الحكامة الجيدة أن نقوم بدراسات ميدانية حول مدى قابلية هذا المبدأ للتطبيق في دولة الاستقبال تفاديا لأي ضرر محتمل على الاقتصاد الوطني، فربما يؤدي هذا الإجراء إلى انخفاض القدرة الشرائية للمواطن؟ كيف يمكن توطين هذا المبدأ وأقلمته في ثقافة تؤمن بمجانية التعليم منذ الاستقلال، و تعتبره حقاً دستوريا مهما كانت العائدات الشهرية للعوائل؟ لماذا هرولت نخبنا لهذا الاكتشاف البالي الذي استهلكه الغرب منذ زمن، و بدأت تطبل و تزمر له كحل سحري دون دراسة استباقية  لمدى قابلية أقلمته في الواقع المحلي بمختلف خصوصياته؟ هل يكمن مشكل المدرسة العمومية  في تنويع موارد التمويل؟ هل بأداء الرسوم المدرسية ستتبخر مشاكلنا التعليمية؟ أنظر إلى الدول الأوروبية التي طبقت مبدأ تقاسم التكاليف في المستوى الجامعي، كفرنسا مثلا، كيف تساهم في إعانة الأسر متوسطة الدخل عند بداية كل موسم دراسي في المستويات الأدنى قصد شراء الكتب و أداء واجبات التسجيل، و الأمر هنا لا يتعلق بالأسر المعوزة فقط؟ قبل أن نتطرق لمطبات أجرأة هذا المقترح، و التأمل في بعض الحلول البديلة، نود أن نسلط الضوء في البداية على الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها المدرسة العمومية، ونخص بالذكر هنا قطاع التعليم العالي و ما يطرحه من قضايا شائكة آنية و مستقبلية في إطار عدم ملاءمته لسوق الشغل. إن الوجه الخفي لمقترحات المجلس الأعلى للتربية والتكوين يتضح في اعتراف المجلس الضمني والصريح بتراجع المنظومة التعليمية و تعثرها بشكل جلي في سوق الشغل، حيث يوجد الآن إجماع وطني حول هذه النقطة بالذات، و تؤكد التقارير الرسمية والصحفية على فشل المنظومة التعليمية في تصدير كفايات و مهارات تحتاجها سوق الشغل لإدماجها في العمل.  هذا طبعا لا يفاجئنا لأن المنظومة التعليمية التي أُسست منذ عهد الاستقلال، اهتمت بتكوين النخب لولوج الإدارات العمومية، وليس للالتحاق بسوق رأسمالية تستند إلى الخبرة التكنولوجية والمعلوماتية. الكل يعلم أن التعليم الجامعي تمحور حول القضايا الاجتماعية و الدينية والثقافية والسياسية والتاريخية و الجغرافية التي تهم هذا البلد، و لم يهتم كثيراً بالعلوم التطبيقية والابتكارات التكنولوجية إلا في ميادين جد محدودة. لقد كان و لا يزال تعليما اجتماعيا بامتياز، يستمد قوته من العلوم الإنسانية لتحريك عجلة الإدارات العمومية والاقتصاد عموما. لفائدة هذا التعليم يشهد التاريخ بأنه أدى الرسالة المجتمعية، و أنجب كوادر أكفاء في تخصصات شتى، كما يشهد له التاريخ بأنه لم يتخل قط عن رسالته التوعوية، أو حدث أن انسلخ عن قضايا مجتمعه.  هذه المنظومة التعليمية اليوم تقف في قفص الاتهام، و تُتهم بتشريد الناشئة في الشوارع، و تسويق بضاعة فاسدة منتهية الصلاحية في سوق الشغل، حيث الطلب الآن ينصب على تكوين أطر تقنية خدماتية تواكب التطور التكنولوجي  والمعلوماتي، وليس على تخصصات أكاديمية نظرية ذات أبعاد مفاهيمية إبستمولوجية. وهكذا أصبح مصير التعليم مرتبطا بقدرته التنافسية على خلق و ابتكار تخصصات تطبيقية تستجيب لطموحات المشاريع الاستثمارية في القطاع الخاص. وأمام تراجع قدرة القطاع العام على استيعاب خرّيجي العلوم الإنسانية، أمسى هذا التخصص الذي يساهم في بناء المنظومة القيمية للمجتمع، و يساهم في تطوير العقول و الذهنيات على حافة الاندثار. هذه الكليات الآن تنحو مسارا قاتما، إما أن تنفتح على تخصصات تطبيقية، و بالتالي تضحّي بالعلوم الإنسانية في بعدها الفلسفي، و إما سيتم إغلاقها مستقبلا بسبب شواهد "الإعاقة المهنية" التي تسلمها إلى الشباب المغاربة. إن البضاعة الوحيدة التي تستطيع هذه المؤسسات إنتاجها اليوم هي الشواهد الجامعية المعترف بها إداريا، لكن نادرا ما تُقبل في القطاع الخاص.    حين تصبح القوة الاقتصادية عاملا محددا لإنتاج المعرفة،  ستنقرض تلك التخصصات التي أنتجها المجتمع لأسباب اجتماعية و سياسية و ثقافية  أكثر منها اقتصادية، فالآداب و العلو م الإنسانية والاجتماعية قد لا تجد فرصا للشغل بالمقارنة مع العلوم التطبيقية والتكنولوجية في مغرب اليوم، خصوصا إن لم تتحول إلى بضاعة قابلة للتسويق.   أصبح أخطبوط الرأسمالية العملاق المتمثل في الشركات متعددة الجنسيات يحتل الأسواق المحلية اليوم، و يضع شروطه ومناهج عمله، و يخلق التخصصات التي تناسب صناعاته ونشاطاته الاقتصادية. هنا قد يتساءل القارئ عن مآل العلوم الإنسانية والاجتماعية التي ساهمت تاريخيا في بناء نسيج المجتمعات و أنساقها الفكرية، و عبأت الفاعلية السياسية وجندت المجتمعات للدفاع عن حقوقها؟ فلتذهب إلى الجحيم!؟، هكذا يجيبك الأخطبوط ، ويضيف بأنه في حاجة إلى تقنيين و خبراء و مهندسين و أطباء و علماء مهادنين مذعنين خاضعين. ليس المهم هو تعبئة المجتمع أو تخليقه بقدر ما هذا المجتمع في حاجة إلى الفرجة والاستهلاك. إن المسالك التي يقترحها علينا الأخطبوط العملاق، قد توفر لناشئتنا وظيفة و أجرة، لكنها ستكتفي بمعرفة خدماتية برغماتية، تكون في غالب الأحيان مبتورة من أنساقها الفكرية وأسسها الإبستمولوجية، تلك معارف جزئية بدون قيم أو مبادئ أو مواقف تضامنية، و حتى درع الإيمان سيتصدع في هذا السياق من جراء قوة الصدمة الحداثية التي نعيشها اليوم. و كل تفريط محتمل في العلوم الإنسانية يعتبر جريمة في حق المجتمع و إهدارا للمسؤولية الأخلاقية في حقه، و لنمعن النظر كيف أدى تراجع العلوم الإنسانية (خصوصا الفلسفة وعلم الاجتماع) في العقود الأخيرة إلى فتح الباب أمام ولوج أفكار راديكالية متطرفة بين ثنايا مجتمعاتنا العربية.   نحن نعي جسامة المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات الجامعية اليوم، إذ أن الهدف هو تحويلها من مركز لتلقين المعارف النظرية إلى محرك للاقتصاد الوطني، و هذا يتطلب تسليع التعليم وبيع منتجاته في السوق المحلية والدولية، مما يحتم علينا إنتاج معارف تطبيقية تساير مقاربات الشركات العملاقة. نحن نعيش اليوم اقتصادا سياسيا للمعرفة تتحكم المقاربة الاقتصادية في  بلورة مفاهيمه و طرق تعليمه. إنها التبعية التي تفرضها عولمة الرأسمالية و المؤسسات المانحة التي تعبّد لها الطريق، فحتى في الدول الإمبريالية، يعرف التعليم الاجتماعي تراجعا أمام التعليم التسويقي، ففي الولايات المتحدة مثلا، يحتل التعليم الجامعي الرتبة الثالثة في قائمة الصادرات الوطنية، و يضخ في خزينة الدولة حوالي 20 مليون دولار سنويا، مما يمنح هذا القطاع أولوية خاصة عند رسم السياسات الكبرى، و يضمن له استمرارية التنافس في السوق العالمية.  يبدو لنا ظاهريا أن المجلس الأعلى للتكوين قدم مقترحا دون دراسة جوانبه الإيجابية والسلبية، لأننا حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم نقرأ عن الإكراهات والمشاكل التي قد يطرحها مثل هذا الإجراء، و هل فعلا يتبنى المجلس وجهة نظر ناقدة، أم يبصر الواقع بمنظار وردي الألوان يعتقد في سماء تمطر ذهبا وفضة بعد تبخر عرق البؤساء من أفلاذ هذا الشعب في المثابرة لتغطية نفقات صك البقاء على قيد الحياة. هل اعتماد مبدأ تقاسم التكاليف و إحداث تكوينات مؤدى عنها سيطرح مشاكل مستقبلا؟ و ما نوع هذه المشاكل يا ترى؟  لقد بدأت بالفعل إرهاصات أداء تكاليف الدراسة عن طريق إحداث تخصصات ماستر بالمقابل، و إنشاء جامعات حرة، و هذه التكوينات و المؤسسات غالبا ما تستقطب طلبة لا يتوفرون على معدلات تنافسية عالية بالمقارنة مع نظرائهم الذين  يلتحقون بالتكوينات والكليات المجانية. تواجه هذه التكوينات غير المجانية بالأساس عائق الجودة بالرغم من ضخها أموالا في ميزانية المؤسسة، لأنها عادة ما تأتي على حساب تقلص أنشطة البحث العلمي، وسؤالنا  في هذا الصدد، ماذا استفادت الدولة والجامعة المغربية بصفة عامة من ظهور جامعات حرة؟ هل ساهمت هذه الأخيرة في تطوير البحث العلمي بالمغرب؟  أمام تزايد الطلب على جودة التعليم، و أزمة الانفجار الديموغرافي، و تفاقم الأعداد المسجلة من الطلبة بين التخصصات المطلوبة والتخصصات المستغنى عنها في سوق الشغل، و تكاثر البطالة المؤهلة، دخلت الدولة في سباق محموم لانتشال منظومتها التعليمية من وحل العطالة و انتهاء الصلاحية، فأصبحت تسطر برامج استعجالية، و هي الآن بصدد التفكير في الحل المنتشر عالميا تحت مسمى تقاسم التكاليف، إذ تسعى إلى إجبار العائلات على تحمل مصاريف تعليم أبنائها، وهذا في العمق فعل تضامني ، إذ ينطلق من مبدأ التكافل بين الميسور والفقير في إطار صدقة إلزامية تفرضها الدولة في شكل رسوم تسجيل، لكن السؤال المطروح، هو هل هذا كاف لتغطية مصاريف المؤسسات الجامعية؟ هل هذا سيساهم في حل عجز ميزانية الدولة الموجهة إلى هذا القطاع؟ لا ننسى أنه في دول أوروبا وأمريكا التي عملت بهذا المبدأ منذ عقود، اعتمدت تنويع مصادر تمويل المؤسسات التعليمية عن طريق جمع التبرعات من المجتمع المدني و مؤسسات أخرى مانحة لضمان جودة خدماتها. علينا أن نعي أن مبدأ تقاسم التكاليف (cost-sharing) لا يشجع التعليم الديمقراطي، كما يظن بعض أعضاء المجلس، لأن تطبيق هذا النظام على الأسر القادرة على المساهمة، سيطرح عدة مشاكل، نذكر منها أولا صعوبة أجرأة المعايير المتعلقة بالأسر الملزمة بالمساهمة، ثانيا، هل ستقيم الدولة بُنى تحتية و استراتجيات للقروض على غرار الدول المتقدمة لسد الفراغ بين من سيساهم من ماله الخاص لتغطية تكاليف الدراسة، و من قد يلتجأ إلى القروض أو المنح الدراسية؟ هل فكرت الدولة في التسعيرة الأدنى التي لن تضر بمصلحة الاقتصاد الوطني؟ إن تقاسم التكاليف سيضعف حتما القوة الشرائية للطبقات الوسطى، مما قد يؤثر سلبا على الاقتصاد الوطني، هذا بغض النظر عن العطالة في صفوف الخريجين و تكاثرهم في تخصصات غير مطلوبة في سوق الشغل.  هل من الممكن تصور سيناريوهات بديلة لتقاسم تكاليف التعليم الجامعي؟ هذا السؤال الجوهري هو الذي دفعنا في الحقيقة إلى استكشاف تاريخ الثقافة التعليمية بالمغرب، و استنباط بعض المعاني من طقوسها، مثل طقس  " بيضة بيضة... باش نزوق لوحتي"، إذ لا زالت الذاكرة الشعبية تختزن هذا الطقس الاحتفالي لحفظة القرآن في عدة مناطق مغربية، حيث دأب الطلاب على جمع تبرعات و هبات عينية أو نقدية أيام العيد، أو كلما تخرج طالب جديد، وهي عبارة عن ابتهالات يرددها طلبة القرآن، تدل على مدى كرم مجتمعنا وتضامنه  مع أهل العلم، حيث تكافئ ساكنة الدواوير الفقيه على كده في سبيل تلقين الأطفال آيات من القرآن الحكيم، و تنشئتهم على التربية الدينية. ألا يحق لنا اليوم أن نحيي هذا الطابع التضامني و نحافظ عليه بطريقة حداثية في تعليم أبنائنا ؟ هكذا يبدأ مطلع تلك الابتهالات:  أمولات الخيمة أعطيني بيضة بيضة... باش نزوق لوحتي لوحتي عند الطالبوالطالب في الجنة والجنة محلولةحللها مولانا مولانا مولانا لا تقطع رجانا الطالب وأصحابو في الجنة يتصابوا... هذا مطلع دال جداً، إذ يحيلنا على الدرجة الرفيعة التي يحتلها الفقيه والمتعلم في الذهنية الشعبية، فهما معا يُصنّفَان من أهل الجنة. و يعتبر هذا رأسمالا رمزيا يستند إليه طالب العلم  لبسط سلطته الثقافية على باقي المجتمع، كما يدل هذا المقطع على أن مبدأ التضامن في تعليم الناشئة ظل بعيدا عن التسويق والتسليع والاستهلاك. لقد ازدهر التعليم الاجتماعي بمجتمعنا، و تخللت مجالسه  الولائم والإحسان و الصدقات، فانتشرت الزوايا و المراكز الصوفية لنشر المعرفة والعلم بالمجان، وانخرطت القبائل في دعم هذا النوع من التعليم، و كما قامت بالحرث التضامني للأرض في إطار "التويزة"، عملت على حراثة الذهن بشكل تضامني كذلك. إذن، ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من شعار "بيضة بيضة... باش نزوق لوحتي"؟ أولا، يجب إعادة النظر في فوضى توزيع رخص قطاع التعليم الخاص، و ضمان جودته، و الحرص على أن لا تذهب عائدات هذا التعليم فقط إلى جيوب المستثمرين دون إسهامهم في تطوير القطاع العمومي، إذ لا يعقل أن تدر مؤسسات تعليمية حرة أرباحا طائلة على أصحابها دون أن يساهموا في النهوض بالمدرسة العمومية سواء على مستوى التكوين أو اللوجيستيك أو البنية التحتية. إذا كان طلبة العلم يطوفون الدواوير لجمع التبرعات، فالوضعية الراهنة الآن تقتضي مساهمة إجبارية من المؤسسة الحرة للنهوض بالقطاع العام في إطار تعليم تضامني. ثانيا، "بيضة بيضة باش نزوق لوحتي" تعتبر مقاربة تشاركية جديدة بين القطاع العام والخاص والمجتمع المدني و الأوقاف، حيث أصبح اليوم من الضروري مساهمة الأوقاف  في تمويل القطاع العام، و هنا نتساءل عن الدور التي تقوم به الأوقاف للنهوض بالخدمات الاجتماعية في هذا البلد، فكيف هي التي لعبت دورا تاريخيا في نشر الرسالة العلمية عبر أنحاء المغرب، من خلال دعم الزوايا و مدارس التصوف المختلفة، تقف اليوم موقف المتفرج على غرق سفينة التعليم الاجتماعي التضامني في سبيل تسليع معارف تقنية لخدمة مصالح الرأسمالية.  ما دور القطاع الخاص في دعم المنظومة التعليمية؟  في إطار تنويع مصادر تمويل المدرسة العمومية، لماذا لا تفرض مساهمة قارة على المؤسسات التجارية و الشركات الكبرى لفائدة المؤسسات التعليمية الموجودة في الجهة التي تنشط بها هذه المؤسسات؟ لقد أضحى الآن واجباً وطنيا اقتطاع "ضريبة النهوض بالمدرسة" من جيوب المستثمرين المحليين والأجانب، كل حسب أرباحه و أنشطته الاقتصادية، إذ من يتاجر في الحليب ليس كمن يتاجر في الكحول والقمار.  لقد أصبح من الضروري تقنين عملية جمع التبرعات ووضع إستراتيجية لإبرام شراكات مع مختلف الجهات الفاعلة في المجتمع بما فيه من منظمات مدنية و مؤسسات اقتصادية وشركات كبرى و مؤسسات تعليمية حرة، كما تقتضي الظروف الراهنة تكتل مكونات المجتمع المدني والمثقفين والسياسيين في جبهة وطنية للحفاظ على التعليم الاجتماعي، و محاربة تعليب التعليم في وصفات جاهزة بأسلوب ماكدونالدز في بناء منارة الفكر والإبداع، فبدون تعزيز دور العلوم الإنسانية في ترسيخ قيم المجتمع ومبادئه النبيلة من أجل تقوية أواصر الترابط الاجتماعي ومحاربة تفككه، سينهار لا محالة من جراء الهزات الرأسمالية و فوضاها الخلاقة.    ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    رواية حكومة شهرزاد.. قراءة في بلاغ بنكيران

    إن البلاغ الصادر يوم 08 يناير 2017 عن قيادة البيجيدي يؤكد بالواضح شخصنة الممارسة السياسية في المغرب، إذ يبتعد البلاغ عن خطاب المؤسسات، و يشخصن الحوار بين فاعلين سياسيين، و كأن الأحزاب أضحت مجرد أقنعة يلبسها السياسي ليتقمص دورا معينا تمليه عليه ظروف المسرحية السياسية. بدأ المتحدث في البلاغ باستعمال أفعال كلامية مثل "وجّهته"، "انتهى الكلام"، و تضع هذه الاختيارات اللفظية المتحدث في موقع القوة خلال مواجهة خصمه الذي ذكره بالإسم "عزيز أخنوش"، ويستمد المتحدث قوته من أفعال "عيّنني"، و "كلّفني"، و الفاعل هنا هو الملك، مما يعني أن أعلى سلطة في البلاد فوضت له صلاحية التفاوض والاختيار، لهذا ليس من صالح المفاوِض الموجه إليه السؤال، في نظر المتحدث، أن يضع قواعد وشروط للمفاوضات، و تحمل الأفعال التي نُسبت إلى أخنوش  دلالات سلبية مثل "خطَّ"، بمعنى كتب كلاما خارج السياق، أو كلاما غير مفهوم نسبة إلى الخط أو الخطوط غير المفهومة، و كلمة "خطَّ" هنا لا ترمز إلى وجود المعاني، بقدر ما ترمز إلى التسرع والارتجال، ثم استعمل المتحدث تعابير تحمل في طياتها أحكام قيمة أخلاقية: "وعدني" و "لم يفعل"، هذا النفي للفعل الإيجابي يضع أخنوش في وضعية ناقض العهود، و المتلاعب الذي لا يفي بكلمته، خصوصا وأن المتحدث في البلاغ يضعه في وضعية بأنه لا يملك حرية القرار: "في وضع لا يملك معه..."، و يستدل المتحدث بنمط حجاجي جدلي (لكل سؤال جواب)، ليبين أن أخنوش أخل بقواعد الحوار، بل عوض أن يلتزم بفعل كلامي جوابي، تجاهل السائل، و أصدر فعلا كلاميا في صيغة بيان بمعزل عن السؤال، يملي شروطا جديدة، فانتبه المتحدث أن محاوره يسعى إلى التحكم في توزيع أدوار الحوار، وبالتالي قد يتحكم في سير المفاوضات. هذا البلاغ بصفة عامة يبين أن الممارسة السياسية في المغرب تدور رحاها بين أشخاص لهم نفوذ ، ويتحكمون في اللعبة السياسية، وبأن الأحزاب بصفتها مؤسسات لا وجود لها على أرض الواقع، لأن من يتفاوض هم أشخاص تنتمي إليهم  الأحزاب، و ليست أحزابا تتحدث بلسان ناطقها الرسمي. إن البلاغ الصادر مؤخراً يُعتبر وثيقة مقنِعة توضح شخصنة العمل السياسي، فهناك أشخاص يتحكمون في دواليب القرار، و يخاطبهم البلاغ تارة بالإسم و تارة بإشارات مسكوت عنها، إذ أن البلاغ يشير إلى غائب مسكوت عنه، و يعتبره المسؤول الرئيس عن الوضع الذي يوجد فيه أخنوش وأمثاله، و يحاول المتحدث في البلاغ وضع مسافة بينه وبين مفاوضيه، إذ أنهم لا يملكون حرية القرار ( في وضع لا يملك معه...)، عكس المتحدث الذي يتحدث بلغة الحزم، و يستمد قوته من شرعيته الديمقراطية،  فمن هو هذا يا ترى الذي يتحكم في المفاوضات عن بعد في رأي المتحدث؟  قال المتحدث: "انتهى الكلام"، هذه صيغة جازمة لا تعكس جو المفاوضات السياسية الرصينة، وتحيلنا على توتر عاطفي للمتحدث، مخلا باللياقة السياسية. و مما يدل على أنه كتب بلاغه في حالة توتر كبير، و انفجر في هذا البلاغ ليرد على خصومه بعد أن أحس بأنهم يسعون إلى تقزيم زعامته للمفاوضات، هو ارتكابه لخطأ نحوي لم تتم مراجعته أو تصحيحه (يكون لكل سؤال جوابا)، هذا بالإضافة إلى موضَعة (topicalization) المتلقي الضمني للبلاغ ( ومعه انتهى الكلام)، و المقصود هنا هو ذلك الشخص المسمى عزيز أخنوش الذي يعتبر المحور الرئيسي في المفاوضات في رأي المتحدث، لكن يبدو أنه خاب ظنه فيه، فانفعل، ثم تضاف ركاكة الخطاب إلى سلسلة الأدلة التي تشير إلى حالة انفعال وتوتر المتكلم،  و بهذا التعبير السردي (انتهى الكلام)، يذكرنا المتحدث بحكايات شهرزاد التي امتنعت عن الكلام المباح عندما أدركها الصباح. و هنا نطرح السؤال حول قصة بنكيران التي اقتربت من اجتياز عتبة المائة ليلة، و بدأ الشارع يمل من بلاغات حكائية و خرجات إعلامية و شكاوى و خطابات...يحكي و يحكي...هل هذا هو الوزير المكلف بتشكيل الحكومة ، كما جاء في توقيعه على البلاغ، وكأنه يؤكد على وظيفته التي سلبت منه على مستوى الممارسة؟ هل حصل استتمام مسخه إلى حكواتي شعبي؟ ما هو يا ترى المقصود من هذا البلوكاج السياسي الذي يعيشه المغرب الآن؟ هل الهدف هو تآكل سمعة قيادي البيجيدي بين الأوساط الشعبية عبر إخصاء فحولتهم الخطابية مع مرور الزمن ( انظر ما وقع للشوباني، وبنحماد، وفاطمة النجار، حيث تتعدد الأسباب، و لكن الهدف واحد: تمريغهم في الوحل).  إن السياسي المحنك يعي تماما أن أمام مرآة البلقنة السياسية تتحطم أوهام ديمقراطية الصناديق، و هذا ما يؤكد عليه البلاغ بنفيه، لأن النفي لا وجود له في الواقع، وحين ينفي شخص شيئا في اللغة، فهذا معناه أنه يشك  في الخلاصات التي يتحدث عنها. إذن، فعدم اعتراف  المقال بقوة أخنوش والعنصر و غيرهم عن طريق نفيه لغة، هو في حد ذاته شك عميق في قدرة المتحدث على مواجهتهم. هذا بالإضافة إلى أن ممثلي العدالة والتنمية يسقطون واحدا تلو الآخر في فخ البلاغات المسيئة إلى سمعتهم، إذ ينكشف أنهم يفتقرون إلى الحنكة السياسية، فبعد هذا البلاغ المتوتر، جاء تصريح الرميد كالصاعقة مؤكدا بأنه لن يقبل باستبدال الزعيم "محمد الخامس العدالة والتنمية" (المبدأ المتقابل الصامت في ثنائية "بنعرفة" التي ذكرها الرميد)، و يحل محله ليصبح في وضعية "بنعرفة" الخائن للأمانة الوطنية. ما هذه الاستعارة الخطيرة التي تصنع مغالطة سياقية، إذ تضع بنكيران باعتباره رمزا وطنيا يضاهي الملك محمد الخامس في وطنيته و كفاحه ضد الاستعمار. إن الخطير في تصريح الأستاذ الرميد، هو استقراء الاستعارة في سياقات متباينة و متنافرة، لأن محمد الخامس ذلك الملك البطل الذي أحبه المغاربة، و خُيّل إليهم مشاهدة صورته على وجه القمر ليلة منفاه، هو من تحتفظ له الذاكرة الشعبية بمواقفه النضالية الصامدة في وجه الاستعمار، أما السيد بنكيران، فمن هو؟ و هل تاريخ البيجيدي هو تاريخ الأحزاب الوطنية التي قدمت الشهداء، و ملأت السجون لتحقق مكاسب سياسية ينعم الآن بجزء منها دعاة النضال في البيجيدي؟  من هو هذا العدو المستعمر الخائن الآن الذي  يحاربه "ملك البيجيدي"؟ هذه مغالطة وخروج عن السياق، و ليس لقادة البيجيدي الحق في المتاجرة الكلامية بالرموز الوطنية المقدسة. إن المعركة التي يخوضها بنكيران اليوم هي معركة مع خصوم سياسيين مغاربة، قد يستخدمون ذكاء الحيلة والدهاء السياسي لإرباك خصمهم،  وهذا ما يجب مناقشته و معالجته في إطار اللعبة الديمقراطية، أما استعارة "بنعرفة"، فهذا تعبير إيديولوجي يفرغ المعركة من معاني التدافع السياسي، لينقلها إلى سياق المؤامرة والتخوين، لكن هذه المرة بإدانة إيحائية لمؤسسات الدولة؟ و هذا ما يدفعنا للتساؤل ما إذا كانت العدالة والتنمية تتوفر على كوادر سياسية قادرة على ممارسة الخطاب السياسي الاحترافي المسؤول؟  و حتى المقارنة التي أشرنا إليها سابقا على ضوء العبارة التي أوردها بنكيران في بلاغه (انتهى الكلام)، و التي توازن بين سكوته و سكوت شهرزاد عند حلول الصباح، لا نستشف لها وجها للمقارنة، لأن لو تكلمت شهرزاد بالطريقة البيجيدية في الخطاب ، لما حصلت على صك الحياة في عالم ألف ليلة وليلة!؟  ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي

  • ...
    ''آ المشرف بوزكري/ طيِّب ليَــا أُطروحتِي بكري'': شعار لنيل الدكتوراه بالمغرب!؟

    يعد البحث العلمي عموما قاطرة تطور و تقدم المجتمعات والدول،  ونقطة انطلاقها في مجالات متعددة، و إذا ما استقرأنا التاريخ، نلاحظ أن التراكم العلمي يعتبر نوات الاختراعات والابتكارات الإنسانية التي استطاعت أن تنهض بحضارة البشرية، و ما نشاهده اليوم من تفاوت بين المجتمعات الإنسانية في مستوى تحصيل العلم والمعرفة، إنما هو ناتج بالأساس عن تباين دولها في الاهتمام بالبحث العلمي ورعايته. وفي هذا السياق، تعد عملية الإشراف على بحوث و مشاريع تخرج الطلبة الجامعيين من خلال تدريبهم على مهارات البحث و التحليل من أهم أهداف التعليم الجامعي المطلوب تحقيقها للنهوض بالمجتمعات، وذلك لأن الإشراف الجامعي هو مسؤولية تكوين وإعداد جيل جديد من الباحثين تُلقى على عاتقه مسؤولية تحقيق التراكم وضمان استمرارية  جودة المؤسسات البحثية و الإنجازات الأكاديمية بفضل تأهيله العلمي في إطار التخصصات المطلوبة. و هنا مكمن الخطر، فإذا أصيبت منظومة الإشراف على المشاريع والبحوث الجامعية بأعطاب تقنية معرفية أو قيمية، فستؤدي حتما إلى إفساد المنظومة التعليمية بأكملها، مما سينعكس سلبا على باقي المجالات الأخرى. هذا يعني أنه يجب أن نحارب المشرف بوزكري بجميع الوسائل المتاحة في هذا البلد، وإلا فستؤول مصائر ناشئتنا إلى المجهول، إذا استمر بوزكري في طبخ أطاريح "باكورية" قبل نضج ثمارها، و غاب عنه الإشراف العلمي الفعال الجاد، واعتنق مذهب "الشمشقة" السطحية غير الملمة بجوانب مواضيع البحث، حيث إذا غابت المتابعة الدقيقة، سنسقط لا محالة في هاوية الأخطاء العلمية العديدة، وتدني مستويات البحوث والمشاريع الجامعية، و تكاثر السرقات الأكاديمية، و انتشار الأطاريح "الباكورية" التي تدبج  بريكولاجا من التسطيح و الاهتمام بقشور القضايا العلمية بعيدا عن التحليل المنهجي الرصين.  قبل أن نخوض في تحليل ظاهرة انتشار "الإشراف البوزكراوي" في الجامعة المغربية، و هنا لا يتعلق الأمر بمؤسسة بعينها، إذ تعتبر هذه مشكلة قد اخترقت المنظومة بأكملها من جراء نظام الدكتوراه الجديد المرتبط  بعمل المختبرات، نود أن نطرح بعض الأسئلة المبدئية في الموضوع: هل تتوفر الجامعة المغربية على مسح استطلاعي شامل لبحوث الماستر والدكتوراه، لكي تزود الرأي العام بحصيلة الدبلومات الجديدة التابعة للمختبرات والشعب ( فيما يخص الماستر) ومدى جودتها ومساهمتها في تطوير البحث العلمي بالمغرب؟ كم من أطروحة دكتوراه أنتجت نظريات ميكروية جديدة أو أدت إلى إسهام منهجي جديد في مجال تخصصها؟ هل يتوفر الأساتذة المشرفون على الخبرة الكافية والإمكانيات المنهجية في مجالات تخصصاتهم؟  هل ينخرط طالب الدكتوراه في مشروع بحثي يلم الأستاذ المشرف بمعظم جوانبه، بل يتوفر على أبحاث منشورة في ميدان الدراسة؟ هذا بالإضافة إلى أسئلة تقنية أخرى نطرحها على الشكل التالي:  هل يساعد الأستاذ المشرف الطالب في اختيار موضوع الدراسة؟ هل يقوم بمساعدة الطالب على تطوير مهارته البحثية والنقدية؟ هل يساعده في إعداد الخطة المبدئية للمشروع بتوجيهه السليم لأدبيات و مصادر المعلومات و بناء السؤال المحوري في البحث، واعتماد الإبدالات و المقاربات والمناهج الملائمة لموضوع الدراسة؟ هل يساعد الأستاذ المشرف الطالب في بناء شخصيته بأخلاقيات الباحث؟    نحن نعي جيدا مدى ثقل هذه الأسئلة على كاهل أستاذ منهك بأعباء التدريس، و في حالات أخرى  مثقل بأعباء إدارية إضافية،  و هذا لا ينفي طبعا و جود ندرة من الأساتذة المشرفين، بالرغم من هذه المعوقات، الذين يقدمون خدمات جليلة لطلابهم بتأهليهم كباحثين يتسمون بالجدية و الكفاءة في التدريس والبحث الجامعي. لكن ما نلاحظه اليوم عموما من خلال احتكاكنا اليومي بما يواجهه الطلبة من صعوبات مع الأساتذة المشرفين في عدة مؤسسات جامعية، و بعد استقصاء للمشاكل التي يعاني منها الأساتذة الباحثون أنفسهم في إطار إشرافهم على الأطاريح الجامعية ومتابعة مسارها وتذليل صعوباتها، هو أن ممارسة عملية الإشراف على الرسائل تحتاج إلى جهد ووقت كافٍ ومتابعة دقيقة، إذ تتطلب من الأستاذ المشرف أن يتمتع بكفايات وقدرات عالية في الإلمام بموضوع الدراسة و مستجدات المقاربات العلمية ، و هذه المواصفات يستحيل أن تتوفر في أستاذ مشرف مثقل بأعباء التدريس الموكلة إليه بسلك الإجازة و الماستر، إضافة إلى مهام إدارية أخرى، حيث لا يجد وقتا كافيا للاطلاع على كل جديد في مجال تخصصه وتطوير قدراته المعرفية والبحثية، ناهيك عن قلة الدوريات والمجلات المحكمة في بعض التخصصات الناطقة باللغة العربية، فماذا ستنتظر من أستاذ مشرف يشغل وظيفة عضو بإحدى مجالس أو لجن المؤسسة، أو يشغل وظيفة منسق للشعبة أو لمختبر، أو نائب عميد، أو عميد أو رئيس جامعة، أو مكلف بمهمة نقابية، إذا ما جازف و ارتكب جناية الإشراف على طالب في الدكتوراه؟ هل هذا الأستاذ التائه بين هذه الوظائف و المثقل بأعباء التدريس في مسالك متعددة يتوفر على الوقت الكافي لتطوير معارفه ومواكبة مستجدات البحث العلمي، ويستطيع التفرغ للإشراف على بحوث ومشاريع الدكتوراه؟  حضرنا اجتماعا في شعبة الأنثروبولوجيا في أمستردام بحضور أساتذة كبار يمثلون سلط علمية في هذا التخصص، و أثير النقاش حول الإشراف على أطاريح الدكتوراه، فأول نقطة أدرجت في جدول الأعمال هي تحصيص وتوزيع الدروس قبل مناقشة الإشراف، لأنه من البديهي أن الأستاذ المشرف يحتاج إلى تفرغ للإشراف على الدكتوراه ومتابعة الطالب في مسيرته البحثية بشكل دقيق، فاندهشت كيف يتهافت الزملاء البوزكريون المغاربة على الإشراف، وهم مثقلون بأعباء التدريس والإدارة معا، و همهم الوحيد هو احتساب الأعداد المسجلة تحت إشرافهم في الدكتوراه، مما يساهم في إنتاج الرداءة الأكاديمية دون رقيب أو حسيب، و هذا التهافت يصب في صالح وزارة وصية، أصبحت تتنصل شيئا فشيئا من عبء خلق الوظائف الأكاديمية، بينما تقيّم الإنجازات بالأرقام دون التوقف عند فحص جودة الأطاريح التي تقدم للمناقشات الجامعية، و هذا في حد ذاته يعفيها من خلق مناصب شغل جديدة لتغطية الخصاص في الجامعة المغربية.  لماذا لا يتم تحصيص الدروس بطريقة علمية وتوزيعها عبر المعادلة القانونية ، و القيام بتفويج بيداغوجي، ووضع الوزارة أمام مسؤولياتها التاريخية، حتى يستطيع الأستاذ الإداري التفرغ لمهامه الإدارية لمدة محددة، و ليس لمدة مفتوحة كما يقع الآن في بعض الحالات، لأن الإلحاق بالإدارة لمدة مفتوحة، سيفقر الأستاذ ويفرغه من معارفه الأكاديمية، و في إطار التوزيع السليم للمهام، يتفرغ أساتذة للتدريس، و آخرون للبحث والإشراف على الأطاريح و المشاريع الجامعية. لكن يبدو لنا اليوم أن الإشراف الجامعي أخذ منحى ترقيعيا يعتمد على طبخ الوجبات السريعة، إذ أضحى طالب الدكتوراه العادي عبارة عن شهادة إدارية فارغة المحتوى، لا يستطيع مواكبة التطور المنهجي و المعرفي الذي وصل إليه العلم الحديث. إن استعجال التكوينات في الدكتوراه وارتجالها بعيدا عن الحفر والتنقيب في أمهات الكتب والمراجع يفرز باحثا معوقا يتوفر على معارف جزئية استطلاعية، و لا يستطيع الغوص في أعماق القضايا الفكرية. شتان بين هذا وباحث الثمانينات والتسعينيات الذي كان يعيش مرحلة التيه لسنوات قبل أن يباشر موضوع البحث، و مرحلة التيه هذه شكلت فترة كافية مكنته من الارتقاء إلى  باحث منقب عن الكتب والمراجع باختلاف تصنيفاتها العلمية! هذا لم يكن عصرا ذهبيا على الإطلاق، نظرا لشح المراجع و ندرتها، لكنه مع ذلك أنجب باحثين كبار، أما الآن في عصر تتوفر فيه المعلومة، أصبح الباحث مهرولا يلهث وراء امتيازات الوظيفة و الترقية والتعويضات، و يحتسب مردوديته العلمية بساعات العمل والحضور في المؤسسة بغض النظر عن الجودة والأداء. أهكذا سنتخلص من " المعلم بوزكري"؟ هناك عدة عوامل ساهمت في انتشار المشرف بوزكري بين أحضان الجامعة المغربية في الوقت الراهن، نذكر منها تشرذم المختبرات العلمية وتفكك نسيجها المعرفي، إذ لا يوجد تلاقح بين تخصصات أعضائها، و لا يجمعهم المشروع البحثي الموحد. لقد شجعت الوزارة الوصية خلق مختبرات للنهوض بالبحث العلمي في المغرب، لكن ضعف البنية التحتية واللوجيستيك في الجامعات المغربية أدى إلى ظهور مؤسسات هجينة مشرذمة انخرط فيها معظم الأساتذة بدافع الصداقة أو المنفعة المشتركة، و كل منهم يشتغل في مجال مختلف عن الآخر، فمنهم من يمارس الإدارة والبحث، و منهم من سجل اسمه بطريقة شكلية فقط، و هكذا تخصص بعض هذه المختبرات في اِلتهام ميزانية الدولة بتنظيم ندوات احتفالية لا علاقة لها بتخصص المختبر، هذا إن وجد. أليس من الأجدر أن تنظم الندوات من طرف المختبرات عند  توفرها على مشروع مشترك، و بذلك تساهم الندوة أو اليوم الدراسي في تطوير المشروع وصقله، لكن الندوات كما نشاهدها في الجامعة المغربية الآن، ليست إلا مناسبة لاستضافة أساتذة من جامعات أخرى للحصول على شهادة المشاركة والتعويض عن التنقل و إضافة بعض النقط في ملف الترقية.  لا ندري كيف تطلق هذه المختبرات عملية التكوين في الدكتوراه، و تستقطب حاملي شهادة الماستر للانخراط في مشاريع أبحاث جامعية، وهي لا تتوفر على رصيد معرفي أو منهجي للإشراف عليها، فعادة ما تعلن مختبرات العلوم الإنسانية على تكوينات في الإعلام أو الإثنوغرافيا أو تخصصات بعيدة أخرى لا تعكس عمل المختبر بقدر ما تعكس اختيار بعض أعضاءه استكشاف ميادين بحثية جديدة عن طريق تجنيد الطلبة لهذا الغرض، و من يدري ربما السطو عليها فيما بعد و المشاركة بها في مناسبات علمية أخرى، لكن ماذا استفاد هذا الطالب الذي انطلق من الصفر، و صارع منفردا لإنجاز أطروحة لا يتوفر المختبر على مؤهلات للإشراف عليها، ولا يستطيع الأستاذ المشرف الإلمام بجوانبها العلمية. كيف يتجرأ "المعلم بوزكري" الذي لم يسطّر مقالا محكما في الموضوع المقترح للبحث أن يشرف على أطروحة دكتوراه؟  كيف يقترح أستاذا مثلا تكوينا في الدكتوراه، وهو جالس أمام فنجان قهوة في مقهى، و لا يتوفر لا هو و لا زملاؤه في المختبر على رصيد معرفي كافي يمكنهم من الإشراف على مثل هذه المواضيع؟    و للتغطية على فشل البحوث والمشاريع الجامعية، عادة ما تُفصّل لجن المناقشة على مقاس سروال علي الذي تطرقنا إليه في مقال سابق، و يحضر بوزكري من مدن مختلفة لمناقشة الأطاريح الجامعية، فتصفق عائلة الطالب في نهاية المناقشة لنجاح ابنها بوزكري الصغير اليافع، الذي سيسهر مستقبلا على استعجال أطاريح جامعية في إطار الحفاظ على المدرسة البوزكراوية في الإشراف. ما هي حجتنا في القول بأن اللجن تُفصّل على المقاس؟ لو قامت وزارة التعليم العالي بمسح استطلاعي لأسماء الأساتذة المناقشين لمشروع الدكتوراه بالجامعة المغربية في العقد الأخير، لوجدت أن أسماء الأستاذ بوزكري تتكرر في عدة مناسبات، بينما هناك أساتذة لم تتم المناداة عليهم ولو مرة واحدة. ما ذا يعني هذا؟ أجاب مسؤول عن هذا السؤال مؤكدا لنا أن تكرار المناداة على نفس الأشخاص، سببه عزوف باقي الأساتذة عن قراءة الأطروحات، لما يحمله الفحص من عناء مجاني دون تعويض، وبالتالي تجد الأستاذ بوزكري رهن إشارتك مستعدا لقراءة المقدمة والخاتمة وبعض فصول الأطروحة قراءة سريعة، يقدم من خلالها تقريرا مقتضبا في فقرة أو اثنين، ثم يحضر وليمة المناقشة ليبارك إشراف أخيه وتشجيعه على مواصلة النضال والكفاح البوزكراوي . يبدو أن الجامعة المغربية تواجه مأزقا وجوديا اليوم: إما أن تكون و إما أن لا تكون؟ إذ لا يعقل أن يتصدق علينا أساتذة بوزكرويون بالإشراف أو مناقشة الأطاريح الجامعية، و يجب في هذا الصدد أن تخضع عملية الإشراف لضوابط بيداغوجية صارمة على أرض الواقع، ودعونا من المزايدات عن دور الأستاذ الجامعي. إن تعاقد الأستاذ الجامعي مع الوزارة هو تعاقد على مهام التدريس و التأطير والبحث، و عملية الإشراف على بحوث الماستر والدكتوراه و مناقشتها هي من صميم اختصاصه،  لذلك أصبح من الضروري تقنينها زمنيا و معرفيا بالإضافة إلى تقنينها الإداري الموجود، كما يجب  إعادة النظر في نسيج المختبرات المعرفي و أرصدته البحثية المختزلة في ندوات احتفالية، إذ كيف يتم الترخيص لمختبرات بمزاولة أنشطة علمية و هي لا تتوفر على أبحاث مشتركة تمكنها من تطوير تخصصاتها، و الطامة الكبرى أن ترخص لها الوزارة الوصية بفتح تكوينات في الدكتوراه وهي تفتقر لمسار بحثي موحد.و مما يزيد الطين بله في  توالد البوزكراويين بالجامعة المغربية، هو التأهيل السريع لعدد من الأستاذة المساعدين بعد مناقشتهم لحفنة صغيرة من المقالات، قد لا تتعدى ثلاثة أو أربعة، إذ يصبح على إثرها الأستاذ المؤهل قادرا على الإشراف على أطروحة أكاديمية و ملما بجوانب البحث المتعلق بمواضيعها، هل هذا يقبله العقل؟ لا أحد يجادل في حق الأستاذ المساعد الذي التحق حديثاً بالمؤسسة الجامعية في الترقي بالوظيفة والاستفادة من التعويضات المادية، لكن أن يصبح مشرفا على أطاريح جامعية في سلك الدكتوراه ببضع مقالات متناثرة هنا و هناك ، وهو لا زال في حاجة إلى تمرين وخبرة، هذا عبث أكاديمي بامتياز، وهذا ما دفعنا في الأصل إلى ابتكار استعارة "بوزكري طيب لي خبزي بكري" للتعبير عن هذه المأساة التي وصل إليها البحث العلمي في المغرب. هذا الأستاذ في دول تحترم عملها الأكاديمي يستفيد من منح "بوست دوك" ، ما بعد الدكتوراه، ويلتحق بمختبرات وطنية ودولية قصد تطوير معارفه، و بعد سنوات من الاحتكاك بالباحثيين و المشاركات العلمية والنشر، قد يصبح مشرفا على أطاريح جامعية (انظر في هذا السياق تجربة سنغافورة)، أما أن يصبح مشرفا لأنه نشر في مجلة كليته ثلاثة مقالات أو أربعة ، أو نشرها في مجلة مماثلة غير محكمة هي الأخرى، هذا لا يجب أن يمنحه الحق في الإشراف. وهنا نستغرب لهذا المنطق الوزاري الذي يحرم الأستاذ المساعد ذي الخبرة الطويلة التي تفوق عشرين سنة من التدريس الإشراف على أطاريح الدكتوراه بحجة انه لم يدبج مقالين في مجلة مغمورة، ويمنح الضوء الأخضر لوافد جديد دبج مقالات من أطروحته لنيل الدكتوراه، وحور فيها، ثم قام بنشرها للاستفادة من لقب بوزكري  و المرور إلى الإشراف على أخيه الدكتور بوزكري القادم. كيف ترخص الوزارة لعمداء ورؤساء جامعات و نوابهم وغيرهم من الإداريين بالإشراف على الأطاريح الجامعية، وهم يوميا في مكاتب الإدارة يبثون في ملفات إدارية، لا وقت لديهم للاطلاع و متابعة المشاريع البحثية؟ أليس هذا ضحك على ذقون أبناء الشعب؟ لو سألت طلبة الدكتوراه الذين أشرف عليهم عمداء، لأجابك جميعهم بالجواب نفسه: " من الصعب أن تلتقي العميد المشرف و تتحدث إليه، "ديما مشغول"!" ؟  و في الختام، إذا لم تتم مراجعة هذه المشاكل التي يتخبط فيها البحث العلمي بالمغرب، ووضع إستراتجية واضحة لتطوير المشاريع البحثية بالجامعة المغربية و ملاءمتها لسد حاجيات المجتمع، سيظل المشكل مطروحا، و لن تنجب الجامعة المغربية مستقبلا إلا أنصار "المعلم بوزكري"، وربما يأتي علينا زمن يُرفع فيه شعار داخل الحرم الجامعي مفاده:  "آ المشرف بوزكري طيّب لي بحثي بكري باش نزطط مونتي!"  ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي

  • ...
    من يتحكم في الرأي العام بالمغرب؟

    يتناول هذا المقال مسألة ذات أهمية في المجال السياسي و هي الآليات التي تستخدمها النخب السياسية سواء المهيمنة أو التي تصطف في المعارضة في تكوين الرأي العام تُجاه قضية معينة تستأثر بالاهتمام في المجال العام.  نؤطر هذا النقاش من خلال عرض سريع للنظريات المعنية بهذه المسألة قبل تقديم تحليل لبعض الحالات السياسية التي تم فيها توجيه الرأي العام نحو اتخاذ مواقف تخدم أجندات معينة.   قدم الفيلسوف الألماني هابرماس تحديدا مؤسِّسا لمفهوم المجال العام في دراسة لهذا المجال في القرن السابع و الثامن عشر في فرنسا و إنجلترا و ألمانيا، و تَجسد هذا المجال حسب هذه النظرية في مؤسسات اجتماعية كانت موجودة في هذه الفترة التاريخية نذكر منها المجلات و الصحف، و المقاهي و الصالونات و نوادي القراءة.  و كانت هذه الفضاءات مجالا عاما للنقاش العقلاني لقضايا عامة، و شكلت بذلك سلطة في مواجهة الدولة أدت مع مرور الوقت إلى ظهور الديمقراطية التمثيلية في أوروبا. و قد كانت الفعاليات المشاركة في النقاش للقضايا العامة تنتمي للطبقة البورجوازية و مستقلة نوعا ما عن النخب السياسية المهيمنة. غير أن هيمنة هذه الطبقة فيما بعد على السلطة في إطار النظام  الرأسمالي الليبرالي دفع بها إلى محاولة تكييف الرأي العام و إخفاء التناقضات، و بالتالي تغير المجال العام و أصبح مفتقدا إلى الاستقلالية، وأصبح خاضعا للسيادة و التوجيه و الضغط، و أصبح الرأي العام بالتالي موجها وأصبحت عملية تكوينه فبركة مضللة.   فالرأي العام يخضع في تكوينه عموما لآليات تحدثت عنها الباحثة الألمانية إليزابيت نيومان و حددتها معالمها من خلال علم النفس الاجتماعي، و قد سمت النظرية ب "لولب الصمت". و يمكن تلخيصها في المبادئ التالية:   - أن أغلب الناس يخافون العزلة الاجتماعية.   - و لذلك فإن معظم الناس يلاحظون باستمرار سلوكيات الناس الآخرين حتى يتعرفوا على الآراء التي تُقابل بالرفض و تلك التي تنعم بالقبول في المجال العام.   -يمارس الناس الضغط على الآخرين بتهديدهم بالعزلة عندما يعبرون عن امتعاضهم بطرق مختلفة من الآراء التي تكون مرفوضة في المجال العام.   -يخفي الناس آراءهم التي يعتقدون أنها مرفوضة في المجال العام حتى يتجنبوا العزلة، اجتماعية كانت أو سياسية.   - يعبر الناس عن آرائهم إذا شعروا بأن تلك الآراء مدعومة من طرف النخب المهيمنة و وسائل الإعلام.   - يتكون لولب الصمت بسبب التهديد المحتمل بالعزلة.   غير أن هذا لا يشمل كل الناس، فهناك فعاليات تُجاهر برأيها رغم وجود هذا التهديد بالعزلة، و هم ما تسميهم الباحثة ب "النواة الصلبة". لكن يبقى هذا الوضع بالتهديد بالعزلة قائما بالنسبة لمعظم الناس. و نتيجة لذلك يتكون الرأي العام في المجال العام عبر الميكانزمات النفسية و الاجتماعية و السياسية المذكورة.   غير أن التطورات التي شهدها العالم في بداية الألفية الثالثة غيّر المشهد السياسي و طبيعة الآليات المستعملة و الفعاليات المشاركة فيه، كتطور وسائل الإعلام و انتشار الاستعمال المكثف لمواقع التواصل الاجتماعي و الإنترنيت عموما. و مع ذلك يبقى الرأي العام خاضعا و لو بنسبة أقل لضغوطات النخب السياسية و آلياتها التحكمية. كما أن المجال العام أصبح أكثر اتساعا ليشمل حتى المجالات الافتراضية التي تعتبر أكثر تحررا من وسائل الإعلام التقليدية و النقاش السياسي المؤطر بالمؤسسات. كما أن مسألة الاستقلالية أصبحت موضع تساؤل لتضع نظرية هارماس في وضعية تحتاج للمراجعة خصوصا عندما نغير السياق لنتحدث عن الرأي العام و المجال العام في الدول النامية التي مازالت فيها المسألة الديمقراطية تثير الكثير من النقاش و التساؤل.   يخضع المجال العام في المغرب لسيطرة واضحة من طرف الدولة و خصوصا على وسائل الإعلام التقليدية كالراديو و التلفزيون و الجرائد و حتى المنتديات العامة التي تناقش فيها المسائل التي تهم الشأن العام. لكن بعد الربيع العربي استشعرت الدولة و النخب السياسية المشاركة في العملية السياسية أن مواقع التواصل الاجتماعي تُؤثر في تكون الرأي العام و تُشكل بذلك مجالا عاما بديلا عن المجال العام التقليدي المُتحكم فيه بطريقة مريحة. وتبعا لهذا الوعي بأهمية هذه المواقع في المشهد السياسي، عملت النخب السياسية على محاولة احتواء هدا الفضاء البديل لتوجيهه على الأقل حتى لا يؤثر بطريقة فاعلة على الرأي العام و القرار السياسي. فأصبح لهذه النخب حضورا ملحوظا، و اختلطت الأوراق من جديد، و أصبحت الحرية المفترضة في هذه المواقع موضع تساؤل. و قد كشف هذا الحضور على قدرة النظام على التأقلم مع الأوضاع الجديدة و استعمالها لتتبيث ركائزه الإيديولوجية. فحتى في عالم افتراضي حيث من المفترض أن التواصل و النقاش يخرج من دائرة السيادة و التحكم، أصبح التوجيه و التحكم الذي تحدثت عنه الباحثة الألمانية ملحوظا و خصوصا فيما يتعلق بمسائل جوهرية كالوحدة الترابية و الإرهاب التي تتمتع بإجماع وطني و تتدخل فيها الأجهزة الأمنية و القضائية في الحالات التي تخالف هذا الإجماع. غير أن هناك قضايا تناقش بحرية أكبر مع وجود توجيه خفي سواء من داخل أو خارج العالم الافتراضي.   من بين القضايا التي استأثرت باهتمام الرأي العام نذكر قضية محسن فكري التي فجرت احتجاجا عاما بالمغرب بدعم واضح من مواقع التواصل الاجتماعي، و شكلت هده الحالة مثالا جليا على قوة هذه المواقع على توجيه الرأي العام عبر الفضاء الافتراضي الذي أصبح يكتسي أهمية كمجال عام بديل. و قد كان لهذا الحدث تأثيرا نفسيا كبيرا استغلته القوى المعارضة للحكم لتوجيه انتقادات للدولة و تحميلها المسؤولية فيما وقع. و قد عملت الدولة على امتصاص هذه الانتقادات لقدرتها على تشكيل رأي عام مخالف للرواية الرسمية، و ذلك بإجراءات قانونية و سياسية و إعلامية حتى داخل الفضاء الافتراضي. غير أن قضية أخرى تسجل بكل وضوح الحضور القوي لميكانيزمات التحكم في الرأي العام، و هي قضية تصريحات شباط ضد الوحدة الترابية لموريتانيا. مباشرة بعد هذه التصريحات انطلقت البلاغات الاستنكارية من كل الفعاليات السياسية بما فيها النخب المتحكمة في المشهد السياسي، الأمر الذي قلل من التعاطف مع تصريحات شباط حتى في الفضاء الافتراضي، و عزل كل المؤيدين سياسيا و عم الصمت السياسي تجاه هذه القضية و بقي شباط وحيدا يندب حظه السيئ حيث من المحتمل أن يكون الثمن السياسي لتلك التصريحات باهظا، على خلفية رأي عام معارض لها بقوة. تبقى الأمثلة الأخرى التي قد يجدها القارئ في وضع وسط بين هاتين الحالتين حيث التدخل و التوجيه يخضعان لسلطة تقديرية للنخب المهيمنة على المشهد السياسي فيما إذا كان للرأي العام المشكل على المواقع الاجتماعية أي تأثير حقيقي على الواقع السياسي. الكل يتذكر الحملة التي قادتها الفعاليات السياسية على الفيسبوك ضد تقاعد البرلمانيين و التي لم تجد صدى يذكر لدى النخب السياسية حتى تلك التي كانت تصطف في للمعارضة.  لكن في المقابل نجحت الحملة ضد الكريساج نوعا ما لتجاوب قوات الأمن مع تلك الحملة. قد يكون فشل الحملة الأولى راجع بالأساس إلى عدم اهتمام المواطن العادي بالموضوع و تحالف معظم الأحزاب ضدها لتبقى قضية سياسية تحتاج لمزيد من الوعي و التعبئة. و قد يكون نجاح الحملة الثانية راجع لانخراط الجميع فيها بغض النظر عن الانتماء السياسي و نظرا لكونها مسألة اجتماعية تمس الجميع، و قد تشكل رأي عام مساند من طرف رواد الفضاء الافتراضي و المواطنين العاديين على السواء. لذلك كان لزاما على الدولة أن تستجيب لهذا الرأي العام الذي تشكل في المجال العام دون تردد حتى تحتوي هذا النوع من الاحتجاج الاجتماعي.   يبقى الرأي العام خاضعا للتحكم و الاحتواء و ربما هذا قدره في الوضع الحالي في انتظار بروز مساندة للمجال العام البديل من طرف الصحف و المثقفين و التيارات السياسية البديلة و حتى يتغير الوضع اترككم مع هذا المشهد في انتظار فصل جديد.

  • ...
    ''سروال علي'' من وحي الخيال إلى واقع الجامعة المغربية

    يبدو هذا العنوان غريبا للقارئ، حيث سيتساءل عن نوع العلاقة بين سروال علي و التدريس بالجامعة المغربية، ما هذا السؤال ؟ لا تستغرب عزيزي القارئ ما دمت تعيش في بلد كالمغرب، و قبل أن نجيبك عن هذا السؤال، سنعود بك إلى ذكريات الماضي، تلك التي شربنا من إبداعها صحبة جيل السبعينيات، و من قبلنا ارتوى منها جيل الستينيات،  فمن منا لا يتذكر قصة سروال علي التي كانت مقررة في سلسلة "إقرأ" للتعليم الابتدائي، حيث تحكي عن طفل اسمه علي اشترى له أبوه سروالا فضفاضا، ولما لبسه اكتشف بأنه طويل عن قدميه، فطلب علي من أمه ثم من أخته ثم من جدته أن يقمن بقص السروال بمقدار الشبر وخياطته، فاعتذرت النسوة الثلاث بحجة أنهن مشغولات بأعمال أخرى، لكن لما جاء الليل، تذكرت الأم طلب ابنها، فقامت في لحظتها بقص السروال بمقدار شبر ثم خاطته، و بعدها تذكرت الأخت طلب أخيها، فقامت هِي الأخرى من نومها وفعلت نفس الشيء،  و عند الفجر جاء دور الجدة لتساهم في تلبية طلب حفيدها، وعند الصباح لبس علي السروال للذهاب إلى المدرسة، فوجده مجرد شورت يكاد يخفي عورة صاحبه. هذه قصة ذات مغزى عميق، إذ تعلم الناشئة أنه في غياب التنسيق و التواصل بين الفريق، يخفق المرء في تحقيق الأهداف المنشودة، كما تعلمنا القصة أنه لا يمكن أن ننجز عملا بإتقان، و نحن نعمل بشكل منفرد مشرذم  مبعثر بين الطموحات الشخصية والواجب الاجتماعي، و بأن كثرة الطباخين تفسد الطعام، إذن، لو التقت الأم والأخت والجدة لمناقشة الموضوع لما وقع ما وقع؟  و لو التفتت الأم أو الأخت أو الجدة إلى طلب علي في حينه، لتم تدارك الموقف و تلافي هذا الخطأ. حين نتأمل سروال علي باعتباره استعارة ثقافية، نكتشف أن هذا السروال يطاردنا خلال حياتنا اليومية،  وأثناء تعاملنا مع إدارات و مؤسسات و فئات اجتماعية تتخذ العمل الأحادي كمنهاج في معالجة قضايا المجتمع من تعليم وصحة  و اقتصاد و سياسة بدلا من العمل المشترك والحوار البناء و بناء روح الفريق. لن يختلف معي القارئ أن سروال علي هو الموضة الرائجة اليوم في الإدارات المغربية، حيث يغيب التنسيق والتشاور، وتستفرد لوبيات بالقرار، وتفرض وجهة نظرها على باقي الأعضاء بسراويل تكاد تستر عورة موظفيها، و هكذا يأخذ التنسيق والعمل الجماعي طابع الخضوع والرضوخ للأقوى.  من منظور حكاية علي، تنقسم الإدارة المغربية إلى قسمين: هناك مجموعة ذات منفعة مشتركة تتكتل في إطار لوبيات ضاغطة تحتل مراكز القرار، و تقوم بتفصيل أثواب و خياطتها حسب النماذج  التي تذعن لمطامعها، و هناك شراذم من الموظفين ممزقة تائهة تسلك إجراءات أحادية في ارتداء السراويل الشائعة من عدمها. و إليكم مثالا حيا على تقطيع وخياطة سروال علي بإحدى المؤسسات الجامعية المتخصصة في إنتاج هذه الموضة البوكماخية.    لقد نص الإصلاح الجامعي الجديد على التنسيق في جميع المستويات بين الأساتذة في تحضير برامج التكوين بالنسبة لسلك الإجازة و الماستر، بالرغم من  وجود جدع مشترك وطنيا فيما يخص سلك الإجازة، كما نص على تقديم بطائق وصفية للوحدات المزمع تدريسها، ووضع معايير دقيقة للتقييم، وحين تتصفح بنود الإصلاح، تكتشف أن المشروع طموحا، و يحمل تصورات ناضجة قد تدفع بعجلة التعليم إلى الأمام، لكن على مستوى التطبيق يبدو الإصلاح ممزقا تائها مختصراً في مراحل جنينية، لتُمسخ خصائصه في النهاية إلى أعراض قد تختفي بشكل جزئي أو كامل عند التطبيق، إذن أين مكمن الخلل؟ لماذا تظل مشاريعنا ورقية بامتياز؟    إن ما يقع في رحاب الجامعة من تفصيل وتقطيع لهو ناتج عن عدم تخلصها بعد من مقص عائلة علي، فالشعبة والمختبر والنقابة والمجلس والإدارة تنتعش برنة تقطيع المقص، فمن هو يا ترى الذي يقوم بالتقطيع و تقصير السراويل الجامعية ؟ هم مجموعة التفت حول مصالحها المشتركة، فأصبحت تفصّل الثوب على الطريقة التي تناسب تطلعاتها، وهكذا تمسي عملية التنسيق بين الأساتذة المنتمين للشعبة نفسها مثلا، إما عبارة عن  تحالفات بين لوبيات ضاغطة، أو تنسيق أحادي يتسم بالقص والتقصير العشوائي، حيث يلجأ بعض الأساتذة الذين يقومون بتدريس المادة نفسها إلى وضع برامج و امتحانات أحادية  معتمدين في غالب الأحيان مراجع و كتب استهلكها الزمن، و تهالكت علميا، و إذا سألت أحدهم لماذا يغيب التنسيق بينكم، يجيبك بكلمة حسن الفد الشهيرة: "ما كاينش معامن!" أليس هذا دليل آخر على ما أشرنا إليه في مقالات سابقة حول ضعف تأهيل العنصر البشري وعدم تمرينه على ثقافة الحوار والنقاش و بناء روح الفريق والدأب على تضافر الجهود؟ لنأخذ مثالا آخر عن كيفية إنجاز تكوينات الماستر مثلا في بعض الشعب بالمؤسسة الجامعية؟ هل تعتمد الشعب مقاربة بيداغوجية تقتضي الأخذ بعين الاعتبار حاجيات التكوين،  و ترسم أهدافا واقعية قابلة للتطبيق ؟ بغض النظر عما يتم تدبيجه في المحاضر الرسمية وأوراق الاعتماد، نكاد نجزم أنه لا وجود لتنسيق حقيقي في بعض تكوينات الماستر بدليل أن هناك لوبيات انفردت بتكوين برامج ماستر في بعض الشعب، ثم فرضتها كأمر واقع، ووزعت موادها / سراويلها على أصحاب الشورتات لتدريسها، أي أصبحت الجامعة تشتغل بمجموعة متخصصة في التخييط والتفصيل وباقي السواد الأعظم يتأرجح بين ارتداء السراويل المقترحة من عدمها.   لكن الواقع المر، هو أن سراويل علي لا تفارق الأستاذ الجامعي مهما قاومها، لأن المقص جزء لا يتجزأ من بناء المشروع الأكاديمي؟ فكلما امتنع عن ارتداء سروال قصير إلا وسقطت كاحلاه فجأة في سروال آخر؟ قد لا يُصدّق هذا، لأن التكوين يخضع عادة لضوابط بيداغوجية، لكن بعد تكاثر شورتات الماستر، سقطت ورقة التوت لتفضح عيوبها، و بدأ مجموعة من الأساتذة الذين يرفضون ارتداء نموذج سروال علي يتساءلون عن الطريقة المثلى التي يجب اتباعها في بناء التكوين؟ هل سوف نلبي رغبات أعضاء اللوبيات الضاغطة التي تسعى للسطو على معظم التكوينات و المختبرات لكي تظهر بسروال علي المثقف، بالرغم أن بوكماخ لم يتحدث قط عن علي بهذه المواصفات؟ أم يجب أن نسطر برنامجا للماستر تبعا لأهداف بيداغوجية واضحة، و من لم يجد له موضوعا يدرسه في البرنامج، ينتظر فرصة قادمة أو يطور معارفه ليرقى إلى تدريس المواد المقترحة في البرنامج الجديد؟ هذا لن يحدث أبدا مادام مقص علي لا زال فاعلا في الساحة الجامعية، إذ تخضع العديد من التكوينات الجامعية خصوصا في الماستر لمقص اللوبيات التي توزع مواد التكوين لإرضاء رغبات أعضائها، أما بخصوص الملتحقين الجدد من المؤطرين، لا سبيل لديهم إلا التّسربُل بسروال علي، والاحتفاء بثوبه الجديد، هكذا قد يتم تسطير البرامج في غياب تام  لتنسيق حقيقي وتلبية حاجيات الطالب المعني الأول والأخير بهذا التكوين. و قد تستمر عملية القص والتقصير لتبلغ مداها، حين يقترح أحد أنصار سروال علي استبدال مواد جديدة في مشروع مقترح بمواد متهالكة بدعوى عدم توفر الخبرات أو بأن السروال فضفاضا، و لدا يجب التمسك بالمثل القائل " لبس قدك يواتيك!"، و حين يقترح بدائل، يسقط في الابتذالية التي طال عليها الزمن، و هكذا تُسحق روح المبادرة و التحدي والابتكار تحت وطأة المقص الجامعي، فتُمسخ  التكوينات الأكاديمية المقترحة غالبا إلى بريكولاج من التسطيح والاهتمام بالقشور بعيدا عن الغوص في نقاش لبّ القضايا الفكرية و أعماقها التي قد تطرحها بعض المشاريع الجادة.  محمد معروف، أستاذ باحث بجامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    اللغة العربية بين 'كيد الأعداء' و 'جهل الأبناء'

     اللغة العربية وعاء للقرآن الكريم والسنة النبوية والتراث الإسلامي عامة ،فإذا ما كُسّر ضاع ما فيه من محتوى ، ووفاء لهذه الغاية (أي انفراط عقد القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث الإسلامي...)، لم يأل أعداء الإسلام جهدا في تلمس أنجع الطرق الكفيلة بتحقيق ذلك ، وقد كان أجداها: " الإجهاز على هاته اللغة واجتثاثها من الجذور".و إذا تأملنا مليا تاريخها- أي تاريخ هاته اللغة- خلصنا إلى نتيجة مفادها أنها قد أتت عليها أحيان من الدهر ، تراوحت فيها بين مد وجزر ، بزغ نجمها تارات ، وأفل تئرا أخرى ،وبقدر ما صالت وجالت ، بقدر ما نكصت وأدبرت ، وبقدر ما رفلت في نعمة ورفاهة ، بقدر ما رزحت تحت نير الهموم، وتكالبت عليها الغموم ، أو ما نحبذ الإصطلاح عليه ب:  " الثلمات الكبرى"،أو التصدعات أو القواصم ، والمتمخضة عن سيل من المؤامرات التي حيكت ، وتحاك  ضدها، و تروم الحَيْق بها ، وكلما تأتى لها ذلك ، تداعت عليها كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، ومن جرائها باتت العربية على شفا الإنهيار ، بحيث استغلقت على الأفهام ، وران عليها الإستبهام ، وإمعانا في حقدها، لاتجيء هذه المؤامرات إلا زرَافات ووحدانا،  فما تفلتها الواحدة حتى تتلقفها الأخرى ، وقد تخبو،  لكنه خُبُوٌّمن طينة الهدوء الذي عادة ما يسبق العاصفة ، فسرعان ما تستعيد مدها الجارف ، وتنطلق في طَفَرات قوية ، وتنبعث كما ينبعث طائر الفينيق من رماده ، وقد تبدَّت عبر تاريخها المشؤوم بأشكال مختلفة ، كان من أبرزها : الدعوة إلى كتابة العربية بحروف لاتينية ،و الدعوة إلى اعتماد العامية ك " إكسير " لما بات يعرف بإشكالية التربية والتعليم....، وإذا كانت إرهاصاتها الأولى قد ظهرت في العصر العباسي حيث دشنها الأعاجم الشعوبيون والمجوس ، فقد استأنفها وحمل لواءها في العصر الحديث ،في مصر، المبشر الإنجليزي :" وليم ويلكوكس" ، وكان لها صدى قوي في باقي أقطار العالم العربي ومن ضمنها المغرب ، بل  وأفلحت في تفريخ  "عملاء" من بني جلدتنا يبشرون بها ، وهم كخلية نحل مشغولة لا يتسرب إليها الفتور.وحري بالذكرأن هاته ليسـت أول ولا آخر صيحـات هاته "المؤامرات " ، فهي كمكائد الشيطان الذي لا يعرف النكوص والإحجام ، أو- كحراشف الثعبان – تتجدد باستمرار في كل وقت وزمان ، فكلما استجمعنا قوانا وطفقنا نلملم جراحنا إلاولاحت في الأفق مؤامرات أخرأكثر إيلاما تأبى إلا أن تنكأها وتعيد نبشها.ولهذه المؤامرات " رواد " يطلقون لأخيلتهم العنان ، ويبتكرون ما شاءوا أن يبتكروا منها ، ويَحُوكوُنها حياكة ، و" سدنة "  يحرسونها بكل تفان وإخلاص يحدقون بها سرادقات من نار، ، أما سيماهم المسترعية للإنتباه فهي : جنوحهم إلى " مشايعة " و"ممالأة " الإستعمار والفرنكفونية والإستشراق والتبشير والتغريب وسائر الحركات والمذاهب المناوئة للعربية ، والتماهي معها إلى حد المحاكاة العمياء، ودون أدنى شك ، تبقى الوشيجة الماتة بينهم : "التآمر على العربية والسعي الحثيث إلى إبادتها ولو بطرق ميكيافيلية وشوفينية " ،وسعيا منهم لتحقيق ذلك ، لم يتوانوا في اتخاذ مجموعة من التدابيرالعملية ،فقد صوبوا لها وابلا من سهام الشك والريبة، خرموا عرضها ، سعوا ، معاجزين ، باذلين جهدهم ، عسى أن تُطمس معالمها وتُدك أركانها ..   وفي غمرة هذا المخاض العسير،  وبالموازاة معه ،وبعدما انخدعت وانطلت عليها الحيلة والتبست  عليها الحلول وبارت أمامها الحيل، انساقت أجيال من أبناء الوطن العربي مع هذه الأطروحة ،وفي الوقت الذي آثرت لغات أخرى وارتمت في أحضانها ، طفقت تتنصل من العربية تدريجيا،ضربت عنها صفحا ،ناعتة إياها بالعقم والتخلف ،وخلعتها كما تخلع القميص من رأسها ، وانسلخت منها انسلاخ الليل من النهار،حتى أصبح بينهما "مسافات تقاس بالسنوات الضوئية" على حد تعبير الأديب المغربي بنسالم حميش، وبالتالي صارت تجهلها "جهلا مطبقا ، ضاجا "، وقد دب فيها كما تدِبُّ النار في الهشيم ، وغرقت فيه من مُشاش رأسها إلى أخمص قدمها ، وأضحت تعاني - عند التعاطي معها قراءة وكتابة - من كل تجليات الضعف اللغوي...،من الغثاثة، والركاكة، والرطانة ،واللحن ، والهجانة ،وكما قال مرة "جون ماري لوكليزيو" ل " الطاهربن جلون " ، فقد أضحى لديها من باب المعجزات اختتام جملة ، وفي أحسن الأحوال قد لا تتجاوز درجة الإستمساك بخيوط حائلة منها ، وإن كان هذا لايغني من جوع ، فمن باب آكد أنه لا يسمن ولا يبدِّن .الأمر يتعلق- إذن –ب " جهل مستفحل " أو " طلاق بغيض " أو " فصام نكد " ذلك الذي نشأ بين اللغة العربية من جهة وبين هاته الأجيال من جهة أخرى وتلك أهم معالمه.يقول حافظ إبراهيم بلسان اللغة العربية :رَمَوْني بعُقْمٍ في الشَّبَابِ وليـــــتني . . . عَقُمْتُ فلـم أَجْـزَعْ لقَــــوْلِ عُدَاتـيأَيَهْجُرُنـي قَـوْمـي عَـفَـا اللهُ عَنْهُمُ . . . إِلَــى لُـغَـةٍ لــم تَتَّـصِـلْ بـــرُوَاةِوإذا كنا قد آثرنا المرور مرور الكرام على " كيد الأعداء " ، وعدم التوغل في تمفصلاته فذلك من باب عدم الرد على السفيه عملا بوصية الإمام الشافعي رحمه الله الذي يقول :إذا نطق السفيه فلا تجبه....................... فخير من إجابته السكوتأما " جهل الأبناء " فذاك بيت القصيد...فباستقرائنا  لواقعنا اللغوي نخلص إلى معطى لا تخطئه العين الفاحصـــــــــة ، وهـــو أن هذا   "الجهل" أوهذا "الفصام "  يبقى أثقل عبء أنقض ظهر العربية وأتعب كاهلها ، فانقضت وتقصمت، وهو " أشد مضاضة عليها من وقع الحسام المهند " .أجل إن أثقل عبء أرهق العربية وأنقض ظهرها ، يتمثل في موقف "أهل الضاد والناطقين الرسميين بها "، فقد أخزوها ، ولا غَرْوبعد ذلك أن يكون القول العربي : "لا كرامة لنبي في وطنه " منطبقا عليها ، فقد باتت تكابد غربة بينهم أقوى من غضبة الجو العاصف وأقسى من زمهرير الشتاء وأحر من الرمضاء.  إن هذا " الفصام " بين " العربية " و" قومها " طامة كبرى طالت الأمة وحاقت بها  وأصابتها في الصميم ، وداهية عظمى تربو في خطورتها على هجوم  التتار بقيادة جنكيز خان صاحب " الكتاب المقدس!" المدعو الياسك...وفي كلمات قصيرة وبدون إطناب وهـي لا تخلو من إيحاءات ميثولوجية ، نقول : إنه غول بشع مدمر متعطش للدماء ، أو تنين مزمجر حارق بلهيب نيرانه المنفوثة ، أو طوفان كاسح مجتاح ..وقس على ذلك ما شئت من الأوصاف - عزيزي القارئ - فتلك بعض نعوت هذا " الفصام النكد "..ومع استفحاله وتعاظمه (نعني بذلك هذا الفصام)، أخذت تتناسل لدينا مجموعة من الهواجس/ التساؤلات (وكأنها قذائف الهاون) من قبيل : كيف نعيد العربية سيرتها الأولى حيث كانت تتسيد وتملك زمام الريادة ؟ ؟ وما العاصم من هذه القواصم ؟ وكيف نعود بهذه الأجيال إلى أحضان هاته اللغة الأم المعيارية ؟ ما السبيل إلى إعادة بعث الشعلة (شعلة العربية) في دواخلنا ؟ وكيف يتسنى لنا فك كوابحها لتنطلق من جديد ؟  وكيف نمكن لها ونخرجها من شرنقة عصر الإنحطاط..؟ وكيف نخلصها من هذا الوضع الظاعن في الإعوجاج ؟ ومتى تتوارى بُهمة هذا الليل المرخي سدوله على العربية بأنواع الهموم، وتنسحب تاركة المجال لضياء الشمس؟  وغيرها من التساؤلات/الهواجس التي قد تجل عن العد والحصر، وقد شكلت - بحق - كابوسا مرعبا أمعن في تأريقنا وقض مضجعنا.أعزائي القراء ، يا حماة العربية ...لقد دقت ساعة الصفر، وآن الأوان للقطع  مع هذا  "الفصام النكد" الذي استظرفته هذه الأجيال ، ولن يتهيأ لنا ذلك ما لم نسخر طاقاتنا بغرض " استئناف " ذلك الإلتحام الذي وشــــــــح - لقرون- تاريخ العلاقة بينهما ، وهذا حلم سيظل يراودنا حتى ينبلج ولو بصيص نورمن فجر جديد بعد هذا الليل البهيم .أعزائي القراء : إننا ونحن نصبو لحلحلة هذه الأزمة من أجل إرساء صرح نهضة لغوية جديدة ، (حتما) تقفزأمامنا مجموعة من المقاربات والتي – وإن كانت - لا تخلو من صواب وسداد رأي ، ففي اعتقادنا المتواضع ،تبقى أبرزها تلك المقاربة التي تعتمد آلية " التعريف " بهذه اللغة أو بالأحرى استئناف هذا التعريف . وإن كنا سننساق مع شيء ما فمع الحكمة التي تقول أن تشخيص الداء يحيلنا حتما إلى وصف الدواء ، ولئن علمنا أن جهل الأبناء داء عضال أصاب اللغة ونال منها نيلا ، فانتصبت بينهما تلك المتاريس ، فإن تعليم هذا الجهل ، والقضاء عليه هوحل أومنهج أو: " خارطة طريق " نقترحها كإجراء للقطع مع هذا " الفصام النكد " ، وبتعبير آخر نقول : إن أحد " المناهج الصحيحة" لتحقيق هذا المبتغى – تطبيع العلاقة بين العربية وأبنائها - هو "عرض" حقائقها  ابتداء لتوضيحها لهم من أجل "البيان"، بيان ما تكتنزه  من آيات السحر والجمال ، وما تدخره من فصاحة وبلاغة وبيان ،  فهي ،أي هذه الأجيال ، في أمس الحاجة إلى من يمدها بهذه الحقائق التي طالها التغييب والنسيان بفعل التعتيم والإظلام، ولا يتأتى ذلك إلا ب  "  تعريف " يَنبُش في الذاكرة في أفق استجلاء مطمورها ، واستكناه أسرارها ،وتنوير الرأي العام،إلا نفعل ذلك نتحمل جميعا تبعات ثًلْم عرى العربية كتمهيد لنسف الهوية.وهنا قد يستوقفنا سؤال لا نحسبه إلا مشروعا وهو : هل تحتاج العربية أصلا إلى تعريف وهي كما يقول المثل " أشهر من نار على علم " ؟ غيرأنه وبسبر أغوارها في محاولة تروم استكشاف أسرارها يتملكنا الذهول،وتشخص أبصارنا ، وتحتار العقول، ومن فرط الخجل  يعلونا الإحمرار،و في انكسارنقول: أهذه لغتنا؟! وتلك كنوزها ؟! ونحن في غفلة منها ، وندعي معرفتها ونحن في جهل بها سادرون...! وبالتالي فإن ميلنا إلى هذا السيناريو : سيناريو التعريف بها لم يكن أبدا ضربا من العبث ، أو صنفا من أصناف اللهو والمجون .أجل إن " التعريف " باللغة العربية وعرض حقائقها ونفض الغبار عنها هو منهج صحيح كفيل بتصحيح التصورات المكتسبة من الماضي بصددها ، والتي رسخت لدى هذه الأجيال الإنطباع بعقمها ودونيتها.وإننا وإن كنا قد رثينا لحال العربية ، فإننا نأبى التسليم بموتها ، وهي قناعة راسخة لا في أذهاننا وحسب بل وفي أذهان بعض المستشرقين ،والحق ما شهدت به الأعداء كما يقال عادة ، ومن هذا المنطلق فلنتأمل قول المستشرق" جاك بيرك" : -  " اللغة العربية لغة المستقبل ولا شك أنه يموت غيرها وتبقى حية خالدة " ، ويقول " جون فرن" : " إن مستقبل الأدب في العالم العربي هو اللغة الفصحى وحدها الزاخرة بالثروة والغنى والتراث وليست اللهجات العامية بلغة كيانية بل هي تحريف وتشويه للفصحى ولن تتمكن هذه اللهجات إطلاقاً من اجتياز جدار التراث والفصحى" .وقبل الختام نسوق إليكم أعزائي القراء هذا الخبر:هناك ما يسمى : (أيام اللغات)في الأمم المتحدة ، ولتعميم الفائدة نوردها كما يلي:-(20 مارس):يوم اللغة الفرنسية (اليوم الدولي للفرنكفونية).-(20أبريل): يوم اللغة الصينية (تخليدا لذكرى سانغ جيه مؤسس الأبجدية الصينية).-(23أبريل): يوم اللغة الإنجليزية (الذكرى السنوية لوفاة الكاتب الإنجليــــــــزي : وليام شكسبير).-(6يونيو):يوم اللغة الروسية(الذكرى السنوية لميلادالشاعر الروسي : ألكساندر بوشكن).-(12أكتوبر): يوم اللغة الإسبانية (يوم الثقافة الإسبانية).-(18ديسمبر):يوم اللغة العربية (يوم إدخال اللغة العربية ضمن اللغـــــات الرسمية للأمم المتحدة بموجب قراريحمل رقم 3190(د28)المؤرخ 18 ديسمبر1973).وعليه ، ولئن كان المنتظم الدولي يحتفل باللغة العربية في يوم واحد فإننا نحتفي بها كل يوم ، وكل ساعة ، بل وكل دقيقة... الكاتب : الحاج الطاهرعبد الكريم موظف بالجماعة الحضرية للجديدة.

  • ...
    أهمية اللغة الأم في تشكيل ذهنية المجتمع

    إن وظيفة اللغة أساسا هي أن تنقل بين ثنايا معانيها ثقافة المجتمع ، والثقافة بدورها تعتبر حاملة لقيم الشعوب التي تشكل هوية للذات الاجتماعية و أساس وجدانها. و عندما نقوم بإقصاء اللغة الأم التي ساهمت في تنشئتنا أو تدميرها، مع الأسف نقوم بتدمير جانب مهم من التراث ...في الحقيقة نحن ندمر كل ما يساعد على نمذجة هويتنا المشتركة، و ما يجسد ذاكرتنا الجماعية. و هذا بالضبط ما قامت به الحركة الإمبريالية، حيث أخضعت اقتصادات الشعوب الإفريقية لخدمة استثماراتها الرأسمالية منذ إحتلالها. و للقيام بذلك، عملت على مأسسة الهيمنة السياسية عن طريق التحكم في اللغات الأصلية وتشتيتها.و يشهد التاريخ  أن السيطرة الاقتصادية والسياسية لا يمكن لها أبدا أن تتحقق بدون هيمنة ثقافية أو فكرية، لأن هذه الأخيرة تتحكم في الطرق التي ينظر بها الناس إلى ذواتهم و الآخرين، كما أنها قد ترسم المسار الاجتماعي للإنسان في أي اتجاه يحدده منطق السوق، فضلا عن إمكانها أن تزرع عقلية العبيد بين ثنايا المجتمع. وهذا ما حاولت الإمبريالية القيام به فعلا من خلال قمع اللغات الأهلية والدوارج واستبدالها بلغة المستعمر، فمنعت الأغاني الشعبية، و قامت بمحو ما يسمى الآن بالآداب الشعبية الشفهية ... وهكذا، تعتبر الكتابة باللغات الأم بالنسبة للشعوب الإفريقية حاليا عملية استرجاع للبنى الاقتصادية والسياسية التي تم اغتصابها من لدن المستعمر. نحن قوميات وأعراق مختلفة تتحدث لهجات و لغات مختلفة جدا، و هذا ما يغني تراثنا و يميز جمالية لغاتنا الأصلية التي يجب أن نخلصها من بقايا الاستعمار.هذا ما قاله الكاتب الملتزم نْكوكي واشينْكو الذي رفض الاستمرار في الكتابة باللغة الانجليزية، وتحول إلى التواصل مع الفلاحين و عامة الشعب عبر الكتابة بلغة الكيكويو الكينية، ولما سأله أحد المعلقين الصحافيين: "ألا ترى في هذه اللغة عزلة عن العالم ؟" ابتسم وقال: " كيف وهذه اللغة أكثر انتشارا بين الجماعات العرقية في بلدي، وستصل إلى الفلاح و العامل البسيط!"، وهكذا ركز نكوكي على الكتابة المسرحية باللغة الأم باعتبارها فنا إيحائيا شفاهيا، تستطيع فرجته اقتحام المجتمع و إحداث الثورة الفكرية المنشودة! هذا المخاض الفكري الذي تعيشه الحركات الثقافية ما بعد الاستعمار يبدو لنا غائبا عن الساحة الأكاديمية المغربية بالرغم من انخراط كم هائل من المثقفين في تفكيك الكتابات و التمثلات الكولونيالية، لكن لا أحد يرى في استرجاع الهوية المغربية عن طريق دعم وتقعيد اللغة الأم في الكتابة الأدبية و تحصيل المعارف والعلوم لتخليص لهجاتها من براثين الجهل و الغيبيات والأساطير التي خلفتها الحقب والأزمنة المتعاقبة على تشكيل الذهنية الشعبية المغربية. أليس هذا ما يجب أن تعيه تلك النخبة المثقفة الإقصائية التي تهرول من أجل تعريب العلوم و التشبت بلغة المستعمر ضاربة بعرض الحائط اللهجات الأم التي تعبر عن الإثنيات و الثقافات التي يزخر بها مجتمعنا؟ و هنا نطرح سؤالا جوهرياً على هؤلاء: كيف سيتم استبطان قيم المواطنة الحداثية من لدن شعب همش لغته الحية، و تشبت بالفصحى أو الفرنسية، و هي لغات ميتة لا يحيى بها مجتمعنا في الشارع والأسواق والفضاءات العمومية؟  كيف و هذه اللغات معزولة تماما في ردهات الأقسام التعليمية  والإدارات، و لا تنتشر في مداشر المغرب و قراه وأحيائه الشعبية؟ كيف سيتم استبطان قيم محاربة الفساد و احترام قانون السير والحفاظ على البيئة و اللائحة طويلة، و اللغة الأم تحمل قيما و مبادئ  ومعاني معاكسة تماما لهذه القيم التي تنتشر في لغات عالمة لا علاقة لعامة الشعب بها؟ و لنأخذ  على سبيل المثال مفاهيم مثل " موفي / زطط/ سلك راسك/ الوعورية"، وما إلى ذلك من قيم السوق و ذكاء الحيلة في مجتمعنا، ماذا يقابلها في اللغة الأم من مفاهيم  ومعاني يستطيع العضو الاجتماعي منا أن يحاجج بها لتفكيك هذه البنيات القيمية الراسخة سالفة الذكر؟    هذه أسئلة نطرحها  على  خصوم تقعيد اللهجات و إقصاء اللغات الأصلية من عملية تحصيل المعارف والعلوم الإنسانية، حيث يتشبثون بلغات جامدة لا يحيى بها الشعب المغربي، لأن المواطنة والقيم الانسانية التي نود أن ننقلها إلى أعضاء المجتمع، لن تصله الا عن طريق لغته الأم التي يعيش بها. نحن نحيى غالبا بتلك القيم الدينية المعيشة التي استطاعت النفاذ إلى الذهنية الشعبية عن طريق اللغة الأم عبر تاريخ طويل من الممارسة، تلك قيم إسلام  شعبي تؤثر فيه عوامل تاريخية و اجتماعية وسياسية واقتصادية مختلفة، و مادامت لغاتنا الأم لم تدخل حقول المعرفة والفكر بعد، نتساءل كيف سنستطيع التخلص من قيود الاستعمار والغيبيات والأساطير التي سكنت خيالنا الشعبي منذ زمن؟ كيف ستتحقق  النهضة  الفكرية و التحرر الاقتصادي بعيدين عن اللغة التي تحملهما و تنقلهما إلى عامة الناس؟ لماذا لم تلتجأ بعض المجتمعات الإفريقية أو الآسيوية مثلا إلى مأسسة لغة القرآن بالرغم من أسلمة مجتمعاتها و تطبيقها لأحكام الشريعة؟  ولماذا لم تتخلى عن لغاتها الأم؟ إلى متى سيستمر الشعب المغربي في دفع فاتورة ضيق أفق نخبه السائدة و محدودية رؤيتها السياسية؟  ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

  • ...
    حكاية الحقيقة عن الفحوصات الطبية بين وزارة التعليم ووزارة الصحة.. مستشفى الجديدة كنموذج

    جرت العادة بقيام فريق طبي متنقل بزيارة المؤسسات التعليمية لفحص وتشخيص تلاميذ السنة الاولى ابتدائي و إعدادي وعرضهم على المستشفى الاقليمي محمد الخامس بالجديدة بعد ملأ هذه الورقة أسفله و تحديد نوع العالة المراد فحصها وتشخيصها .حكايتي مع هذه الورقة اليوم بالمستشفى الاقليمي محمد الخامس بالجديدة، وضحت لي المعاناة والاستفزاز والابتزاز الذي يعاني منه كل أب أو أم شاءت الظروف أن تضعه في هذا المكان حاملا إليه ابنه أو أبنته للعلاج . المعاناة ابتدأت من الساعة التاسعة، وأنت تائه وسط المستشفى تبحث عن من يتسلم هذه الورقة الملعونة ، أخيرا أحد حراس الأمن الخاص يتقمص مهمة الممرض الاداري ويجمع مايناهز35ورقة جل أصحابها من العالم القروي وبعد الترقيم بحوالي ساعة ،تظهرفي الصورة ممرضة رئيسة وتأخد من عند الحارس المتطوع الأوراق الصفراء وتنادي على أسماء المسجلين فيها وتأخدهم الى الطابق السفلي بعد منع أولياء أمرهم بمصاحبتهم .وبعد انتظار طويل ، خرج إبني حاملا معه ورقة صغيرة لفحص العيون ، وهوما يخالف ماهو مكتوب في الورقة الصفراء الملعونة من فحص وتشخيص للجهاز الهضمي حسب الطبيب الذي زار مؤسسته، لم أفهم شيء إبني يعاني من فقر في الدم وأصحاب الاختصاص يفحصون مرض العيون ،بحثت عن الممرضة الرئيسة وحكيت لها أمر إبني وهي الملزمة بقراءة ما في الورقة الصفراء الملعونة لمعرفة العالة المراد معالجتها وهوما لم تتعب به نفسها ،بل أن الورقة الملعونة تدحرجت عند أكثر ممن يمتهنون هذه المهنة ولم يستطع أحد فك لغزها. أثناء شرحي للمرضة الرئيسة ما وقع طلبت مني ورقة تشخيص مرض العيون المتحصل عليها ومزقتها وأمرتني بنبرة الاستفزاز بأن أذهب لمكان الطبيبة المكلفة بالجهاز الهضمي ،وليت راجعا أبحث عن المكان المطرق بأحد حراس الامن الخاص الذي منعني من الدخول بعلة أن الدكتورة المكلفة غير موجودة الأن وحضورها سيكون فوق الواحدة زوالا ، على الساعة الثالثة حضرت الدكتورة وبدأت في الفحص حسب الترتيب ، بوصول دورإبني كانت المفاجئة الثانية ، لقد أخبرتني السيدة الدكتورة بأنها ترفض فحص ومعالجة الأطفال أصحاب الورقة الصفراء الملعونة ، وهي المعهود لها القيام بواجبها في مرفق عمومي لخدمة المواطنين اللذين عليهم واجبات تأدية الضرائب وحقوققهم المتمثلة بالحق في الصحة . أمر غريب هذا الذي حصل لأكثرمن 14 تلميذا. أمام هذا الواقع المر توجهت مع أولياء التلاميذ اللذين تم رفض فحص أبنائهم الى مدير المستشفى لتقديم شكاية في الموضوع والقيام بالمتعين .. مواطن متضرر