أعمدة الرأي
  • ...
    المشترك المجتمعي .. من بناء الحوار إلى حوار من أجل البناء

    من المواضيع الأكثر أهمية و راهنية، والمتداولة بشكل كبير على ألسنة الراغبين في التغيير السلمي الحقيقي الرافض لفلسفة العنف ، والتي تشابكت فيها أقلام و أفهام الباحثين الإجتماعيين و السياسيين ، موضوع الحوار المجتمعي من أجل بناء مجتمع ينبعث بداخله نور الحرية و يعيش أفراده في حياة الكرامة الإنسانية على معالم العدالة الاجتماعية ، يرى أحد الباحثين أنه يتطلب التأسيس لحوار مجتمعي وسياسي جاد وهادف وعيا شاملا ومعرفة دقيقة بالآخر؛ بأدبياته ومفاهيمه، بمواقفه ومرجعياته، بحجمه وحضوره في الساحة المجتمعية ، إضافة إلى ضرورة اعتبار هذا الآخر مصدر قوة وغنى فكري واقتراحي يساهم في بناء الذات الجامعة، والهوية المشتركة . و من ثمرات الحوار المجتمعي بين الأطراف المختلفة أنه ] يفضي مع مرور الزمن إلى تقلص شقة الخلاف بينهم ، و ذلك لدخول هذه الأطراف في استفادة بعضها من بعض 1[، كما أن الحوار المجتمعي يسهم في تعميق مدارك كل طرف ، إذ إنه ] بمنزلة نظر من جانبين اثنين ، و ليس من جانب واحد ، فمعلوم أن العقل يتقلب بتقلب النظر في الأشياء و أنه على قدر تقلبه ، يكون توسعه و تعمقه ، و العقل الذي لا يتقلب ليس بعقل حي على الإطلاق ، و العقل الذي يبلغ النهاية في التقلب ، فذلكم هو العقل الحي الكامل2[.هذا المقال لا يعدو تقريب الموضوع، وجمع وتلخيص أطرافه، وعرض لفيف من زبد الأفكار، وفصوص من الأقوال و الإستشهادات . المجتمع فضاء يسع الجميع ، فضاء للتلاقح الفكري و الحوار و قبول الاختلاف و كذلك بوابة للإنفتاح على التجارب المجتمعية الاجتماعية لا من حيث الثقافة أو الفكر أو الممارسة ، فعندما نتحدث عن الحوار من أجل بناء المشترك المجتمعي ، فإننا نتحدث عن اختيار و مسار بما أنه إفشال لسياسة المخزن " فرق تسد " . إننا في أي حال من الأحوال محكومون بالاختلاف نظرا لطبيعة الوسط و حساسيته و كذلك ضمه كل التلاوين المجتمعية و السياسية ، هذا كله ما يجعلنا نقوم بممارسة عملية المساءلة حول : ما هي أهم التحديات التي تقف حاجزا أمام العمل المجتمعي على أرضية مشتركة ؟ و ما هي المنطلقات التأسيسية للحوار المجتمعي ؟ و ما هي أهمية هذا الحوار ؟ و ما هي أهداف الحوار المجتمعي على الفرد و المجتمع و الدولة ؟ إن الاهتمام اليوم بالمشترك المجتمعي هو دافع بمواجهة الثقافة النرجيسية و المتعالية التي تصنع المسافات بين الأطراف و تذكي الخصومات ، لكن من باب المسؤولية و خدمة للجسم الجامع يجب أن نتعاون و نوحد الجهود في سياساتنا بدل التصارع و التسابق في اتجاه تدمير المشترك ، يقول فرانسوا ليوني  ] :إن من واجبنا أن نكون إخوة ، و هي أخوة أكثر منها تضامنا ، إنها مفتاح الألفية القادمة ، من أجل سياسة حقيقية للحضارة  3[. من بين التحديات التي تحول دون بلوغ الهدف المتوخى من الحوار الذي هو العمل المجتمعي المشترك ، وجود فئتين مجتمعيتين لا تقبل بناء مجتمع ديمقراطي ينشد التغيير لإعتباراتها ، الفئة الأولى : فئة إقصائية ترى أن الواقع يتكون من لونين أبيض و أسود تقول أنها هي من تحمل اللون الأبيض و ما دونها أسود ظلامي ، الفئة الثانية  : فئة برغماتية تتعايش مع المخزن و هي مستعدة للتحالف مع الشيطان لتحقيق مصالحها الشخصية . بالإضافة إلى ذلك الخلاف الأيديولوجي ، فعندما يطغى هذا الخلاف ، فمن الطبيعي ألا نخلص لأي نتيجة ، يقول الباحث حسن بناجح : " أعتقد أن المدخل الوحيد لتجاوز الصراع و الخلاف الأيديولوجي هو العمل السياسي ، لأن الحوار حول القضايا السياسية يجعلنا نبدع آليات ديمقراطية تحتضن كل المشاريع . و أيضا نجد صعوبة الوصول إلى سقف مشترك مجتمعي يقوم على العمل الوظيفي لكل طرف و ليس الانصهار في طرف واحد و مرجعية واحدة ، و عوض السعي الجماعي لتنظيم تعايش و تنافس المشاريع السياسية و المجتمعية نجد التعصب للأيديولوجيا التي يعتنقها الشخص و لرأيه و إدعان أنه الوحيد من يحمل مشروع البديل للتغيير الديمقراطي الشامل ، ] إن التعصب للرأي والتفكير الأحادي وادعاء امتلاك الحقيقة أو الركون إلى رصيد فكري أو ماض نضالي غالبا يكون عائقا أمام التواصل والتفاعل بحيث يبقي الإنسان سجين شرنقة إيديولوجية 4[، و الخطير في الأمر هو أن يتم سجن العقل في مرجعية معينة و خاصة بأفكار تقصي الآخر ، يقول محمد سبيلا ]:ﺇﻥ ﻣﺤﺎﺻﺮﺓ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻓﻲ ﻗﻤﻘﻢ ﺇﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻲ ﻣﻌﻴﻦ، ﻭﺗﻘﻠﻴﻢ ﻗﺪﺭﺍﺗﻪ ﺍﻟﺘﺠﺪﻳﺪﻳﺔ ﻭﺍﻹﺑﺪﺍﻋﻴﺔ ﻭﺧﻨﻖ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺭﺓ ﻓﻴﻪ، ﻟﻦ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻻ ﺇﻟﻰ ﺗﻜﺮﺍﺭ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﻭﺍﺟﺘﺮﺍﺭ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ، ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺃﻥ ﻳﺨﻄﻮ ﻗﻴﺪ ﺃﻧﻤﻠﺔ 5[ . و كذلك نجد من أهم عقبات الحوار المجتمعي عدم التجاوب الجدي مع المبادرات التي يطلقها أحد الأطراف و هذه المسألة تكتسي صعوبة كبيرة ، فرغم كل الصراعات و الخلافات كانت مع ذلك تطلق مبادرات بين الفينة و الأخرى على سبيل المثال أطروحة المثاق الإسلامي ، أطروحة القطب الديمقراطي ، أطروحة الجبهة الوطنية الديمقراطية ... رغم ذلك لم يكن هناك تجاوب ، حيث يقول الباحث حسن بناجح : " ... و هذا يرجع بالأساس إلى غياب ثقة متبادلة بين الأطراف جميعا لذلك فنحن نحتاج إلى بناء الثقة بيننا قبل بناء مجتمع الحرية و الكرامة . و أخيرا فكثرت الانقسامات و الانشقاقات ، و ظهور تعددية سياسية ومدنية شكلية ، و احتواء النخب و شراء الذمم و إقصاء المعارضين لن يؤدي ذلك إلا إلى التفرقة و التباعد . إن وجود هذه التحديات و العقبات ينبغي ألا تمنع الفرقاء من الإلتقاء على أرضية مجتمعية مشتركة لمصلحة المجتمع ، إذن فعلى أي أرضية يتأسس الحوار المجتمعي ؟ و ما هي أبرز المنطلقات التأسيسية لبناء المشترك المجتمعي ؟ يرى أحد الباحثين أن أم الأرضيات الجامعة هي أرضية الإسلام الجامع لأطياف المجتمع ، ليكون حوارا بعيد النظر واسع الأفق ، و غيرها من الأرضيات . و الوعي الحقيقي الذي يجب أن يسري بين كل الفرقاء و التلاوين المجتمعية و السياسية الديمقراطية التي تطالب بالحرية ، الكرامة و العدالة الاجتماعية ، و تناهض الفساد و الإستبداد، يقوم على عدة منطلقات تأسس للحوار من أجل بناء مشترك مجتمعي ، و يمكن إدراجها على الشكل التالي :- أولا : يجب تجاوز حالة الصراع بين الأطياف الديمقراطية الحية التي صنعها المخزن بأوهام تاريخية لا يعلم حقيقتها إلا هو و ذلك من أجل تقريب وجهات النظر في أصول المشترك المجتمعي الذي يسعى إلى بناء مجتمع حر يقوم على دعامات الديمقراطية من حيث كيفها و ليس من حيث المعنى ، مجتمع يستوعب الجميع يدافع عن المصلحة العامة من خلال البحث عن نقط الالتقاء من أجل تجاوز الخلاف  .- ثانيا : و من أهم المنطلقات لإنجاح الحوار المجتمعي التعاون في مساحة المشترك لتحقيق الروح الجماعية، إذ وجب على كل طرف من جهته أن يبحث على مشترك يضمن من خلاله جميع الأطراف ، لأنه ] لا ينتظم شأن مجتمع أو دولة إلا بوجود مشترك للجماعة ، و إذا وجدت الدولة ، و لم يوجد المشترك ، يجب على أهل الدولة العمل على إيجاده و اختراعه6[ من خلال الحوار المسؤول و الجاد بين كل الفاعلين ، يقول طه عبد الرحمن ]  :الذي يغلق باب الحوار أو يخل بأدبه يميت في نفسه روح العقلانية النافعة…ومن يميت هذه الروح يقطع الأوردة التي تحمل إليه هذه المعرفة الممتحنة، فيحرم نفسه من إمكان تصحيح وتوسيع مداركه، فيضيق نطاق عقله ويتسع نطاق هواه … وليس هذا فحسب، بل إنه يميت في نفسه وفي غيره روح الجماعة الصالحة … ومن يميت هذه الروح يسد المسالك التي تنقل إليه العمل المشترك، فيحرم نفسه، من تقويم أفعاله وتهذيب أخلاقه، فتقوى دواعي الاستئثار في نفسه وتضعف دواعي التعاون فيها7[- ثالثا : الاعتماد على ثقافة الحوار ، ] كما أن إرساء ثقافة الحوار والتعاون يجب أن تنبني على قاعدة الربح المشترك 8[، و بالضبط الحوار البناء عوض الجدل الأيديولوجي الذي يقوم على قبول الاختلاف ، و هذا الحوار يجب أن يخرجنا من عقود التدبير الإنفرادي إلى التدبير التشاركي و من دائرة التدبير النخبوي و السلطوي إلى دائرة إشراك الجميع ، و طبيعة هذا الحوار يجب أن يكون تأسيسي أي أنه يطرح الأسئلة التأسيسية أي مغرب نريد ؟ طبيعة الدولة ، طبيعة النظام ... و كذلك يجب علي الحوار أن يقوم على أسس جماعية مبنية على ديمقراطية تشاورية ، ] و لتجاوز أزمات العالم المعاصر ونواقص الديمقراطية التمثيلية، يسعى هابرماس إلى " تأسيس ديمقراطية على أسس جماعية مثالية للتواصل، خالية من أية هيمنة أو سيطرة، ما عدا أفضل حجة. كما أنه يطرح مفهوم التشاور الذي يعتبره جوهريا في ديمقراطيته التشاورية، لأنه في التشاور يعطي للآخرين الحق في الكلام والنقد ورفع ادعاءات الصلاحية وتقديم اقتراحات جديدة بخصوص القضايا المطروحة للنقاش في الفضاء العمومي9[-رابعا : تحديد أهداف الحوار أثناءه و ليس قبله التي تدور في خانة ما هو تصوري تعاقدي و ما هو ميداني نضالي ، فيما يخص التصوري و التعاقدي يجب الإتفاق على ميثاق جماعي ، ] فمن أجل قطع الطريق على التأويلات المغرضة التي يفرضها واقع التقاطع و التدابر ، و من أجل التوقف عن توليد الخيالات المريضة و توسيع دائرة الخلاف لا بد من التواجه لابد من الميثاق 10[ ، و كذلك لابد من التواصل في الضوء ، ] البديل لميثاق يعرض على الأمة و يناقش طويلا هو البقاء في الغموض و الإبهام و النزاع في الظلام 11[ ، و الهدف الأسمى للميثاق هو معالجة الأزمات الاجتماعية و السياسية و لا مخرج من هذه الأزمات إلا ] نقاش يشارك فيه الجميع دون استثناء أو إقصاء بدل المؤامرات السرية التي يحيكها في الدهاليز السادة الأسياد 12[، و ذلك لأن مشروع التغيير الشامل يقوم على مثاق جماعي تسطره كل التلاوين و الأطياف السياسية الحاملة للمشاريع التغييرية ، فكل مكون من مكونات المجتمع له حظ من التغيير و مكون واحد لا يمكن أن يقود عجلة التغيير مهما كانت قوته الفكرية و الممارساتية ، ] و من المغامرة أن يزعم زاعم أن مكونا وحيدا من مكونات الشعب يستطيع مهما بلغ من قوة عددية وعُددية أن يحمل على كتفه أوزار الماضي وكوارث الحاضر وآمال المستقبل 13[ ، و هذا المثاق هو الأرضية التي ستشتغل عليها كل القوى الحية من أجل إرساء المشترك و كسر شوكة الاستبداد ، أما الميداني النضالي يجب من خلاله تغيير ميزان القوة لفائدة روح الشعب ، ففي ] الميثاق الوطني لا بد إذن من مراعاة أمرين بلغة هيجل : روح الشعب ) أصالته و مبادئه ( و روح العصر ) حداثته و تطلعاته 14[( ، و روح الشعب تبدأ من إشراك الشعب ، يقول ] : صياغة ميثاق ، و مناقشة ميثاق ، و إشراك الشعب في النقاش لتستنير الطريق ، و ينكشف الزيف ، و يعرف الحق ، و تختار الأمة 15[- خامسا : عندما نتفق على هذا المثاق الجماعي يجب الوعي بمراحل التغيير و لكل مرحل مقتضياتها ، أولا مرحلة الإستبداد مقتضاها مناهضة و اسقاط الإستبداد و معرفة كل المشوشات ، ثانيا مرحلة اسقاط الإستبداد مقتضاها التوافق و العمل الجاد ، ثالثا مرحلة الإستقرار مقتضاها التنافس بين المكونات الحاملة للمشاريع التغييرية الديمقراطية .و يمكن أن نتطرق إلى خلاصات تأسيسية حول أفكار أحد المفكرين المعاصرين الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، ] قد نعتبرها منطلقا لحوار صريح وجدي لبناء مجتمع متماسك يعرف ما له و ما عليه : - لابد من حوار على أساس الإسلام الجامع. - لابد من تحرير الديمقراطية من لائكيتها لكي تكون صالحة في تربتنا. - لابد من تصحيح العلاقة بين الدولة/الحاكم والمجتمع من علاقة عقد إكراهي "البيعة"، إلى عقد اختياري "المبايعة"، ومن علاقة ظلم وجور على المجتمع إلى علاقة رد المظالم إليه والعدل فيه. - لابد من وجود علماء صادقين ناصحين للحاكم متحملين عبء الدعوة وإصلاح المجتمع. - لابد من فاعلية المجتمع عبر إشاعة قيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بداخله بضوابطها المقررة شرعا 16[.و هذه المنطلقات التي تؤسس للحوار من أجل البناء لها أهمية كبيرة ، يرى الباحث رشيد الوهابي أن الحوار المجتمعي على أرضية المشترك يكتسي أهمية بالغة، تتجلى في كونه مسلك كل عاقل، ومفزع كل فاضل، ومنهج كل فرد يسيد قيم التواصل، وكل مؤسسة ترنو إلى النجاح والتألق . كونه كذلك واجبا شرعيا، وضرورة سياسية، وعنوان نضج الفاعل السياسي والاجتماعي والمدني . و الحوار حسب نفس الباحث انتقالا من التصامم إلى التسامع، ومن التصادم إلى التصادق و وسيلة التقرب والتقارب، وآلية التفهم والتفاهم ، كما أنه أداة بناء المجتمع، وسبيل تطويره والنهوض به. يعد الحوار المجتمعي إنجازا تاريخيا كبيرا، خاصة إذا انخرط فيه الجميع، وشمل كل القضايا المجتمعية مرتبة وفق سلم الأولويات، فمن شأن إنجازه تأسيسا ومأسسة، وترسيخا وتعميما، تحقيق أهداف كبرى ذات أثر إيجابي على الفرد والمجتمع والدولة: – إزالة الجفوة بين الفرقاء، وردم الفجوة بينهم. – النقد المشترك للماضي، وتشخيص الحاضر، والإعداد المشترك للمستقبل. – إحباط سياسة التفرقة التي يتقوى بها الاستبداد، إضعافا للفاعلين السياسيين والاجتماعيين والمدنيين. – تجنيب البلد معضلة المواجهة الداخلية، وحقن دماء أبنائه، فمن نقاط القوة نبذ العنف وتبني نهج السلمية في التغيير .أخيرا، إذا كانت لمسألة الوعي – كما سبق – أهمية بالغة ومحورية في إرساء أسس حوار مجتمعي مسؤول يؤمن بالاختلاف والتنوع ويؤسس لبناء ومستقبل مشترك وجامع يحقق الحرية والكرامة والمواطنة الحقيقية للجميع، فإن الاستمرار في هدر الزمن السياسي و المجتمعي من شأنه أن يفوت فرصا تاريخية حاسمة للفعل والمبادرة قد يتطلب تداركها في المستقبل مجهودات مضاعفة وتكاليف باهظة ستمتد آثارها لعقود وأجيال . ==============================================    [1] طه عبد الرحمن ، حوارات من أجل المستقبل، منشورات الزمن، عدد 13، أبريل 2000، ص 8 :    [2] نفس المرجع    [3] من مقدمة كتاب : إدغار موران ، إلي أين يسير العالم ؟، ترجمة أحمد العلمي . ص 7:    [4] مولاي أحمد حبرشيد ، مقال : " الحوار المجتمعي وبناء الوعي " .    [5] ﻣﺤﻤﺪ ﺳﺒﻴﻼ : ﻟﻠﺴﻴﺎﺳﺔ بالسياسة ، ص 101 :    [6] شلق الفضل . في مهب الثورة ، ص 58 :    [7] طه عبد الرحمن ، حوارات من أجل المستقبل، منشورات الزمن، عدد 13، أبريل 2000، ص 6-7:    [8] حسن محمد وجيه، م. س. ص 16:    [9] محمد الأشهب، الفلسفة والسياسة عند هابرماس، دفاتر سياسية مطبعة النجاح المغرب 2006 ص :   196- 195    [10] إدريس مقبول ، ما وراء السياسة : الموقف الأخلاقي في فكر عبد السلام ياسين ،ص :  347   [11] عبد السلام ياسين ، العدل : الإسلاميون و الحكم ، ص :  641   [12] عبد السلام ياسين ، الإسلام و الحداثة ، ص  306 :   [13] عبد السلام ياسين، العدل الإسلاميون والحكم ، ص 576 :   [14] إدريس مقبول ، ما وراء السياسة : الموقف الأخلاقي في فكر عبد السلام ياسين ، ص :  346   [15] عبد السلام ياسين ، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ، ص :  6   [16] نفس المرجع طالب سوسيولوجيا   :يوسف القرشي                                                                                                                       

  • ...
    العامل محمد الكروج في سباق ضد الفساد.. فهل يحرك ملفات سلفه الجامعي؟

    قد ننظر بعين الاستحسان و التأييد لما أقدم عليه عامل إقليم الجديدة محمد أمين الكروج كخطوة أولى في درب محاربة الفساد و المفسدين من خلال فتح تحقيق في ملفات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أهدرت ملايير الدراهم دون أن تعود بالنفع على المواطن الجديدي رغم أن هذه المبادرة التي اطلقها الملك محمد السادس تعد مشروعا مجتمعيا بالدرجة الاولى، غير أن البعض مافتئ أن تلاعب فيها فتحولت إلى مصدر لاغتناء العديد من الأشخاص الذين "يعرفون من أين تأكل الكتف".ان تفتح تحقيقا أيها العامل في ملفات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية فحتما ستصل إلى أوجه صرف اعتماداتها، لكن حينذاك يجب أن تتحلى بالشجاعة و الصرامة و تضع ملفات المتلاعبين على طاولة القضاء دونما رحمة او شفقة، و ليكن معلوما لديك سلفا بأن تحقيقاتك إن لم تجانب الصواب فحتما ستصل بك إلى لصوص المال العام.و بما أن درب الإصلاح شاق و متعب و مليء بمتاريس و عراقيل سيضعها أمامك أبطال جيوب مقاومة التغيير و الذين في نفوسهم مرض بل و الذين سيقعون في شر أعمالهم من المتلاعبين بالصفقات و لصوص المال العام، فيجب أن تسلط أضواء مصابيحك على عتمة الفساد الذي ضرب أطنابه في عهد العامل السابق، معاذ الجامعي، فالتحقيق يجب أن ينصب على تفويت السوق الأسبوعي لمدينة أزمور لإحدى شركات عائلته المملوكة لـ "أ.الجامعي" بثمن بخس فتحولت مساحته الشاسعة بقدرة قادر إلى مشروع سكني، و النبش في الممتلكات الجماعية لبعض الجماعات التي تم تفويتها كذلك بطرق مشبوهة، و أوجه صرف اعتمادات مهرجان "جوهرة" التي استفاد منها أهل و أقارب معاذ الجامعي بدون موجب حق رغم أنها من أموال الشعب، بالإضافة إلى التحقيق في مدى قانونية الصفقات التي آلت لشركات بعينها من أجل إعادة هيكلة شوارع و إنارة بعض الجماعات التي كان رؤساؤها ينفذون خطط العامل السابق و كأنها تعليمات صارمة، و يقتضي الإصلاح كذلك إعادة البحث و التحقيق في ملف مطعم "القرش الأزرق" و الضجة التي أثارها بعد اتهام صريح من أحد أعضاء جماعة مولاي عبد الله لزملائها بتسلم رشاوى مقابل التصويت من أجل تفويته استجابة لطلب العامل السابق الذي افتضح أمره بعد بروز صور له رفقة المستفيد من عملية التفويت، و هو ما جعله يتراجع تحت ضغط الإعلام النزيه الذي لم يجف مداده من اجل وقف هذه المهزلة.كما يجب فتح تحقيق في الرخص الاستثنائية التي استفاد منها بعض المنعشين العقاريين و هو ما يعكسه عمارات من سفلي و 5 أو 6 طوابق بحي المطار رغم أن تصميم التهيئة يحدد عدد الطوابق في سفلي و 4 بالنسبة للجديدة  و هي المهزلة التي تم وقفها بصرامة من طرف الوالي السابق خالد سفير. كما يجب أيضا تحريك مساطر الإعفاء و العزل في حق بعض الرؤساء و المستشارين الجماعيين الصادرة في حقهم أحكام قضائية تحول بينهم و بين ممارسة العمل الجماعي و الذي ظل العامل السابق يتلكأ في تنفيذها لحاجة لا يعلمها سوى الذين يدورون في فلكه...إنه لطالما تحملنا مسؤوليتنا في كتابة مقالات على هذا المنبر تكشف فساد معاذ الجامعي منذ السنة الماضية أي منذ أن كان بين ظهرانينا على رأس العمالة، و سنواصل كشف هذا الفساد الذي تورط فيه بعض رؤساء الجماعات ضدا على مصلحة السكان الذين منحوهم أصواتهم الانتخابية فتابعونا في القادم من المقالات... عبدالفتاح زغادي

  • ...
    ميزانية كلية الآداب بالجديدة بين الورق و ''بزيزلة'' الواقع

    تم تخصيص مبلغ 250,000 درهم للأكل و المبيت في خانة مختلفات لميزانية سنة 2017، كما تم تخصيص نفس المبلغ 250,000 درهم لتنظيم الندوات و اللقاءات الأكاديمية. عند هذه النقطة بالذات، قد توضع علامة استفهام كبيرة حول كيفية صرف ميزانية كلية الآداب بالجديدة. على أي أساس تم تحديد هذه المبالغ؟ هل هناك تقارير من الشعب والمختبرات تحدد هذه التكاليف؟ هل فعلا يتم صرف هذه المبالغ كلها في  الندوات و اللقاءات الأكاديمية؟ كيف تسطر هذه المبالغ على الورق وواقع البحث العلمي ينطق بلسان حال تمويل هزيل، إذ يطوف أغلب منظمي الندوات الإدارات و المؤسسات في المدينة لضمان تغطية فاتورة غذاء أو عشاء للزوار؟ أين تذهب هذه المبالغ في نهاية المطاف؟ لماذا لا تقوم  إدارة الكلية بنشر بيان حقيقة تؤكد فيه كيف تم صرف تكاليف سنة 2016 بتفاصيلها للمقارنة؟ لماذا؟ تم تخصيص 250,000 درهم كلها للأكل و المبيت في مختلفات، مع العلم أن مختلفات لا تشمل البحث العلمي فقط، بل الإدارة وزيارات إدارية...من يأتي للكلية على حساب مختلفات؟ و كم عدد سفريات الإداريين لمدن أو دول أخرى على حساب مختلفات؟ هل يحتسب أكل العميد يوميا ضمن مختلفات ؟ هل يقوم العميد بالاستفادة من الوجبة اليومية المخصصة له، أم يتقاضاها نقدا، و كم ثمنها؟ هل فعلا تصل إلى 300 درهم يوميا؟ لماذا وُضع مبلغ 250,000 في خانة مختلفات، و ليس على هامش الندوات فقط...من المفارقات العجيبة هو أن كلية الآداب في السنوات الماضية، لم تقم إلا نادرا بتوفير وجبة واحدة لندوة أو نشاط علمي ما، و يتباكى في وجهك العميد أو نائبه بالمقولة نفسها: " والله ما كين الفلوس!" إذن السؤال المطروح: أين تذهب كل هذه المبالغ؟ و لماذا الحرص على التعامل مع  ممول حفلات وحيد في حال موافقة العميد على تقديم وجبة واحدة لضيوف الكلية، خصوصا في السنوات الماضية، بالرغم من أن هذا الممول ليس من تخصصه تقديم خدمات غذائية لفائدة الندوات، بل هو متخصص في  دربكة الأعراس؟         هكذا، يفرض هذا الممول المتعاقد مع الكلية لأسباب نجهلها على ضيوف الندوات أطباقا ثقيلة دسمة، عسيرة الهضم، من دجاج محمّر وبسطيلة، تكلف الميزانية الملايين، مما قد  يتسبب في غياب ضيوف الندوات عن متابعة مداخلات الظهيرة، أو النوم في القاعة في حالة الحضور.ما لاتعلمه إدارة الكلية، هو أن هذه الندوات ليست فقط نشاطات أكاديمية، الغرض منها تبادل الخبرات وتجديد المعارف لدى الأساتذة والطلبة، بل  هي كذلك نشاطات اقتصادية تساهم في إنعاش السياحة، لهذا تجد أن الندوات في الولايات المتحدة تقام في فنادق و تنتفتح على مطاعم مختلفة، حتى تنشّط القطاع. لا يعقل أن المدينة تعج بالمطاعم الجميلة، و مأكولات السمك و السلطات الممتازة، و إدارة الكلية متمسكة بجواد ممول الحفلات في دربكة الضيوف، عوض تنشيط مطاعم الجديدة وفنادقها...إذن، ما السر بالتمسك بجواد؟ واش جواد عندو الدهنة عندوا لومبر سولاي في دارو؟!ذ، محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي.

  • ...
    من يتحمل مسؤولية انتكاسة البحث العلمي بكلية الآداب والعلوم الانسانية بالجديدة؟

    تهتم الجامعات ومراكز البحوث العالمية بنشر نتائج أبحاثهم العلمية في أوعية النشر المرموقة والمُحكمة والتي تتبنّى المعايير العلمية الرصينة من دوريات علمية متخصصة أو كتب أعمال المؤتمرات، وهو ما دأبت عليه جامعة شهيب الدكالي بكل مؤسساتها، باستثناء كلية الآداب والعلوم الانسانية.قبل حوالي 12 سنة من الآن، كانت كلية الآداب والعلوم الانسانية بالجديدة، حاضرة بشكل مشرّف في مجال البحث العلمي بفضل مجهودات الأساتذة الباحثين والطلبة وكذلك بفضل دعم العمادة وتشجيعها للبحث العلمي، وقد استطاع مجموعة من السيدات والسادة الأساتذة الباحثين بهذه الكلية أن يرفعوا عاليا راية جامعة شعيب الدكالي سواء على مستوى نشر الأبحاث العلمية أو المشاركة في العديد من الندوات والمؤتمرات الوطنية. ولكن للأسف الشديد،  بدأ البحث العلمي بهذه الكلية يعرف  تراجعا ملحوظا ابتداء من  سنة 2006، وصل إلى ما يشبه الموت السريري خلال السنوات الأخيرة.وإذا كان البحث العلمي يقاس، حسب ما هو متعارف عليه دوليا، بعدد المنشورات العلمية في المجلات المرموقة والمُحكمة، وعدد المؤتمرات الدولية وما إلى ذلك، فإن ما يؤكد انتكاسة البحث العلمي بكلية الآداب والعلوم الانسانية بالجديدة، هو عدد المنشورات العلمية للكلية في المجلات المرموقة والمُحكمة والمجلات المتخصصة خلال العقد الأخير، حيث لم يتجاوز عدد المنشورات صفر منشور في السنة، وفي أحسن تقدير لا يتعدى منشور واحد أو اثنين،  في الوقت الذي وصل فيه هذا العدد بالنسبة لكلية العلوم على سبيل المثال لا الحصر، إلى 279 منشورا علميا خلال سنة 2016 و 201 منشورا علميا في سنة 2015.وهنا يحقّ لنا أن نتساءل: ما معنى أن تتوفر الكلية على نائب عميد مكلف بالبحث العلمي ومصالح تابعة له، ويتم سنويا تخصيص ميزانية لدعم البحث العلمي في مؤسسة لا تنتج إلاّ صفر منشور علمي في المجلات المرموقة والمُحكمة ؟ ما هو يا ترى السبب في انتكاسة البحث العلمي بهذه المؤسسة؟حسب مجموعة من الأساتذة الباحثين بنفس المؤسسة، فإن السبب الرئيسي في انتكاسة البحث العلمي بكلية الآداب والعلوم الانسانية بالجديدة بهذا الشكل الرهيب، لا يعود إلى نقص في الميزانية المخصصة لدعم البحث العلمي، أو إلى عدم رغبة الأساتذة الباحثين في تطوير أبحاثهم وأعمالهم العلمية، بل يعود بالأساس إلى الطريقة التي باتت تعتمدها وتنهجها عمادة الكلية منذ سنة 2006، حيث أصبحت تتعامل مع الأساتذة الباحثين بكثير من العجرفة والسلطوية، وباتت تقدم خدماتها حسب الولاء والطاعة،  ونهجت سياسة وضع العراقيل  ومحاصرة كل أستاذ يرفض الانصياع لتعليمات وإملاءات  اللوبي الذي يتحكم في مفاصل الكلية، ما أدى إلى زرع التفرقة بين الأساتذة الباحثين وخلق الفتنة بين المختبرات وفرق البحث، ودفع بالعديد من الكفاءات العلمية إلى العزوف عن الذهاب إلى الكلية إلى حين تعيين مسؤول جديد جدير بالمسؤولية،  يحترم نفسه ويحترم زملائه ويقدرهم، وتتوفر فيه مواصفات ومقومات الأستاذ الباحث والأكاديمي قبل المسؤول الإداري.ها نحن مرة أخرى، نثير عمق المشكل الذي تعيشه كلية الآداب والعلوم الانسانية بكل موضوعية، ونوجه رسالتنا لمن يهمه الأمر، قصد اتخاد الإجراءات المناسبة لوضع حد لغطرسة هذا اللوبي الذي يعرقل إقلاع وتطور هذه المؤسسة في كل المجالات وعلى رأسها البحث العلمي،  ونتمنى أن يتحلى هذا اللوبي بالجرأة والشجاعة وأن يصدر بيان حقيقة يكذب فيه ما جاء في هذا المقال ويكون موقعا بالاسم، عوض أن ينهج أسلوب الجبناء، الذي نهجه مؤخرا عندما أصدر "منشورا" من خمس صفحات يتضمن عبارات السب والقذف، ردّا على مقال ينتقد ويفضح سوء التسيير بالكلية،  دون أن تكون لهم الشجاعة لتوقيعه بأسمائهم، حيث اختاروا توقيعه باسم "جامعيون" .  ذ. غريب عبد الحق - كلية العلوم بالجديدة

  • ...
    الحراك و الحَرْكة.. معيقات الحلحلة

    تتسارع أحداث الريف و تتجه نحو التعقيد، و تتعدد التساؤلات حول مآل الحراك و إمكانية الحوار والحل. غير أن مؤشرات الواقع لا تبشر بحل سريع للأزمة و يبقى التساؤل حول أسباب غياب حوار و مفاوضات بين السلطة المركزية و زعماء الحراك سؤالا مشروعا يستحق التأمل و البحث لأننا نشترك جميعا كمغاربة في المصير و المستقبل. أود أن أطرح نفس السؤال بهدوء و بمسافة نقدية تبتعد عن الانخراط الإيديولوجي المباشر مع أو ضد أي طرف رغم أن موقف الباحث في تحليله النقدي للخطاب هو دائما بجانب العدل و الحق و الممارسة الديمقراطية السليمة. لكن الخروج من الأزمة يحتاج إلى البحث عن مدخل مناسب للتحليل يستحضر خصوصية النظام في المغرب أولا، و ثانيا آليات الحوار في السياق المغربي، و ثالثا علاقة السلطة المركزية مع المجال العام كمجال للمقاومة و الاحتجاج و كذلك للمداولة الديمقراطية، و رابعا المعيقات باختلاف تلاوينها التي تحول دون فهم متبادل بين السلطة و المحتجين.     إن النظام المخزني الذي نعيش في ظله اليوم هو بنية لها محددات تاريخية و لها سلطة قاهرة تتحكم حتى في أقوى الفاعلين الذين يشتغلون بداخلها. من وجهة نظر ثقافية فعامة الناس هم مشتركون في هذه البنية سواء بتأييدها و دعمها أو مقاومتها،  و ما أكثر من ينتقدونها و لكنهم في نفس الوقت يعيدون إنتاجها في مستويات مختلفة. تاريخيا فإن بينية النظام مؤسسة، حسب تعبير عبد الله الحمودي، على ثلاثة مبادئ هي البيعة و اللدنية و التحكيم، أي الإجماع، النسب الشريف و تموقع الملك خارج الصراع كحَكَم بين الأطراف السياسية المتصارعة، زوايا، قبائل أو أحزاب أو أي تكتلات أخرى. كما أن النخبة الحاكمة محكومة بتوسيع قاعدتها و ضمان ولاءات القوى الاجتماعية و السياسية البارزة، و لكن الدخول ضمن هذه النخبة، أي فئة الخاصة، يتم عبر ثلاثة إجراءات و هي التقرب، الخدمة و الهبة. فالتقرب و خدمة دار الملك يمنح المتقرب والخادم الامتيازات و يعفيه من المعاقبة في حالة الخطأ أو الفشل، و هذا الأمر رغم طابعه التاريخي مازال واقعا ليومنا هذا [خدام الدولة و الوزراء الفاشلين].  كما أن التقرب و الخدمة لا يمكنهما أن ينتعشا إلا بالكرم أي الهبة. فالأمير، حسب تعبير الحمودي، يقبل الهبة لكنه ليس مجبرا على رد الدين أو الهبة، بل يهدي حضوره [كحاكم و حكم] مقابل خيرات هذا العالم. السلطة المخزنية مبنية على التبعية وعدم المساواة، و قوتها لازمة في أعين الجميع من أجل بناء الأمة. و هي لا تنتصب إلا باللدنية و القوة الذين يشكل اقترانهما قهرا منظما أو رعبا يتم من خلاله التصرف في الناس و الأشياء. تلجأ السلطة إلى العنف و لكن كذلك لتوازن القوى لتثبيط همة منافسيها، لكن ما أن يصبح التنافس على السلطة مفتوحا في شكل عصيان مدني أو رفض لأداء الضرائب أو مساءلة شرعية الحكم، فإن الضغط العسكري أو الاستعمال المباشر للعنف و آليات الإذلال كحز الرؤوس، و الإعدام في الساحة العامة و التطواف والسجن في قفص من حديد و غيرها من الممارسات تصبح ضرورية للنظام لاسترجاع هيبته و هيمنته على الوضع العام. لقد اختفت الكثير من هذه الممارسات التي شهدها تاريخ المغرب لكن المبدأ وراءها مازال قائما : الأمير لا ينافس. إدا كان الأمير لا ينافس فذلك من طبيعة النظام الذي يضع الحاكم في مرتبة الحكم و يفترض فيه العدل و ضمان الاستقرار و الوحدة و ضمان السيادة. هذا واقع مازلنا نعيش فيه رغم أن الظروف العالمية و حتى الداخلية تدفع في اتجاه احترام حق المعارضين السياسيين و الدفع في اتجاه حكم ديمقراطي، و حتى محاولات الملك في بدايات حكمه كانت تصب في هذا الاتجاه. لكن البنية تعيد إنتاج نفسها و إن تغيرت الأشكال فجوهر الممارسات و البنية التي تدعمها مازال يحتفظ بقوته الخفية و سلطته على من يشتغلون بداخلها. قد يدخلنا هذا النقاش في جدلية البنية و الفعل، و لتجاوزها نُسلم بوجود تقدم و تراجعات ونقر بأن التغيير السياسي يحتاج لوقت أطول حتى يتم و ينضح التغيير على المستوى الاجتماعي و الثقافي، رغم إيماننا بأن السياسية يمكن أن تلعب دورا مهما في تسريع التغيير. إذا كان هذا واقعا، و الذي يجب حتما تغييره، و لكن حتى يحصل ذلك، يجب التعامل معه ببراغماتية و تبصر. و سأحاول أن أقارب ما حدث في الريف من وجهة نظر تداولية لسانية و ثقافية، قبل التفكير في السياسي. هناك مخاطَب و هو الملك، أي الأمير الذي تفترض بنية الحكم أنه لا يُنافس لأنه يتوفر على شرعية اجتماعية و ثقافية و سياسية و تاريخية أيضا، و مخاطِب الذي هو فرد من عامة الشعب. من الوهلة الأولى هناك مسافة اجتماعية كبيرة و علاقة سلطة غر متكافئة و هناك درجة عالية من الحساسية خاصة بموضوع التخاطب من الناحية الثقافية، حتى لا نتكلم عن الناحية السياسية. إذا ما استعملنا المفاهيم الخاصة بنظرية التأدب في اللسانيات التداولية [براون/لفسن]، و حتى لا ندخل في التفاصيل، فإنه في أي تخاطب يمكن أن يكون فعل الكلام مهدِدا لوجه المتكلم أو المخاطَب، و يسمى هذا المفهوم "فعل تهديد الوجه"Face Threatening Act (FTA) . ما صرح به الرفزافي و الخطب التي ألقاها في حراك الريف كانت مهددة، بالمعنى الخاص بهده النظرية، للوجه الإيجابي للملك من حيث أنها تضمنت أفعالا كلامية تضع نرجسية المخاطَب في خطر كالنقد و التهديد و اللوم و استعملت أسلوب الاستلزام الذي يحمل معاني غير مصرح بها لكنها حاضرة في مستوى ثان من الخطاب، نذكر من بينها عبارة "عاش الشعب" التي تنفي عبارة أخرى موجودة و منتشرة في الخطاب الرسمي و الشعبي و هي عبارة "عاش الملك". رغم أن مُحرِك الحراك المصرح به هو المطالب الاجتماعية ،فإن ما قيل يحمل معه مطالب سياسية لا يمكن إلا أن تضع الوجه الإيجابي للحاكم في خطر و خصوصا في سياق ثقافي مغربي لا يعرف شكلا للسلطة إلا في القوة و القهر المنظم و لا يعترف بالحكم إلا لمن يمتلك تلك القوة و يهيمن على المجال العام المادي و السياسي[جيمس ساتر]. من هنا ندرك صعوبة التجاوب مع مطالب الريف بطريقة غير أمنية لأن التحدي كان أكبر من المتوقع سياسيا و ثقافيا و لأن نرجسية الحكم ما زالت تحاول استعادة هدوءها. إدا كانت القضية بالأساس تتمثل في البنية السلطوية المتحكمة بتاريخها و حاضرها و صعوبة تغييرها ، وفي  طرق المخاطبة غير الملائمة من الناحية الثقافية، فأن هذا لا يعني أنه من الناحية السياسية يمكن الدفع باتجاه تغيير الوضع السائد. لكن هذا واقعنا و نصفه على أمل تغييره. التغيير يبدأ من تجاوز بعض المعيقات/العوائق الإبستيمولوجية [باشلار] التي تحول دون السير قدما نحو تغيير حقيقي يكون ثقافيا في جوهره و سياسيا في إنجازاته. أولى هده المعيقات/العوائق هو مفهوم الحكم بالدونية و الذي يتحكم في سلوك النظام السياسي في المغرب، حيث يحرص النظام على الإخضاع لضمان الهيمنة، و هذا النوع من التعامل مع المواطن و النخب السياسية لا يمكن بكل بساطة في التعبير أن يساعد على بناء ديمقراطية. ثاني هذه المعيقات هو تجاهل رأي الآخر والرأي العام عموما، بحث أن النظام رغم انصاته الدقيق لما يجري في الساحة السياسية فإنه يتشبث بعدم تلبية المطالب إذا ما كان مصدرها معارضة راديكالية أو إذا ما تم إيصالها بطريقة غير لائقة من وجهة نظره. أعتقد أن النظام يحاول أن يوهم المواطن و المتتبع عموما بأن الوسيلة الوحيدة لأي تغيير هي المؤسسات التي يتحكم فيها، في حين أن سماحه بتوسيع المجال العام ليشمل حتى مواقع التواصل الاجتماعي قد يزيد من شعبيته و مصداقيته. احتواء المطالب و المعارضة لا يلغيها بل فقط يؤجلها. العائق الثالث هو الاعتقاد في خطورة التغيير، من حيث أن التيارات السياسية و الاجتماعية الفاعلة تعتقد أن التغيير لا يجلب إلا الشر في حين لو أن النظام و التيارات السياسية سارعت إلى إحداث تغييرات حقيقية لكانت أفيد للنظام نفسه و للحياة السياسية.  العائق الأخير هو هيمنة التمثل الإيديولوجي للواقع تحث تأثير الصراع [الحقد] الطبقي. هذا التأثير يعيد إنتاج نفس النموذج الذي نسعى إلى تغييره. فاذا كان النظام يشيطن المعارض الراديكالي، فإن ذلك لا يفيده على المدى البعيد رغم السلطة لتي يتوفر عليها. الأجدر بالمعارضة و المقاومة السياسية أن لا تراهن على شيطنة النظام و الحشد ضده بطريقة عاطفية و غير واقعية، بل النقد يتم عبر طرح البديل و عدم الانجرار نحو بث روح عبثية و عدمية غير ضرورية للتغيير و للاستقرار على المدى البعيد. زبدة القول، نحن شركاء في النظام و نعيد إنتاجه، لذلك فليس النظام وحده مطالب بالتغيير بل كل شرائح المجتمع. التغيير هو تحقيق نموذج أحسن يحافظ على المكتسبات و يحقق التوقعات.  أستاذ باحث بجامعة أبي شعيب الدكالي  

  • ...
    شكرا معاذ الجامعي.. مرحبا محمد الكروج

    لكل بداية هنالك دائما نهاية، ليضل في الأخير الأثر الذي يتركه المرء مهما علا أو دنى حجم المسؤولية التي يشرف الإنسان على تدبيرها و حسن سيرها، فبعد حلول موعد الرحيل يضل الأثر هو المتداول داخل الأوساط من مكارم للأخلاق و إنجازات مع تسجيل الهفوات و التحديات، لا يختلف جل المتتبعين للشأن العام على مستوى إقليم الجديدة من رجال الإدارة الترابية أو المنتخبين (رؤساء الجماعات)، و رجال المال و الأعمال و غيرهم من فعاليات المجتمع المدني و المنابر الإعلامية على أن معاذ الجامعي العامل السابق لإقليم الجديدة و الوالي الحالي لجهة الشرق عامل عمالة وجدة انجاد قد شكل الاستثناء في أول تجربة له داخل هرم السلطة الترابية لأم الوزارات (وزارة الداخلية).شكرا معاذ الجامعي، ليس تملقا و هو المغادر لأسوار عمالة الجديدة من الباب الكبير، و لكن هي حقيقة و واقع تابعته عن بعد و عن قرب، معاذ الجامعي شخصية كاريزمية بإمتياز حافظ على هبة رجل السلطة بالحزم و الصرامة، و ضل في نفس الوقت لا يخشى عدسات الكاميرات و تساؤلات الإعلاميين و إن خرج بعض المنتسبين للإعلام ضلما عن الموضوع، لكن الجامعي ظل مواجها حاضرا بشكل دائم في الميدان عوض المكوث بالمكتب أو الأبراج العالية، معاذ عاشق فن الملحون و الطرب الأندلسي سينتقل إلى فن الراي الوجدي، لكن الطرب الغرناطي الجزائري سيقترب منه كثيرا و أغنية "لالة غيثة مولاتي" ضلت أحد معشوقات الجامعي.موازاة مع ذلك، لا ينكر ناكر حجم المشاريع التنموية التي خرجت للوجود في عهد العامل السابق طيلة سبع سنوات، أبرزها خروج حيز الوجود المستشفى الإقليمي محمد الخامس، و مشروع القطب الحضري مازاغان الجديد، الذي كانت البداية من خلال إحداث نواة جامعية لجامعة شعيب الدكالي متمثلة في المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية و الكلية المتعددة التخصصات و عن قريب بداية الأشغال الخاصة ببناء المدرسة الوطنية للتجارة و التسيير، الجامعي و إن تم الاحتكار على دعم أربع جمعيات رئيسية لتنزيل أهداف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية متمثلة في الجمعية الإقليمية للشؤون الثقافية و الجمعية الإقليمية للشؤون الإجتماعية و الجمعية الإقليمية لتنمية الشؤون الرياضية ناهيك عن جمعية دكالة، إلا أن إنجازات هذه الجمعيات الأربع تغفر له إحتكار الدعم و حجمه، فالنتائج تتكلم بأرض الميهدان إجتماعيا إحداث فضاء المرأة و فضاء خاص  لذوي الاحتياجات الخاصة و مركز شمسي للأطفال في وضعية صعبة أضف إلى ذلك مركز الترويض الطبي، ثقافيا آخرها إحداث دار الملحون بأزمور و المهرجانات الفنية التي أضحت مواعيد ثابتة سيجني إقليم الجديدة ثمارها في القادم من سنوات، فمدينة كان الفرنسية ارتبط إسمها اليوم بالمهرجان الدولي للسينما بعد دورات من الجدية و العمل الدؤوب، رياضيا شكل دعم الفريق الأول لدكالة الدفاع الحسني الجديدي إحدى الإنجازات الهامة فبعد شبح النزول للقسم الثاني حضي الفريق بالمركز الثاني بالبطولة الوطنية، و ميزانية الفريق تفوق الأربع مليارات سنتيم أهم مصادرها دعم المكتب الشريف للفوسفاط و المجالس المنتخبة.يطول الحديث عن الإنجازات و غيرها، لكن يظل التحدي البارز الذي أعلن عنه للملأ معاذ الجامعي هو الملف الحارق " تشغيل الشباب"، موضوع يؤرق بال الجميع و لا أحد يحرك ساكنا للإسهام في معالجته قبل تفاقم الوضع، تصريح العامل السابق بإحداث 67 الف منصب شغل على مدى خمس سنوات، شكل جرأة و مطالب التزيل بيد العامل الجديد تحت إشراف الكاتب العام للعمالة المشرف على تدبير الملف، و يضل الهاجس الكبير و المقترح للإسهام في تخفيض نسبة البطالة في صفوف الشباب، هو دعم التشغيل الذاتي من خلال تشجيع و دعم إحداث المقاولات الصغرى و تمكينها من الحق في التنافس الشريف للطلبات العروض للجماعات الترابية و الإدارات العمومية و الشركات الخاصة الكبرى بالحرف الأصفر. مرحبا محمد أمين الكروج... المشهود في التاريخ على أن قبائل دكالة هم أهل الكرم و الجود، فواجب التحية و الترحاب لنائل الثقة المولوية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، لا شك سيبدع في الترحاب أعيان و وجهاء الإقليم أمثال الحاج مهذب و ولد زروال، الزاهدي، الزهراوي و الطرمونية وغيرهم من الشخصيات الكبار، فسيدي العامل الجديد لا شك أنك ذو مستوى أكاديمي محترم و قد تدرجت بالإدارة العمومية بشكل كبير، سيجعل منك قبل ولوج عمالة الجديدة وضع un tableau de bord ينطلق من تشخيص لمؤهلات التي يزخر بها إقليم الجديدة، فشمالا نتوفر على أكبر منتجع سياحي و جنوبا أكبر مركب كيمياوي و شرقا ثروة فلاحية و غربا ثروة بحرية، و وسطا ثروة بشرية قوتها الشباب المحرك الخلاق و المبدع، فالمأمول أن تضعها في صلب اهتماماتك و انشغالاتك ذات الأولية.سيدي العامل الجديد، أخشى عليك لعنة الإنتماء السياسي و إن كان حقا دستوريا يكفله القانون، و هو فرض عين قصد العمل على تنمية الوعي و تأطير  المواطنين من خلال التداول على السلطة و المساهمة نهضة الوطن، فحبال الثقة و الاحترام و التعامل على مسافة واحدة مع جل الفرقاء السياسيين أهم تحدي يلزمك التأكيد عليه من أول يوم بعمالة إقليم الجديدة. و إعلم سيدي العامل الجديد أن عتبة دكالة هي شريفة و مباركة، فجل العمال و رجال السلطة الذين مروا من هنا حضوا بثقة الملكية السامية و تمت ترقيتهم في هرم الإدارة الترابية. شكرا معاذ الجامعي سنذكرك بالخير أما السوء تركناه لأصحاب النظارات السوداء، و مرحبا بمحمد الكروج لتنطلق صفحات قصة أخرى نستقبلها بالأمل رغم الألم و نترك للزمن أن يجيب بالخير، فهاهي أقلامنا ستظل شاهدة.

  • ...
    المديرية الاقليمية للتعليم والإمتحان الجهوي للسنة أولى باكالوريا

    مع اقتراب موعد اعلان نتائج الإمتحان الجهوي للسنة الأولى باكالوريا من طرف وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي ، يتساءل مجموعة من المتتبعين للشأن التعليمي بإقليم الجديدة ومعهم آباء وأولياء المترشحين والمترشحات عن مآل الإجراءات والتدابير التي باشرتها الوزارة بعد الخطأ الفادح في اليوم الأول من الإمتحان الجهوي، حيث تم فتح أظرفة مادة اللغة العربية عوض أظرفة مادة التربية الاسلامية بأحد مراكز الإمتحان باقليم الجديدة، الشيء الذي خلق نوعا من الإرتباك في صفوف المترشحين والمترشحات في باقي المراكز الأخرى وفتح الباب لكثير من التأويلات خصوصا بعد أن تم تأخير اجراء امتحان مادة اللغة العربية الذي كان مقررا في الحصة الزوالية بحوالي 45 دقيقة.وأوضحت مصادر في حينها أن المسؤول الأول عما وقع كان رئيس مركز الإمتحان حيث وقع الحادث، بينما أشار مصدر مطلع من داخل المديرية الإقليمية إلى أن المسؤول الحقيقي هو المديرية الإقليمية نفسها، التي لم تحترم مقتضيات المقرر الوزاري في شأن دفتر مساطر امتحانات نيل شهادة الدروس الإبتدائية الصادر هذه السنة وخاصة المادة 17 و 23 منه ، والذي ضربت به المديرية الإقليمية عرض الحائط، في الوقت الذي اتخذت فيه الوزارة الوصية حزمة من الإجراءات العملية حتى تمر الإمتحانات في أحسن الظروف .فهل يا ترى ستعمل الوزارة الوصية على محاسبة ومعاقبة الذين كانوا سببا فيما حصل ؟    أبو يونس (رجل تعليم متذمر)

  • ...
    بلدية مدينة الجديدة آلو آلو

     إن ما حدث في حي السلام (الذهيبية) من فوضى البناء خلال الأسابيع الماضية، لما أقبلت شركة بناء تدعى يودو بيلدينغ على احتلال الشارع العام بأكمله، بالإضافة إلى احتلال أرصفة المنازل و تحطيم السيراميك الذي يزخرف بعضها، كما أنها لم تحترم بنود قانون البناء، و لم تعمل على تسييج الورشة التي يبلغ عمقها أكثر من خمسة أمتار، ناهيك عن رمي الأتربة في المساحات الفارغة للتجزئة، و نفايات الجبس بالبقع الخالية، و تحويل فضاء الشارع إلى مستودع لمواد البناء و إتلاف الإسفلت الذي أنفقت عليه الدولة من جيوب المواطنين من خلال تحويله إلى أحواض إسمنتية عند تسقيف الطابق الأرضي، مما يستلزم مراسلة وزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة بهذه الخروقات، و إخبار رئيس غرفة الصناعة والتجارة بالدار البيضاء لاتخاذهما الإجراءات القانونية اللازمة في حق هذه الشركة المقاولة. هل يستدعي بناء منزل بمساحة 100 متر تقريبا تخريب إسفلت الشارع و احتلال أرصفة المنازل و تشويه جمالية التجزئة، هذا الملك العمومي الذي أنفقت عليه الدولة ملايين الدراهم من أموال المواطنين لتجهيزه؟ لماذا لم تتخذ السلطات المحلية إجراءات جزرية في حق هذا المقاول بإيقاف الأشغال والغرامة، حتى يقوم بتنظيم ورشته؟ مما يدفعنا لوضع سؤال جوهري بكل مسؤولية حول من يقوم بحماية هذا النموذج من مافيا العقار بمدينة الجديدة؟ ماذا يقع ببلدية الجديدة، قسم التعمير تحديدا؟ على السيد عامل مدينة الجديدة فتح تحقيق عاجل فيما يقع بقسم التعمير، خصوصا و أن هذا الملف أخذ بعدا وطنيا بعد عرضه على أنظار الرأي العام، و بعد عزم الساكنة على طرح المشكل على طاولة وزير الداخلية.    لا نفشي سرا، إذا قلنا إن أزمة المغرب الحقيقية تتفتق من بلدياته وجماعاته القروية، تلك المؤسسات التي تشكل بؤرة توتر وصراع حول السلطة، فهي المعنية بتطبيق السياسيات الجهوية وتشجيع الاستثمار وخدمة المواطن عن قرب، هي نوات تَشَكُّلِ ذهنية التعامل مع الإدارة العمومية، لهذا فإصابة مثل هذه المؤسسات بأعطاب وظيفية أو إفلاسها، قد يؤدي حتما إلى إفلاس الأسس المتينة التي تقوم عليها الدولة، فمن خلال معركتنا الأخيرة مع شركة البناء البلطجية التي قامت بفوضى البناء بحي السلام، اصطدمنا بالوسيط ببلدية مدينة الجديدة، ذلك الموظف التقني البسيط الذي يحتل مرتبة دونية في هرمية السلطة، لكنه متنفذ و يتمتع بعلاقة القرب مع مراكز القرار في إطار هرمية الزبونية، حيث يستطيع هذا الموظف البسيط أن يوفر حماية للمخالفين مقابل رشاوى يتسلمها، و هو بدوره قد يوزع حصصا على جهات نافذة حسب نظام المصالح المتبع في تراتبية الزبونية.  في السياق نفسه، لاحظنا أن  مدير مكاتب بلدية الجديدة يشاطرنا رأيا مماثلا حين انتقد موظفيه أمام أعيننا، ثم استفسرهم عن امتناعهم الامتثال لأوامره، قائلا لهم  بأنهم يبحثون عن الإكراميات قبل بحثهم عن تأدية واجبهم الوظيفي، نظرا لأنهم رفضوا ضمنيا الذهاب إلى ورشة المخالف، حيث عادوا من منتصف الطريق، بل منهم من بادر شفويا إلى التوسط بيننا وبين المقاول بشكل حبي، و كأننا في نزاع حول ملكية الشارع العمومي، بينما نحن نطالب فقط بتطبيق القانون في دولة القهيوة و الكويميلا. فمن يا ترى يوفر الحماية لهذا المقاول؟ هل هو أحد الموظفين الحاضرين في اللجنة؟ أم هو الغائب الحاضر عبر الهاتف....آلو آلو؟ تأملوا معنا كيف يتم الصراع حول السلطة ببلدية مدينة الجديدة عبر هذه الدراما الواقعية التي تنذر بانفجارات احتجاجية مستقبلا إذا استمر تفسّخ السلطة عن مركز القرار، و بعثرتها في وظائف ميكروفيزيائية. إليكم حكايتنا كما يلي: لقد قمنا بمراسلة السلطات المحلية بما فيهم عامل وباشا مدينة الجديدة بتاريخ 12/06/17، وقائد المقاطعة الثالثة بتاريخ 08/06/17، و السيد رئيس المجلس البلدي بتاريخ 08/06/2017، و قمنا بتقديم عرائض احتجاجية، فضلا عن نشر هذه القضية بالجرائد الالكترونية المحلية و الوطنية منددين بخروقات شركة البناء، ومع ذلك، تم إهمال كل هذه الشكايات، بل وإقصائها من تنفيذ برنامج لجنة المجلس البلدي على مدار أسبوعين متتاليين (الثلاثاء 13 يونيو/ الثلاثاء 20 يونيو) بالرغم من برمجتها، مما يستدعي فتح تحقيق حول عدم احترام تنفيذ برامج اللجنة المسطرة، إذ كيف قام قسم الشكايات بإدراج شكايتنا في برنامج لجنة المجلس لأسبوعين متتاليين، لكن بقدرة قادر أو بقدرة مكالمة هاتفية، كما وصف إياها أحد موظفي البلدية مستخدما قاموس الدار، أقصي الحي من زيارة اللجنة في آخر لحظة، وهكذا لم تتم معاينة الأضرار التي يعانيها السكان، بالرغم من أن الشكاية موثقة بالصور و محضر رسمي لمفوض قضائي؟ هل هذا الإقصاء مرتجل في مؤسسة منتظمة المواعيد، أم هو إقصاء ممنهج تطفّل فيه الوسيط لحماية الشركة التي تقع تحت نفوذه، و هل هذا ما يبرر تهاون جهات أخرى لها السلطة التنفيذية في التدخل؟ لكنها ماطلت في حسم المشكل لصالح الساكنة المتضررة. لنكن صرحاء مع بعضنا البعض، إن بلدية مدينة الجديدة تعيش ميكروفيزياء السلطة بجميع تجلياتها الفاسدة من زبونية و محسوبية وارتشاء و آلو آلو، حيث أصبحت تعج بموظفين وسطاء يحترفون التسول في أوراش البناء باحثين عن "التدويرة" عوض تطبيق القانون على الرغم من وجود موظفين نزهاء، حيث تناهى إلى علمنا بأن بعض موظفي قسم التعمير يتقاضون إتاوات مقابل حماية المقاولين من تسجيل المخالفات، بل منهم من قسّم المدينة إلى منطقة نفوذ تابعة له، و هكذا قد يحتفظ الموظف التقني من قسم التعمير بدفتر الورشة، ويتفق مع صاحبها بأن يهاتفه إذا جاءه أي تفتيش سواء من المقاطعة أو من البلدية، علما أن لهذا الوسيط أعينا في قسم الشكايات، و في اللجن المختلطة. وهكذا، أمام هذا الوسيط المرتشي، قد يضيع تطبيق القانون في سبيل قهيوة أو كويميلا، حيث يتم توزيعها وفق نظام زبونية مُحكٓم داخل مجموعة من الأقسام الإدارية.   قام بعض ساكنة حي السلام الذهيبية بإنزال في مكتب باشوية المدينة يوم الخميس 22 يونيو 2017، حيث استقبلهم خليفة الباشا و مدير مكاتب البلدية، نظرا لغياب الباشا ذلك اليوم، و بعد الحديث عن النازلة التي تزامن نشرها في الصحافة المحلية مع هذا الإنزال، قرر السيد مدير مكاتب البلدية بإيفاد لجنة من قسم التعمير إلى الحي لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، لكن لأسباب غامضة، تبخرت سيارة اللجنة في منتصف الطريق، و تم تعويضها بموظفين إثنين من قسم الجبايات في نفس المصلحة. لماذا انسحبت اللجنة الأولى؟ هل الأمر يتعلق مرة أخرى بآلو آلو...؟ إن ما يدفعنا لهذا التساؤل هو كلام المدير نفسه الذي وبخ أحد أعضاء اللجنة أمامنا، حين اكتشف أنها لم تذهب و لم تقم بواجبها في معاينة الورشة، بل هدد باستفسار الأعضاء كتابيا لعدم امتثالهم لأوامره وتنفيذها. هل الأمر يتعلق مرة أخرى بالوسيط؟ ما يثير الاستغراب في هذا الملف هو لماذا يقامر بعض موظفي بلدية الجديدة بحماية مافيا العقار المخالفين للقانون؟  قامت اللجنة الثانية بتسجيل مخالفة للمقاول، يصل مبلغها حوالي 14400 درهم، وهذه الغرامة، قد تفرمل فٓرْعٓنَةُ هذا المقاول و تماديه في احتلال وتخريب الملك العمومي، خصوصا لما يتطاول على خلط الإسمنت فوق الإسفلت وعلى أرصفة منازل المواطنين في تحدٍّ سافر لأخلاق المواطنة وحسن الجوار. إن السؤال المحير في هذا الملف هو: بعد انتهاء فصول المسرحية الأولى باختفاء اللجنة المكلفة بمعاينة الضرر، هل نحن أمام مشهد جديد من نفس المسرحية بحلول اللجنة الثانية، أم سيتم فعلا تطبيق القانون بإنجاز محضر و تنفيذ العقوبة في حق المخالف؟ واستخداما لقاموس البلدية، هل سيتم إلغاء الغرامة برنة هاتف الوسيط ...آلو آلو، ليتبخر مبلغ الغرامة الذي كان من المفروض أن يلج الخزينة العامة للدولة؟ كل يوم نزداد قناعة بأن محاربة الفساد في الإدارة المغربية يجب أن تبدأ بميكروفيزياء السلطة، ذلك الموظف الوسيط الذي يوجد في أحد المكاتب المتواضعة، بأحد أركان الإدارة، و هو من يتملك سلطة حل المشاكل، حيث يشتهر بقضاء المآرب دون تماطل من خلال اتصاله بمراكز القرار...هذا لا يعني بأن المسؤول بريء لا يعلم خبايا الأمور، بالعكس، هو عنصر رئيسي في مثلث الزبونية، لكن نادرا ما تجد المسؤول يدخل في علاقة زبونية أو ارتشاء بشكل مباشر مع المواطن...هو دائماً في حاجة إلى وسيط من ميكروفيزياء السلطة ليقوم بالدور. إنه مثلث الفساد الذي تأصّل و ترسخ بالإدارة المغربية، حيث أسس تحالفات واشترى ولاءات، ووضع ثوابت و قواميس وسلوكيات تُطبّع مع الفساد. ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    في العيد تصفو القلوب

    ما أجمل تلك الابتسامات في يوم العيد! وما أحلى تلك العبارات بالتهنئة ليوم العيد! وأعتقد أن أجمل من ذلك كله صفاء القلب، ونسيان المواقف، والتغافل عن العيوب. نعم؛ أيها الأخ ؛ أيتها الأخت.. لعل بعضنا قد حصل معه خلاف مع صديق أو أخ أو قريب، أو زوجة أو ولد أو أخت أو غيرهم. ولعل الشيطان قد ملأ القلوب أحقادًا، وأسكن الأرواح حسدًا وبغضاءً، ولكن ومع اقتراب العيد وقرب حلول أول يوم في هذا العيد لهذا العام – 1438 - لمَ لا نعفو عن الخطأ، وننسى الذنب القديم؟ لم لا نسامح ذلك الذي اعتدى علينا، ونحسن إليه "وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" [آل عمران: 134]؟      يا تُرى هل نقوى على ذلك؟     أعتقدُ أخي..أختي أنك قادر مع إشراقة هذا العيد أن تملأَ قلبك حبًّا وعفوًا ومسامحة لكل الناس، وخاصةً لمن آذاك، وهكذا كان الأنبياء. ولعل موقف يوسف -عليه السلام- مع إخوته يكون نموذجًا لنا في يوم العيد، فقل لمن أخطأ معك أو أساء إليك: "لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" [يوسف: 92] .     يشرق علينا العيد لهذا العام – 1438 - ببهجته وفرحته؛ وإننا بحاجة أن نستشعر العيد في رحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ وهذا الشعور لا يتأتى إلا بإحياء سنته، وهذه محاولة – منا - لإحياء سنن العيد أو التذكير ببعضها، ليكون العيد فرحة على سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ولا ينبغي أن ننظر إلى هذه السنن على أنها قيودٌ قد فُرِضَت علينا، أو تكاليف قد يُرْهقُنا حملها؛ بل هي في الواقع شموع تُضئ الظلام، أو منارات تهدي الحيارى، وعلينا أن نعرف أن كل سُنَّة اتَّبعناها تُقَرِّبنا من الطريق المستقيم الذي ينتهي بالجنة، وليكن شعارنا قولَ الله عز وجل: "وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا" [النور: 54]. 1-     سُنَّة أكل التمر قبل صلاة عيد الفطر:     العبادة تقتضي إتباع أمر الله دون كسل ولا جدل ولا تردُّد، وقد فَرَضَ اللهُ تعالى الصومَ في رمضان، وفَرَضَ سبحانه الفطرَ في يوم عيد الفطر، فيُصبح بذلك الصيام في آخر أيام رمضان فرْضًا؛ بينما الصيام في اليوم الذي يليه مباشرة - وهو يوم العيد - حرامًا، وإتباع ذلك هو دليل العبودية؛ لأن الأيام كلها هي أيام الله، والذي فَرَّقَ بين يوم ويوم هو أمرُ الله ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ أن يُعْلِن هذا الإتباع لأمر الله بوضوح، فلا يكتفي بالفطر في يوم عيد الفطر؛ بل يجعله أول شيء يفعله في ذلك اليوم، فلا يخرج إلى صلاة العيد إلا بعد أكل التمر؛ فعَنْ أنس بن مالك رضي الله عنه ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لاَ يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ». وَقَالَ أَنَسٌ رضي الله عنه -أيضًا- عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا»[ البخاري: كتاب العيدين، باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج، (910)، وأحمد (12290]].      فهذه سُنَّة جميلة ينبغي أن نحرص عليها، فنأكل نحن وأهلنا قبل الخروج إلى صلاة العيد تمرة، أو ثلاثًا، أو خمسًا، أو غير ذلك من الأرقام الوترية.    2- سُنَّة الخروج إلى صلاة العيد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ للمسلمين أن يُظْهِروا جَمْعَهم وفرحتهم وعبادتهم للناس جميعًا؛ فهذه أبلغ دعوة للإسلام؛ لأن الناس تتأثَّر بالمشاهد الجميلة التي يتعاون في إخراجها عدد كبير من البشر؛ لهذا حضَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاجتماع والظهور في المناسبات العامَّة، ومِن أهمها صلاة العيد، وكان من سُنَّته صلى الله عليه وسلم أن يأمر جميع المسلمين والمسلمات أن يشهدوا مثل هذا الاحتفال؛ فعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ، وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلاَّهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ الله إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا»[ البخاري: أبواب الصلاة في الثياب، باب وجوب الصلاة في الثياب، (344)، واللفظ له، ومسلم: كتاب صلاة العيدين، باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة، (890).]. وفي رواية أخرى عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: «كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ العِيدِ حَتَّى نُخْرِجَ البِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ وَطُهْرَتَهُ»[البخاري: كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة، (928).].   3- سُنَّة الاستماع إلى خطبة العيد:       كما يُفَضَّل أن ينتظر المسلمون بعد الصلاة لسماع الخطبة؛ فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ السَّائِبِ رضي الله عنه ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الْعِيدَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ، قَالَ: «إِنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ»[ أبو داود: كتاب الصلاة، باب الجلوس للخطبة (1155)، واللفظ له، والنسائي (1779)، وابن ماجه (1290)، والحاكم (1093)، وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني، انظر: صحيح أبي داود 4/320.].      فجعل الأمر على الجواز، مع اليقين في أن ثواب المستمع ليس كثواب مَنْ ذَهَبَ، فلنحرص نحن وأهلُنا رجالاً ونساءً وأطفالاً على حضور هذا الاحتفال المهيب.    4-   سُنَّة مخالفة الطريق يوم العيد والحكمة منها:       من الجميل أن يتواصل المجتمع المسلم بالحبِّ والمودَّة والعلاقة الطيبة، ويأتي العيد ليكون فرصة كبيرة لتحقيق هذا التواصل وترسيخه؛ ولذلك يُفَضَّل للمسلم أن يلتقي بأكبر عدد من المسلمين في يوم العيد ليرفع من درجة التواصل ولو بمجرَّد السلام؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب إلى صلاة العيد من طريق ويعود من طريق آخر، فيتحقَّق له رؤية أكبر عدد من المسلمين في الطريقين؛ فعَنْ جابر بن عبد الله ب، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ»[ البخاري: كتاب العيدين، باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد، (943)، واللفظ له، وأبو داود (1156)، وابن ماجه (1299)، وأحمد (5879).].       ولعلَّه للسبب نفسه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُفَضِّل ركوب الدابَّة في طريقه إلى صلاة العيد، ليكون سيره المتمهِّل فرصة للسلام على الناس؛ فعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى العِيدِ مَاشِيًا، وَأَنْ تَأْكُلَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ»[ الترمذي: أبواب العيدين، باب ما جاء في المشي يوم العيد (530)، وقال: حديث حسن. وحسنه الألباني، انظر: إرواء الغليل 3/104.].      وينبغي على المسلم أن يلاحظ الغرض من مخالفة الطريق، وهو السلام على المسلمين وتهنئتهم، فلا يسير صامتًا دون تحية الناس؛ بل من السُّنَّة أن يُكْثِر من السلام عليهم حتى لو لم يكن يعرفهم.     إنها  سُنَّة التزاور: في زمنٍ صارت المصالح المادية هي التي تحكم العلاقات بين معظم الناس تُصبح زيارة الأهل والأصدقاء دون مصلحةٍ ما أمرًا رائعًا حقًّا! ولكون الناس منشغلين بأمور حياتهم ومعاشهم فإن الله شجَّعهم على التزاور بتعظيم الأجر؛ فجعل ثواب ذلك هو تَحَقُّق محبَّة الله للمتزاورين! فعن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: قَالَ اللهُ عز وجل: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ»[ الموطأ (1711)، وأحمد (22083)، وقال شعيب الأرناءوط: حديث صحيح. وصححه الألباني، انظر: مشكاة المصابيح 3/1395.].       إنه لأمر عظيم حقًّا أن تنال محبَّة الله سبحانه بهذا العمل اليسير، ويُؤَكِّد هذا المعنى القصة اللطيفة التي حكاها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زار صديقًا له فتحقَّقت له محبَّة الله، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، «أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ. قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي الله عز وجل. قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكَ، بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ»[ مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب في فضل الحب في الله، (2567)، وأحمد (9280).].      فلتكن هذه السُّنَّة الرائعة عادة من عاداتنا، ولنُكثر منها في الأعياد والمناسبات خاصَّة. ولنبدأ هذا العيد لهذا العام – 1438 -.          5- سُنَّة لبس الجديد والأنيق يوم العيد: وكان من سُنَّته صلى الله عليه وسلم أن يلبس الجديد والأنيق، وفَهِم ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم شراء جُبَّة جميلة للتزيُّن بها في العيد قائلاً: «يَا رَسُولَ الله، ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالوُفُودِ»[ البخاري: كتاب العيدين، باب في العيدين والتجمل فيهما، (906)، واللفظ له، ومسلم: كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم الذهب، (2068).].        ولم يُنكر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك عليه، إنما رفضها فقط كونها من حرير، وهو لا يصلح للرجال. واللباس الجميل في ذلك اليوم يُسْعِد الناس، ويلفت الأنظار، وهذا كله يَصُبُّ في هدف إظهار اجتماع المسلمين.   6-  سُنَّة اللعب يوم العيد: ما أروع أن ينتهز المسلم فرصة العيد فيُرَوِّح عن نفسه وأهله بشيء من اللهو المباح؛ فإن النفوس تملُّ، وتحتاج إلى ما يُخرجها من الرتابة، وهذا الترويح من السُّنَّة النبوية؛ فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه، دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى، تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُسَجًّى بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، فَكَشَفَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْهُ، وَقَالَ: «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ»[ البخاري: كتاب العيدين، باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين وكذلك النساء ومن كان في البيوت، (944)، ومسلم: كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، (892).].     والغناء المقصود به التغني بالشعر الحسن دون العزف على الآلات.      إن هذا التلطُّف في معاملة الأهل -خاصة في يوم العيد- لمن سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أروعها من سُنَّة! .      كانت هذه بعض سنن العيد ننبه عليها إحياءً لسنن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ننْسَى شعارنا: "وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا"[النور: 54].   العيد عبادة شرعها الله تعالى لهذه الأمة العظيمة، وهو إظهار للسعادة والفرح بتمام الطاعة، شُرع للذكر وللتكبير ولشكر المولى الكريم.      وشرع الله سبحانه زكاة الفطر – وقد حددت الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى قيمتها نقدا ب 15 درهما - لنغني الفقير يوم العيد، ويكون الناس كلُهم معهم قوت يوم العيد، فالطعام أحد مقومات الحياة، قال صلى الله عليه : "أغنوهم عن ذُلِّ السؤال في هذا اليوم"[ أخرجه الحاكم.]. فإن كنا مأمورين أن نُغني الفقراء عن السؤال في يوم العيد، فإنا بلا شك مأمورون ألاَّ ندعهم في خوف أو جوع أو اضطهاد       أو احتلال أو حصار، وكل واحد مأمور بحسبه وبحسب قدرته ومسؤوليته، وليس هذا الأمر مقتصرًا على يوم العيد فحسب. ولهذا ضرب الرسول صلى الله عليه المثال الإيجابي للمسلمين بالجسد الواحد، فقال عليه الصلاة والسلام: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى منهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَد بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى"[ رواه البخاري ومسلم]. وفي رواية عند مسلم: "الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ واحِدٍ إِن اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالْحُمَّى والسَّهَرِ". إن هذا المثال النبوي بحاجة للتأمل، فَتشْبِيهه المؤمنينَ بِالجسَدِ الوَاحد تمثيل صحيح، وفيه تَقرِيب للفهم وإظْهَار لِلمعَانِي في الصُّوَر الْمَرْئِيَّة. وفي الحديث أمر لنا بأن يكون حالنا كحال الجسد الواحد الذي يتفاعل كله مع الألم الذي يحل بجزء منه، إنها صورة معنوية وحسية في الجسد علينا أن نجعل منها صورة حقيقية على أرض الواقع.. لا يمكن لفرحتنا بهذا العيد أن تنسينا إخوة لنا لم تكتمل فرحتهم لأي سبب من الأسباب،      تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال، وأعاده الله علينا وعلى الأمة الإسلامية.  * مفتش ممتاز للتعليم الثانوي

  • ...
    النظام السياسي بالمغرب.. من الدولة المخزنية إلى مخزنة الدولة

      يتمتع المخزن الشريفي اليوم بشرعية تاريخية، يستمدها من قوة استمراريته لقرون بالمجال السياسي في المغرب، فهو ليس وليد مرحلة الاستقلال، و لم تزرع بذوره، كما قال الأستاذ بنعلي، إبان عهد الاستعمار. هو فكر و ممارسة ضاربة في جذور التاريخ، مما مكنه من التمرس والاحتراف في عالم السياسة، حيث راكم المعرفة و الخبرة اللازمة لاختراق المجتمع و ضبطه، ولتدبير أزماته وإخماد فتنه. إن مؤسسة المخزن ليست دخيلة على هذا المجتمع، بل انبثقت من صلبه، حيث تعتبر مؤسسة عضوية من مكونات الشعب، وتعترف لها الذاكرة الشعبية بالقدرة على الحفاظ على وحدة المجتمع، فحتى الاستعمار لم ينل من مشروعية هذه المؤسسة، بل بالعكس استخدمها لصالحه، كما عمل على صقل معارفها السياسية.    إذن، نحن نناقش اليوم مؤسسة عريقة، قادرة على إعادة إنتاج نفسها بالرغم من المتغيرات الاقتصادية والسياسية المحيطة بها، والسؤال الذي يطرح علينا في هذا السياق هو: هل تحول مغرب ما بعد الاستقلال إلى دولة عقلانية عصرية، أحدثت قطيعة مع الفكر المخزني، أم مازال المخزن مستمرا بموازاة مع المؤسسات الحديثة أو ربما يشتغل من داخلها قصد التحكم في خيوط اللعبة السياسية؟ هل نحن أمام فسيفساء غير متجانس بين الإدارة العتيقة و الحداثية، أم نحن أمام نظام سياسي أزلي تتلون قشوره مع متغيرات الزمن، لكن عمق بنيته السياسية متكلِّسة؟    هل تقلص دور المخزن بإنشاء مؤسسات السلطة الجديدة واختصاصاتها في مغرب ما بعد الاستقلال، أم ساعد هذا التوسع المؤسسة المخزنية على الانتشار و التغلغل في أحشاء الدولة الحديثة، مما قد يوحي باستمرارية المخزن في عمق الدولة المعاصرة؟   من خلال مسح سريع لما كتب حول المؤسسة المخزنية، و قراءة في المعطيات المتوفرة لدينا حول بلقنة الانتخابات، و التحكم في المشهد السياسي، ورعاية اللوبيات الاقتصادية، و الانتشار على جميع الأصعدة، نكاد نجزم أن التنظيم السياسي المخزني بمفهوم مجاله المادي انتهى ليبدأ عهد جديد بمخزنة الدولة العصرية. لقد انتهى فعلا النظام المخزني القديم لتبدأ الدولة الحديثة، لكن بفكر مخزني و خطاطات مخزنية تغلغلت في الثقافة السياسية المغربية. لقد انتقل المغرب من الدولة المخزنية باعتبارها تنظيما فريدا إلى مخزنة الدولة الحديثة.   ابتدأت مخزنة الدولة الحديثة بمؤسسات عصرية تفكر وتتعامل بأسلوب مخزني ينبني في مجمله على منطق شراء الولاءات و تحالف المصالح، تلك بعض الخطاطات المخزنية التي تخترق جميع دواليب الحكم من تعيين الولاة والعمال والسفراء إلى تعيين المدراء و الكتاب العامين. لقد اخترقت الخطاطات المخزنية الكثير من المجالات، حتى أصبحنا نصادف نقابات تعليمية عتيدة مثلا، تنتخب هي الأخرى بمنطق الولاءات والتحالف، فالكل اليوم منخرط في ذكاء الحيلة الذي يحث العضو الاجتماعي على أن "يأكل و يُؤكِّل!"   تصف هند عروب مصطلح المخزن بأنه تعبير فضفاض عائم و عصي عن التعريف، نظرا لديناميكيته في تجديد ذاته وقدرته على التكيف بموازاة مع مؤسسات الدولة العصرية ضمن جدلية المد والجزر بين القطيعة والاستمرار، حيث تؤكد الباحثة عن تآكل بعض مظاهر المخزن السلطاني،  لكن مع استمرار مظاهر أخرى بشكل لافت للنظر في الحياة السياسية، إذ بالرغم من اختلاف الدساتير التي عرفها المغرب بعد الاستقلال، حافظت الملكية، كما تقول هند عروب، على بنيتها المخزنية المركزية القائمة على مسرحة السلطة وأسطرة الحاكم، وتتجلى مظاهر الأسطرة في إعادة إنتاج الطقوس السلطانية، و دعم ركائز الحكم الدينية و الدنيوية، وهكذا فإن ملك دساتير بعد الاستقلال، لا يختلف كثيراً عن السلطان وحكمه الثيوقراطي الذي ينفرد باختصاصات متعددة ومتداخلة.   تشتق كلمة "مخزن" مدلولها من أصل الكلمة اللغوي "خزّن"، بمعنى جمع وراكم المؤن، و استُعملت هذه الكلمة كذلك للدلالة على جمع الضرائب، فالمخزن بداية يشير إلى المكان الذي تجمع فيه الضرائب الشرعية قبل إرسالها إلى دار السلطان. تعددت النظريات حول تاريخ هذه المؤسسة العريقة، فهنالك نظرية المخزن-القبيلة المستقاة من الفكر الخلدوني، حيث تؤكد أن المخزن جهاز يضم القبيلة أو الاتحاد القبلي الذي يسيطر على الحكم، و بهذا فإنه مخزن يدافع عن مصالح عشيرته، و يُخضِع باقي القبائل بمنطق الجباية و العنف، مما يذكرنا بمقولة فَضُّول غرنيط التي ساقتها هند عروب على سبيل المثال، "ريش الطير لا يطير"، بمعنى أن السياسة الجبائية تعد وسيلة تحكم في تمرد القبائل، حتى  لا تسعى  وراء الاغتناء المنفصل أو المستقل عن السلطة المركزية.   هناك كذلك نظرية المخزن-الزاوية التي تأسست حول الالتباس بين القداسة والسياسة، إذ انطلق المخزن من رباطات دينية أو زوايا بعينها جهزت الجيوش وباشرت الدعوة لتخوض مغامرة الحكم، خصوصا في العهد المرابطي والموحدي والسعدي،  ويظل النموذج البارز في هذا السياق هو الزواية الدلائية التي نافست السلطان في القرن السابع عشر على الحكم بتوفرها على مخزن بإدارته و أعيانه وولاته وجيشه وسلطانه.     في رأي العروي، استُخدمت كلمة مخزن للدلالة على أجهزة الدولة الحديثة، حيث ارتبطت الكلمة بالهيئات الإدارية و المراتب الاجتماعية، مما يحيلنا على خلاصة مفادها أن  الطقوس والتقاليد و الظهائر الملكية، تعتبر هي أيضاً سلوكيات ومراسيم مخزنية. ووفق هند عروب دائما، ميز عبدالله العروي بين معنيين في تصنيف مخزن القرن التاسع عشر، إذ تحدث عن المعنى الضيق للمخزن الذي ينحصر في البيروقراطية والجيش، وكل من يتقاضى أجرا من الخزينة السلطانية، و المعنى الواسع لمجموع مكونات الجهاز المخزني، والتي تتشكل من قبائل الجيش و الشرفاء و الصلحاء. بفضل هذا المفهوم الواسع، يصف العروي المخزن بأنه مُؤسلم مُعرّب، مخزن شريفي قام بدور التحكيم بين القبائل و دافع عن الوحدة الترابية ووحد القبائل في إطار إيديلوجية دينية، كما نهج جهادا دفاعيا للحفاظ على سلمية المجتمع.   هذه الأطروحة الوطنية تأتي عكس الأطروحة الكولونيالية التي يتزعمها ميشو بيلير، والقائلة بأن المخزن ممزقا ممركزا لا يستطيع السيطرة  على الهوامش، و بأن سياسته قسمت المغرب إلى بلاد المخزن وبلاد السيبة التي تخرج أحيانا عن طاعة السلطان وتتمرد على أوامره بدفع الجبايات. تصنف هذه الأطروحة الإفرنجية المخزن بأنه مؤسسة قائمة على الاستبداد و اللا شرعية، فهو يرعى الفوضى الاجتماعية و يستغلها لصالحه، و يعتمد سياسة "فرّق تسد" لتأجيج العداءات و النعرات القبلية لكي يعزز وظيفته التحكيمية، مما دفع إلى انتشار تمثل راسخ في المخيال الشعبي يقول: "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم"، و تعبر اللغة العامية الحالية عن هذا التمثل نفسه بالقول المأثور: " والله وخطانا المخزن غير لا كلينا بعضياتنا!"     يفضل الطوزي استعمال لفظ "دار المخزن"، ليحيلنا على مفهوم "المجال المادي الذي تمارس فيه السلطة السياسية فعليا"، و بالرغم من أن السلطان يحتل موقع المركز في هذا المجال و يرسم خريطته السياسية، إلا أنه منفصلا عن دار المخزن، نظرا لمشروعيته الدينية، بينما يظل المخزن مفهوما دنيويا للسلطة فارغا من أي شحنة دينية، و يفتقد لأي صفة أخلاقية سامية، همه الوحيد، في نظر الطوزي دائما، المحافظة على استقرار النظام المخزني، حيث له القدرة على الاختراق والانتشار، و يستبيح جميع الممارسات بعيدا عن الأخلاق والعواطف، لذلك "فالبرغم من أن الملك يرأس الجهاز، إلا أنه غير متورط في نشاطاته"، كما يؤكد على ذلك محمد الطوزي ، نظرا لأن شرعية الملكية التاريخية لم تمتزج قط بلاشرعية المخزن خلال الأزمات، و هكذا ظل السلطان بعيدا عن النقد والتقريع والمساءلة و الإسقاطات السلبية، يتمثل في المخيال الشعبي غير مسؤول عن طرق المخزن المشروعة أو غير المشروعة في إدارة الأزمات وبسط هيمنته على باقي المجتمع. من أين يستمد المخزن قوته؟ يستقي سلطته وتوقيره من الهيبة السلطانية التي تعتبر إحدى الدعامات الأساسية للمُلك بالمغرب، مما يفسر لنا تمسك النظام السياسي بسلوك طقسنة البيعة و مسرحة الحكم و أسطرة السلطان، كلها دعائم أساسية لصناعة هيبة المُلك.   لقد أشرنا سابقا بأن البنية التنظيمية المخزنية انتهت على مستوى الممارسة من الحاجب و قائد المشور و المسخرين والرقاصة من قبائل الجيش وأصحاب الخناجر وأصحاب الشكارة و الصدر الأعظم ووزير البحر ووزير الشكايات والعلاّف الكبير وأمين الأمناء  وخليفة السلطان و الباشا و القائد و الشيوخ و المخزانية و المحتسب ( انظر هند عروب)، و بهذا دشن مغرب الاستقلال بداية عهد جديد بدولة مؤسسات و دساتير وقوانيين تحدد العلاقات بين المؤسسات و الأفراد، و تنظم عمل  الحكومة و الأحزاب و المجتمع المدني، لكن السؤال الأزلي مازال يراودنا بإلحاح: هل فعلا تخلص النظام السياسي الجديد/القديم من بقايا الذهنية المخزنية أم مازالت دار لقمان على حالها، تتشبث بالخطاطات المخزنية التي تصنع مسرحة الحكم و تعيد إنتاج أسطرة الحاكم و تزرع الخوف في قلوب "العوام"؟     يلاحظ حاليا بأن المخزن سلطة مضمرة في المجتمع تستقي قوتها من معرفة عميقة بالأفراد وخبايا المؤسسات و أسرار القلاقل الاجتماعية، و تحسن التخويف والمساومة و التحالف و الاضطهاد، مما يحيلنا على واتوربوري الذي يضع أطروحة مخزن بتحالف مصالح دون إيديلوجية معلنة، حيث يرتكز الجهاز على تكوين تحالفات للحفاظ على السلطة السياسية و الاقتصادية في البلاد، و لا يهمه بناء أي تيار فكري أو إرادة جماعية إيجابية. لقد وُجد المخزن في نظر واتوربوري لخدمة مصالح الجماعات و الأفراد التي ينتمي إليها. هذا لا يعني أن المخزن مستبد يسعى لسحق الخصوم، بالعكس، كما سبق الذكر فهو يحسن التفاوض و المراوغة، و يلتجأ للعنف كحل أقصى وأخير عند استنفاذ جميع الطرق السلمية في التفاوض.   لنرى كيف حافظ المخزن على استمراريته بعد الاستقلال؟ في رأي هند عروب، لقد استحوذ الوطنيون على السلطة الإدارية، و هكذا استُبدل المخزن الكولونيالي بالمخزن الوطني الجديد، فحل محل السلطة الفرنسية، وتشكل هذا المخزن من الجيش والأمن، حيث مكن الجيش الأمازيغيين من منافسة انسلال النخبة الحضرية الفاسية من حزب الاستقلال إلى دواليب القرار، و هكذا تم ضخ دماء جديدة في الجهاز مكنته من الاستمرارية، و بقي يستمد قوته من المشروعية الدينية والتاريخية والحماية من الأخطار الخارجية. لقد مكّن الاستقلال، كما يقول بنعلي، المخزن من توسيع نشاطاته وحقل تدخلاته، لكن بنيته الاجتماعية ظلت تعتمد على الأعيان و الأغنياء و النخب الحضرية والشرفاء و أبناء الحركة الوطنية المعترف بهم في الدوائر المخزنية، حيث دخل أعضاؤه عالم الاقتصاد و المجتمع المدني، بالإضافة إلى تحكمهم في عصب السلطة السياسية.    هذا هو المخزن الذي مازال مستمرا حتى اليوم بفارق طفيف في تجديد مكوناته الاجتماعية التي أصبحت تقتصر نسبيا على أهل الحظوة من الحسب والنسب و أهل الثراء و القرب من المركز في دار المخزن، و هو يستمر في تقسيم الجسد الاجتماعي لحماية مصالحه وصيانة التوازن السياسي العام. يقول الطوزي في هذا الباب بأن لغة المخزن السياسية تقوم بتعبئة القواميس لخدمة أجنداته السياسية، إذ ابتدع الكثير من المصطلحات و المقارابات، لكن جوهر عمله يظل متشابها، إذ يتساءل الطوزي عن عمق الاختلاف بين القانون والظهائر الملكية مثلا؟    ماهي مقومات السياسة المخزنية التي مازالت سارية المفعول حتى الآن، و تشكل الذهنية الثقافية السياسية في مجتمع اليوم بالمغرب؟ من خلال قراءتنا للمشهد السياسي وبناء على الدراسات السابقة المشار إليها أعلاه في الموضوع، ونذكر هنا بالأخص البحث القيم لهند عروب، يمكن إجمال مجموعة من الدعائم الأساسية للفكر المخزني فيما يلي:    - التحالفات المصلحية - الزبونية و شراء الولاءات - الاعتماد على خدام المخزن الأوفياء وتقريبهم من مركز القرار - شخصنة المؤسسات في الحاكم - مسرحة الحكم و أسطرة الحاكم - استظلال المواطنة بمفهوم الرعاية - مأسسة العقيدة السلطوية - استغلال التوترات و النزاعات السياسية لتدعيم دور التحكيم - صناعة الخطر الخارجي وهميا أو واقعيا للتحكم بالعاطفة الدينية و الوطنية للشعب. -  تطوير القوة العسكرية    تعتبر هذه العناصر مؤسسة للفكر المخزني و بمثابة الوصايا العشر لتثبيت دعائمه داخل المنظومة السياسية المغربية، و تجدر الإشارة في هذا الباب إلى أن المخزن لا يؤمن بالموظفين و أدائهم بقدر ما يؤمن بولائهم للحاكم كأمناء على النظام ومن ضمن زمرة خدامه الأوفياء.    في نفس السياق، يؤكد عبدالله حمودي  على ثلاث ركائز أساسية للنظام المخزني: الإخلاص و الولاء في خدمة النظام، و إسناد إدارة المال والاقتصاد للأعيان، و مقاومة الإيديلوجية المعادية للعقيدة السلطوية.    و أخيرا، انظروا نوع النتائج التي تم حصدها في الساحة السياسية من خلال تكريس الخطاطات المخزنية، خصوصا حين توزع المناصب و الوظائف والتشريفات على الخدام الأوفياء بغض النظر عن الأداء؟ أليس هذا شكلا من أشكال الريع الذي يرعاه النظام المخزني؟    هل هناك حل لاجتثاث الفكر المخزني من عمق الدولة العصرية الحديثة؟ من يعتقد أن المشكل ينحصر في أشخاص بعينهم، فهو واهم، لهذا فالشعارات الاحتجاجية التي ترفع ضد ما يسمى برموز النظام المخزني، لن تصيب الجماهير الغاضبة إلا بالمزيد من الإحباطات و تغذي أوهامهم بالتغيير، ذلك لأن المشكل ليس في الأشخاص أو حتى في المؤسسات، ولكن المشكل يكمن في العقيدة المخزنية المتغلغلة  في الذهنية الشعبية بمجتمعنا، فحتى لو تم استبدال أدنى تراتبية اجتماعية بأخرى، سيولد نظام مخزني جديد. وبنفس المنطق، نصف المشروع الإسلاموي الصاعد في ظل السلطوية القائمة بأنه ليس سوى نظاما مخزنيا دينيا قادما،  يبشرنا هو الآخر بنفس الخطاطات القائمة لشراء الولاءات و اعتماد التحالفات و شخصنة الحكم في الزعيم، ناهيك عن اعتناقه لخطاطات مخزنية أخرى.   أين يكمن الحل إذن؟ يبدو أن جزءا من الحل يكمن في إنشاء محولات ثقافية نحو دمقرطة المؤسسات و تحقيق العدالة الاجتماعية و ترسيخ فكر المواطنة، كما يجب أن تصل هذه المحولات عمق أسفل الهرم الاجتماعي، حتى يتم استبطان دلالاتها من لدن المواطن العادي أثناء احتكاكه اليومي بجميع أصناف الإدارة، و يجب تلقينها عبر وسائل الإعلام الرسمية و الاجتماعية، وإدراجها في صلب البرامج الدراسية و التأطير السياسي، و إنباتها في بنينة المجال العام، حتى يتمكن المجتمع من بلورة منظور ثقافي جديد يناهض العقيدة المخزنية، و يفكك خطاطاتها البالية. نعتقد جازمين أن إرهاصات هذا المشروع الثقافي، قد بدأت بالفعل في المجال العام الافتراضي، لكن بشكل غير مؤطر، مما قد يتسبب في انفلاتات ومزالق فكرية، تهدد سلمية المجتمع، فيوما بعد يوم، تتعالى أصوات فيديوهات المواطنين الشباب الذين يطالبون بحقوق سياسية واجتماعية و ثقافية تساءل مفهوم الخطاطات المخزنية المتكلسة، تلك بدايات يجب احتوائها و تأطيرها لبناء جسور ثقافة تشاركية جديدة في مسيرتنا الناعمة نحو مشروع التغيير الديمقراطي من داخل منظومة الاستقرار.    ذ. محمد معروف أستاذ بجامعة شعيب الدكالي