أعمدة الرأي
  • ...
    حي بن يقظان في وطن النسيان: ''دي باك يموت في دارو''

     تعود بنا أوضاع الصحة في مغرب النسيان للحديث عن الخصاص المهول في العلاجات التلطيفية لمرض السرطان، إذ في ظل غياب مراكز جهوية لعلاج هذا المرض بعدد من المدن، و عدم كفاية الحملات الوطنية للتشخيص المبكر سواء لفائدة الساكنة ذات الحظوة أو المنسية منها، باستثناء العمل الجبار الذي تقوم به جمعية للاسلمى لمحاربة داء السرطان بمعية مع المراكز المحسوبة على رؤوس الأصابع بمناطق المملكة، يظل الغائب الأكبر والرئيس في هذا المجال بالمغرب هو وجود العلاجات التلطيفية عند إصابة المريض بالداء في مراحله الأخيرة، إذ تغيب تماما أي متابعة طبية من أي نوع تلطف محنة المريض، وتخفف عنه معاناة الألم في جميع مناطق المغرب تقريبا باستثناء بدايات في هذا النوع من العلاج بمدينة الدار البيضاء ومراكش.   و لا توجد  في هذا الإطار إلا أستاذة بمركز الأنكولوجيا  بمدينة الدار البيضاء متخصصة في هذا المجال، حيث تقوم بدورات تكوينية لفائدة الأطباء المتدربين في علاج السرطان، و ربما يقوم أستاذ آخر حسب علمنا بنفس العمل بمدينة مراكش، ناهيك عن إمكانية وجود بعض الأطباء الذين تلقوا تكوينا مُركّزا في المجال بمؤسسات صحية أخرى، إذن، كيف يعقل أن يفتقر بلد بأكمله لتخصص في مجال العلاجات التلطيفية، ليُترك المغاربة في مواجهة القدر المحتوم و الصراع الأليم مع مرض الموت دون عون أو مساندة، قد تخفف من آلام المريض، وتسهل عليه مرحلة العبور إلى مثواه الأخير؟   في مدينة الدار البيضاء، تقوم الآن لجنة أطباء مدربين في مجال العلاجات التلطيفية تحت إشراف أستاذة متخصصة في هذا المجال بتغطية الحالات المسجلة في مركز الانكولوجيا على صعيد المدار الحضري بالمدينة، لكن لا تستطيع هذه اللجنة تغطية النواحي، نظرا لقلة الموارد البشرية، و هكذا فلا تستطيع اللجنة تقديم خدماتها الطبية الإنسانية الجليلة لفائدة جميع ساكنة الدار البيضاء، وهذا ينطبق كذلك على اللجنة المتواجدة بمدينة مراكش.   إذن، في غياب العلاجات التلطيفية الرحيمة، يواجه المغاربة مصير الألم  و عذاب فراش الموت، كما تتناسل الحكايات حول معاناة المرضى و مدى تألمهم في مراحلهم الأخيرة من المرض، إذ يفارق المريض الدنيا في غبن و تأوه وأنين، و تظل ذاكرة الأبناء تروي عن مأساة الموت، بل منهم من تسكن خياله صورا بشعة لبكاء الآباء و الأمهات  و نواحهم  وتوجعهم  على فراش الموت، و من منا من لا تؤرقه كوابيس موت الأحبة و تقض مضجعه؟     هل كُتِب علينا موت أليم و عذاب رحيل في وطن النسيان ؟ ما نوع المنطق الذي يدفع بصاحبه كالعربي باطمة مثلا أن  يدبج  كتابا حول الصراع مع السرطان و يؤرخ لمعاناة الرحيل؟ كم من نسخة ستنتجها ذاكرة شعب منسي مريض؟ لا يجادل أحد في أننا نعيش هنا فوق هذه الأرض مرحلة عبور، و نحن في سفر يوما بعد يوم في اتجاه العالم الآخر، لكننا جنس بشري يتطور و يبتكر أساليب و أدوات للتغلب على قساوة الطبيعة، ألا تذكرون كيف قام حي بن يقظان  بتشريح أمه الظبية بعد موتها قصد اكتشاف سبب الوفاة، و هو الذي اهتدى إلى التوحيد بالفطرة، هل تذكرون أن قصة بن يقظان تحكي عن جنس بشري جلس مكتوف الأيادي ينتظر المصير القاتم المحتوم؟ كلا، هي قصة بطل  ابتكر طرقا متعددة لبناء نوات الحضارة الإنسانية، و هي قصة بن يقظان الرومي العجمي التي تطورت إلى ابتكار الموت الرحيم و العلاجات التلطيفية، لكن حي بن يقظان العربي، و المغربي على الخصوص، لازال بدائيا يعتقد في أساطير سكرات الموت، و تتناسل الحكايات والتأويلات عن أساليب تدبير المرحلة الأخيرة من الحياة بعيدا عن المقاربة العلمية و العلاجات الضرورية لحماية المريض وذويه من انهيارات عاطفية قد تؤدي لنتائج لا تحمد عقباها.     كفانا ضحكا على الذقون! لماذا توصّل حي بن يقظان في الغرب إلى بناء منظومة صحية متكاملة، تمكنه من رعاية المريض حتى نهاية حياته، و هنا في وطن الإسلام، يحتمي حي بن يقظان فقط بدرع الإيمان وتقوى القرآن و دفئ الإخوان  لمواجهة المصير المحتوم. لقد قبِل آل حي بن يقظان في قبائل المغرب بموت الذل والهوان، و حين يقول لهم الطبيب قولته المشهورة: "هادا ما عندوا علاج!"، تتعالى الأصوات من كل مكان قائلة : "دي باك يموت في دارو!"، و تعتبر هذه نقطة البداية لمعاناة المريض الحقيقية مع سقمه، لتنغمس العائلة بأكملها في الحزن والهم والشقاء. بالله عليكم يا آل حي بن يقظان، قولوا لي: "ما معنى دي باك يموت في دارو؟" كيف يحدث هذا في وطن تفانى مواطنوه في خدمته ليُرمى بهم عند إصابتهم بداء مستعص العلاج في طي النسيان؟ كيف يٌرمى بالمريض إلى ذويه لاحتضانه، إعمالا بالقول المأثور " إلى خنز اللحم يهزوه ماليه!"،  و لا من يقدم العون من المؤسسات، حيث يفارق المرء الحياة في توجع دون توفر علاجات تلطيفية، و دون خبرة ذويه في مقابلة المريض و تقديم الإسعافات الضرورية، هذا يتم في قرية بن يقظان التي تعرض فيديوهات آتية من الغرب توثق كيف يستفيد بن يقظان "كامل المواطنة" من خدمات المنظومة الصحية حتى تنهدات الوداع، بل يتمتع هو وذويه بحق الموت الرحيم.   و ليكن في علمنا جميعا، أن مجتمعنا لا يطبق الموت الرحيم طبعا، كما تقوم بذلك مجتمعات دول "الكفر"، لكنه يطبق الموت القاسي و العنيف في حق مرضاه دون وعي ثقافي بذلك، ومع الأسف بفهم ضيق لنصوص الدين. ماذا يعني سلوك "دي باك يموت في دارو!" في قاموس المنظومة الصحية الديمقراطية التي تحترم حق الإنسان في الحياة؟ إنها بكل بساطة قتل جائر للإنسان وتخلي المؤسسة الصحية عن مسؤوليتها اتجاه مواطنيها. سيقال لنا مثلا: كيف يمكن توصيف هذا السلوك بأنه موتا قاسيا في حق المريض؟ تصوروا معي ما يقع مثلا لمريض سرطان في أوروبا، عادة ما يدخل هذا المريض في غيبوبة، وقد تطول بالنسبة للبعض، حيث تجعلهم تحت رحمة الأجهزة و التنفس الاصطناعي، وبالرغم من الأدوية و المسكنات، يظل المريض في محنة الأوجاع والصداع الذي لا يستطيع تحمله، فتتخذ العائلة والأطباء قرارا بإنهاء حياته عبر رفع هذه الأجهزة.   هذا سيناريو شائع جداً في بلدان أوروبا، لكن ما هو السيناريو الشائع في المغرب؟ "دي باك يموت في دارو"، إذ في حالة الإصابة بداء مستعص لا يكمن علاجه،  يلزم المريض بيته ويعاني في صمت، أحيانا محاطا بعائلته إذا كان محظوظا، يحثونه على الصبر و الثبات، و ذلك لأن الله مع الصابرين. أين هي الأجهزة أو الأدوية التي سيأخذ فيها الأطباء والعائلة قرارا برفعها قصد إنهاء حياته؟ على العكس، يُترك المريض يواجه قدره بكلمات الصبر و الفرج من عند الله، و القول المأثور "دي باك يموت في دارو"، فلولا إيمان آل بن يقظان بالمكتوب و الآجال و الساعة، لما قبلوا بهذه الطريقة في العبور من حياة الدنيا إلى حياة الآخرة.  حين يشتد الألم، و يحس المريض بأن الساعة اقتربت لا ريب فيها، وينقطع عن الأكل والكلام،  فترى أصبع يده اليمنى ينطق بحركات الشهادة، و على التو تنادي العائلة على الفقيه الذي يقف على رأس المريض المستعد للسفر الأبدي، يرتل القرآن ترتيلا، لعله يلطّف عليه سكرات العبور...كما يلاحظ القارئ، فإن العلاجات التلطيفية التي يمتهنها المغاربة، ليست كيماوية بل سوى ثقافية يستلهمها معظمهم من الخزان الديني لمقاومة مصيبة الموت، و حزن الفراق. لقد أصبح اليوم ضروريا مساعدة مرضى الحالات المستعصية في محنتهم بتوفير العلاجات التلطيفية البديلة التي قد تحسن من حالة المريض الجسدية و النفسية، خصوصا إذا امتزجت بالطقوس العلاجية ذات التأثير البلاسيبو في ثقافتنا الإسلامية.    نحن لا نطالب وزارة الصحة بإنشاء مراكز أو غرف داخل المستشفيات لإيواء المرضى على فراش الموت و الاعتناء بهم حتى الوداع الأخير، كما هو حاصل في دول الغرب "الكافر"، لأننا نعلم جيدا صعوبة توفير الخدمات الأساسية حتى بالنسبة للمرضى العاديين، لكن نطالب ساسة مجتمع حي بن يقظان المسلم التقي أن يقوم بإحداث خلية علاجية تتكون من أطباء متخصصين في العلاجات التلطيفية تزور بيوت مرضى سقم الموت، لتقدم الإسعافات الضرورية والوصفات العلاجية الممكنة، كما تعمل على تمرين أفراد العائلة الذين أوكلت إليهم مهمة الاعتناء بالمريض، و لما لا مراقبة صحة هؤلاء بعد موت الهالك بوصف التحاليل الطبية اللازمة، والعلاجات النفسية الضرورية. ماذا ستكلفكم هذه اللجن الطبية التي ستقدم خدمات إنسانية جليلة لا تقدر بثمن؟ ما دوركم كحكومات تتقلد مناصب الحكم و تسطر "برامج التغيير"؟     لقد حان الوقت أن يجبر المواطنون ساستهم ليس فقط على التصريح بممتلكاتهم عند الاستوزار، ولكن على امتطاء الحافلات و استعمال وسائل النقل التي يستعملها "رعاع" هذا الشعب، و يرسلون أبناءهم إلى المدارس الحكومية التي يدرس بها أبناء "غوغاء" هذا الشعب، و يعالجون مرضاهم  في نفس المستشفيات الحكومية التي يتردد عليها فلذات أكباد هذا الشعب، يومها إذن، سيمنح المغاربة أصواتهم لمنتخبين منهم وإليهم، يحسون بمعاناتهم، ويهتمون بقاضايهم المصيرية، أما عندما يمنح المغربي صوته لمنتخَب يمتطي سيارة رباعية الدفع، و يدرس أبنائه في مدارس راقية باهظة التكاليف، و يستورد "دوليبران" من باريس إذا أوجعه رأسه، و يرسل أبنائه في بعثات دراسية إلى الخارج، و ينزل بمصحات أوروبية راقية لتلقي العلاجات التلطيفية، ليعود إلى وطنه في تابوت خشبي محكم الأقفال على متن طائرة البوينغ، ثم يتطوع عذارى الناخبين لحمل أخيهم على الأكتاف إلى مقابر المسلمين، و من هؤلاء التوابيت أو الصناديق المنتخبة  من يُعتبر شهيد الواجب، فيدفن في مقابر النخبة، أهذا من أبناء جلدتنا، يُحزنه ما يحزننا، و يُصيبه ما يصيبنا، و يتحسر لمعاناتنا؟ أهذا من آل بن يقظان الذي كابد المتاعب لفهم قانون الطبيعة وبناء السلوك الاجتماعي؟  لعل من أكبر حسنات ربيع العولمة الرقمي، هو سقوط أقنعة الزيف و انقطاع غبار سياسة الأوهام، إذ لا أمل في هذه الزعامات الكارتونية و الأحزاب المهووسة بغنائم السلطة بعيدا عن معادلة النهضة والتغيير.   ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي     

  • ...
    استياء من تحول مقبرة الرحمة بالجديدة الى مكان لا يليق بدفن أموات المسلمين

    زرت البارحة مقبرة الرحمة بمدينة الجديدة في جنازة لدفن أحد الأقرباء، ففوجئت أن مشكل الاكتظاظ لازال مطروحا منذ سنوات...اكتظاظ في المدارس، اكتظاظ في المستشفيات، اكتظاظ في المقابر...لماذا يحدث هذا؟  ألا توجد أمكنة لدفن أموات المسلمين؟ يقوم الحفار بمشقة الأنفس بإحداث فراغات بين القبور لدفن الأموات، و لازال المجلس البلدي ينتظر افتتاح المقبرة الاقليمية "الريان" بجماعة مولاي عبد الله لدفن أموات المسلمين المحسوبين على عاصمة دكالة.وفي انتظار البديل، أصبحت مقبرة الرحمة عبارة عن سكن عشوائي بعدما كانت سكنا اقتصاديا لموتى المسلمين، أما الموتى الذين لهم أقارب في السلطة القضائية أو الداخلية، فيتم دفنهم في الروضة الخاصة بسيدي محمد الشلح، و هي روضة تديرها جمعية خاصة، و تعتبر هذه الروضة الآن "بزون فيلا" يدفن فيها علية القوم، أما الغوغاء فتتزاحم بروضة الرحمة بعدما تزاحمت في روضة سيدي موسى...ما نستغرب له هو كيف تسمى هذه الأمكنة "رواضي"، بينما المقابر الفرعونية في مصر تسمى "قرافة"، ربما على المصريين زيارة القرافة المغربية ليقفوا على المعنى الحقيقي للكلمة، فهي مقابر أو بالأحرى "مزابل" موتى المسلمين، بدون ممرات، بدون نظافة، و تشكل مأوى للمتشردين و شاربي الجنكا، أهكذا تُشيّد  و تُسيّر المقابر يا معشر المسلمين؟ذهبت في رحلة إلى بولونيا، ثم أخذني أستاذ زميل لي في زيارة إلى مرقد أمه، فاندهشت لحديقة الأموات بطرقات و ممرات و أشجار وورود و كراسي، و نفر يمارس الرياضة و الجري على طرقات المقابر، ناهيك عن الرخام والفوانيس و الشموع التي تزينها، فقلت في نفسي: هذا قوم "كافر/مشرك"، لكنه يحترم مواطنيه أحياء وأموات !نحن لا نريد زخرفة القبور، ولكن على الأقل نريد مقابر تليق بأموات المسلمين، تضعهم على قدم المساواة ...عار عليكم أن يدفن أموات النخبة في زون فيلا، و يدفن أموات باقي الشعب في السكن العشوائي، هل كُتبت على جبيننا أحياء وأموات أن نظل أغنياء وفقراء إلى الأبد؟ ويل لكم يا معشر المنافقين، أتضعون الفوارق الاجتماعية حتى في توزيع المراقد؟ هو يوم القيامة، يوم البعث، يوم السراط، أنتم على موعد مع رياح ربيع عربي جديد !؟  مواطن متضرر

  • ...
    السياسات الوطنية المغربية لمكافحة تغير المناخ

    تساهم الدول العربية في انبعاث الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري بنسبة لا تتجاوز خمسة بالمائة من انبعاثات الغازات في العالم،  المسهمة في تغير المناخ،  إلا أنها المتضرر الأكبر من هذه الظاهرة،  حيث نشهد تفشي الأمراض المعدية،  و ازدياد حالات الحساسية و الأمراض الرئوية في بعض المناطق العربية،  بسبب ارتفاع درجات الحرارة،  الذي يسبب ارتفاع منسوب مياه البحار نتيجة لتسارع ذوبان الجبال الجليدية في القطبين مما سيؤدي إلى غرق العديد من الجزر و المدن الساحلية. إن مكافحة تغير المناخ هو كفاح ضد اللامساواة بالدرجة الأولى،  حيث أن الدول  الهشة و الأكثر فقرا هم أول ضحاياه،  ليس فقط لأنهم الأكثر ضعفا في مواجهة مخاطره،  بل لأنهم أول من يوجد في مرمى النهب المنظم للموارد البشرية.  و لهذا،  يقف المغرب في الخطوط الأمامية للمواجهة مع ظاهرة تغير المناخ،  و يعطي اهتماما بالغا،  خصوصا و انه يرى في تفاقمها تهديدا لحياة و مستقبل جل الكائنات الحية.  فمنذ مصادقته على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشان تغير المناخ سنة 1995 ، و على بروتوكول 'كيوتو' كمعاهدة بيئية دولية نصت على التزامات قانونية للحد من انبعاثات أربعة من الغازات الدفيئة،  و المغرب يبدل قصارى جهده كتكريس لالتزاماته التي قطعها في هذا المجال،  حيث اعد  خطة محكمة المناهج و مدروسة الأهداف،  لمكافحة الاحترار المناخي سنة 2009 ، والتي تنطوي على تنمية مصادر الطاقة النظيفة و تنويعها، كالطاقة الشمسية و طاقة الرياح، وقد خرج هذا المشروع للضوء مؤخرا، فالحكومة  تقيم محطة ضخمة للطاقة الشمسية في الصحراء المغربية  ، فهي سابع محطة للطاقة الشمسية في العالم بعد المحطات الأمريكية ، و تعهد انه و بفضلها،  ستنخفض انبعاثاته الغازية بنسبة 42% بحلول سنة 2030 .و لتنمية الوعي بالرهانات البيئية وبالحق في بيئة سليمة وكذلك بالتنمية المستدامة كما هو منصوص عليها في دستور المملكة المغربية، تم إنشاء مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة في يونيو 2001 بمبادرة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس،  و من بين أنشطة هذه المؤسسة،  برنامج "شواطئ نظيفة" الذي يشمل مجموع الساحل المغربي، ب 89 شاطئا مواكبا،  من ضمنها 22 حاصلة على علامة اللواء الأزرق ، و يعتبر هذا البرنامج،  في الوقت الحالي أحد عناصر عمل واسع تقوم به المؤسسة من أجل حماية الساحل والمناطق الرطبة. هذا العمل الشامل هم منذ 2008 الحد من تلوث بحيرة مارتشيكا، وفي سنة 2011، حماية بحيرة الداخلة. كما أنه هم أيضا محمية المحيط البيقاري للمتوسط المتقاسمة بين إسبانيا والمغرب. و حاليا يتم تفعيل و تعميم المدارس الايكولوجية في الموسسات التعليمية الابتدائية،  الهادفة إلى تعبة التلاميذ و أولياء أمورهم، و كذا المدرسين، حول خمس محاور تتعلق بالمياه و الطاقة و النفايات و التنوع البيولوجي و التغذية.   في جميع هذه البرامج، تقوم المؤسسة بأعمال تحسيسية وتكوينية وتربوية لفائدة الجميع. هذه الأعمال تبدأ انطلاقا من الأطفال، المستهدفين الأوليين، من خلال برنامج "الصحفيون الشباب من أجل البيئة".إن احتضان المغرب للدورة الثانية و العشرين لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي لسنة 2016 ، دليل قاطع على انه من البلدان العربية الإفريقية المشعة بالحس البيئي و المكرسة لجزء من ميزانيتها لمواجهة مشاكل البيئة وإيجاد حلول لها،  تسمح للأنواع البشرية و الحيوانية و النباتية و غيرها بالتواجد على كوكب الأرض . و قد شهد للمغرب حسن تنظيم و تدبير الحدث العالمي للقاء الأطراف ، الذي كان فرصة للكشف عن المشاريع الايكولوجية المغربية ك'اوليا كرين فود مكناس ' الذي يعتمد على  جمع مخلفات إنتاج الزيتون وتثمينها واستغلالها في إنتاج الطاقة الكهربائية. و خصصت لهذا المشروع اعتمادات مالية تقدر ب 450 مليون درهم .حقـق المغـرب إنجـازات ملموسـة فـي مجموعـة مـن المجالات مثـل مراقبـة جـودة الهـواء،ومكافحـة الاحتبـاس الحـراري، واسـتغلال الغابة، ،وتطويـر الطاقـات المتجـددة، والكهربـة الريفية، ،والحصـول علــى المــاء الصالــح للشــرب فــي المناطــق الريفيــة، وتأهيــل التربيــة البيئيــة. كمــا تبــدل حاليــا جهــود لتعزيـز البنيـات الأساسية لتطهيـر النفايـات السـائلة، وتجميـع النفايـات، وتدويرهـا وتثمينهـا ، وإعـادة التشـجير ، والنجاعـة الطاقيـة، والنقـل المسـتدام، وترشـيد استهلاك المـاء وتنميـة المـوارد المائيـة غيـر التقليديـة. وشـهدت السـنوات الأخيرة إنجـاز إصلاحات واســعة النطــاق علــى المســتوى المؤسســي، والتشــريعي والإستراتيجي. وتــم تعويــض كتابـة الدولـة المكلـف بالمـاء والبيئـة بالوزارة  المنتدبـة لـدى وزيـر الطاقـة والمعـادن والمـاء والبيئـة ،وتـم إنشـاء وكالات ومعاهـد متخصصـة كالوكالـة الوطنيـة لتنميـة الطاقـات المتجــددة والنجاعــة الطاقيــة، والوكالــة  المغربيـة للطاقـة الشمسـية، والوكالـة الوطنيـة لتنميــة تربيــة الأحياء البحريــة، معهــد  الأبحاث فــي الطاقــة الشمســية والطاقــة المتجـددة، وتـم أيضـا إطلاق مشـاريع المـدن الخضــراء.منال عادل

  • ...
    عميد كلية الآداب بالجديدة يُلحق أحد الموظفين بالإشراف على بناء تعاونية سكنية

    يتداول الموظفون والأساتذة الباحثون بكلية الآداب والعلوم الانسانية بالجديدة بشكل خاص، والرأي العام الجامعي بشكل عام، خبرا مفاده أن موظفا كفئا ومتمرّسا كان مشرفا على قسم البرامج، قد أعفاه عميد الكلية من مهامه، وعيّنه في مصلحة أخرى أصبح فيها شبه عاطل يقضي يومه خارج أسوار الكلية، بعد أن كلّفه بالإشراف على تعاونية سكنية، يساهم فيها هو كعميد ونائبه، وذات الموظف وآخرين.إن إعفاء موظف من مهامه، والكلية في حاجة ماسة إلى كفاءته وتجربته في قسم البرامج ، وتكليفه بتتبّع بناء تعاونية سكنية يساهم فيها العميد ونائبه، يعتبر استهتارا بالمسؤولية وإخلالا بالواجب، إذ كيف يسمح العميد لنفسه، أن يعفي هذا الموظف من مهامه  والكلية تشكو من خصاص مهول في الموظفين، ويرسله في مهمة لا علاقة لها بوظيفته، حيث يمضي سحابة وقته في أوراش التعاونية، ويتجول بين بائعي مواد البناء، لتظل موظفة تتحمل لوحدها أعباء  قسم البرامج، وتبذل جهدا مضنيا في تحضير استعمالات الزمن وتوزيع القاعات لأكثر من ست شعب وما إلى ذلك.نتساءل في هذا الباب : ماذا يُنتظر من عميد ونائبه حوّلا اهتمامهم من المشاريع الأكاديمية الى الاهتمام بمشاريع التجارة في العقار (نجزم بأنها تجارة لأسباب نترفّع عن ذكرها هنا)؟، وهل المشاكل التي تتخبط فيها كلية الآداب والعلوم الإنسانية، والتي أصبحت ماركة مسجلة بهذه الكلية سببها انشغال الجميع بالتجارة والبحث عن الاستثمار في المشاريع العقارية؟نتساءل كذلك : هل هذا هو مشروع تطوير الإدارة الذي أتى من أجله العميد إلى رئاسة المؤسسة؟ هل يحمل المشروع في طيّاته إفراغ المصالح الإدارية من موظفيها  وإرسالهم إلى التجارة في العقار؟ هل مشروع الإدارة يتضمن استثمار العميد وفريقه في مجال العقار؟ ما هو نوع الخطاب والعلاقة التي يمكن أن تربط العميد  بموظف،  يساهمان في مشاريع استثمارية مشتركة؟ ماذا يحدث حين يصبح المسؤولون والأساتذة الباحثون والموظفون يستثمرون في بقع أرضية مشتركة؟ كيف سيختلفون على تدبير شأن الكلية وينتقدون بعضهم  البعض؟  بل كيف سيحافظون على نظافة اليد، ويحرصون على تطبيق القانون، إذا كان همهم الأول والوحيد هو الاستثمار والتجارة في العقار؟الآن، يتضح بما لا يدع مجالا للشك أن الأسباب التي أدّت إلى كل هذا العبث والفوضى في كلية الآداب والعلوم الانسانية بالجديدة بشكل ملفت ومخيف، بالإضافة إلى أسباب أخرى سبق وأن تطرّقنا إليها في مناسبات ومقالات عديدة، هو اهتمام المسؤولين وحاشيتهم بأمور لا علاقة لها بشؤون الكلية.ومما يزيد الطين بلّة، هو غضّ رئيس الجامعة بصره عن ما يقع في هذه الكلية التي تصل ميزانيتها الإجمالية إلى أكثر من مليار سم، لدرجة أصبح فيها العميد وفريقه يخالون أنفسهم فوق القانون، يسيّرون ضيعة وليس مؤسسة عمومية تخضع لمراقبة الدولة، وغضّ بصره أكثر عن التجاوزات والأخطاء الجسيمة لنائب العميد. في الختام، نجدّد ونؤكد أن هدفنا أولا وأخيرا هو الرقي بعمل مؤسساتنا العمومية وتخليق الحياة العامـة وتكريس مبادئ المحاسبة والشفافية وحماية الأموال العمومية، وإرساء المزيد من  قيم الاستقامة والنزاهة، وهذا لا يمكنه أن يتأتّى إلاّ من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي جاء النص عليه في الفقرة الثانية من الفصل الأول  لدستور 2011، مع ما يعنيه هذا الترتيب التشريعي المقصود في الوثيقة الدستورية، والذي لا يمكنه أن يعطي ثماره ومفعوله في التدبير العمومي، بدون تفعيل حقيقي، جدّي، ومسؤول، يبدأ بالجواب على السؤال البديهي : من أين لك هذا؟ذ. غريب عبد الحقكلية العلوم بالجديدة

  • ...
    الجامعة المغربية و جدار برلين.. قراءة في أزمة العلوم الإنسانية

    تمر العلوم الإنسانية اليوم بأزمة وجودية عبر أنحاء العالم أمام تزايد الطلب على التخصصات العلمية والتكنولوجية التي تلبي حاجيات سوق المعرفة، وهناك قلق متزايد إزاء انتهاء مدة صلاحية هذا الحقل المعرفي في مجتمعات رأسمالية هرولت وراء تخصصات علمية دقيقة و أخرى خدماتية مُمَهننة تلبي حاجيات سوق الشغل كالهندسة وتكنولوجيا المعلومات، فتم اختزال اقتصاد المعرفة في حشو حوصلة أخطبوط الرأسمالية بقوة عاملة فنية مدربة تلبي حاجيات صناعاته ونشاطاته الاقتصادية. و انطلاقا من هذه النقطة بالذات، بدأت تظهر متاعب المجتمع الرأسمالي و تخوفاته من إنتاج أعضاء اجتماعيين لا يستطيعون التفكير خارج نطاق التخصص الضيق، حيث تصاعد قلق اجتماعي في بعض أنحاء العالم حول الهدف الأسمى من التعليم، هل ننتج المعرفة لتحسين أوضاع المجتمع تقنيا و خدماتيا، أم نعلّم الشعوب فلسفة الحياة وأنماطها عبر التاريخ قصد تطوير أساليب الحياة و أنسنة العلم و تخليقه وغرس قيم المواطنة و مبادئها في ذهنية الشعوب؟ أليست المنظومة التعليمية الإنسانية هي الكفيلة وحدها بتحقيق استمرارية المجتمعات وحضاراتها، و إلا فستواجه المجتمعات لا محالة ناشئة  معوقة ذهنيا و مغتربة عن تاريخها الثقافي المشترك؟  هذا يذكرنا بنقاش كلاسيكي ساد مجتمعات القرن التاسع عشر حتى سنة 1870، لما هيمنت فكرة إقصاء الأدب من الجامعات و الاكتفاء بمناقشة أعماله في الصالونات و المحافل الأدبية التي دأبت النخب الراقية المتعلمة على تنظميها آنذاك، و ذلك نظرا لارتباط الأدب بملكة الإبداع والخيال التي و جد فيها المفكرون التربويون صعوبة في تعليمها للناشئة بشكل منهجي، ولم يتسنى للأدب ولوج رحاب الجامعة حتى ظهرت الدراسات اللسانية التي أقحمت هذا الحقل المعرفي في تخصصاتها، وهكذا اقترنت الدراسات الأدبية بدراسة اللغة، و عقد الإثنان قرانا كاثوليكيا استمر حتى اليوم دون أن يتساءل المفكرون الحداثيون عن هذا المزج و مدى صلاحية استمراره على الساحة الأكاديمية مع اختلاف الأزمنة والسياقات الثقافية. أضف إلى هذا منهاج التقسيم بين شعب الفلسفة والتاريخ والأدب وعلم الاجتماع الذي اتبعته الجامعات الأوروبية وقلدته الجامعة المغربية في إطار تبعية "ملتزمة" حتى اليوم، بالرغم من اختلاف السياقات التاريخية والثقافية بين الاختيارات النظرية لجيل من المثقفين الإنسانويين قرر الفصل بين هذه التخصصات في الماضي، و جيل من مفكري ما بعد الحداثة سعى إلى تكسير الحدود و تشييد الجسور بين شتى حقول المعرفة.  هل انخرطت الجامعة المغربية في هذا النقاش الأكاديمي؟ هل تبنت الجامعة المغربية هندسة الشعب و الكليات انطلاقا من مقاربات نظرية و اختيارات مُفكَّر فيها أم هو تقليد عشوائي للجارة أوروبا؟ هل يمكن اعتبار الجامعة المغربية ابتكارا محلياً، أم هي مجموعة رواسب أجنبية خلفها الاستعمار الفرنسي سواء عن طريق كوادره الكولونيالية أو عبر انتشار طبقة اجتماعية متعلمة مستلبة استوطنت دروب الجامعة بعد الاستقلال، درس أبناؤها في فرنسا، ثم عادوا في إطار "مغربة" الأطر الجامعية، لكن معظمهم قام بإعادة إنتاج المنظومة الاستعمارية بأقنعة ثقافية و علمية متعددة دون تساؤلات منهجية كبرى؟   لم يعد خفيا على أحد أن الجامعة المغربية تستورد أنماط أكاديمية غربية جاهزة دون أقلمتها ومساءلتها منهجيا وتعميق التفكير فيها. لقد تطرقنا في مقالات سابقة لعدد من المطبات و الأعطاب التي يعاني منها الإصلاح البيداغوجي الجديد، و لا داعي  لنكرر الأفكار نفسها، لكن نطرح بعض الأسئلة الجديدة حول هذا الإصلاح حتى نبين مرة أخرى ذلك التقليد الأعمى الذي تنهجه الجامعة المغربية في تأطير طلابها دون نقد ذاتي أو تفكير استباقي فيما تستورده من هندسة بيداغوجية. إن السؤال المطروح على الإصلاح البيداغوجي الجديد في هذا الصدد هو: لماذا تخلت الدولة على أربع سنوات في التكوين لنيل الإجازة واستبدلتها بثلاث سنوات؟ هل هذا الإجراء مُفكّر فيه، أم هو مستوحى آليا من الغرب؟  نحن نعلم أنه في الولايات المتحدة مثلا، تتحمل العوائل تكاليف الدراسة الجامعية، مما أدى إلى  تصاعد أصوات سياسية تطالب بتخفيض رسوم التسجيل عن طريق المساعدات البنكية والقروض وغيرها من الإجراءات، و من تم جاءت فكرة تركيز برنامج الإجازة الجامعية وتكثيفه في ثلاث سنوات  عوض أربع قصد تخفيض تكاليف الدراسة. هل هذا هو السبب نفسه وراء تكثيف الجامعة المغربية لبرنامجها الجامعي كذلك، أم هو تقشف في ميزانية التعليم؟ لا يوجد جواب مبرَّر في هذا الصدد، و يظل هذا الاختزال غير مُفكّر فيه في دولة لا تتوفر على اقتصاد معرفة يشابه نظيره الأمريكي، و ليست لديه نفس الأولويات. نحن نعلم جيدا أن المواطن الأمريكي يتخذ من الدراسة و تحصيل المعرفة أسلوب حياة، حيث قد تجد نادلا في مقهى أو سائق طاكسي يتابع دراسته العليا في الجامعة. إن نظام المعلبات المعرفية المقتضبة يتماشى إلى حد ما مع السياسيات الاقتصادية التي تخططها الولايات والحكومة الفيدرالية في أمريكا، هذا بالرغم من المشاكل التي يطرحها هذا النموذج الأكاديمي، لكن أين نحن من السلوك الثقافي للمواطن الأمريكي؟ كيف نختصر التحصيل الأكاديمي في شهادة جامعية لا يتعدى غلافها الزمني ثلاث سنوات؟ و على مستوى التطبيق، تنبلج مفارقة مدوية حين يجلس الطالب في قاعة الدرس يتفرج على أستاذ عداء يركض و يهرع في تدريس مقدمات و معارف جزئية لا تستغرق سوى 18 شهر في مجملها، و ينتهي الكلام ليتخرج الطالب مُطلٍّقا القراءة والكتابة بالثلاث، ثم تبدأ معاناة البحث عن الرّزق في إطار البلوكاج الوظيفي. هل هذا النظام الاختزالي صالح لثقافة محلية مازالت في حاجة ماسة إلى خطاطات تمرّن المواطن على القراءة و والتعلم مدى الحياة؟ لماذا هذه السرعة في التحصيل؟ إذا كان الطالب سيغادر أسوار الجامعة ليتسكع في الشوارع لمدة سنتين أو ثلاث في بحث "غودوي" عن وظيفة (نسبة إلى غودو)، أليس من الأجدر الاحتفاظ بهذا المتعلم في رحاب الجامعة و تمرينه على المطالعة و البحث حتى يستكمل معارفه و تنضج أفكاره وآراؤه و يستطيع المبادرة و المنافسة و المشاركة الفعالة في الحياة العملية بعد التخرج؟   لماذا أقدمت الجامعة المغربية على اقتضاب المعرفة الأكاديمية في ثلاث سنوات بينما تدعو هونغ كونغ وسنغافورة والصين إلى تمديد البرامج الجامعية لتمكين الطالب من التوسع في تحصيل المعرفة و تطوير مهاراته النقدية والإبداعية، و خير مثال هو حين مددت جامعة هونغ كونغ برامجها الجامعية من ثلاث سنوات إلى أربع، فما يمنع المغرب يا ترى، و هو بلد لازال يحارب التخلف الاجتماعي و الأمية الوظيفية و المعرفية، من أن يمدد شهادته الجامعية إلى خمس سنوات على الأقل؟ لماذا انزلق المغرب نحو الاستجابة الضيقة إلى متطلبات الاقتصاد الدولي مهملا التساؤلات الكبرى حول قضايا المواطنة و تخليق الحياة العامة واحترام القانون والمشاركة السياسية و النقد والتحليل و امتلاك رصيد ثقافي عالِم؟ هل تتقدم الاقتصاديات بالمعارف التقنية فقط، أم بمساهمة الإبداع و التحليل و النقد والالتزام القيمي؟ هل نستطيع بناء مجتمعات بالمفهوم الحديث في غياب مأسسة العلوم الإنسانية؟  إن واقع العلوم الإنسانية في الجامعة المغربية اليوم يدل على مأزق وجودي تتخبط فيه تخصصات عدة من التاريخ والجغرافية إلى اللغات والفلسفة و علم الاجتماع، حيث تعتبر هذه الشعب مستودعا لبطالة مثقفة، نظرا لما يشاع عنها بداية من عدم قدرتها على مسخ برامجها إلى معلبات تسويقية تلائم  حاجيات سوق الشغل،  و نهاية إلى غموض طرق تدريسها. هكذا، كلما أُنجزت دراسة حول الجامعة المغربية أو وُجهت انتقادات إليها، تحتل كليات العلوم الإنسانية مركز الصدارة في الملامة و النقد جراء مشاكلها المتراكمة حول مآل الخريجين وتنافر مناهج التدريس و تفككها بمجموعة من الشعب الأدبية، وهنا تُطرح عدة أسئلة عن مآل  التخصصات الإنسانية التي يقال بأن دورها يقتصر على تجييش عطالة المجتمع، بل هناك أصوات سياسية تنادي بإقفال كليات العلوم الإنسانية لعدم جدواها في سوق الشغل وتفاديا لاعتصامات المعطلين، و قد يحترف هذا التفكير "الخبزي" عدد من الفاعلين السياسيين الذين لم يسعفهم الحظ في استكمال دروسهم والالتحاق بالجامعة.  كيف يعقل أن تمنح الجامعة المغربية شواهد جامعية في العلوم الحقة والهندسة والطب َوالاقتصاد والحقوق  وتخصصات أخرى دون تعبئة هؤلاء الخريجين أخلاقيا ومعنويا للقيام بواجبهم الوطني، و دون فهمهم للنسيج الاجتماعي و التراث الثقافي؟ فهل يستطيع العلم و التكنولوجيا أن يجيبا على التساؤلات المعنوية والأخلاقية؟ هل يستطيعان أن يدلا المواطن على أسلوب و فلسفة حياة يسعى إلى تحقيقها؟ نحن نعيش في عالم يهدده الإرهاب والاحتباس الحراري و التلوث و الهجرة والفقر و الصراعات السياسة والإقليمية، فكيف سنُعدّ أجيالا تؤمن بالسلم الاجتماعي والحريات الفردية، وهي تجهل أسس العلوم الإنسانية وآليات اشتغالها؟ و نقصد بالعلوم الإنسانية الآداب والفلسفة والتاريخ و العلوم الاجتماعية، حيث تمرّن العضو الاجتماعي على الجدل و تنسيب الحقائق و الابتعاد عن الفكر الوثوقي الدغمائي، كما تقي مجتمعنا من السقوط في براثن الفكر الظلامي المتطرف. حين يَدْرُس الطبيب و القاضي والمهندس العلوم الإنسانية والاجتماعية، سوف يضع أسئلة فلسفية حول قضايا دينية وسياسية واقتصادية، و لن يتعامل مع المواطنين دون إلمام منهجي بأوضاعهم الاجتماعية والسياقات الثقافية التي ينتمون إليها.  ما تعيشه الجامعة المغربية الآن من عزلة بين تخصصاتها يحيلنا على تاريخ مرير من العزلة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمعرفية التي تسبب فيها إنشاء جدار برلين بين غرب ألمانيا وشرقها، و في السياق نفسه،  توجد كلية العلوم الإنسانية بجوار كلية العلوم الحقة، لكن بينهما بُني جدار فاصل يرمز إلى قطيعة ابستمولوجية تفصل بين التخصصات، و هي فلذات كبد علم واحد، و توجد شٌعَب في نفس البناية ينعدم التواصل المؤسساتي فيما بينها، و لا هي تؤثر في البيئة والمجتمع المحيط بها،   هذا عبث بيداغوجي تعاني منه الجامعة المغربية. كيف لطالب أو أستاذ جامعي يتخصص في الرياضيات أو الفيزياء وهو يجهل الأسس الابستمولوجية لهذا العلم، و لا يحطم جدار برلين ليلتحق بقسم الفلسفة لدراسة الأسس الابستمولوجية لهذه العلوم؟ هذه هي الحقيقة المرّة التي تتخبط فيها الجامعة المغربية، حيث تقوم بتكوين أطباء ومهندسين ورجال قانون لا علم لهم بالفلسفة وعلم النفس والاجتماع، و تُكوّن علماء اجتماع و مؤرخين غير قادرين على تحليل رواية أو تفكيك صورة، نظرا لافتقارهم إلى مناهج دراسة الخطاب والسيميائيات الثقافية و علم السرديات و الشعرية الأدبية  و غيرها من المناهج و المقاربات الأدبية و اللسانية في التحليل (لكن تجدر الإشارة في هذا الباب إلى وجود أساتذة يجتهدون بشكل فردي في اقتحام مجالات بحثية للاستفادة من نظرياتها و أدواتها المنهجية). إنها مأساة جدار برلين العازل للشعب والكليات، و نستفيض في التساؤل حول جدوى وجود كليات بمعزل عن أخرى، ألا يجدر بنا مأسسة العلوم الإنسانية في جميع التخصصات العلمية، و إعادة النظر في هندسة الشعب الإنسانية، و دمج الكليات الإنسانية والعلمية حتى يستفيد الطلبة والأساتذة من فرص الالتقاء والمناقشة و تبادل الآراء و التأثير في بعضهم البعض؟ لماذا هذه الأسوار العازلة بين الكليات بدعوى التخصص؟ ما معنى أن تتواجد كلية الحقوق في معزل عن كلية الآداب في معزل عن كلية الطب؟ و كل هذه الكليات في حاجة إلى علوم إنسانية لصقل معارفها وتخليق علومها وتعبئة فاعليتها. لقد حان الوقت الآن لتكسير جدار الجهل و القطيعة بين العلوم،  و البحث عن نقط التقاء مفترضة بينها لتوسيع نطاق الإبداع العلمي، و تكوين شباب قادر على التحليل والنقد واتخاذ القرار الأخلاقي المسؤول في خدمة المجتمع والوطن، و هذا لن يتأتى دون نقد انعكاسي للذات و صياغة إصلاح للعلوم الإنسانية في ارتباطها بعلوم أخرى، فما العيب في ظهور كلية الهندسة و العلوم الإنسانية، حيث يلتقي الطالب المهندس والطالب الأدبي في الساحة الجامعية للنقاش وتبادل الآراء في قضايا ثقافية مختلفة، و يلتقيان في أقسام جذع مشترك لدراسة مواد في العلوم الإنسانية بمختلف اللغات، تمكنهم من الاستفادة من بعضهم البعض؟  سيظل التاريخ شاهد إثبات على الدور الإيجابي الذي قامت به العلوم الإنسانية والاجتماعية في صناعة نسيج المجتمعات و أنساقها الفكرية حتى الماضي القريب، و تعبئة فاعليتها السياسية و تجنيد أفرادها للدفاع عن الحقوق و الحريات. إن جدار برلين يعتبر بدعة ظهرت بعد تراجع العلوم الإنسانية أمام قوة  رغيف الخبز الذي يبيعه تعليم سوق الرأسمالية، حيث اهتم بتكوين تِقنيّين و خبراء و مهندسين و أطباء و علماء مهادنين مذعنين خاضعين للهيمنة الاقتصادية السائدة. إن اقتصاد المعرفة الرأسمالي لا يهتم بتعبئة المجتمع و توعيته و تخليقه بقدر ما يسعى إلى مغنطة الجماهير وتنويمها من خلال الفرجة والاستهلاك. إن الجُدُر البرلينية التي يشيدها الأخطبوط العملاق، قد توفر لناشئتنا ظِلّ وظيفة و أجرة، لكنها لن تصنع لنا مجتمعا، و هي تختزل العلم والثقافة في معرفة خدماتية تقنية مبتورة من أنساقها الفكرية وأسسها الابستمولوجية. هذه ليست سوى معارف جزئية خالية من القيم و المبادئ و المواقف التضامنية والإيديولوجيات المناهضة للهيمنة. و بهذا التفريط و الإهمال في الهندسة البيداغوجية للعلوم، ترتكب الجامعة المغربية جريمة رمزية في حق المجتمع بإسكات البعد القيمي والأخلاقي للمعرفة. و أخيرا، نعتقد جازمين أن منطق العلوم الإنسانية هو الكفيل الوحيد بتخليص المجتمع من طبيب أو محامي أو مهندس أو تقني متمذهب، قد ينزلق في أي لحظة إلى فكر غيبي متطرف. لا سبيل أمامنا إذن، سوى تحطيم جدار برلين و التعامل مع الجامعة ليس بوصفها مجرد محرك للاقتصاد الوطني فقط، بل  باعتبارها مركزا لتلقين المعارف والفلسفات النظرية و المطبقة و استبدال الوصفات المقتضبة بتعليم مُتمهّل يَطبُخ المعرفة في "طواجين" مغربية تضيء منار الفكر والإبداع، وتعزز دور العلوم الإنسانية في ترسيخ قيم المجتمع ومبادئه النبيلة من أجل تقوية أواصر الترابط الاجتماعي و التصدي للاضطهاد السياسي و مشاكل الهجرة والتلوث البيئي، و إلا فسينهار المجتمع من جراء الهزات الرأسمالية المتكررة  و "الفوضى الخلاقة" الملازمة لها.  د. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي

  • ...
    لينا.. لترقدْ روحك يا صغيرة بسلام في جنة السلام ولا عزاءَ للمتخاذلين..

     رغم الحوادث المتكررة التي تسبب فيها غياب ممرات الراجلين في شوارع وطرقات مدينة الجديدة، فإن تحرك مسؤولي المدينة ظل محدودا وشبه غائب إزاء مشكلة تشوير الطرق، ما تسبب مجددا في وفاة طفلة على مستوى شارع جبران خليل جبران، بمحاذاة مدرستها "سكول أكاديمي".وتعود أسباب الحادثة، وفق ما عاين شهود عيان، إلى السرعة التي كان يسير بها سائق (من جنسية مصرية) كان يقود، في حدود الساعة الثامنة صباحا، سيارة من نوع "فيات دوبلو"، قبل أن يدهس الطفلة "لـينا"، التي كانت في طريقها للدخول إلى المؤسسة بعد ترجلها من سيارة والدتها.حادثة تركت بالغ الأثر في نفوس الجديديين عامة وجميع من تابعوا واقعة "ليـنا" المؤلمة، إلى درجة أنّ نشطاءَ على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تداولوا صور "لـينا"، معممين هاشتاغ #كلنا_لينا.وفي هذا الإطار، نددت جمعية آباء وأولياء وتلاميذ المؤسسة بالحوادث المتكررة، التي ترجع أسبابها بالأساس إلى غياب علامات التشوير الطرقي، وكذا غياب علامات تحدد السرعة، وانعدام المراقبة المستمرة للمصالح الأمنية على مستوى هذا الشارع الحيوي. كما أرجعت الجمعية أسباب مثل هذه الحوادث إلى السياقة المتهورة لأغلب السائقين، والتي تتجاوز سرعتهم أحيانا الـ80 كيلومترا في الساعة، إضافة إلى غياب علامات مرور الراجلين، ناهيك عن حالة الطريق "المهترئة"، والتي ملأت الحفر جنباتها. أمام هذ الوضع الكارثي، والذي ينذر بحالة احتقان موشكة وسط أولياء أمور التلاميذ على وجه الخصوص، وساكنة الجديدة عموما، في وقت لم نسجّل تجاوبا فعليا ولا وجدنا آذان مصغية من المصالح المختصة، ونخص بالحديث المجلسَ المنتخب في بلدية الجديدة، الذي لا يكلف نفسه عناء ترجمة مطالب المواطنين، باعتباره وصيا فعليا ومباشرا على هموم ومتطلبات الساكنة. ولا يعقل أن نتحدث في ظرف سنتين عن حصيلة "هزيلة" لمجلس انتخبته المدينة واختارته ليكون وصيا على شؤونها.. فأوضاع المدينة تتأزم يوما بعد آخر، وميزان التسيير المعقلن اختلّ، وشوارع أخرى في المدينة -على غرار شارع جبران خليل جبران، مسرح حادثة لـيناِ- تعرف الحالة نفسها: حُفر تتصيد السيارات، وأعمدةُ ضوئية مهترئة لم تطلها يدُ الإصلاحِ، وبنيات تحتية متهالكة، وانتشار متفاقم لظاهرة الباعة الجائلين أمام المؤسسات التعليمية (السعادة، عبد المومن الموحدي نموذجا) وأشغال التهيئة متوقفة منذ مدة في جميع شوارع المدينة، إضافة إلى إشارت ضوئية معطلة في عدد من النقط المرورية.. هذه كلها مشاكل كفيلة بأن تضع المتتبع للشأن المحلي أمام واقع لا يشرّف بالمرة. أمام هذه الوقائع اليومية، التي تصدرتها واقعة "لـينا" في بداية الأسبوع الجاري، يتساءلُ المواطنُ الجديدي عمّن يسهر على إصلاحِ ومراقبة أحوال المدينة ومن يدبّر شؤونها؛ فقد أصبح لزامًا على كلّ مسؤول وكل منتخبٍ الشروعُ في إصلاحِ ما يمكن إصلاحه فعليا، بعيدا عن الصور المزيفة التي يؤثثون بها حساباتهم الفيسبوكية، التي لا تفعل أكثر من إخفاء الحقيقة المُرّة على أرض الواقع، سواءً على مستوى الطّرق أو على مستوى علامات التّشوير، في أفق تفادي وقوع حوادث السّير من الأساس، والحفاظ على أرواح المواطنين.. ليـنا البريئة أسلمت روحها لبارئها ولم تقترف أي ذنب ولا يدَ لها في استهتاركم وفي تماطلكم وفي خيانتكم للأمانة.. لترقدْ روحك يا صغيرة بسلام في جنة السلام ولا عزاءَ للمتخاذلين.

  • ...
    قلوب مدينة الجديدة في قبضة عزرائيل

    تعتبر مدينة الجديدة قبلة للسائحين على مدار السنة، و تفتح ذراعيها للمصطافين من مختلف جهات المملكة في فصل الصيف، حيث تعد من المدن الفريدة في المملكة التي تزخر بشواطئ جميلة، ومناظر طبيعية تستهوي الناظرين، حتى قيل في شاطئها سيدي بوزيد، بأنه مرقد إله البحر الإغريقي "بوزيدون"، و تروي حكاية تاريخية أن الرحالة القرطاجي حانون استكشف هذا الشاطئ، فانبهر بمنظر غروب الشمس في المكان، و هكذا أطلق عليه مسكن إله البحر الإغريقي "بوزيدون"، و كباقي الأسماء، خضع هذا الاسم مع مرور الزمن إلى تحوير وتصحيف أولجه فيما بعد عالم المقدس تحت إسم ما يعرف بسيدي بوزيد، و تجدر الإشارة هنا أن عددا من الأولياء في الثقافة المارابوتية المغربية طالهم تحوير في الاسم، كإله اليهود الذي يدعى شيمهاميفوراش، و تم تحريف إسمه في منطقة الأطلس ليمسخ إلى كائن جني يدعى شمهاروش، هذا بالرغم من وجود هذا الاسم في حكايات وأساطير قديمة. إن عروس الشواطئ مازاكان لازالت تستقطب صناعات مختلفة، و شركات متعددة الجنسيات، حيث أصبحت قطبا اقتصاديا يجلب أيادي عاملة أجنبية ومحلية من مختلف أنحاء المملكة، و بالرغم من هذا التقدم الحاصل اقتصاديا، و ارتفاع عدد الساكنة، ناهيك عن الهجرة القروية، تعاني المنظومة الصحية في هذه المدينة جملة أعطاب، سنتطرق إليها بالتفصيل في مناسبات قادمة، لكن ما أثار حفيظتنا اليوم هو موت صديق عزيز علينا من جراء التفريط و النقص الحاصل في الكوادر الطبية بالمدينة، إذ أن موت العميد السابق لكلية الآداب، الأستاذ محمد المهناوي من جراء ذبحة صدرية ثانية بعد أن نجى لسنوات مضت من الذبحة الأولى عبر رحلة مكوكية بسيارة أحد الأصدقاء من مدينة الجديدة إلى مدينة سلا، حيث أجريت له عملية جراحية أنقذت حياته آنذاك، لدليل واضح على غياب بنية تحتية لمواجهة مخاطر انسداد أحد شرايين القلب (infarctus)، و هو خطر يتربص بجميع المواطنين دون تمييز من لاعبي كرة القدم مرورا بعامل الإقليم إلى أطباء القلب و الشرايين أنفسهم.  إن مدينة الجديدة تعاني غيابا تاما لجراحة القلب و الشرايين ، مما يضع أكثر من نقطة استفهام حول مصير ساكنتها في مواجهة مخاطر الذبحة الصدرية التي لا تتطلب فقط حقن الأدوية لإذابة تجلط الدم، بل في غالب الأحيان تستدعي عملية قسطرة لإعادة فتح الشريان المصاب، و هكذا، إذا أصيب أحد سكان المدينة أو الإقليم بذبحة صدرية تسببت في انسداد أحد شرايين القلب، و تستدعي تدخلا سريعا لإنقاذ حياة المريض، نتساءل كيف سيتم إسعافه و إنقاذ حياته من موت محقق؟   في هذا السياق، سيجيبك آلاف المواطنين الجديدين و تروى لك الحكايات عن المغامرات الطرقية و الرحلات المكوكية إلى مدينة الدار بيضاء لإسعاف مرضى القلب، إذ يتم هذا غالبا بوسائل جد بدائية مقارنة مع الجارة أوروبا، فتلجأ الساكنة إلى نقل المريض على وجه السرعة على متن سيارة الأسرة أو الأجرة، أو على متن ما يشبه سيارة إسعاف مهترئة تكلفهم مئات الدراهم، لكن غرائب هذه الرحلات و عجائبها تكمن في نهايات مأساوية على الطريق الوطنية، و قد يتوفى المريض في أي لحظة لا يستطيع معها التنفس، و الرجوع إلى عالم الحياة. إنها رحلة سيزيفية، تنقل صاحبها إلى المجهول، إما أن ينتصر على ملك الموت، و يصل إلى الطبيب المنقذ أو لا يتخطى عتبة سمرقند ليعانق ملك الموت و يعلن الرحيل.  عزيزي القارئ الجديدي، موعدنا أنا و أنت في سمرقند.  لماذا سمرقند؟ تلك حكاية تعبر عن مأساة الرحيل خلال  سفر المريض الذي يعاني ذبحة صدرية إلى مدينة الدار البيضاء، و قد تكون سمرقند هي نقطة بئر الجديد أو الأحد السوالم على أكثر تقدير.  لا نفشي سراً غيبيا، إذا قلنا إن غياب جراحة القلب و الشرايين بمدينة الجديدة، تضع ساكنتها في مرمى قوس عزرائيل، و ليكن في علم النخب التي تسير المدينة أن رماح عزرائيل تقنص كل من تعثر قلبه عن الخفقان، و لا تميز بين طبيب و أستاذ و  رجل أمن و باقي الغوغاء. أمام رماح عزرائيل، سنسقط لا محالة قنيصا في ثوب أبيض ملفوف، ثم نحمل على الأكتاف إلى مقابر الخلود.     ماذا وقع لمدينتنا حتى يُشحن فيها مريض يعاني ذبحة صدرية في سيارة أجرة أو ما يشبه سيارة إسعاف، ثم تسابق المركبة الريح في اتجاه الدار البيضاء أو ربما المجهول؟ إنه مشهد درامي يذكرنا بحكاية سمرقند التي أشرنا إليها سابقا. هل هو موعد مع ملك الموت في الطريق إلى الدار البيضاء؟ هل قدر الجديدين الموت في الطريق؟                                                                                                                                          تتحدث حكاية سمرقند عن ملك الموت الذي زار جنديا بالعراق وسأل عنه خليفة البلاد، فلما سمع الجندي بخبر حلول ملك الموت بالمدينة، و بسؤاله عنه، امتطى جواده، و سابق الريح فارا إلى سمرقند، و لما سأل ملك الموت الخليفة عن الجندي، أجابه الخليفة بأن هذا الأخير هرب من الموت متجها نحو سمرقند، فابتسم ملك الموت ضاحكا، و تعبّس وجه الخليفة الذي سأله عن سر ابتسامته، فأجابه ملك الموت: " ضربت موعدا مع هذا الجندي في سمرقند!" تعتبر حكاية سمرقند بمثابة خطاطة ثقافية بنيوية تتكرر في كل مكان وزمان، و نعتقد أن ساكنة مدينة الجديدة لهم لقاء مع ملك الموت في سمرقند المغرب، فمنذ انطلاق السيارات المتجهة نحو الدار البيضاء، و ملك الموت يرافق المريض، متهكما ساخرا من غباء المنقذين و بدائية أدواتهم، فغالبا ما يعانق المريض في منتصف الطريق عند نقطة البئر الجديد أو الأحد السوالم على أبعد تقدير، ليصطحبه إلى مثواه الأخير.  لن تستغرب عزيزي القارئ، إذا قيل لك أن ملك الموت حين يرافق مريضا يعاني ذبحة صدرية في أوروبا، تجده متوترا وعلى أعصابه، نظرا لقوة الخصم و كثرة المسعفين و ارتفاع درجة حرفيتهم، فغالبا ما يحول فريق المسعفين المدججين بوسائل تكنولوجية حديثة على متن سيارة الإسعاف بينه وبين عناق مريضهم، حيث يشكل انطلاق سيارة الإسعاف المجهزة التي تتوفر على طاقم طبي يرافق المريض تعسيرا في مهمة عزرائيل الذي يراقب الوضع عن كتب، و قد يعود أدراجه خالي الوفاض منتظرا موعدا آخر. نحن نعي أن لكل نفس أجلها، لكن الأجل المسمى لا يجب أن ينسينا أو يحجب عنا مسؤولية الدولة في الحفاظ على سلامة و صحة مواطنيها، ونتساءل في هذا الصدد عن عدد الضحايا الذين رحلوا عنا في غبن و تهميش ونسيان وإهمال. رسالتنا إلى من يهمهم الأمر، و نتوجه بتحذير من مخاطر الذبحة الصدرية إلى السيد وزير الصحة وعامل الإقليم، أننا جميعا في مرمى قوس عزرائيل، ومادامت المدينة لا تتوفر على سيارات إسعاف مجهزة بطواقم طبية، و غياب جراحة القلب و الشرايين بالمدينة، سنظل نقامر بحياة عوائلنا في رحلة هروب إلى سمرقند.   ما السر وراء غياب جراحة القلب و الشرايين بالمدينة؟ لماذا هذا الإهمال في رسم خريطة علاجية متوازنة من طرف الوزارة الوصية على القطاع؟ ليكن في علم السيد عامل الإقليم، أنه لا قدر الله ، إذا أصيب أحد أفراد عائلته بذبحة صدرية، سيضطر هو الآخر إلى امتطاء جواده و السفر إلى سمرقند.   أيها الجديديون، أين المفر؟ البحر من ورائكم، و سمرقند أمامكم، وليس لكم والله إلا الصبر والاستسلام!؟ (و لنا عودة في مقالة أخرى لتسليط الضوء على معاناة مرضى السرطان و غياب مركز جهوي للأنكولوجيا بمدينة الجديدة) ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    قراءة في أبعاد توجه المدرسة المغربية نحو التكوين المهني

    أرباب المقاولات ورجال الأعمال، لم يعد يقتصر تأثيرهم على السياسة وحدها، بل تعداه إلى المدرسة، من خلال فرض تصوراتهم حول المهمة الجديدة لوظيفة المدرسة، لتصبح أداة في يد الاقتصاد وسوق الشغل لقولبة المتعلمين وفق متطلبات مهنية صرفة، ففقهاء الاقتصاد والمؤسسات المالية، صارت لهم اليد الطولى في توجيه سياسات النظم التعليمية، فنقلوا معادلاتهم  من جبر وهندسة لصياغة نظريات اقتصادية ذات طبيعة تقنية صرفة، تستجيب لمهن سوق مصانع السيارات والطائرات والطاقات المتجددة (...).يبدو واضحا اليوم أن سوق الشغل يعد كمؤشر قوي في اقتصاديات الدول الحديثة، فقطاعات كالصناعة والفلاحة والتجارة والخدمات في سباق محموم مع الزمن لخلق أكبر عدد من فرص العمل لشعوبها، لعلها تبعد عنهم شبح البطالة، الذي يولد البؤس والثورات ويسقط الأنظمة السياسية من عرينها، وبالتالي الكل أصبح خاضعا لتلبية حاجيات هذه السوق.إذا كان التعليم والمعرفة قديما، يلامس أكثر شريحة النخب المثقفة والميسورة، حتى أن الحرف كان ينظر إليها بازدراء، كما هو الشأن في فترة الحضارة الإغريقية، حيث الحرف كانت مرتبطة بشريحة العبيد، في حين أن الاشتغال على المعرفة والتأمل كان حكرا على علية القوم من النبلاء، غير أن هذا الوضع بدأ يأخذ منحا مؤسساتيا رسميا، ليشمل قوانين وأنظمة المؤسسات التعليمية التي بدأت تتخذ من المهن كوسيلة للخلاص بالنسبة للمتعلم.  بلادنا بدورها انخرطت في ذلك تدريجيا، فقد أُدمجت وزارتا التكوين المهني و التربية الوطنية، في بوتقة وزارة واحدة، كمكون مشترك، يؤدي إلى توحيد الرؤية في المدخلات والمخرجات.هذا الأمر برز جليا في مقتضيات رؤية الإصلاح الإستراتيجية في أفق (2015-2030)، من خلال دمج التعليم العام والتكوين المهني في مختلف المستويات التعليمية للاندماج بسهولة ويسر وفق حاجيات سوق الشغل المهنية، سيبدأ من القاعدة بالتعليم الابتدائي عبر مسارات اكتشاف المهن عن طريق إدماج الأنشطة التطبيقية والمحتويات البيداغوجية الخاصة باكتشاف المهن في السيناريوهات البيداغوجية، مرورا عبر إدماجها بشكل تدريجي في مرحلة الإعدادي، وصولا إلى إرساء الباكالوريا المهنية بناء على اختيارات المتعلمين لعديد التخصصات المرتبطة بسوق الشغل، مستعينة بمنظومة التوجيه التربوي التي تكرس جهدها لتوجيه المتعلمين بناء على خطة وطنية لدمجهم في التكوين المهني.قد يكون من حسنات هذه السياسة خلق نوع من التنوع في مسارات التعلم، وتوسيع الإمكانات لدى المتعلمين لاختيار شعب مهنية وتقنية، خصوصا وأن نسبة مهمة من المتعلمين، قد لا تجد ذاتها ولا ميولاتها في التعليم النظري، فضلا عن التمكن من ربط المدرسة بمحيطها الاقتصادي، وهذا ما تجلى في عقد الباطرونا أو رجال الأعمال والمقاولات في المغرب لشراكات مع وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني من أجل خلق تخصصات معينة، يحتاجها سوق الشغل، علما أن مجموع الاستثمارات الأخيرة التي حطت بتراب المملكة، المتعلقة بالأخص بصناعة السيارات والطائرات، كانت بدورها من بين العوامل التي دفعت السياسة الحكومية في هذا الاتجاه.من جهة أخرى، يمكن القول بأن وثيرة إنزال هذه الإجراءات في اتجاه دمج التعليم العام بالتكوين المهني، تبدو وكأنها سريعة، بل نزعم أنها متسرعة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مجال التعليم وحيويته الإستراتيجية، التي تتطلب التشاور وإجماع  كل الفاعلين الأساسيين ، من آباء وأولياء التلاميذ، والمشتغلين في القطاع، إضافة إلى خبراء التربية والاقتصاد والسياسة، لكون أي مشروع تعليمي تربوي، يتطلب استراتيجية مندمجة واضحة المعالم للبلد، حيث سيرهن مستقبل فلذات أكباد المغاربة وسيمتد تأثيره لعقود قادمة، وبالتالي فالمغرب، هل سيكون مؤهلا لإنجاح هذه الاسترتيجية، بحيث وفر لها الإمكانات والبنيات التحتية والاقتصادية التي ستستوعب هذه الأفواج من الشباب المغاربة الخريجين؟ ماذا لو انسحبت الشركات الاستثمارية الدولية من المغرب، تحت أي ظرف من الظروف؟ هل ستكون للدولة بدائل لتشغيل ذلك الشباب؟يرى المتتبعون لمجريات سياسة التشغيل في المغرب، أن الشركات الاستثمارية التي حطت رحالها بالمغرب، تنهج سياسة انتقائية واقصائية لليد العاملة والكفاءات المغربية، فهي تشغل في الغالب الأيادي العاملة التقنية المتخصصة، في حين يجد المهندسون صعوبات بالغة في إيجاد فرص الشغل، حيث تتكفل تلك الشركات باستيراد مهندسيها ومدرائها من الخارج، وهو شيء يطرح أسئلة عدة، فهل المغرب وقع شيك على بياض لهذه الشركات مقابل ولوجها تراب المملكة؟ ولم يفرض شروطه من أجل الحفاظ على مصلحة الأيادي العامل الوطنية؟قد تبدو سياسة توجه المدرسة المغربية نحو التكوين المهني منطقية، إذا ما تم ربطها بالسياق الاقتصادي الدولي،الساعي إلى تنمية سوق الشغل، لضمان دخل فردي للمواطنين، يساهم في تحريك عجلة الاستهلاك، وتلبية حاجيات الأفراد والمجتمعات، فضلا عن إنقاذ المتعلمين، الذين تركوا صفوف الدراسة مبكرا، من خلال ولوجهم لإحدى المسارات المهنية عوض أن يكونوا عرضة للشارع،  لكن ذلك يسير في اتجاه إنتاج أجيال جديدة متشبعة بتكوين وتعليم تقني مهني وحرفي جاف وجامد، قد تكون له تداعيات على صلب الشخصية الإنسانية، ويجعل تفكيرها ينصب على الجانب المادي المحض، لجلب الثمار والمنافع المالية، على حساب بناء الوعي والمعرفة والثقافة النقدية.في السياق ذاته، فمسألة التركيز على توجيه التعليم إلى التكوين المهني، قد يضرب في العمق وظيفة التعليم الأساسية والسامية، في توعية الإنسان وإنتاج نخب مثقفة على درجة عالية من المعرفة، متشبعة بالفكر المتنور و النقدي والإبداعي، الذي تبدو المجتمعات الحالية في حاجة ماسة إليه، خصوصا مع ازدياد وثيرة التزمت والتشدد باسم الأديان والمعتقدات، حيث تشير الدراسات إلى أن أسلوب الأبيض أو الأسود الذي يتبناه الفكر الارهابي، يتطلب في الغالب عقلية ذات تكوين تقني وهندسي، الشيء الذي يبتعد عن فكر الوسطية والاعتدال في رؤية الأمور، وطرح التساؤلات.هذه السياسة الجديدة، قد تعني بداية محاصرة الآداب و العلوم الإنسانية، التي بدأت تصوب نحوها سهام النقد حتى الرسمي، باعتبارها علوم نظرية تفرخ بطالة الشباب، في اتجاه تبني الفكر المقاولاتي، الذي يستوحي أسسه من الاتجاهات النفعية البراغماتية، وهذا ما نلمسه في دول الاقتصاديات المتقدمة، كما هو الشأن في اليابان حيث تم حذف شعب العلوم الإنسانية من الجامعات باعتبارها علوما غير نافعة ولا تلبي حاجيات الاقتصاد والمجتمع.عندما نتطرق إلى مسألة تحقيق النمو الاقتصادي في المجتمعات، التي تسعى للرقي بمواطنيها إلى أفق الرخاء والعلم والمعرفة، فإن ذلك لا يقتصر فقط على مستوى التمكن من العلوم المهنية  التقنية، بل يشمل بالضرورة الاهتمام بشؤون الثقافة والفكر، الذي يبقى حجر الزاوية في نسج مخيلة العلماء والمبدعين، لإنتاج الأفكار، التي هي أصل الاختراع، فالفكرة تأتي بالمال، لكن المال لا يأتي بالفكرة.       نخاف أن تجد هذه التجربة الجديدة نفسها في دوامة أسئلة ذات أفق غامض، شبيهة بتجربة الثانويات التقنية، التي كانت تسعى مراميها في نفس الاتجاه، لكنها إلى حدود الساعة، لم تشمل تجربتها سياسة تقويمية علمية في مدى نجاحها من فشلها.    كما نخاف من أن يكون هذا التوجه الجديد ، بوابة قد يدخل منها مناصرو التدريس بالدارجة، على اعتبار أن تدريس المهن لا يتطلب لغة عربية فصيحة، بقدر لغة مبسطة أقرب إلى اللغة العامية المستعملة التي يتحدث بها عموم الناس، مما يجعل هذا التوجه حصان طروادة لهدم ما تبقى من لغة الضاد على حساب لغات أخرى. على صعيد آخر، تطرح جدلية من يخدم الآخر، هل المدرسة هي في خدمة الاقتصاد، أم هذا الأخير في خدمة المدرسة، تبدو المؤشرات في سياقاتها الدولية تميل إلى الخيار الأول، مادام أن مالكي الإمبراطوريات من الشركات الاقتصادية، هم الذين ينجحون في الوصول إلى الحكم، حتى في أعتا الإمبراطوريات الديمقراطية كما هو الأمر حاليا بالولايات المتحدة الأمريكية، في حين أن النخب المثقفة بدأت تنسحب تدريجيا من مواقع إنتاج القرار. محسن زردانكاتب ومهتم بشؤون المعرفة  

  • ...
    العيادات الطبية بمدينة الجديدة و فوضى الانتظار

    في الدول التي تحترم مواطينها، يلجأ الطبيب إلى منظومة حجز المواعيد لتنظيم زيارات الزبناء له، و يلتزم بمدة زمنية كافية لفحص المريض، و جمع المعطيات، كما يلتزم بسقف عددي محدد من الزبناء يستقبله خلال اليوم، لكن ما نشاهده بعيادات و مصحات طبية بمدينة الجديدة، يعتبر فوضى بجميع المقاييس، إذ تحوّل تدافع المرضى في المزار من أجل نيل بركة الولي أو المجذوب إلى تزاحمهم و تدافعهم أمام العيادة قصد نيل علاج الطبيب، وعوض أن يعمل الطبيب الحداثي المتنور على  تغيير الخطاطات الثقافية، و ابتكار  طرق حضارية جديدة لتنظيم الزيارة، أو على الأقل تقليد المجتمعات المتقدمة في هذا المجال، فضّل استخدام دكاء الحيلة و استغلال نقص مناعة الجماهير النقدية، فعمِل على ابتزازهم عاطفياً عن طريق الدعاية و الترويج لسمعة الطبيب "الواعر"، معتمدا تقنية الزِّحَام و اكتظاظ قاعة الانتظار كمؤشر على جودة فحصه، و تمكُّنه من علاج مرضاه، لترتفع بذلك شعبية الكثير من الأطباء في المدينة بين جمهور ينحدر من وسط ثقافي مستعد لتصديق الخرافات و الإشاعات و الخوارق.  إن تقنية العلاج بالعرّام هذه تنتعش في مجتمع لا يؤمن بالعلم كوسيلة للعلاج بقدر ما يؤمن بمعجزة البركة والسيطرة الخرافية على المصير، فكما انتشر سابقا أولياء تخصصوا في علاج أمراض مستعصية حتى على الطب، ينتشر اليوم أطباء أولياء يمتلكون بركة الإشفاء،( يدّهم مزيانه)، و تحكى عنهم قصص و بطولات دعائية تجعل منهم منقذين من الموت دون غيرهم. و قد تُستخدم وسائل مختلفة في بسط هيمنة بعض الأطباء على الساحة العلاجية بالمدينة إما عن طريق تكوين ائتلافات بين الأطباء، حيث يرسلك طبيب إلى زميله بدعوى أنه هو الكفء في هذا التخصص ويثق بفحصه، و إما عن طريق الدعاية التي ينخرط فيها ممرضات و سائقي الطاكسيات و بائعي الأدوية في الصيدليات. و غالبا ما يقع المواطن ضحية الدعاية، نظرا لاستعداده المسبق لتصديقها، حيث لا يتوفر على طبيب العائلة، و كل مواطن له قصة مختلفة مع المرض، فهناك من يستقي معلوماته حول الطبيب من الحومة، أو الحمام، أو مكان العمل، أو صديق، أو ربما نظرا لشهرة الطبيب في المنطقة، و هناك عامل تاريخ العائلة في التعامل مع المرض، هل يقوم أفرادها بزيارة الطبيب أم الولي؟ كل هذه عوامل ومعطيات تؤثر في اختيار طبيب دون آخر لطلب العلاج، لهذا يلجأ معظم الأطباء إلى تقنية الترويج لسمعتهم و حرفيتهم لجلب الزبناء و ملء قاعات الانتظار.هل يعقل أن يبتدئ ميقات التسجيل في لائحة زوار الطبيب منذ الخامسة صباحا قبل الفجر؟ كيف لمريض يتألم من شدة المرض أن يتوسل بباب عيادة الطبيب و يتمسح بعتبتها منذ الرابعة صباحا في بعض العيادات، وهو ينتظر صاحب الطلعة البهية، ذلك الطبيب العزّام لكي يُطل عليه، و يشفيه من سقمه بمصافحته ولمس جسده بيده الملائكية، وكأنه يذكرنا بغرائب المعالج الروحاني المكي الترابي. هل يعتبر هذا الإجراء احتراما لكرامة المواطن الذي سيدفع للطبيب أجر فحصه؟ هل فكر هذا الطبيب مليا و بشكل إنساني في محنة مرضاه؟ كيف يُعقل أن يصارع الشخص منّا آلام المرض، ومعاناة الانتظار لساعات طويلة أمام باب عيادة الطبيب؟ ثم تفتح الأبواب لنتمدد بداخل قاعة الانتظار لساعات طويلة، وكلما ابتسمت الممرضة في وجه مريض، تجهّم وسألها السؤال نفسه: "متى سيأتي الطبيب؟" فتجيبه و عيناها تنطق كذبا بالجواب الذي ضٓجِرت شفتيها من ذكره: " هاتَفتُه منذ هنيهة... و هو في الطريق!"إن تقنية كَردسة الزبناء في قاعات الانتظار قد تأخذ أشكالا مختلفة ابتداء من التسجيل في اللوائح إلى الحصول على رقم ترتيبي لزيارة الطبيب، و غالبا ما تقوم العوائل التي تقبل على مضض بهذا الإجراء، بإرسال فرد من العائلة لتسجيل اسم المريض أو الحصول على الرقم الترتيبي. و الغريب في الأمر هو أن العوائل حتى كتابة هذه السطور تنخرط ذليلة في هذه المنظومة الفاسدة دون أن ترتفع أصوات تندد بهذا السلوك المهين لكرامة المريض.أمام فوضى الانتظار هذه، تتبادر عدة أسئلة إلى أذهاننا، لماذا لا يطبّق الأطباء منظومة حجز المواعيد عبر الهاتف، خصوصا و أن الهواتف الآن تغزو مدننا وقرانا و دواويرنا، حيث أصبح الكل يحسن استعمال الهاتف، فلماذا يصر الأطباء على كَردسة قاعات الانتظار بالمرضى وذويهم؟ لماذا يتعمد الطبيب الالتحاق بالعيادة متأخرا؟ إذا كانت طوابير المرضى تتجمع منذ الصباح الباكر، لماذا لا يلتحق الطبيب بعيادته منذ السابعة صباحا مثلا بعدما ينتهي من زيارة مرضاه بالمصحات؟ و تتناسل الأسئلة في هذا الصدد حول العواقب المحتملة للعلاج بالعرّام، إذ كم من الوقت يستغرق الطبيب في فحص المريض و طوابير المرضى في الخارج تنتظر يده الملائكية؟ هل سيتمكن من فحص مريضه جيدا في هذه الظروف؟ هل يتوفر الطبيب على معلومات دقيقة حول التاريخ الباثولوجي للمريض؟  هل يحترم الأطباء عدد المرضى المسموح به في عملية الكشف والعلاج؟ كيف لطبيب أن يستقبل أزيد من 50 مريض في اليوم؟ كيف يستطيع هذا الدماغ البشري التركيز و الفحص الدقيق لهذا العدد دون استراحة أو كلل؟ هل هذا نسخة أخرى من المعلّْم بوزكري الذي تحدثنا عنه في مقال سابق، و نعني به هنا ذلك النموذج الذي يسرع في الفحص دون إتقان و يتطلع إلى الفوترة فقط.ما لا يدركه هؤلاء الأطباء هو أنه حين يلجئون إلى كَردسة المواطنيين في قاعات الانتظار بهذه الطريقة بحجة أن المواطنين لا يلتزمون بالمواعيد و قد تعودوا على هذا السلوك، فهم يعيدون إنتاج السياسة المخزنية التي تركّع المواطن و تقزِّم حجم تطلعاته، إذ أن إستراتيجية الانتظار الازدحامي الفوضوي يضع الإدارة على مسافة بعيدة من المواطن، و يمرّنه على احتلال  مرتبة دونية في التسلسل الهرمي للسلطة، و القبول بالطاعة و الخضوع لذوي القرار من مُقدّمِ المقاطعة إلى قائدها. ألا يتذكر هؤلاء الأطباء كيف كان جل المواطنين في الماضي القريب يجلسون بالساعات في انتظار غودوي نسبة إلى غودو أمام المرافق العمومية و المحاكم والمستشفيات قصد الحصول على بعض الخدمات؟لنكن صرحاء مع أنفسنا، لا يبدو أن هؤلاء الأطباء يحملون همّ المواطنة و تمرين المواطن على سلوك الانضباط واحترام المواعيد، بل يظهر جليا أن همهم الوحيد هو ملء قاعات الانتظار لخلق هالة حول جودة فحصهم الطبي، و استثمارها لجلب المزيد من الزبناء، فكلما اكتظت العيادة بالمرضى، كلما ذاع صيت الطبيب و توافدت عليه "الدهماء"، هكذا يراها هذا الطبيب مادام لا يفكر في الهدر الزمني الذي تتسب فيه تقنية الكردسة، حيث تتعطل مصالح الفلاحين والحرفيين والأطر، لتلبي رغبة مادية نرجسية ضيقة لطبيب يكرس خطاطات مخزنية بالية. ما الفرق يا ترى بين هذا الطبيب و قائد المقاطعة الذي قد يحرص على تدافع الجماهير في طوابير لانتظاره؟ حيث لازالت ريما على حالتها القديمة في الكثير من المقاطعات، هذا السلوك يعتبر سلوكا مخزنيا بامتياز، فإذا أقدم الطبيب والأستاذ والمحامي والمهندس وغيرهم من الأطر على مخزنة وظائفهم، نتساءل بكل استغراب من سيقود التغيير بالمغرب نحو محاربة المخزنة؟ حين يضع الأستاذ مثلا مسافة سلطوية بينه وبين الطالب، فهو كذلك يكرس خطاطة الشيخ والمريد التي تشرعن الهرمية السلطوية في المجتمع، و كم من شيخ مع الأسف لا زال يقبع بين ظهرانينا في المنظومة التعليمية بالمغرب؟! إن تمسك الأطباء بمبدأ القاعة الممتلئة لم يأتِ من فراغ، بل هو نابع من تصورات ثقافية يؤمن بها الطبيب والمريض معا، إذ أن المغاربة ينتمون إلى ثقافة مارابوتية تقيس مكانة الأولياء بتهافت الزوار على كراماتهم، فالمزار العامر يدل على نجاعة بركة وليه، و لم يحدث أن امتلأت قاعة معالج تقليدي أو مزار ولي ما لم يتحدث الناس عن كراماته، و ها هي الخطاطة نفسها تتكرر مع الطبيب الذي يضطر لملأ قاعة الانتظار حتى يصنع لنفسه هالة الطبيب البارع، و يتبادل المرضى أطراف الحديث حول إنجازاته، و من حسنات القاعة الآهلة بالمرضى هو  رفع معنويات المريض الذي يزور الطبيب لأول مرة، لأن الحديث الإيجابي عن قدرة الطبيب في علاج مرضاه قد تساعد المريض في التماثل إلى الشفاء عبر قوة "البلاسيبو"، و حتى نكون منصفين لهذا الطبيب، لازال  المريض في مجتمعنا يتخوف كثيرا من زيارة طبيب قاعة انتظاره شبه فارغة،  و أخيرا، نتساءل عن دور الطبيب في المجتمع؟ هل دوره خدماتي محض يقتصر على علاج المرضى، أم هو دور مثقف ينخرط في تقويم المنظومة القيمية للمجتمع وإصلاحها عبر عمله وتطوعه لخدمة الصالح العام؟ و في هذا الصدد، نتساءل عن الأعمال الخيرية التي يقوم بها أطباء مدينتنا و عن القوافل الطبية متعددة التخصصات التي يرسلون بها إلى القرى المجاورة لمساعدة أبناء المنطقة ومساندتهم في محنتهم خلال الفصول التي تنتشر فيها الأمراض والأوبئة؟ ماذا يمنع هؤلاء الأطباء الذين يسكن جلّهم فيللا بالمسابح شُيِّدت بفضل جيوب الكادحين من أبناء هذا الشعب من تقديم خدمات مجانية لفائدة القرى و المداشر المجاورة؟  إن تقنية العرّام تسيء لمهنة الطبيب و تحقّر المواطن، حيث تضع مسافة سلطوية بين المعالج و المريض، و تضاعف من معاناة هذا الأخير، حيث تضيف إلى آلام المرض عبء آلام "الحكرة".  ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي

  • ...
    لَمْخَيَر يَكْتُب.. حُقُوقِيُون يَلْجَؤُون لِإسْتِغلَال أُنَاس بُسَطَاء وَ تَوْظِيفِهِم لِتَصْفِيَة حِسَابَات مَعَ رَئِيس جَمَاعَة أَولَاد احْسِين

    لم يكن يعلم أولائك الأسر المكلومة و المتضررة، مِن مَا بَاتَ يُعرف بضحايا مافيا العقار، القادمين من دواوير سيدي علي بنحمدوش و الحوزية و اولاد افرج، أو حتى ضحايا جمعية الزهور للتنمية الإجتماعية بدوار أولاد ربيعة بجماعة أولاد غانم، لم يكونوا على علم أنه سيتم إستغلال معاناتهم و سذاجتهم مِن مَنْ أوكلوا لهم طلب المؤازرة و الوقوف بجانبهم، حيث تكبد المتضررون عناء السفر و المعاناة اليومية مع ملفاتهم التي لا زالت تروج أمام أنظار السلطة القضائية.فيما أقدمت نساء من دعاة الدفاع عن حقوق الإنسان بالجديدة، بتنظيم وقفة إحتجاجية ضد رئيس جماعة اولاد احسين، إستغلت من خلالها سذاجة تلك الأسر المظلومة، لتصفية حساباتها تعود إلى حراك الربيع العربي 20 فبراير، و هذا أضحى ظاهرا للعيان و لكل عارف بقضايا الشأن العام المحلي، أن التمييع الذي أضحى يعرفه مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، ليسائلنا جميعا كمنتخبين و فاعلين إعلاميين و مدنيين، هل أن الغاية تبرر الوسيلة لهذه الدرجة، فأحقر و أخطر شيء هو إستغلال مآسي الأخرين و توظيفها لتصفية حسابات خاصة و جد ضيقة.ألم يكن من الأجدر أن يلتجأ دعاة حقوق الإنسان إلى السلطة القضائية و أخد حقوقهم، كما إحترم و لجأ إلى ذلك من يؤازرونهم، فهم اليوم أضحوا عبرة لهم قبل تنصيب أنفسهم كحماة للحقوق الكونية السامية، أليس من حق رئيس جماعة أن يصدر بلاغا للرأي العام، يحمل توقيعه و خاتم الجماعة التي يرؤسها، و التي تسبونه بإسمها صباحا مساءا، ما سر تواجد مستشار معارض ينتمي لحزب سياسي ذو توجه إديولوجي بينكم، كيف ندعي اليوم أننا ندافع عن الحقوق و ننسى الواجبات، و لانقبل حتى بالرأي الآخر، بل نسعى لتكميم الأفواه و ندعي أننا نملك الحقيقة لوحدنا، ألم تكن هنالك القدرة على تنظيم الوقفة أمام الجماعة الترابية المعنية، أين هم أولائك الجزارون الذين إنتقلوا للوقفة، ألا يتواجدون اليوم بسوق أربعاء مكرس و غيرها من الأسواق الأسبوعية، بل أكثر من ذلك أين سيتواجدون يوم السبت المقبل، هل هم مضربون أم مزاولون لتجارتهم، بالله عليكم ألستم دعاة للفتنة و التحريض على الشغب.لقد ظهر اليوم، الحق من الباطل، فليست الفصاحة و الخطابات هي من تميز مكانتك أو قيمتك، فما أكثرهم من الحكماء ينزَوُون الى الصمت لِما فيه من حكمة و خير و صلاح للإنسان بذاته و لمجتمعه، أما التهويل و إدعاء خوض المعارك و أن السجون لا ترهب و غيرها من المفردات التي تنهل من قاموس التبجح و الجهل، أكل عليها الدهر و شرب، ألا يجدر أولا أن يقوم الإنسان بالنقد البناء لذاته و للآليات الديمقراطية التي يشتغل بها، فمن يقضي الإجازات الصيفية بالخارج في دولة المستعمر الغاشم فرنسا مثلا، و من يدرس أبنائه بكبار المؤسسات الخصوصية، و من يتداول على الرئاسة بمنطق ولاية لك و لاية لي، فغدا سيعود العسال و بعده الرجدال ليظهر فيما بعد اللبان ثم السمسار بحقوق الناس.لقد كنا نتعاطف فيما قبل و نحترمهم، و نقول أنهم مساكين يتعرضون لكل أشكال التضييق الممنهج و يحرمون من القاعات العمومية، و تصد في أوجههم الأبواب و ينابيع الدعم الداخلي، لكن صدمنا لهول ما عرفناه من أموال خارجية تقدر بالملايير، تغدق عليهم ذات اليمين و ذات الشمال، فلم تخطأ حينها أجهزة الدولة في قرارتها، و اليوم تأكدنا من صواب و نجاعة الدولة المغربية الملكية الشريفة لحمايتنا من سوء و مضار التدخل الخارجي، إن الإستغلال البشع لأناس بسطاء لا ناقة لهم و لاجمل في الصراع مع جماعة اولاد احسين كمؤسسة دستورية ذات شرعية إنتخابية، يؤكد بالملموس الوسائل الخبيثة التي مست الحركة الحقوقية بمدينة الجديدة، لا سيما من تناقض للمواقف بين عشية و ضحاها، بين المكالمات الهاتفية المتضامنة و البيانات المستنكرة، في قضايا و ملفات عديدة، و لعل في قضية مندوب التعاون الوطني مثال، زد عليها الشيكات بدون رصيد.  و يضل التساؤل عندي كبيرا، هو من حطم هاتف تلك الحقوقية ؟ لأعلن تضامني التام و المطلق و الغير المشروط معها، هذا إن كانت على حق.