أعمدة الرأي
  • ...
    صراع الدولة و المجتمع.. نموذج يعيد إنتاج ذاته

    أثبتت الأحداث الأخيرة في الريف و في مناطق أخرى أن هناك نموذج وحيد في السلوك السياسي العام بالمغرب، تتشارك فيه الدولة كسلطة مهيمنة و القوى السياسية الأخرى التي تدور في فلكها أو تعارضها.يتمثل هذا النموذج في الطريقة التي يدار بها الصراع على السلطة و الحصول على التنازلات، فالقوي يستغل ضعف الطرف الآخر إلى أقصى درجة. فالدولة تقمع كل صوت معارض لسلطتها قمعا مطلقا و ترغمه على الانزواء في الهامش، و نفس الشيء تقوم به المعارضة عندما تتقوى، مثلا حركة 20فبراير و الحراك في الريف، و التي ترغم النظام على إعطاء تنازلات تزعزع أحيانا استقرار الدولة.هذا يدل على أن المغرب مازال يعيش على إيقاع صراع على النمط التقليدي رغم مظاهر الديمقراطية التي تدل الأحداث على أنها ليست حقيقية.يجب حل الصراع بطريقة ديمقراطية يقبل فيها الطرفان بعضهما البعض، بدون مناورة و بالالتجاء إلى التداول الديمقراطي للأفكار و المقترحات. لا تتحقق هيبة الدولة بقمع المعارضة و إسكات الصوت المخالف، بل تتحقق بالاستماع للمجتمع المدني و السياسي و التفاعل ايجابيا مع كل مقترح قابل للتطبيق. و لا يثبت حب الوطن إلا بالتفكير في مصلحة الوطن التي يستفيد منها الجميع، مثلا الاستقرار و التنمية.يوجد المغرب الآن في مفترق طرق وفي مأزق سياسي ناتج عن تبني هذا النموذج التقليدي في الصراع الذي روجت له الدولة و تعلمته المعارضة و باقي القوى السياسية. ما يجعل لهذا  النموذج التقليدي آثارا بالغة على العلاقة بين المجتمع و الدولة هو تراجع دور الأحزاب في تفعيل الديمقراطية و الممارسة السياسية الحقيقية. ضعف هذه الأحزاب هو سبب و نتيجة لتدخل الدولة فيها، لإضعافها أو تفتيتها أو استخدامها في برنامج سياسي معين.     من بين النتائج الواضحة لهذا التراجع، هو حدوث مواجهات مباشرة بين الدولة و المجتمع، و كأن المجتمع فهم إستراتيجية الدولة في إضعاف الأحزاب أو استخدامها لأغراض تثبيت هيمنة النخبة الحاكمة عبر المؤسسات [برلما ن وحكومة]، و فهم أن لغة الدولة فيها مجاز مزمن يفهمه الجميع و يحمي سريته الجميع كذلك. إضعاف الأحزاب هو نتيجة لهذا النموذج في تدبير الصراع و نرى اليوم كيف أن الدولة تؤدي ضريبة هذا الإضعاف. لا يمكن التحايل على الديمقراطية لأنها سلوك له قواعد معروفة و ما أن يتم خرقها تتعطل حركيتها و يبرز فقط النموذج المهيمن الذي يختفي وراء جدران الديمقراطية، و الذي لا يؤمن إلا بعدم توازن القوى و بالضرب تحت الحزام.

  • ...
    خطاب الزفزافي بين ''الوجه'' و ''القناع''

    أضحت المواقع الاجتماعية مجالا عاما عوض المنابر الإعلامية الرسمية و المؤسسات المدنية والحزبية بالنسبة للعديد من المجتمعات العربية التي تشلّحت من قشور ديمقراطية الزيف بعد امتحان عولمة الاقتصاد و انتشار وسائل التواصل و ظهور الصورة بوصفها مصدرا موثوقا للخبر، مما يشكل خطرا كبيرا على هذه الأنظمة الشمولية التي أبانت العديد من نخبها السياسية والمثقفة معا على إفلاس قيمي منفصل عن هموم المجتمع، فتجردت المؤسسات التمثيلية من مصداقيتها الشعبية، وأصابت الجماهير الكادحة بإحباط، حيث ثبطت الطموح، و تسلل اليأس إلى فئات الشباب المعطل الذي فجر غضبه وحقده على المواقع الاجتماعية قبل أن يتكتل كقوة ضاغطة و ينزل إلى الشوارع للتجمهر والتنديد و المطالبة بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية، أي بحقه في العمل والتطبيب و العيش الحر الكريم، كلها مطالب كرامة، إذ نحن في العالم الثالث لازلنا نطالب بحقوق الكرامة قبل أن نطالب بحقوق المساواة وتكافؤ الفرص. في المغرب مثلا، و ليس في الريف فقط، بل هناك مناطق أكثر نأيا، يلتحف سكانها العراء، وهم  في حاجة إلى سكن لائق و صرف صحي و تطبيب و تمدرس و تنمية اقتصادية تتيح لهم فرص العمل و العيش الكريم. هل هذا ما خرجت من أجله الحسيمة في حشود جماهيرية الآن؟ نعم، مادامت الساكنة تدفقت عن بكرة أبيها إلى الشوارع، تناضل و ترفع شعارات الحكرة، فلأنها متضررة، و تعاني انحباسا اقتصاديا أضر بالأسر، لهذا يجب التفكير في حلول آنية للتخفيف من حدة الاختناق،  وفك العزلة عن المنطقة عن طريق فتح حوار جاد مع المجتمع المدني والسياسي للخروج بميثاق شرف يحمل برمجة مشاريع اقتصادية و تشييد بنى تحتية ضرورية لربط المنطقة بباقي مناطق المملكة،  مع العلم  أن  هذا الإجراء ، قد بدأ في الشمال بمشاريع كبرى في طنجة مثلا، و لا يجب أن يقتصر الأمر على الشمال فقط، بل يجب أن يشمل جل المناطق التي تجد نفسها تعاني التهميش و الإقصاء، لكن تجدر الإشارة هنا أن الدولة لا تتوفر على العصا السحرية لحل جميع هذه المشاكل دفعة واحدة، و أن الأمور عادة ما تقاس بدراسة علمية وليس بشعارات تدغدغ مشاعر الساكنة، و في هذا الصدد، نتساءل عن الرسائل التي يحملها "حراك" الريف؟ هل فعلا يقتصر خطاب قادة الحراك، وهنا نشير إلى خطاب "زعيم الحراك" ناصر الزفزافي، على المطالب الاجتماعية و الاقتصادية أم يتجاوز ذلك و يرفع سقف المطالب لمحاربة المخزن و الدكاكين السياسية و فساد الإدارة لاستعراض قوة شعبية بقيادة إسلاموية تريد إثبات الذات، و تصفية حسابات دفينة منذ إزاحة بن كبيران من سدة الحكم مع من يسميهم الزفزافي رموز الفساد أو مثلث الفساد نظرا للإشارة إلى ثلاثة أسماء محورية تساند الفساد ويعتقد أنها "معه"( كل حرف في كلمة "معه" يرمز إلى اسم مذكور في خطاب الزفزافي). إن المثير في حراك الريف هو نوعية الخطاب الذي يُلقى أمام جماهير الغاضبين، و التحول الراديكالي في الخطاب السياسي للتظاهر، حيث خرج شاب ريفي بلغة شديدة اللهجة يخاطب بها الأجهزة المخزنية، و لقي خطابه هبة شعبية تسانده، مما يجعلنا نطرح عدة أسئلة عن نوعية هذا الخطاب الذي يدغدغ مشاعر ساكنة الريف و يذرفهم إلى الشوارع ليس فقط للمطالبة بحقوق اجتماعية واقتصادية، بل للتصدي للمؤسسة المخزنية و الفساد الإداري، و غيرها من المطالب التي قد تجر المغرب إلى ربيع عربي جديد، و هل يعي المواطن الريفي البسيط مصير هذا الخطاب الزفزافي المنفلت؟ هل يستطيع المغرب فعلا الآن تحمل تصدعات ربيع عربي جديد لا أحد منا، بما في ذلك الاستخبارات، تستطيع تكهن مخرجاته؟ من هو ناصر الزفزافي حتى "يزفزف" المغرب حكومة وشعبا بلغة لا علاقة لها بالسياسة و تقاليد الحوار السياسي؟ و من هم قادة الحراك الشعبي في الريف ؟ هل تشارك أحزاب وجماعات إسلامية في الحراك بشكل غير معلن؟ هل أصبحنا اليوم أمام نوع جديد من الحراك الشعبي بدون قيادة؟ إذن، كيف سنتحاور خارج المؤسسات؟  تنص التقاليد الديمقراطية على أن النقابات والمجتمع المدني والأحزاب وغيرها من الهيئات التمثلية هي المنوط بها قيادة حراك الشارع، لكي تتمكن من التحكم في سلميته ووضع شروط المفاوضات و الجلوس على مائدة الحوار مع الدوائر المسؤولة؟ هل هذا ينطبق على حالة الريف؟ هل نحن أمام قيادة مقنَّعة؟ هل فعلا يتعلق الأمر بسكان الريف تحت زعامة شبابية جديدة أم هناك تنظيما سياسيا ائتلافيا غير معلن؟  تعتبر الظاهرة الزفزافية نتيجة حتمية لغياب تقعيد مؤسساتي للدراسات الإعلامية و تبسيطها في المدارس، حتى تقي عامة الشعب من الانزلاق نحو التصديق المتسرع للصورة التي أصبحت تشكل مصدرا موثوقا للخبر بالنسبة للمواطن المغربي البسيط، وهكذا يستغل بعض نشطاء الفيديو حرية التعبير على المواقع الاجتماعية، فيقومون بتصوير احتجاجاتهم بلغة متداولة بسيطة ذات لهجة تصعيدية، ثم يتم تحميله على اليوتوب أو في موقع إلكتروني يتهافت عليه الزوار. أمام إصابة النخبة المثقفة بالبكم في وجه الحكم المخزني، استأسد المواطن العادي، خاصة الشباب الحماسي المندفع منهم، و تصدر الأحداث بلغة تكسر جميع الطابوهات السياسية و تتجاوز الخطوط الحمراء، مما ألفت الأنظار إليهم من شعب عانى القمع، و أجبر على الصمت، حيث اعتقد أن الحيطان طورت آذانا تتصنت من خلالها على حواراته السياسية، فجاء محمد علوين، ومول الكاسيكيط و سكيزوفرين و الآن الزفزافي و غيرهم من نشطاء الفيديو الذين كسروا حاجز الخوف، ورددوا على مسامع المغاربة، الحديث المحرم الذي عجزت شفاههم حتى على تمتمته في الخفاء. أين هي النخبة الأكاديمية النائمة لتستفيق لدراسة هذه الظاهرة الفيديوهاتية ( video activism)، كما تم ذلك في دول أخرى كالصين مثلا، لماذا تتم الاستهانة بقوة الصورة في إشعال فتيل الاحتجاج و مدى تأثيرها على الجماهير؟ هل فقط بالمقاربة الأمنية سنستطيع أن نتحكم  في المجال العام الافتراضي الذي أصبح يصدر لنا زعامات قد تظهر من عدم ودون سابق إنذار؟ حان الوقت لتكثيف الجهود لدراسة المجال الافتراضي دراسة معمقة، و توفير بدائل تستطيع الدولة من خلالها تقنين مجال الصورة، و تحسيس المواطن المغربي بخطورة قرصنة مشاعره وانتمائه و هويته، لأن مجال الصورة كمجال الواقع يجب أن يخضع للتحليل و التفكيك حتى لا نسقط في تشرذم الزعامات و لا مركزة السلطة الأخلاقية، مما قد يزج بمجتمعنا في خريف عربي لا يحمد عقباه. تؤرخ خطب الزفزافي أمام الجماهير المحتشدة بالحسيمة  لانفلات الخطاب الشعبوي الجامح من العالم الافتراضي إلى أرض الواقع، إذ أصبح خطاب أمثال علوين يُتداول في الساحات العامة على مسمع ومرأى من الجماهير المحتشدة تصفق وتطبل لطموح منفلت بعيد عن نموذج الحكمة والتبصر السياسي. هذا الخطاب يمثل ناقوس إنذار للدولة على انزلاق  الخطاب السياسي نحو لغة المواقع الاجتماعية و الفيديوهات الاحتجاجية، مما يفقد العملية السياسية نكهتها، و يدق ناقوس حروب أهلية، بل يهدد السلم الاجتماعي مستقبلا في ظل غياب تام للنخب السياسية، إن لم نقل إفلاسها أمام مهمة تمثيل الأمة وتأطير شبابها حتى تسلحهم بأدوات التعبير السياسي الرصين. إن الحراك الريفي مفتوح على نبض الشارع الحسيمي و مخرجات الخطاب الزفزافي، فمن يا ترى يتحكم في نبض الشارع؟ من يؤطر هذه المظاهرات ويحافظ على سلميتها؟ إن مسيرة يوم الخميس 18 ماي توضح بالملموس أن الأمر يتعلق بشبيبة مؤطرة وضعت سلاسل بشرية لحماية المظاهرات،  ومدّ المظاهرات بجميع المستلزمات  من إنارة و مكبرات الصوت ولافتات و قننينات ماء، ورفعت شعارات تذكرنا بالمسيرات المليونية للحركات الإسلامية التي أثبت دائماً قدرتها على التنظيم الميداني للمظاهرات؟ هل هذا "الزعيم المصنّم" ناصر الزفزافي تلقى تأطيرا أو تدريبا على يد جماعة إسلامية، خصوصا أن قدرته على إنتاج الخطاب و الحجاج تؤكد أنه مارس الوعظ والإرشاد لفترة من الزمن و ربما حضر مجالس النصيحة؟ ما هو انتماؤه الإيديولوجي، خصوصا وأنه صرح في أحد الفيديوهات بأن الإخوان في الريف قد يختلفون إيدليوجيا، لكن هذا لا يمنع أن يتكتلوا في جبهة واحدة كالبنيان المرصوص؟  وفي حواره  الصحافي مع  علي جاوات  الذي نُشر في موقع "الأول" يوم السبت 20 ماي، و جه له علي سؤال دقيق حول رأيه في التنظيمات الراديكالية كالنهج الديمقراطي والعدل والإحسان، فكان رده ذكيا، إذ هاجم النهج ، وسكت عن الجماعة، لماذا الهروب من الإفصاح عن موقف صريح من الجماعة؟ هل هي بمثابة "الواليدة"، كما صرح بذلك بنكيران في حق جماعته؟ هل خطاب الزفزافي يوحي بأنه ينتمي إلى الشبيبة اليسارية أم إلى الشبيبة الإسلاموية أم هو ربما لا منتمي؟ هل خطاب الزعيم بريء أم يحمل أجندات سياسية محتملة؟  حتى نكون جازمين في موضوع براءة اللغة: لا وجود لخطاب بريء ولا و جود للغة بريئة، فحتى هذه الدراسة التي نسوقها للقارئ لا تخلو من دوافع إيديولوجية، إذن، فلنحاول معا تفكيك المسلمات الإيديولوجية التي ينطلق منها خطاب زعيم الحراك، و كيف يحاول مقاربة المنظومة السياسية بالمغرب. لهذا الغرض، قمنا بتحليل الخطاب المسجل الذي ألقاه الزعيم الريفي يوم الخميس 18 ماي في حشود المتظاهرين بالحسيمة، كما ورد في موقع الحسيمة سيتي، و خطاب آخر ألقاه من أعلى الجبل أذيع قبل المسيرة في نفس اليوم بالموقع نفسه تحت عنوان "رسالة قوية للعالم".  بعد مشاهدة الخطابين، تبادر إلى ذهننا سؤال يبعث على الحيرة نطرحه على الشكل التالي: هل يمكن اعتبار ناصر الزفزافي صورة مصغرة لزعيم ثورة الصناديق عبد الإله بنكيران؟ ما هي أوجه التشابه بين الرجلين مع فارق السن طبعا؟ لقد استقطب الزفزافي الجماهير الريفية بخطاب طهراني ضد الفساد والمفسدين، و اعتمد شعبوية صريحة في خطابه تميز بين نخبة حاكمة فاسدة تسببت في تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية بالبلاد، وشعب عظيم مقدس في الريف مازال مقهورا مغلوبا على أمره، يعاني التهميش و الإقصاء، فحتى كلمة "نحن المغاربة"، تغيب عن خطابه بشكل ملفت للنظر. إن الخطاب الزفزافي تركيبة لغوية حماسية تهدف إلى دغدغة مشاعر المواطنين و إشعال لهيب الإحساس بالظلم، فهو خطاب يروج لأحادية الرؤية، ولا يعكس بتاتا حوارية الآراء واختلافها، ولا تنوع الشرائح الاجتماعية والانتماءات السياسية المشاركة في المسيرة، كما أنه يبدو خطابا بعيدا تماما عن عقلانية تدبير الأزمات، نظرا للهجته التصعيدية، و عدم وضوح رؤيته في طرح البدائل و الحلول للخروج من الأزمة، بل حتى رؤيته للمفاوضات تسبح في ظلام دامس.   هنا نطرح بعض الأسئلة التي لا تجد جوابا في الخطاب الزفزافي الشعبوي: هل الفساد بالمغرب أزمة أسماء يجب اقتلاعهم أم هي سيرورة بنيات سياسية وإدارية يجب إصلاحها بمقترحات وبدائل قابلة للتطبيق؟ ما هي يا ترى الحلول التي يقترحها الزفزافي لإصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الريف؟ إن المطالب الجزئية للمتظاهرين مشروعة، لكن لا تشكل حلولا بنيوية للأزمة الاقتصادية التي يكابدها الشعب في صمت، و هذا كما يعلم الجميع يحتاج سياسات و تدابير استراتيجية حتى تتمكن الدولة من تطبيقها على الأرض، وليس في الريف لوحده، بل في جميع أنحاء المملكة في إطار جهوية موسعة؟ إن المغرب كله يشتكي معضلة العطالة و قلة فرص الشغل و تردي الخدمات الصحية والتعليمية، لكن أبهذا الخطاب السوداوي العدمي التيئيسي سنجبر الدولة على إيجاد الحل؟  ألا تبدو الشعبوية الزفزافية عبارة عن إعادة إنتاج خطاب زعيم الصناديق عبد الإله بنكيران في نسخته "العدلاوية" التي تحيى بها إحباطات الشبيبة الإسلاموية بالإضافة إلى انتعاشها بالقضية الأم، ألا وهي القضية الفلسطينية؟ هل بلغ السيل الزبى وضاق الاحتباس بالإسلامويين حتى انفجر خطابهم على لسان الزفزافي، فصّل فيه ما يقصده الزعيم الروحي بالعفاريت والتماسيح؟ لقد أشار الزفزافي بالاسم إلى "مثلث الشر" المسمى سابقا "معه"، كما بخس من عمل الأحزاب السياسية، و أطلق عليها نعوتا و صفات تحقيرية من "بيادق" و "دكاكين"، كما وصف الحكومة بنعوت فيسبوكية، إذ صاح في الحضور قائلا: "تلك الحكومة المحكومة من وزارة الداخلية"، كما أشار إلى استمرارية البيروقراطية البصرية التي مازالت تحكم في الخفاء، هذا و نعت رئيس الحكومة ووزرائه "بالبيادقة"، أي الدمى و الكراكيز التي تحركها أيادي مخزنية. استفاضت قريحة الخطيب في ذم الخصوم، و بنى حجاجه على شاكلة سابقه بنكيران في ثنائية طهرانية تميز  بين الحر الصنديد الطاهر و الخبيث الفاسد، فوصف الريفيين بالأحرار و الصناديد، و أهل الكرامة و المدافعين عن الثغور، وهدد بالدم متوعدا النظام المخزني "الفاسد" بالمزيد من الصمود والموت بكرامة. ما يثير الانتباه في الخطاب الزفزافي هو أن المطالب الاجتماعية والاقتصادية اختصرها في ثواني بينما استهلك معظم وقته في الهجوم على الأجهزة المخزنية والدكاكين السياسية، مما يثير شكوكنا في النوايا الطيبة "للصنديد"، هل هذا فعلا حراك شعبي يتضمن مطالب اقتصادية واجتماعية وثقافية، أم هو هجوم و تصفية حساب مع  النظام السياسي و المؤسسات التي تمثل الشعب بالرغم من الأعطاب التي تعانيها، و الإصلاحات العميقة التي هي في حاجة ماسة إليها؟ هل يتطلب إصلاح المؤسسات وتطهيرها من الفساد خطابا عدميا غير مسؤول؟ من أوحى للخطيب بهذه الشعبوية؟ أين تم تأطيره على الخطابة الجماهيرية؟  ما فحوى رفع سقف المطالب و اتهام الدولة بالانفصال عن قضايا مواطنيها؟ هل حراك الريف حراك شعبي متوازن يحمل في طياته تدافعا سياسيا بين الفرقاء تستطيع من خلاله الجماهير تصحيح مسار الانتفاضة و التحكم في مطالبها، أم هو حراك الزعيم الأوحد والمفكر الأوحد؟ لماذا يغيب النقد البناء في خطاب الزعيم؟ هل يتوفر قائد "الثورة" الريفية على مقاربة علمية لفهم نمط الاقتصاد الرأسمالي و الأنظمة السياسية والثقافات التي ينتجها؟ هل هو واع بمدى تحكم المؤسسات الاقتصادية والسياسية الدولية في الشؤون الداخلية للمغرب؟ إن الخطاب الزفزافي نمطي مُقَوْلَب بسيط، موجه للاستهلاك من لدن الإنسان المقهور الذي يعتقد في أن رفع رايات الأمازيغ و الريف، و تقديس الخطابي، و تضخيم الأنا الريفية و حشد  الجماهير المتعطشة للانتفاضة سيحل المشاكل الاقتصادية للمنطقة بين عشية وضحاها؟ نحن أمام مطالب اقتصادية يجب أن ندبر مفاوضاتها دون إثارة ضجة إعلامية أعطت انطباعا لبعض الجهات نظرا لموقع الريف في خريطة المغرب، و كأنه يطالب بحرية تقرير المصير.  ما معنى أن تُرفع شعارات عشرين فبراير في حراك اجتماعي ذي مطالب اقتصادية واجتماعية، ويتم تسويق الحراك وكأنه ينبثق من شعب قائم الذات، فحتى الخطاب الذي يوجهه الزفزافي إلى جموع الحاضرين، لا يتوجه به إليهم بصفتهم مغاربة، و لكن باعتبارهم شعب الريف، هذا بالرغم أنه يتحدث إلينا نحن "العُروبيون"-- كما وردت الكلمة على لسانه في حق المخزن-- بالدارجة. ما معنى هذه الشعارات التي رفعت في مظاهرة الريف: "أهل الريف وحنا ناسو والمخزن يجمع راسو"  ، "هذا الريف وحنا ناسو والمخزن يخرج برا" "الخطابي خلا وصية، لا تنازل عن قضية"، أليست بعض من هذه الشعارات توقد النعرات الإثنية والقبلية في المغرب؟ ما معنى أن تستخدم  أيها الريفي كلمة "العُروبي" في سب الآخر الشرير؟  ما هذه  الشوفينية و التعصب للعنصر الأمازيغي  الريفي؟ ألا يتعارض  هذا مع ما تُدافع عنه  من  قيم الكرامة و العدالة والحق في الاختلاف؟ أهذه هي تقاليد العمل السياسي و أخلاقه التي يجب أن نلتزم بها عند استقطاب الجماهير، أم هي فوضى التصعيد و التمييز الإثني والعنصري و القذف والسب والتشهير و إهانة المؤسسات؟   من أين استقى ناصر خطابه الزفزافي؟ بعد دراسة لمجموعة من الاختيارات اللغوية للمتحدث تبيّن لنا أن هناك تقاطع كبير بين الخطاب الزفزافي  و خطاب جماعة العدل والإحسان سواء في شقه الدعوي أو في شقه السياسي، حيث اقتبس الزفزافي مجموعة من المفاهيم من خطاب الجماعة، و نظرا لانشغالنا في وقت من الأوقات بدراسة أدبيات الجماعة، نكاد نجزم أن اللسان الزفزافي تفتق في حضن هذا الخطاب أو متأثرا به؟ فجرأة الرجل على اقتحام الحشود والاستقطاب و الحديث في الجموع يحتاج تدريبا و تكوينا لا يمكن أن ينمو فقط بالفطرة؟ أين اكتسب الزفزافي مهاراته الدهماوية؟ أين تكمن مظاهر التقاطع بين خطاب الجماعة و الخطاب الزفزافي؟ لقد ركز زعيم حراك الريف في خطابه الشعبوي على ملامة المخزن، دون أن يقوم بتعريفه، و كرر نفس العبارات الواردة في خطاب الجماعة إلى درجة أنه عاد بعقارب الساعة إلى عهد البصري، و هكذا استخدم تعابير مثل "المخزن"، "جحافل الأجهزة القمعية"، "أجهزة المخزن"، "المخزن الديكتاتوري"، كما استعمل مفهوم "الدستور الممنوح" الذي ابتدعته الجماعة لتوصيف دستور 2011. افتتح الزعيم خطاباته بآيات قرآنية وأحاديث، و استخدم معجما تارة أخلاقيا و دينيا تارة أخرى، فحضر الشيطان في حديثه حين دلّل على رأيه بحديث الرسول (ص) القائل بأن "الساكت عن الحق شيطان أخرس"، كما حث الناس بأن لا يصطفوا إلى جانب إبليس في الدنيا والآخرة، و هذه النصيحة الدعوية تبدو جد مألوفة لدى الشبيبة الإسلامية في المجالس و الحلقيات والجنائز.  قام الزعيم المُنصّب بوصف سياسة المخزن بأنها تسعى إلى تحويل الريف إلى قبلة للدعارة لفائدة "بطاريق الخليج"، فاستغاث بأهله ليهبوا لنصرة إخوتهم، هذا كذلك خطاب أخلاقي حماسي يدغدغ مشاعر الشباب المتمذهب، كما يحيلنا على خطاب أحد كوادر العدل و الإحسان حين تطرق لهذه الظاهرة، فنعت هو الآخر المشارقة بالخنازير الذين يشترون أعراض النساء المسلمات بدراهم معدودة. و استخدم الخطيب كلمة "بلطجية" المخزن، ليعيد بذلك إنتاج الخطاطة الإخوانية في التعامل مع النظام، إذ ما معنى كلمة بلطجة في سياق الحراك السياسي المغربي؟ في الحقيقة،  يغص كلام الزفزافي بالكليشيهات والصيغ المبتذلة التي يوظفها لانتزاع موافقة الحشود و تبسيط تواصله مع الجماهير دون عناء الابتكار و المقاربة الجديدة التي يفتقر إليها كلامه. و كلمة بلطجة تبين جليا مدى تأثير الصورة على المجتمع، إذ ابتلع الجمهور معاني الكلمة ،بحمولتها الثقافية الإعلامية التسويقية، و كأننا في مصر، و شاشات الجزيرة تنقل الخبر، حيث طويت المسافات بين الثقافات و انصهرت الخصوصية الثقافية المغربية،  و هكذا يلوكنا التنميط الثقافي لإعلام الهيمنة في مضغة سهلة دون عناء الحروب و اختراق الحدود الجيوسياسية. تتميز خطب كوادر العدل و الإحسان كذلك بتقنية التحول الشيفيري بين العربية الفصحى والدارجة في الخطاب، هذا التغيير في الشفرة اللغوية يحسنه الزفزافي وبنكيران معا. لقد اتهم الزفزافي "مثلث الشر" بالاسم في خطابه يوم الخميس واعتبر هؤلاء رواد الفساد في الإدارة المخزنية، مما يحيلنا أيضاً على الشعارات العدلاوية إبان حراك عشرين فبراير، كما يحيلنا على حديث بنكيران عن نفس الأشخاص في الماضي القريب.  لقد وصف الزفزافي في خطابه الحماسي بأن علاقة الريف بالنظام المستبد هي علاقة عبودية، فقال : "رفضتم العبودية و التطبيل لسياسة المخزن." أليس هذا تقاطع مع رسائل الشيخ ياسين وأدبيات الجماعة في وصف الأجهزة المخزنية؟ في الحقيقة تتعدد الأمثلة، وهي كثيرة تبين جليا مدى تقاطع خطاب الزفزافي و خطاب الجماعة المتمذهبة. و في نفس السياق أيضاً، لماذا استشهد الزفزافي مثلا بشاعر فلسطيني كمريد البرغوثي قائلا: " يولد الحاكم العربي (وهنا قام بتغييرها بكلمة المخزن ) وعلى لسانه ثلاث عبارات : مؤامرة خارجية، أيادي خفية، و طرف ثالث." لماذا التركيز على شاعر فلسطيني؟ أليس هذا من باب التعاطف الإسلاموي مع القضية الفلسطينية، ونحن نعلم مدى مركزيتها في النضال الإسلاموي، ناهيك عن التيارات الراديكالية المنبثقة منها؟  لماذا لم يعلن الزفزافي عن انتمائه لفكر إيديولوجي، إذا كان تحليلنا صائبا؟ فما يثير الشكوك حول شخصية الزعيم المصنّم هو أنه يحاول إخفاء هويته الحقيقية عن طريق تقنية التلعثم عند ذكر الآيات القرآنية و الأحاديث، إذ كيف لخطيب يستقطب الجماهير، و يتحدث لساعات بمعجم القرآن والأخلاق أن يتلعثم و يخطئ في الآيات والأحاديث أربع مرات متتالية، كما يضطر للنظر في ورقة يحملها لتصحيح ما قاله، هذا بالرغم من بساطة الآيات والأحاديث لكثرة تداولها، ما هي الرسالة التي يقصد أن يبعث بها هذا الخطيب إلى الخصوم: "لست حافظا للقرآن والحديث عن ظهر قلب"؟ لو قام بذلك مرة أو اثنين، لما أثار الشكوك، لكنه قام بذلك في كل مناسبة يستشهد  بآية أو حديث، و تبدو من خلال حركاته الجسدية أنها محاولة مدروسة لإبعاد الشكوك عن هويته الحقيقية، و تسويق الخطيب بأنه من الشباب الثائر في مدينة الحسيمة، لا يخدم أي أجندة متمذهبة، بينما تظهر صور فيديو التقط إثر خطابه في مسيرة يوم الخميس معاونيين، يهمسون له بعبارات وجمل، مما يطرح السؤال حول هوياتهم وعلاقاتهم بالخطيب. و هنا ألا يتحول ناصر الزفزفافي   إلى مجرد ناطق متصدر الصف باسم جهة ما؟ و مما يزيد الطين بلة، هو ما نشره توفيق بوعشرين حول بطولات بنكيران في إخماد حرائق الفتن، لماذا استفاق صوت صحافي في هذا الوقت بالذات يذكرنا ببطولات زعيم ثورة الصناديق، و يقرّع النظام ضمنيا على تفريطه في مفاوض خبير في تدبير الأزمات؟ ما علاقة بنكيران بحراك الريف في هذا السياق؟ هل أضحى بنكيران عرافا يتكهن الغيب في خطاباته الماضية، حين تنبأ في عدة مناسبات بأنه يحمي النظام من هزات الشارع؟ لماذا اشتعل فتيل حراك الريف وزادت حدته بعد أن تم إبعاد بنكيران عن الحكم؟ من له المصلحة في الركوب على مطالب الساكنة الاجتماعية والاقتصادية ليقوم بتصفية حسابات دفينة مع الدولة العميقة؟ و ختاما، لماذا تصاعدت وتيرة الفيديوهات الاحتجاجية في الآونة الأخيرة؟ لماذا ظهرت فيديوهات مؤخرا، تتحدث عن تهريب الذهب من المغرب، وعن وجود مناجم الذهب بتصاميم ومؤثرات تبرز سرقة الثروة من فقراء هذا الشعب؟ هل يمكن القول بأن حراك الريف منعزل، أم سيتم إعادة إنتاجه بمدن مغربية أخرى؟  مادامت المشاكل الاقتصادية والاجتماعية قائمة، و بلقنة النخب السياسية مستمرة، و مصداقية المؤسسات التمثيلية  شبه غائبة، فسينبلج دائما فراغ  مؤسساتي في المجال العام يمنح فرصة ذهبية لحراك شعبي يتدفق من الفضاء الأزرق ليملأ الفراغ، فيحتل الشوارع، و يتحرك بمواقيت و أجندات تناسب قادته من العالم الافتراضي،  يتحكمون في الحراك عن بعد، لكن يظل السؤال الجوهري المطروح هو: ما هي التكلفة التي سيدفعها المجتمع في سبيل مقامرته بحراك اجتماعي لا يتوفر على نخب تتصدره و لا على بدائل جد مدروسة لإصلاح ما أفسدته بعض السياسات الخاطئة في الماضي والحاضر؟  استفيقوا يا أبناء وطني! نحن الآن أمام جيل جديد من الحراك لا تسيره زعامات على الأرض، و لا حتى زعامات مؤطِّرة مؤسساتيا ومدعومة من طرف أحزاب قوية ذات حضور وازن في الساحة أو مجتمع مدني قوي.. ضاع حراكنا مع ضياع مؤسساتنا... نحن نحيى بالصور في مجتمع الصورة و المحاكاة، لهذا فحراكنا هو الآخر أصبح يتماهى مع الصورة و يحاكي الواقع، فالكل يحمل الهواتف و يهتف بالشعارات و يصور الحراك و يضع نفسه على اليوتوب أو الفايسبوك، ثم يتباهى باللحظة التاريخية المصورة دون أن يعي خطورة انزلاق الحراك الاجتماعي إلى أجندات مجهولة.  ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي

  • ...
    مهارات ناعمة

    تدني مستوى التعليم هو مشكل بنيوي في أساسه. تتضافر عناصر هذه البنية على إنتاج خريجين نسبة كبيرة  منهم غير مؤهلين وبحث علمي لا يرقى معظمه إلى المستويات المتعارف عليها عالميا. من بين هذه العناصر التي تكرس هذه الوضعية المتدنية عالميا، التركيز على المحتوى الأساسي للتخصص و إهمال التكوين في مجال المهارات الذاتية المساعدة على النجاح في العمل و البحث و الحياة الاجتماعية. يفرق الباحثون في مجال التربية و التنمية الذاتية بين نوعين من المهارات التي يجب أن يتم تعليمها للطالب[ة] بطريقة متوازية و تكاملية: المهارات الأساسية أو الصلبة و المهارات الموازية أو الناعمة. إذا كانت المهارات الصلبة تتمثل في المعارف الأساسية الخاصة بالتخصص [مثلا فيزياء، لسانيات، علم اجتماع...]، فإن المهارات الناعمة تحيل على قدرات و ذكاءات مختلفة.من بين المجالات التي يستفيد منها التعليم من ناحية تطوير النظريات و المقاربات التربوية هو المجال الاقتصادي و خصوصا عالم الأعمال و الشركات. فمن المعروف أن هناك إنفاقا في هذا المجال الأخير على تطوير النظريات التي يمكن أن تساهم في زيادة الربح و تجنب بعض المشاكل التي لا تساعد على السير العادي للأعمال. من بين هذه المقاربات التي تم تطويرها في مجال الأعمال و التشغيل هي إلزامية توفر الراغب في شغل على مهارات إضافية تسمى ناعمة بالمقارنة مع المهارات الأساسية المتمثلة في المعارف الأساسية للتخصص. و يتم التفكير في هذه المهارات الناعمة بمنطق براغماتي لأن توفر المترشح لعمل ما على هذه المهارات يفيد الطرف المشغل بالدرجة الأولى لأنها تزيد من أرباحه و نجاحاته.لكن مادام التعليم عموما و التعليم العالي خصوصا أكبر مزود لعالم الأعمال و التشغيل بالأطر الضرورية لاستمراره و نجاحه، فانه أصبح من الضروري أن يتم الانتباه إلى هذا الجانب من تنمية ذكاءات و قدرات الطالب ليس فقط الأساسية التي يمتحن فيها الطالب، و لكن كذلك تلك القدرات التي تنمي قدرات و ذكاءات الطالب الاجتماعية و التواصلية والعاطفية و التي تساعده على التعامل مع محيطه بنجاح، و أن يحصل على عمل و أن يحقق أهدافه. تضفي هده المهارات الناعمة قيمة إضافية على المعارف الأساسية بل هي التي تحدد مدى جاذبيتها بالنسبة للآخر. تعتبر هذه المهارات الناعمة سمات مرغوب فيها و هي لا تعتمد في تكونها على المعارف الأساسية المكتسبة، و التي تتمثل عموما في اكتساب الحس المشترك، القدرة على التعامل مع الناس و التوفر على موقف ايجابي و مرن. و تشير أغلب الأبحاث في هذا المجال على وجوب تطوير نوعين من الذكاءات و هما الذكاء الاجتماعي و الذكاء العاطفي. فإذا كان النوع الأول يتمثل في قدرة الشخص على فهم محيطه بطريقة فائقة، و على التصرف بطريقة لائقة و ذلك باكتساب سلوك ناجح من الناحية الاجتماعية، فإن النوع الثاني يتجلى في قدرة الشخص على التعرف على إحساسه وإحساس الآخرين و التفريق بين الأحاسيس المختلفة و تسميتها بطريقة مناسبة، و استعمال هذه المعلومات لتوجيه الفكر و السلوك. لكن تنزيل هذه المقاربات على أرض الواقع تعترضه عدة صعوبات، منها ما يتعلق بالعقليات السائدة، و منها ما يتعلق بتوفر برامج و أطر مناسبة. توجد بعض المحاولات لتدريس مثل هذا النوع من المهارات في الجامعة المغربية لكنها تبقى محتشمة و تُخصص عموما للسنوات الأخيرة للتعليم العالي، إن وجدت أصلا. إن العقلية السائدة تمجد فكرة الاهتمام بالمهارات و المعارف الأساسية، و تعطي قيمة أعلى للمحتوى المعرفي لتخصص معين. كان هذا الأمر سيبدو مقبولا لو أنه لم يرافقه إهمال واضح لتطوير المهارات الأخرى الناعمة التي هي التي تميز فعلا خريج جامعة عن آخر. فالمعارف المكتسبة، رغم أهميتها، تحتاج إلى مهارات لإبرازها و لإيصالها للآخر بطرق فعالة و مؤثرة. من خلال تجربتي المتواضعة مع طلبة الماستر و الدكتوراه بالجامعة، يتبين لي سنة بعد أخرى أن الطلبة في هدا المستوى من الدراسة يتميزون في معظمهم بمستوى عال من التحصيل الأكاديمي لمعارف التخصص، لكن أغلبهم يعاني من نقص واضح في المهارات الناعمة التي يحتاجونها فعلا لاستكمال دراستهم و مشوارهم في البحث العلمي، بغض النظر عن المهنة التي سيحصلون عليها في المستقبل.كل طالب باحث يحتاج إلى تطوير ذكائه الاجتماعي و العاطفي خلال مساره الأكاديمي، بحيث يصبح قادرا على التواصل مع الآخرين و التأثير فيهم. إذا كان هدف البحث هو مشاركة نتائجه مع الآخرين سواء عن طريق التواصل المباشر و غير المباشر، سواء عن طريق النشر في المجلات العلمية أو المشاركة في المؤتمرات العلمية، فإن اللغة الإنجليزية هي من بين المهارات التي تمهد و تدعم تطوير هده الذكاءات، خصوصا في المجال الأكاديمي المنفتح على العالم، لأن كل ما سيقوم به الطالب الباحث يتم عبر هده اللغة، فكل نقص في المعارف و القدرة اللسانية يؤثر سلبا على تطوير الذكاءات بالطريقة التي يتطلبها مناخ التواصل الدولي و خلق أو الانتماء إلى شبكات دولية للبحث. تعلم لغة التكنولوجيا و العلم يحمل معه قيما و أخلاقا و طرق تواصل معينة تساعد على تطوير المهارات الناعمة، من بينها القدرة على إلقاء عروض، و الـتأثير في الجمهور و التواصل الناجح ليس فقط على مستوى المعارف الأساسية، و لكن كذلك على المستوى العاطفي و الاجتماعي. نذكر كذلك القدرة على تسيير نقاش أو التعاون مع الآخرين لتنظيم نشاط أو إعداد بحث في إطار فريق، أو القدرة على التعامل الناجح مع الصعوبات، و التخطيط و التحكم في الزمن و الآجال والشكليات. بالإضافة إلى التواصل المباشر مع الآخر و القدرة على الإقناع و التأثير في سياق بحث أو تعاون أو أي علاقة تستوجب ذكاء مخالفا لذكاء الأرقام و المعارف الصلبة.لكل مرحلة مهاراتها الناعمة لكن المهارات التي تكسبها في مرحلة معينة يمكن أن تبقى فاعلة مدى الحياة. فعندما ينهي الطالب مسار البحث و يحصل على الشهادة، قد لا يحتاج إلى مهارات ناعمة إضافية إن كان فعلا اكتسب المهارات السابقة الذكر، و قد يكتفي بها لتحقيق الإقناع و الـتأثير و التعامل مع الآخر و الصعوبات بنجاح. إن بؤس التعليم في المغرب و في بعض بقاع العالم يتجلى في اهتمامه بالمهارات و المعارف الأساسية وإهماله الواضح لكل ما يتصل بالذكاءات الأخرى المتعددة و التي ذكرنا منها الذكاء الاجتماعي و الذكاء العاطفي. ما فائدة كل نظريات الدنيا إذا لم يكن الباحث قادرا على إيصالها للآخر بطريقة فعالة، و إذا لم يكن قادرا على فهم من يستمعون إليك و التعرف على أحاسيسهم و استعمال معلوماتك عنهم للتواصل معهم أحسن و بفعالية أكثر. ما فائدة العلم إن كان العالِم فاشلا في علاقاته الاجتماعية و العاطفية؟ ما فائدة البحث العملي إن كان أبكما أعزلا و مثيرا للشفقة؟ كل مجال له مهاراته الصلبة و مهاراته الناعمة. ارتبط تعلم هذه المهارات الناعمة مع الرغبة في تحقيق مردود مادي في إطار مهنة أو تجارة، أو معنوي في إطار تحقيق قيادة في الأعمال أو السياسة أو العلاقات الاجتماعية. المهارات الناعمة هي التي تساعد، بنسبة كبيرة، خريجا على الحصول عمل، و موظفا على ترقية، و إنسانا على تكوين علاقات اجتماعية ناجحة. هذه المهارات تساعد على التعامل مع الناس و التواصل معهم و التفاوض و حل المشاكل و التأثير فيهم، مهما و كيفما كانت معارفك الأساسية. إذا كانت هذه المهارات تساعد موظفا في البنك على الاستمرار في كسب الزبائن، و باحثا على تحقيق تواصل ناجح على المستوى الدولي، فإن عدم اكتساب مهارات من هذا النوع قد يكون سببا في فشلك أو يعرضك لسخرية الناس كما وقع مؤخرا لكاتبة الدولة لدى وزير السياحة مثلا عندما لم تنفعها معارفها و مهاراتها الأساسية في تحقيق تواصل ناجح داخل قبة البرلمان.

  • ...
    لمصلحة من يتم حصار الجمعيات المدنية بالجديدة ؟

    تعاني جمعيات المجتمع  المدني بالجديدة من صعوبات في ممارسة حق تأسيس الجمعيات وتنظيم الأنشطة رغم دورها المحوري بالمدينة ، وتتمثل الصعوبات في امتناع السلطة الإدارية المحلية المختصة عن تسلم الملف القانوني للجمعيات ، أو الوصلين المؤقت والنهائي خلال مرحلة التأسيس من خلال فرض السلطات الوصية تصريح من دار الشباب او المؤسسة المستضيفة للجمعية باستضافتها ، إضافة إلى عرقلة الأنشطة من خلال المذكرة المشؤومة التي اصدرها رئيس المجلس البلدي للمدينة بمنع الترخيص لاستغلال قاعة الاجتماعات للبلدية قصد برمجة انشطتها علما أنها الفضاء الوحيد المتوفر في ظل غياب فضاءات اخرى بالمدينة، فمن يريد ابادة المجتمع المدني بالمدينة؟ .ادا كانت حرية المواطن وقدرته على تجسيد اختياراته وتحقيق أهدافه بشكل تعاقدي مع آخرين، عند تأسيسهم لجمعية ما، بدون أي تدخل كابح لحريتهم، من طرف أجهزة الدولة وممثليها، هو حق لا مكرمة حسب دستور 2011.ويشمل هذا الحق إضافة إلى حرية تأسيس الجمعيات، حرية الانضمام إليها أو الانسحاب منها، وحرية تبني أهداف معينة ووسائل خاصة لتحقيقها. فالحق في تكوين الجمعيات، يتجاوز المفهوم المختزل في كلمة “التأسيس”، وكأنه إجراء قانوني فقط، إلى حرية أوسع، تضمن للمجموعة المؤسسة حقها في تشكيل جمعيتها حسب اقتناعها وأهدافها واختياراتها. فيمكن اعتبار أي تأسيس لجمعية ما، مع تدخل للسلطة في شكل الجمعية أو في طبيعة أهدافها أو وسائلها أو شكل اشتغالها، مسا بهذا الحق الذي يغدو مغتصَبا ومنتقَصا، بفعل انتفاء شرط الحرية في جانب من الجوانب المتعلقة بتكوين الجمعيات. وهو للأسف، واقع ما عليه حال السلطات الإدارية اليوم، بل ومنذ عقود، في شكل تعاملها مع مشاريع تأسيس الجمعيات ببلادنا، فتبيح لنفسها حق التدخل في كل صغيرة وكبيرة تخص الجمعية في طور التأسيس، متجاوزة بذلك اختصاصاتها المتضمنة في القوانين التشريعية، المنظمة لعملية التأسيس بالمغرب، والتي تقتصر على ضرورة الاستجابة لرغبات المؤسسين، وتيسير عملية الالتقاء والاجتماع، تحريرا لإرادتهم وتحقيقا لرغبتهم.وقد نصادف من بين فعاليات المجتمع المدني، أشخاصا أو مؤسسات، قد تقر بضرورة تدخل السلطات الإدارية في عملية التأسيس بالمراقبة والاقتراح والتعديل في لوائح المؤسسين وفي أهداف الجمعية، إلى غير ذلك من الأمور التي لا دخل للسلطات بها. وتحتج بدليل أن بعض التجارب قد يكون القبول بها وبالا على الوطن، أو أن أهداف المؤسسين لا تنسجم مع سياق المرحلة العمرية للمجتمع، أو لا تستجيب لاحتياجات السلطات أو النظام الحاكم… وقد تتطاول أفهامهم إلى مدى يعدون فيه أن بعض المواطنين المغاربة إنما هم إضافة غير مرغوب فيها، ولا تقبل منهم مشاركة في ثنايا المجتمع، ولا تسمح لهم بتأسيس الجمعيات أو الانخراط فيها. وفي الحقيقة فما قولهم وتطاولهم هذا، إلا قول بالنيابة عن إرادة الدولة، وخدمة مسبقة الدفع تبادل بها عطاء الدولة وكرمها لها.ومما يزكي اشكالية التنظير والممارسة خصوصا بمدينة الجديدة فرغم التنصيص على حرية تأسيس الجمعيات واشتراط الإشعار كإجراء إداري فقط، دون شرط الحصول على الترخيص، تبقى الممارسة الميدانية معيارا واختبارا تؤكد عكس ما تنص عليه القوانين. فقد عرفت الساحة الجمعوية بالجديدة حالات لعرقلة السلطات الإدارية في إبداع أشكال احترافية للمنع، كالتهرب من تسليم ملفات التصريح، أو الإطناب في طلب نسخ الوثائق القانونية الغير مدرجة في مسطرة التأسيس، أو ترهيب المؤسسين ودفعهم إلى التنازل عن فكرة التأسيس واخر ابداع السلطات المحلية ضرورة الحصول على موافقة كتابية لدار الشباب أو للمؤسسة المستيفضة للجمعيات … مما يتعارض مع الارادة الملكية و مقتضيات دستور 2011 ومخرجات حوار المجتمع المدني ، و يفقدها الروح التي أزهقتها الإرادة الغير المفهومة للسلطات المحلية بالمدينة...وادا كان  قانون تأسيس الجمعيات يعد حداثيا في فصوله، ويستجيب للمعايير الدولية فيما يخص تأسيس الجمعيات، لتنصيصه فقط على التصريح والاخبار عند التأسيس، فيمكن القول بأن أهم معوق يحول بين الموطنين الجديدين  وبين ممارستهم الحق الطبيعي في تأسيس والانخراط في الجمعيات، هو إرادة السلطات المحلية ومعه المجلس البلدي المنتخب(الذي كنا نتوقع منه ان يغير الوضع) ، ومن خلال مؤسساته الإدارية ، المخول لها وحدها بتسليم ملفات التأسيس، والتي تتفنن وتتقن فنون التماطل والإنكار والتبرير، وحيث يبقى المؤسس رهين مزاجية موظفي البلدية ، الذين يتجاوزون القانون في تعاملهم ويعوضونه بالاستجابة للمزاجية والعلاقات والهواتف في الترخيص لتلك الجمعيات او لهذه او دعم تلك وتجاهل هذه... لتصبح توجيهات صاحب الجلالة و القانون المنظم في هذه الحالة إلا حبرا على ورق، يزين المناسبات واللقاءات ، ولا يخدم إلا مصالح بعض الجمعيات التي لا علاقة لها بالمجتمع المدني بالمدينة.ادا كان الفصل 12 من دستور 2011 الذي ينص على أن جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية تؤسس وتمارس أنشطتها بحرية في نطاق احترام الدستور والقانون، فان حماية هذا الحق من شطط بعض السلطات واجب على كل المتدخلين من سلطات وصية ومنتخبين ومؤسسات مدنية ، ففي الوقت الذي يتبلور حق تأسيس الجمعيات كحق جوهري لتفعيل دينامية الحركة الجمعوية لايزال بعض مسؤولي مدينة الجديدة يتتدخلون بشكل تعسفي وفي ضرب للقانون من أجل إجهاض هذا الحق بشكل أو بآخر، ليظهر على أرض الواقع أن التطبيق العملي لهذا الحق لازالت تعتريه عدد من الإشكاليات المرتبطة أساسا بفهم المقتضيات القانونية المنظمة لحق تأسيس الجمعيات، اضافة الى التضيق عليها من خلال منع المتنفس الوحيد لها (قاعة البلدية)....فهل يريدون ابادة المجتمع المدني الجديدي؟  

  • ...
    الجامعة المغربية إلى أين ؟؟

    ما يحدث الآن بالجامعة المغربية هو تفتيت ممنهج لصف الأساتذة الجامعيين، حيث اختلط الحابل بالنابل، ولم نعد نميز بين النقابات و الشعب و من يدير المؤسسات...بعد إضعاف العمل النقابي بالمؤسسة الجامعية و قطاعات أخرى مماثلة، أصبحت الجامعة تشهد ظهور لوبيات تخدم مصالح المنتمين إليها، فتم استنبات لوبيات صغيرة بالشعب و المختبرات التي شجعت الوزارة فتحها من أجل تطوير البحث العلمي، فإذا بها تحتضن نواتا جديدة لتفريخ اللوبيات، و تم تهميش النقابات، إذ في غالب الأحيان ما يتم فبركة المكاتب المحلية و مجالس المؤسسة بكثل انتخابية معبئة من طرف هذه اللوبيات، و هنا نتساءل عن مستقبل البحث العلمي في ظروف يصبح فيها الأستاذ الجامعي مطالب بالدخول في تحالفات، حتى يتمكن من تحقيق مشروعه العلمي، و هو غير ممرّن و لا مستعد لينخرط في مثل هذه الممارسات التي يمكن قبولها في عالم السياسة على مضض، لكن نستغرب عن سر وجودها في العالم الأكاديمي.كنا نعتقد أن الجامعة منارة  لتحصيل العلم و المعرفة و بناء فرق بحث تصل بالطلبة إلى قمة التنوير والتوعية، فإذا بنا نصطدم بواقع تتدافع فيه المصالح الضيقة، بوجود أساتذة يستغلون تحالفات لبلوغ مآرب شخصية،  والغائب الرئيسي هو البحث العلمي المشترك،  وتجذر الإشارة هنا أننا لا نعمم، نظرا لوجود أساتذة غيورين على القطاع، يناضلون من مواقعهم من أجل استقامة الأوضاع، كما يقوم آخرون بواجبهم على أكمل وجه، و بعدها يغادرون المؤسسة متفادين الاحتكاكات غير المرغوب فيها، لكن عمل اللوبيات بدأ يفسد ما يحاول أن يصلحه "العطار" بهذه المؤسسات. تنتعش الكليات اليوم بقلة من الباحثين الذين يشتغلون بشكل فردي، و يحاولون كسر طوق الجمود الذي تعانيه المؤسسات، لكن لا وجود لمدارس فكرية كما هو الشأن في البرازيل والهند وإفريقيا، ناهيك عن عواصم العلم التقليدية بأوروبا و أمريكا، و لم نسمع قط عن ظهور تيار فكري بجامعة مغربية... إذ نادرا ما يطل علينا أستاذ ببحوث منشورة، و يحاول أن يسوق نفسه من خلالها بأنه صاحب مشروع فكري خاص به....جميل و نمثن مجهوداته الفردية ونحييه عليها، لكن كيف؟؟ وماذا عن الفريق؟؟ وهل نحن الآن نعيش في عصر الأنوار؟ هذا زمن المختبرات و فرق البحث!؟ لماذا نحن في الجامعة؟ هل جئنا للجامعة لبناء تحالفات و لوبيات لقضاء مصالح اقتصادية...و محاربة بعضنا البعض، و هذا ما تسعى إليه الأجهزة المخزنية، حتى تضعف الأستاذ الجامعي و تقزم عمله، أم جئنا للبحث و التدافع العلمي، و طرح النظريات و المقاربات، و القيام بالأبحاث الأكاديمية المشتركة ذات المنفعة العامة؟ هل جئنا للجامعة قصد الإشراف على الميزانيات و تدبير الإدارات، كما أصبحنا نشاهد اليوم، لأن هذا ليس من صميم تخصصنا، و لم نكن قط مؤهلين لمثل هذه المناصب التي زُجّ بنا فيها...؟تصوروا معي مثلا أن يقوم أعضاء لوبي في كلية بإبعاد زميل عن التدريس، بدعوى أنهم فريق متكامل و ليسوا في حاجة إلى خدماته للتدريس، و هو أستاذ التعليم العالي في تخصصه، و مثلهم، يشتغل في نفس الحقل العلمي...هل هذا يقبله العقل؟ و هنا نتساءل لو حدث هذا، كيف يمكن أن يتحول فريق بحث في مختبر إلى لوبي و يناور لإبعاد أستاذ عن حقه في التدريس، و يستبدلونه بأساتذة مساعدين...هل هذه هي الرسالة التي جئنا بها إلى الجامعة...و من له الصلاحية في الحكم على مستوى هذا الأستاذ مثلا؟...في ظل هذا الوضع النشاز، تتكثل بعض المجموعات الصغيرة من الأساتذة،  و تسعى إلى الاحتماء بغطاء مؤسساتي لكي تدخل في تحالفات مصلحية، لكن الطامة الكبرى التي تدعو إلى التشاؤم، هو أن هذا الوضع لا يقتصر على الكليات، بل هو خطاطة نظام سياسي قائم على الزبونية و التحالفات و شراء الولاءات، فالبتالي ما يلوح في الأفق هو قدرنا في إعادة إنتاج اللوبيات، فكلما قمنا بإزالة لوبي قديم أو تآكل مع مرور الزمن، إلا و نبت لوبي جديد بدماء جديدة، ذلك لأن النظام مازال يغذي هذه الممارسات في قطاعات مختلفة... و لن تقوم قائمة للجامعة المغربية في مثل هذه الظروف... أما ما نشاهده من صور إعلامية عن نجاحات الجامعة، فلا تعدو سوى محاولات معزولة لا تعكس حقيقة الواقع السيوسيولوجي المعيش...يبدو أن قدرنا المكتوب هو التطاحن العبثي  و محاربة سيزيفية للوبيات تتستر على الخواء المعرفي الذي يخيم على معظم الجامعات...ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

  • ...
    تسيير مؤسسة جامعية بمنطق اللوبي والتحالفات المصلحية.. كلية الآداب بالجديدة نموذجا

    تُعتبر الجامعة بجميع مكوناتها قاطرة للتنمية في المجتمع، ومركز إبداع علمي ومنارة إشعاع متجدّدة للفكر والمعرفة، كما أنها تعتبر أهم محرك لتقدّم ورقيّ المجتمعات والشعوب من خلال ما تقوم به من نشاطات تعليمية، وما تنتجه من بحوث وابتكارات علمية.وتعتبر الجامعة كذلك فضاء للنقاش والتعدّدية والاعتراف بالرأي المخالف، ونشر قيم المواطنة وفضائل السلوك المدني في الممارسات اليومية للأفراد والجماعة والمؤسسات وترسيخ أسس التسامح، بالإضافة إلى أنها حاضنة للعلماء والمفكرين وقادة الإصلاح ونخبة المجتمع.أين كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة شعيب الدكالي من كل هذا ؟ للإجابة عن هذا السؤال، ولفهم لماذا أصبحت كلية الآداب والعلوم الانسانية بالجديدة مقبرة جماعية لدفن النخب المنتجة والمتنورة في كهوف النسيان وتفريخ نموذج "الزومبي"، وكيف تحوّلت وظيفة ودور طاقمها الإداري من تقديم خدمات وتحقيق أهداف جميع مكونات الكلية إلى سيف ديموقليس مُسلّط على رقبة كل من يعارض أو يتعارض مع مشروع لوبي متحكم في زمام أمور المؤسسة، دعونا نلقي نظرة سريعة عن الفترة الأخيرة من عمر هذه المؤسسة، سيئة الحظ.خلال 12 سنة الأخيرة، تعاقب على تسيير كلية الآداب والعلوم الإنسانية ثلاثة عمداء، ولا يختلف اثنان على أن هذه الكلية عرفت في السنوات الأخيرة من هذه المدة أسوء مرحلة في تاريخها، وأصبحت نموذجا متفرّداً في سوء التسيير والتدبير، بل ارتفعت فيها المشاكل والفضائح والخروقات على كافة المستويات بشكل تصاعدي وملفت، وباتت رائدة في تدبير الدسائس والمكائد، وقطع أرزاق العباد.وقد تميّزت هذه المدة، باحتفاظ العمداء الثلاث بنفس الطاقم الإداري، في سابقة غريبة وفريدة وعجيبة لا تجد لها مثيلاً في أي مؤسسة جامعية في العالم.قد يقول قائل أن القاعدة تقول أن الفريق الكفء لا يجب تغييره، لكن العارفين بخبايا الأمور يفسرون عدم تغيير الطاقم الإداري لمدة تناهز 12 سنة، ليس لكونه فريق كفء وجدير بالاستمرار في المسؤولية، بل لأنه شكّل لوبيا  نافذا يتحكم في مفاصل إدارة كلية الآداب والعلوم الانسانية بالجديدة، ويقرر فِي كل كبيرة وصغيرة منذ أكثر من عقد من الزمن.هذا اللوبي الذي يستفيد من عدة امتيازات (سنعود إليها لاحقا)، همه الوحيد هو استفادته من الريع وتنمية أرصدته البنكية ومشاريعه العقارية عِوَض تنمية المشاريع الأكاديمية ومشاريع البحث العلمي، ومن أجل ذلك أصبح شغله الشاغل هو وضع حواجز منيعة تعترض طريق كل أستاذ باحث يتوفر على مشاريع علمية ويسعى للنهوض بالمؤسسة ومستواها العلمي، ومحاربة كل الأصوات المعارضة وكل الشرفاء الذين يفضحون أهدافه ومشاريعه، مستعملا في ذلك كل الوسائل والأساليب لتكميم الأفواه، من شكايات كيدية وفبركة الملفات وإحالتها على المجلس التأديبي، والتهديد والترهيب والسب والقذف وما إلى ذلك. وهذه بعض الأمثلة لأساتذة باحثين وموظفين تعرضوا لمكائد ودسائس هذا اللوبي:إحالة أستاذة زميلتهم على المجلس التأديبي بناء على  ملف مفبرك، بعد أن مارسوا عليها وهي امرأة كل أساليب الترهيب والضغط والحصار إلى أن انتقلت الى مكناس، لأنها رفضت الخضوع للتعليمات والإملاءات.إحالة أستاذ زميلهم على المجلس التأديبي وممارستهم لضغوطات رهيبة، من أجل تجريده من شهادة دكتوراه الدولة، بل منهم من طالب بطرده نهائيا من الجامعة ومحاكمته. وقد مارسوا كل الضغوطات وحاربوه وحاصروه، إلى أن انتقل الى سطات، لأنه ينتقد سوء رداءتهم في مجال التسيير وينشرها في الصحف.أستاذ زميلهم سمح في منصبه وغادر الكلية نهائيا، بعد أن تعرض لضغوطات رهيبة ولكل أنواع الدسائس والمكر، لأنه كان يجادلهم ويرفض إملاءاتهم.تهديد أستاذ زميلهم بإحالته على المجلس التأديبي بعد أن مارسوا عليه (ولا يزالون) كل أشكال التهديد والترهيب والحصار، لأنه كتب مقالا عن أستاذة شبح تستفيد من الترقية.تهديد أستاذ زميلهم بإحالته على المجلس التأديبي ومحاكمته في مجلس المؤسسة، بعد أن لفّقوا له تهمة نشر كاريكاتير في الفايسبوك. والسبب لأنه يكتب وينتقد ويفضح الاختلالات والخروقات بالكلية.رفع دعوة قضائية ضد أستاذ زميلهم من طرف نائب العميد "المكلف بالبحث العلمي"، مآزرا بنائب العميد المكلف بالشؤون البيداغوجية وأستاذان باحثان. وقد أبى المشتكي والأساتذة الأجلاّء الثلاثة إلاّ أن يضحّوا بجزء من وقتهم الثمين للحضور في الجلسة الأولى، والجلوس في قاعة المحكمة لأكثر من ثلاث ساعات إلى جانب شهود في قضايا السرقة الموصوفة والاغتصاب والنصب والاحتيال والسكر وما إلى ذلك، ينتظرون المناداة عليهم للإدلاء بأقوالهم وشهادتهم، في منظر أقل ما يمكن أن يقال عليه أنه منظر يعبر بشكل جليّ عن إفلاس النخبة المثقفة  ومستوى الفراغ القيمي الذي وصل إليه الأستاذ الجامعي.أما ما يتعرض له الموظفون فحدث ولا حرج.. ولعل خير مثال، ما تعرض له الراحل محمد بنحدو، الموظف الذي كان يقلق راحتهم ويزعجهم بجرأته وشجاعته في انتقاد سوء التسيير، حيث تعرّض لعدة مضايقات وتعسفات وتهديد وتهجم، آخرها التهجم الذي تعرض له في مكتبه من طرف نائب العميد 48 ساعة فقط قبل وفاته، بعد ان سقط داخل الكلية يوم الجمعة 13 نونبر 2015 (وفاة لازالت زوجته تطالب بمعرفة حقيقة ما وقع لأب أولادها ساعة قبل وفاته..).للأسف الشديد، هذا هو النموذج الذي استطاعت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة أن تنفرد بصناعته في السنوات الاخيرة، نموذج ليست له القدرة على نهج أساليب الحوار وقبول الرأي المخالف، نموذج يخضع لمنطق لوبي يسعى إلى وضع حواجز منيعة تعترض طريق كل أستاذ باحث يتوفر على مشاريع علمية ويسعى للنهوض بالمؤسسة ومستواها العلمي، لوبي يختبئ في مكاتب مظلمة ويخطط لقطع أرزاق العباد، وبين الفينة والأخرى يتجول في ممرات الكلية في استعراض طقوسي لقوّته "الزومبية" الفريدة، التي أمست عائقا حقيقيا أمام إقلاع وتطور الكلية وتهدد مستقبل الجامعة.ومن المفارقات الغريبة، هو أن كلية الآداب بالجديدة تزخر بالأساتذة الباحثين ذوي الكفاءات الأكاديمية والعلمية العالية (نقولها عن قناعة وبصوت مرتفع)، وتزخر كذلك بإداريين مشهود لهم بتضحياتهم الجسام، وتفانيهم في عملهم خدمة لمصلحة الجامعة، لذلك نعتقد أنه آن الأوان لطي هذه الصفحة السوداء من تاريخ الكلية، وفتح صفحة جديدة تمكّن هذه الكلية من أن تتبوأ المكانة التي تستحقها ضمن باقي المؤسسات الجامعية، وأن تنعم بطاقم إداري كفء يؤمن بالحوار ويحترم جميع الأساتذة الباحثين والموظفين، ويقدّر مجهوداتهم، عوض طاقم "زومبي" لا يتطور ولا يفنى، والذي يقتات من ميزانية المؤسسة، ويستفيد من تعويضاتها السخية بدون حسيب ولا رقيب. ذ. غريب عبد الحق كلية العلوم بالجديدة

  • ...
    على هامش حفلة ''الشطيح والرديح'' بمسرح عفيفي على بعد أيام من شهر رمضان

     فشل جديد أبان عنه المجلس الجماعي لمدينة الجديدة، أمس الثلاثاء، خلال سماحه بالترخيص لجهة خاصة بتنظيم سهرة على خشبة مسرح محمد عفيفي، الذي يعدّ فضاءً أب الفنون والفن الملتزم الهادف.. مسرح عفيفي، الذي عرف انبعاثا جديدا قبل خمس سنوات بالتفاتة مولوية كريمة من قبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بحضور عدد من مسؤولي الإقليم وثلة من المثقفين والمبدعين والفنانين والرياضيين، على رأسهم أرملة المرحوم، السيدة كريمة عفيفي.لكن ما شهده هذا الفضاء أمس كان وصمة عار على جببن كل الجديديين والمغاربة، إذ جرى تنظيم سهرة خاصة أحيتها "الشيخة تسونامي" بمعية فرقتها، التي ركحت ورقصت على أحد أعرق وأقدم مسارح المملكة؛ هزت جنبات مسرح عفيفي بصيحاتها وحولت محيطه إلى ما يشبه مهرجانا شعبيا أمام استياء فعاليات جمعوية وإعلامية ورياضية وثقافية، استنكرت الطريقة التي بات يدبر بها الترخيص لمسرح عفيفي لجمعيات المدينة التي تشتم من الطريقة المعتمدة رائحة الولاءات واعتماد معايير على المقاس، عوض اعتماد معايير منطقية قانونية مضبوطة مبنية على احترام فضاء هذا المسرح العتيق، الذي يعد ملكا لكل الجديديين، إذ تم ترميمه قبل سنوات بمئات الملاييين وتجديده بكيفية عصرية تليق بالمسارح الحديثة، مع الحفاظ على هويته التاريخية.وصب السيد محمد الشاون، أحد نواب رئيس مجلس الجديدة، جام غضبه على باقي الأعضاء المشكلين للأغلبية المسيرة للمجلس المجلس الجماعي لبلدية الجديدة، متهما اياهم بمباركة هذا السهر الذي يسيء على الخصوص إلى المدينة وإلى المسرح، الأقدم وطنيا. ووصف الشاون، في تصريح صحافي أدلى به من داخل مسرح عفيفي، مجلس الجديدة بالفوضى والسيبة والتسيب والفساد، بترخيصه لجهة خاصة بتنظيم حفل شعبي صاخب للشيخة تسونامي. لكل هذا، فالمجلس الجماعي مدعو إلى التعامل بتبصر مع المسؤولية الملقاة على عاتقه وتحملها دون تمييز أو محاباة أو اعتماد العاطفة أو القرابة، وعلى مصالحه ولجانه أن تراقب وتتابع كل الأنشطة التي تقوم بها الجمعيات والجهات التي يتم الترخيص لها بتنظيم أنشطة وحفلات في القاعات العمومية التي تدخل في نفودها الترابي، لأن سكان الجديدة سئموا من العشوائية في التسيير وباتوا متعطشين للأنشطة الإشعاعية والثقافية والرياضية والاجتماعية ذات النفع على المدينة؛ فإذا بهم يتفاجؤون بـ"تسونامي" تدغدغ عواطفهم، ونحن على بعد أيام فقط من شهر رمضان الأبرك.لحسن الهرز

  • ...
    شكاوى الحمير: ''أنا أجرّ... أنا موجود! ''

     في أحد الأيام ركب فلاح حماره الجَلْـدَ الضّليع، و قرر السفر على متنه إلى المدينة، فطوى الإثنان المسافات في ألفة الطريق وأنسه. و هكذا، كلما توقف الفلاح ليتزود ماء وطعاما ، إلا و اقتسم زاد الطريق مع صاحبه، ووفر له تبنا و ماء، فانتعش الحمار، و شغفه صاحبه حبا. بدأ الحمار يركض، و يحدّق في اهتمام صاحبه، رأسه يتمايل يميناً و شمالا، فاستأنس الحمار برفيق الدّرب والكفاح، و واصل الطريق حتى توقفا أمام باب السوق الأسبوعي بالمدينة. عند دخول السوق الذي قصده الفلاح لأول مرة للتجارة، لمحت عيناي الحمار دابة من بني جلدته تقف بئيسة كئيبة على الرصيف، حنّطت ضلوعها أحزمة عربة جر، و كأنها تحفظ مومياء من تلف السقوط. وقف الشديد الصلب يتأمل حال أخيه شاحب اللون نحيف البدن، متجهم الوجه، ثم اتجه إليه و هو يفور جيشانا، فعانق أخاه البئيس بمعاناة نهيق، فرّغ من خلالها شدة غضبه و حزنه على اعوجاج الأيام و ظلم الزمان، لم يعد يأبه و لا يكترث لصاحبه الفلاح الذي ترك حماره واقفاً قرب شجرة يتظلل بأوراقها بعدما زوده تبنا. ترك الحمار المكان ووقف إلى جانب أخيه على قارعة الطريق. لقد تعود الحمار البدوي على الحرية، حيث لم يضع الفلاح أبدا قيوداً بين حوافره، هو حمار صادق أمين، مخلص في عمله، يأتمنه صاحبه على خدمته، و تتوارد بينهما النظرات والخواطر.  انتصب الحمار القوي و تيقظّ أمام أخيه الهزيل، و نهق في وجهه متسائلا: - ماذا أصابك يا أخي؟ لماذا أنت ضعيف كئيب عليل؟   فأجابه أخوه الحمار و عيناه تذرف دموع حزن الكآبة والمأساة: - لا أدري من أين سأبدأ لك قصتي؟ ماذا سأروي وأحكي و أقول إليك؟ هو الموت البطيء، هو ضنك العيش في هذا القفر الإسمنتي المهجور، أنهك الإسفلت قواي، دمّل حوافري، وتقرّحت من ركود الأزقة و الشوارع، فصرت يتيما عليلا!-كيف يتيما و عليلا؟ وأنت تنحدر من أصول  الشدة  و الأجسام المفتولة القوية؟ ألا تأكل و تشرب و تنام بانتظام، يا أخي؟  نظر حمار المدينة إلى أخيه البدوي، و ابتسم ساخرا من هدر الزمان و قساوة المكان، فقال: - أنت يا أخي لازلت تعيش زمان الخيال و سحر الأوهام، تركد في البراري، و تحتمي بظلال الشجر عند القيلولة، و تأكل من الحقول، و حين تغرب عليك الشمس،َ تعود متعبا إلى الإسطبل،  فتلتهم علف العشاء، و تخلد إلى النوم، حياتك غير حياتي، حياتك في الطبيعة، و حياتي في الوظيفة والعقيدة، أنا السجين المرقّم، أنظر إلى لوحة عربتي، وأنت تفهم!  فهي بطاقة هويتي ...سقطتُ أنا في متاهة الأرقام، آكل بالأرقام و أنام بالأرقام و أمشي بالأرقام، ضاعت مني عقارب الزمان بالأرقام! كيف سأشرح لك يا أخي كيف؟ تأمل الشديد القوي الكلام، و طأطأ رأسه خجلا من بأس المصير، فأومأ لأخيه بحزن الإشارة، حتى يكمل الحديث، وهكذا شكا الأخ إلى أخيه الحمار ضنك العيش و غربة البقاء ووحشته: - كل يوم، أستيقظ باكرا، و حتى كلمة "أستيقظ"، فهي تعبير مجحف في حق النوم الذي أحاكيه، لأن جفوني لا تغفى، فكلما أغمضت عيناي أتوسل النوم وأتضرع إليه، تتأوه مفاصلي أنينا، و يصم آذاني صخب الطريق. منذ بزوغ الشمس، و أنا أركض بين الشوارع والأزقة، حمار الجرّ أنا، أنقل البضائع من سوق إلى سوق، و من متجر إلى متجر، دون كلل أو ملل، ليس لي حق التوقف أو الشكوى أو الألم، أتوقف فقط حين أنتظر تحميل أو تفريغ السلع من فوق ظهر عربتي، تلك هنيهة ينزل فيها سيدي ليضع قيود البؤس والحرمان بين حوافري، ثم يُخرِج  كيس علف يضعه في عنقي، يذكرني بطوق الرّق والمهانة، فألتقِم منه قوتا، و بعدها بخفة العقارب أعود إلى الجر، حياتي رهينة الجرّ...أنا أجرّ أنا موجود...حياتي كدّ و تعب من أجل مضغة علف يلفها سيدي في ثوب يطوق عنقي بالرق والحرمان...- ألا يمنحك صاحبك أكلا متنوعا؟ ألا يعطيك ماء و راحة بين الفترات و قسطا وفيرا من النوم لتستيقظ نشيطا، و تعمل بقوة؟ - أهكذا تعيش أنت في البادية؟ - نعم، بل أكثر من ذلك! ما بُحت به لك إلا القليل يا صاحبي!- عندما أنصت إليك، و كأنني أحلم، أو عدت بريئا أجلس في حضن جدتي، وهي  تروي متيّمة بخرافات حول انقلاب الحمير!- لا لا لا ! هذا واقع نعيشه نحن في البادية، إلا إذا كان الحمار و صاحبه فقيرا بدون مأوى...اسمح لي يا أخي، لقد أثرت فضولي...ماذا تقصد بانقلاب الحمير؟ ماذا تعني هذه الكلمة؟- دعك منها! وانظر هناك! أترى ذلك الرجل غليظ الوجه، سمين البدن، ذلك الجالس تحت الشجرة، و يعد الأوراق النقدية التي حصدها من عرق أفخاذي التي مازالت تصبب عرقا و ترتجف تعبا من جريي طول النهار...ذلك مالكي وسيدي! و هذه أكبر خرافة كانت ترويها جدتي عن زمان سيأتي تُستَعبد فيه الحمير... لم أصدق يوما حكايات جدتي، وهي تروي لنا و نحن مستلقين فوق أكوام التبن أحزان زمن ستنبطح فيه الحمير... كنت أقاطعها دائما:  كفانا جدّتي خرافات! فيخفق قلبها، و تذرف دموع المستقبل الكئيب الذي ينتظرنا... و دارت الأيام، و ها أنا أتعب و أكد و أشقى، لكن سيدي يقبض الثمن، يقايض عرقي  بالنقود، و يأكل حصتي، ثم يرميني بفتات الطعام...هو ينام و أنا أظل مستيقظا، هو يجلس في المقاهي، وأنا أتشرد على قارعة الطريق، هو يغني و يرقص فوق ظهري، وأنا أجري وأركض من حر السوط و نار الإسفلت،  هو الموت البطيء يكابده أخوك الحمار... انتفض الحمار الضليع من شدة الغضب، و غرس  حوافره في الإسفلت، نهق نهيقا صاخبا و غضب غضباً شديدا، و كأنه يستعد لركل سيد الحمار، لكنه تراجع خوفا على أخيه الحمار، لأن إصابة السيد بمكروه، قد تتسبب في تشرد الحمار، وقد يضيع شح قوته، بل قد تصبح حياته مقامرة من أجل البقاء، فانحنى جموحه امتهان الزمان، و أقسم في نفسه بأن لا تطأ حوافره ثانية مدينة الذل والهوان. خيم الصمت على الحمير، و عاد صاحب الحمار ليسأل عن حماره، و بلمحة خاطفة، كأنه قرأ القصة كاملة في بريق عيناي صاحبه، توجه البدوي إلى سيد الحمار الذي مازال منهمكاً في عد الدريهمات، ثم سأله قائلا: - ما بال حمارك كئيبا بئيسا عليلا؟ هو منك و سندك في الحياة؟ لماذا لا تعتني به؟  امتعض سيد الحمار و تبرّم من النقد، و نظر إلى صاحب الحمار بسخرية دون أن يجيبه، ثم عاد ليعدّ الدراهم، لكن صاحب الحديث استكمل النصيحة، فقال: - إن الحمير تحب العناية، فكلما قدمت لها الرعاية إلا و تفانت في خدمتك، و كانت لك سندا وعونا في الحياة! امتعض السيد من هذا النقد اللاذع و صرخ في وجه البدوي قائلا:  - و ما شأنك أنت؟ هل هو حمارك؟ هو حماري، و أنت لا دخل لك به؟ اعتني بحمارك قبل أن تسألني عن حماري؟ انظر إليه؟ هل اشتكى إليك؟ يجب على الحمير أن تحمد الله أننا نوفر لها القوت والمبيت...! أما أنا، فمن سيطعمني؟ من سيوفر لي المبيت؟  أتدري أنت الذي تتعَنْـفَص أمامي بالخُطب! هذا الحمار يتمتع بحقوقه أفضل مني! كيف تطلب مني أن أمنح الحمار حقوقا أنا مالك الحمار لا أحلم بها! ابتعد عني، و اذهب لحال سبيلك يا هذا !  عاد الرجل لعدّ النقود، وانصرف البدوي صحبة حماره تاركا المدينة،  و هو يتأمل خطاب سيد الحمار...فكلما ابتعد البدوي مسافة عن حدود المدينة، تلاشت ملامح الغضب من عينيه، و عاد ليغني أهازيج قريته فوق ظهر حمار ينهق غضباً ويتألم على مصير أخيه...تساءل الحمار في نفسه، فقال: " كيف حكت جدة هذا الحمار مأساة الاسترقاق، و لم تروي له كيف يمكن أن ننقلب عليه؟ ما هو المقصود يا ترى بانقلاب الحمير؟ أ هو تتكتل الحمير لكي تصدح بنهيقها الشجي ضد التجويع و الظلم و الحرمان؟ كيف السبيل إلى تكوين جبهة الحمير؟ اخترق هذا السؤال أحشاء الحمار بينما هو يطوي المسافات في طريقه عائدا إلى القرية مخدَّرا ممغنَطا بنفحات انقلاب الحمير!  ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي

  • ...
    دعارة النقط بالجامعة المغربية.. هل هو حدث معزول أم ظاهرة اجتماعية؟

    على إثر الفضيحة الجنسية بقطاع التعليم العالي التي انبعث غبارها متطايرا من كلية العلوم بتطوان، و يتعلق الأمر بقضية أستاذ الجبر الذي اتُّهم بالتحرش الجنسي و التلاعب بنقط الطلبة مقابل العناق الغرامي لمن أثارت شهوته الجنسية من طالبات مدينة الجن والملائكة-- تطوان، حيث تم تصويره و كأنه الحاج ثابت الكوميسير مغتصب النساء، و قيل أنه يمنح نقطا عالية مقابل المضاجعة السريرية للطالبات الحسناوات في مقر عمله و في شقق بتطوان وطنجة.  نتساءل في هذا الصدد عما إذا كان هذا الحدث معزولا، أم هو ظاهرة متفشية في المجتمع المغربي تطال قطاعات متعددة، خصوصا مصانع النسيج والتغذية وغيرها من القطاعات الصناعية، حيث تصل أنباء بشكل مستمر عن تحرش المشغّل بالبروليتاريا الصغيرة من النساء؟ للجواب عن هذا التساؤل، سوف نتطرق بالتحليل لثلاث مستويات متباينة: أولا، سوف نناقش الشق القانوني المتعلق بالنازلة التي هي أمامنا من كلية تطوان، و من خلال هذه الدردشة القانونية، سنوجه تحذيرا إلى السيد العميد حتى لا ينزلق في مطبات أخطاء مهنية، و ربما قد يصطدم بحقائق خفية تكشف عن خبايا هذا الملف، ثانيا، سنقف وقفة تأملية في رسالة صحوة الضمير التي أصدرتها شهيدة الحب والغرام، ونتساءل عن السر الكامن وراء تفجيرها لهذه القضية، وفي هذا التوقيت بالذات، ثالثا، سنضع أسئلة مبدئية حول ازدواجية الخطاب الاجتماعي بالمغرب، و اعتماد ثقافة النفاق الاجتماعي في التعامل مع القضايا الجنسية غير الشرعية، و نبدأ بالتساؤل عن طغيان النظرة الذكورية في المجتمع، حيث يتحامل المجتمع الفيسبوكي و الصحافة الالكترونية على الأستاذ الشبقي الذي يمارس الجنس مع الطالبات، و يغفل طرفا أساسيا في الموضوع، ألا وهو العذارى الراشدة التي تتقرب من الأستاذ، وفي حالات متعددة، قد تراوده عن نفسه، فيسقط ولا يستعصي لأنه لم يكن يوما نبيا و لا رسولا إلا في الأساطير و الأمثال والحكايات و الكتب المدرسية.  إن النازلة لا تقتصر فقط على ابتزاز جنسي، بل تتضمن أيضاً حكايات عن طالبات فضلن الامتحان السريري على امتحان القسم قصد تحقيق النجاح العلمي الوهمي؟ و بتحامل المجتمع على هذا الأستاذ الجامعي المتهم بالشبقية الجنسية، كيف سيتم تصنيف الأساتذة الذين يسقطون في غرام الطالبات و يتزوجونهم في النهاية، و لو تم إحصاء الأساتذة بالمغرب الذين ارتبطوا بطالبات، لأصيب هذا المجتمع المنافق بنوبة قلبية، كيف  يبارك المغربي "أب الطالبة"، و يزغرد ويصفق ويرقص على نغمات موسيقى زواج الأستاذ بابنته، و عندما تفشل العلاقة الغرامية، يصنف الأستاذ في خانة "السلاقيط"، ذلك الصعلوك المراوغ المغتصب؟ ما هذا النفاق الاجتماعي؟ و قد نصل قمة النفاق، إذ نحن أجزمنا أن معظم الأساتذة تم ارتباطهم بالطالبات عن طريق زواج تقليدي و خلوة شرعية دون إيحاءات ونظرات و لمسات جنسية؟ نحن نتوجه لمجتمع "مسيلمة الكذاب"، ونسأله: هل للأستاذ الحق في أين يحب، و يتعلق بطالبة و يسقط في غرامها؟ و قد يتزوجها أو لا يتزوجها؟ أم هو ناسك متعبد بالحرم الجامعي، حرّمت عليه النساء، كما حرّمت علينا الميتة و الدم و لحم الخنزير؟  ألا يجب التمييز بين ثلاث مستويات جد متباعدة في تحليل هذه الظاهرة المتعلقة بعلاقة الغرام بين الطالبة والأستاذ. أولا، هناك مستوى العلاقة الغرامية التعاقدية برضا الطرفين خارج نطاق القسم،  وهذه العلاقة الرومانسية قد تنتهي بسيناريوهات متعددة، دعونا نتفائل هذه المرّة و نقول بالرفاء والبنين.  ثانيا، هناك  مستوى دعارة النقط التي يتحمل مسؤوليتها الأستاذ أولا الذي أخل بمبدأ التعاقد، و لم يحترم مبدأ تكافؤ الفرص، فقام بتزوير النقط و بيعها في مزاد الهوى، والطالبة الراشدة التي قبلت بيع جسدها مقابل النجاح، فحصلت على شهادة سريرية، تعكس مؤهلاتها الجنسية، و لا تعكس بتاتا مؤهلاتها المعرفية. ثالثا، هناك التحرش الجنسي، ذلك الخطاب أو السلوك الماجن الذي يهاجم الطرف الآخر، و يقتحم عذريته الجنسية، هذا الجرم الأخلاقي لا يقتصر على الأستاذ فقط، بل يشمل كل مكونات الجامعة من طلبة و طالبات وإداريين وأساتذة، إذا تبث تورطهم في ارتكاب هذه الجريمة الأخلاقية، فالأمر يتعلق بتوثيق وقائع التحرش، و متابعة الأظناء قضائيا بالمنسوب إليهم .       لنباشر تحليل هذه الظاهرة، و نتطرق كما أسلفنا الذكر للشق القانوني المتعلق بهذه النازلة. في هذا الصدد دائما،  نحن نحذر عميد كلية العلوم بتطوان من أن ينزلق إلى ارتكاب أخطاء مهنية جسيمة في حق الأستاذ المتهم بالشبقية الجنسية عبر إحالته السريعة على المجلس التأديبي و بدون وثائق قانونية و محاضر مداولات تدينه، اللهم، إذا اعتمدت اللجنة العلمية فوطوكوبي الفيسبوك لإدانة الأستاذ، فتكتمل  فصول مسرحية محاكمة صورية، ستنقلب مخرجاتها لا محالة ضد العميد و لجنته؟! يبدو أن هذا العميد قليل الخبرة بالإدارة والتسيير، و ما يدل على ذلك هو هرولته إلى الإدلاء بتصريحات صحافية غير مسؤولة يهدد من خلالها الأستاذ المتهم صحافيا، و هذه تصريحات تعرضه للمتابعة القانونية، مادام أن القضاء لم يقل كلمته بعد في الموضوع، و مادام الوكيل العام لم يحرك دعوة قضائية ضد المتهم.  إن إدانة المتهم و التصريح بمحاولة تشديد العقوبة عليه، و تهديده عبر المنابر الصحافية، هذا كله حديث سابق لأوانه، بل هو تصريح خطير غير مسؤول، خصوصا أن القضية وصلت فيصل القاسمي، وتم تدويلها في جميع الأقطار العربية. هذه النازلة هي من اختصاص القضاء لكي يبث فيها، و حين تتأكد التهم، و تبث الشرطة العلمية والتقنية في كل ما جاء في الصور، و يدين القضاء الأستاذ و شركائه في هذه الجرائم الأخلاقية، و بالتالي تتوفر القرائن و الدلائل والمحاضر التي ستعتمدها لجنة التأديب لمتابعة الأستاذ، آنذاك يجب أن تنعقد اللجنة العلمية للبث في الموضوع، و يصبح للتصريح الصحافي سندا قانونيا، أما الفرقعات الهوائية الحالية، فهي تعتبر تشهيرا بالأستاذ (ع،ع) ، و إساءة إلى سمعته، و تضليلا للرأي العام، و تشويشا على القضاء، بل تعتبر وشاية كاذبة في حالة تم تبرئة المتهم من المنسوب إليه. هذه كلها تهم تنتظر السيد العميد الذي ارتجل خروجا مبكرا للصحافة قبل أن تتم إدانة الأستاذ بطريقة قانونية، مما يدعونا إلى الشك في النوايا الحسنة للعميد، و إذا أصدرت لجنة التأديب أي حكم يوم الثلاثاء القادم في حق المتهم، سيعتبر حكما باطلا إذا بني على الادعاءات الفيسبوكية، كما يعتبر تعسفا إداريا مطعونا فيه بقوة القانون في المحكمة الإدارية، و هكذا ستنقلب الكفة لصالح الأستاذ، و يتورط العميد في أخطاء مهنية و متابعات قضائية هو الآن في مرماها.  إن تهمة الابتزاز و تسريب أسرار مهنية و تلاعب بالنقط، كلها تهم تحتاج لأدلة موثقة من طرف لجن مداولات و محاضر رسمية، و شهود، ووقائع مسجلة في تاريخها، و ليس حسابات فيسبوكية مخترقة. هذا الملف يجب أن يحال على القضاء، و عندما يجرم القضاء الأستاذ المتهم، آنذاك، من حق العميد اللجوء إلى المسطرة القانونية التي يتحدث عنها في الصحافة، لكن أن يستبق الأحداث، و يتهم الأستاذ علنيا، و يحاكمه في يومين، نتساءل ما السر في هذه السرعة؟ و هل لهذه المحاكمة حسابات أخرى؟ و لماذا يسقط هذا الأستاذ دون غيره في هذه التهم؟ هل هو الوحيد بالجامعة المغربية المتورط في دعارة النقط؟ ما هو السر الكامن وراء موضوع الاتهام؟ لماذا هذه الضجة الإعلامية حول هذا الأستاذ المتهم بالتحرش بالطالبات، والجامعة المغربية تحتضن أمثلة عديدة يتستر عليها الجسد الجامعي، و يتعايش معها في إطار تضامن مجتمع منافق، يرفض أن يواجه حقيقة وحشيته الغرائزية، ويقترح حلولا بنيوية بديلة لمعالجتها. ثانيا، لماذا تتهم طالبة أستاذها بفضائح جنسية عن طريق صور من الفايسبوك ورسالة مجهولة من حسابها الفيسبوكي المفترض؟  و كيف حصلت على هذه الصور، و لماذا في هذا التوقيت بالذات  بعد حصولها على الإجازة؟ لماذا التجأت إلى الفايسبوك لفضحه وليس بالطرق القانونية المتاحة؟ و هل تعلم هذه الطالبة خطورة مخرجات الرسالة التي قامت بنشرها ضد الأستاذ؟ هل تعلم أنها هي الأخرى، سوف تتابع بتهمة الفساد، و إذا تبث تورطها في هذه الجريمة الأخلاقية، قد تقوم الوزارة الوصية و الجامعة بسحب شهادتها الجامعية منها، لأنها مزورة، و هل تعلم الطالبة المعنية، وكل من يلتجأ إلى هذه الأساليب الملتوية أن الجامعة تصادق على شواهد جامعية تبث الأهلية المعرفية، و لا تصادق على شواهد سريرية تثبت الأهلية الجنسية.  كتبت هذه الطالبة تقول:  "بعد حصولي على الإجازة من الكلية المشؤومة بعد 4 سنوات من الدراسة .. قررت كشف المستور .. أستاذ جامعي بكلية العلوم بتطوان يستغل الطالبات جنسيا و المكان هو مكتبه بالكلية أو شقته السابقة بمرتيل قرب مطعم نرجيس أو منزله بطنجة … لكن المفاجأة كذلك هو أن عدة طالبات يفعلن ذلك برضاهن طمعا بالنقطة … الأستاذ لم يكتفي بذلك بل قام بابتزاز بعض الطلبة … الأستاذ الجامعي يمارس الجنس مع طالبات بعمره ابنته … و هناك العديد من الطالبات يخن أزواجهن مع الأستاذ المذكور .. و ما خفي أعظم و ما يحدث من اتفاق على أرض الواقع أو في الوتساب أكثر سوءا كذلك و هناك من تتصل به عبر الهاتف خوفا من اكتشاف أمرها… طالبات يدعين العفة و الحشمة و الوقار هن أيضا مارسن الجنس مع الأستاذ من أجل النقطة و كذا بسبب الفراغ العاطفي …. المراقبة تمت منذ مدة و اليوم بعد حصولي على الإجازة ارتحت و قررت نشر التسريب التالي … مع العلم أنني أخفيت أسماء الطالبات حفاظا على سمعتهن لكن رسالتي لهن أنني أعرفهن بالاسم و الصورة و أدعوهن الى عدم تكرار ما يقمن به و التوقف فورا … كما أن ما يقوم به الأستاذ من توزيع للنقط ( 18 19 20 17 ) هو ضرب في مبدأ تكافؤ الفرص .. التسريب تم لأن المحاسبة غير موجودة مع الأسف. و ليكن هذا الأستاذ عبرة لغيره من الأساتذة الذين يقومون بابتزاز الطلبة و استغلال الطالبات جنسيا." لن نستفيض في تحليل هذه الرسالة حتى لا نطيل على القارئ، لكن تطرح هذه الرسالة أسئلة كثيرة تفضح نوايا الطالبة بالتشهير بأستاذها بعد فشل علاقة عاطفية بينهم. إن اختيارها لكلمة "مشؤومة" تدل على الحالة النفسية لكاتبة الرسالة، و هنا نتساءل عن المعنى المتأخر لهذا الإحساس، إذ كيف يا أختاه، أصبحت الكلية مشؤومة بعدما كانت الأخت تترد على أماكن مختلفة مع أستاذها، و تتوفر على معطيات حميمية مكنتها من فضح المستور؟ لماذا استفاق ضمير هذه الطالبة لوحدها من العشرات اللواتي قمن بمضاجعة الأستاذ؟ ألا يتعلق الأمر بانتقام طالبة تخلى عنها أستاذها بعدما تقدمت بهم العلاقة العاطفية/ الجنسية إلى مراحل جد متقدمة، أو ربما هو تعلّقُ عاشقة "ولهانة" من جانب واحد، خصوصا إذا افترضنا أن هذا الأستاذ زير نساء؟  إن  التركيب الإنشائي الذي اعتمدته كاتبة الرسالة، والطريقة التي رتبت بها أفكارها في محاولة لإقناع القارئ، كلها ترمز إلى انتقام عاطفي، حيث كتبت الرسالة بصيغة إخبارية ركزت فيها على الأمكنة، والنقط، و الشبقية الذكورية، والطالبات دون تحليل أو تعليل أو تأويل باستثناء الإشارة إلى عدم تكافؤ الفرص في آخر الرسالة. لماذا قامت كاتبة الرسالة باستعمال التشبيه الآتي "بعمر ابنته"؟ أليست هذه عبارة عن شتيمة تنتمي إلى قاموس الغرام؟ و لماذا فضحت هوية الطالبات الاجتماعية، حيث ميزت بين المتزوجات و غير المتزوجات؟ أليس الغرض من هذا الانتقام من الحبيب قاسي القلب الذي تخلى عن العشيقة، حيث تسعى من خلال هذا الاتهام توريطه في خيانة زوجية مع المتزوجات أيضاً؟ و لماذا قالت: "و ما خفي أعظم؟" تلك مجموعة من العبارات تدل على أن نية كاتبة الرسالة ليست هي فضح الفساد، بل الانتقام من الأستاذ قاسي القلب. إن الدليل القاطع عما نقول هي الجملة التالية في النص-- تأملوا معي هذا الهجوم على الطالبات اللواتي يضاجعن "حبيب القلب"--: " أدعوهن إلى عدم تكرار ما يقمن به و التوقف فورا!"...... لماذا "فورا" يا أختاه، يا أمة الإسلام؟  إن كلمة "فورا" تفضح تمزقا عاطفيا و مشاعر جياشة، يختلط فيها الحب و معاناة فراق الحبيب وهجره.     إن التركيب الإنشائي للرسالة يدل على أن صاحبة الرسالة تعاني غيرة هيسترية، و فراغا عاطفياً من جراء انقطاع العلاقة الغرامية بينها و بين من تهدف إلى التشهير به والانتقام من هجره لها،  و هذا ما يفسر التوقيت الذي اختارته الطالبة لفضح المستور، لأنها لم تستطع مقاومة رغبتها في الانتقام ممن هجرها و فضل نساء أخريات عليها. و تجدر الإشارة في هذا الباب، أن ثقافة الدعارة بالمغرب، و التي يرفض المجتمع دراستها و مقاربتها علميا،  تحمل في طياتها الكثير من المتناقضات، إذ في عالم هذه الرومانسية غير الشرعية، تعتقد الخليلة أن مغامرات "الدرغام" الغرامية خيانة لها، بالرغم من أنها تقبل مضاجعته لزوجته و تتعايش معها، لأن هذه العلاقة بالنسبة لها هي علاقة شرعية مقبولة دينيا واجتماعيا، كما تعتبر  نفسها هي بمثابة زوجة ثانية ( دون عقد قران رسمي)، فتحرص على التزام الخليل الغدنفر بمواثيقه الغرامية، والكف عن مضاجعة باقي إناث الأسد.   ثالثا، هل فضيحة كلية تطوان الجنسية تشرعن حملة المجتمع ضد تحريم العلاقات الرومانسية بين الأساتذة والطالبات بغض النظر عن مخرجاتها؟ هذا المستوى الثالث من التحليل هو ما دفعنا أصلا إلى كتابة هذا المقال. نحن نواجه أزمة قيمية الآن  أمام إقدام العديد من الزملاء الأساتذة على الارتباط بطالبات بعد علاقات غرامية و تدفق عاطفي، يصعب الآن علينا تصنيفهم أمام هجوم الكواسر الفيسبوكية على الأستاذ الذي يسقط في حب الطالبات، و يقيم بهن علاقات اجتماعية خارج ميثاق التربية والتكوين. هذا إشكال عميق نواجهه اليوم من لدن مجتمع منافق يطبل و يزمر لزواج الأستاذ من الطالبة، لكن يلعن الأستاذ و يذم أصوله، إن افتضح أمره يغازل طالبة في علاقة غرامية، لا أحد يعلم نهايتها بعد. و هل يُفترض أن تنتهي كل علاقة غرامية بين أستاذ وطالبة بزواج؟ هذا موضوع شائك، ويطرح عدة أسئلة أخلاقية يجب الحسم فيها، كما يجب مقاربة الموضوع مقاربة شمولية لا تتعلق بالجامعة لوحدها، بل بجميع القطاعات الحيوية في البلاد.    إن الحديث عن دعارة النقط، هو مستوى آخر من النقاش، و يجب معالجته في إطار المقاربة التعاقدية التجارية غير الأخلاقية التي توجد في قطاعات متعددة، و تعتبر دعارة النقط جرما أخلاقيا يرتكبه الأستاذ و الطالبة معا، في خرق سافر للمنظومة التعليمية والأخلاقية، لذا يجب متابعتهم قضائيا و تأديبيا بسبب خرقهم للقوانين الجاري بها العمل، كما يجب مقاربة الدعارة المنفعية/التبادلية مقاربة شمولية من منظور اقتصادي ثقافي في قطاعات متعددة، و ليس بالجامعة فقط، و كما ذكرنا سابقا، تعتبر المصانع المرتع الخصب لهذا النوع من الدعارة. إن دراسة هذا الموضوع، تستوجب كما أشرنا سابقا التمييز الجوهري والوجودي بين مستويات متعددة في التحليل، إذ أن تصنيف دعارة النقط تختلف نوعيا عن تصنيف علاقات الغرام بين الطالبات والأساتذة، و حتى لا نخدش حياء هذا المجتمع المنافق، سنعيد صياغتها بعبارة شرعية، و نطلق عليها زواج الأساتذة الكاتوليكي من الطالبات؟ و هنا ندعو القارئ أن يسأل هؤلاء الأساتذة، كيف بدأت العلاقة بينهم و بين زوجاتهم / عشيقاتهم داخل القسم، لتنتهي بالزواج والأعراس والأفراح و الرفاء والبنين، و ليس بالفضيحة والمتابعات القضائية؟  و أخيرا، هناك التحرش الجنسي الذي يستند إلى تقعيد قانوني في المنظومة القضائية المغربية، و يتم تعريفه بأنه مجموعة من الإيحاءات و طلب خدمات جنسية عبر الكلام أو السلوك غير مرحب بها من الطرف الآخر. و لمحاربة هذه الظاهرة المتفشية في الفضاءات العامة بما فيها المجال الافتراضي، يجب تعبئة المجتمع بأكمله عن طريق حلول بنيوية تتشكل في التحسيس الإعلامي بالظاهرة، و بالحقوق التي يضمنها القانون للمواطن المستهدف، و تحريك المجتمع المدني بالدخول على الخط لمناهضة دعاة التحرش، و وضع أرقام خضراء لإنصاف ضحايا التحرش من ذكور وإناث،  وإنشاء مكاتب تابعة للسلطة القضائية بجميع المؤسسات العمومية و المخوصصة، أي عبارة عن مؤسسات القرب لإنصاف المواطن  و تقوية رقابة الدولة و سهرها  على ضمان كرامته.  ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي  

  • ...
    حي بن يقظان في وطن النسيان: ''دي باك يموت في دارو''

     تعود بنا أوضاع الصحة في مغرب النسيان للحديث عن الخصاص المهول في العلاجات التلطيفية لمرض السرطان، إذ في ظل غياب مراكز جهوية لعلاج هذا المرض بعدد من المدن، و عدم كفاية الحملات الوطنية للتشخيص المبكر سواء لفائدة الساكنة ذات الحظوة أو المنسية منها، باستثناء العمل الجبار الذي تقوم به جمعية للاسلمى لمحاربة داء السرطان بمعية مع المراكز المحسوبة على رؤوس الأصابع بمناطق المملكة، يظل الغائب الأكبر والرئيس في هذا المجال بالمغرب هو وجود العلاجات التلطيفية عند إصابة المريض بالداء في مراحله الأخيرة، إذ تغيب تماما أي متابعة طبية من أي نوع تلطف محنة المريض، وتخفف عنه معاناة الألم في جميع مناطق المغرب تقريبا باستثناء بدايات في هذا النوع من العلاج بمدينة الدار البيضاء ومراكش.   و لا توجد  في هذا الإطار إلا أستاذة بمركز الأنكولوجيا  بمدينة الدار البيضاء متخصصة في هذا المجال، حيث تقوم بدورات تكوينية لفائدة الأطباء المتدربين في علاج السرطان، و ربما يقوم أستاذ آخر حسب علمنا بنفس العمل بمدينة مراكش، ناهيك عن إمكانية وجود بعض الأطباء الذين تلقوا تكوينا مُركّزا في المجال بمؤسسات صحية أخرى، إذن، كيف يعقل أن يفتقر بلد بأكمله لتخصص في مجال العلاجات التلطيفية، ليُترك المغاربة في مواجهة القدر المحتوم و الصراع الأليم مع مرض الموت دون عون أو مساندة، قد تخفف من آلام المريض، وتسهل عليه مرحلة العبور إلى مثواه الأخير؟   في مدينة الدار البيضاء، تقوم الآن لجنة أطباء مدربين في مجال العلاجات التلطيفية تحت إشراف أستاذة متخصصة في هذا المجال بتغطية الحالات المسجلة في مركز الانكولوجيا على صعيد المدار الحضري بالمدينة، لكن لا تستطيع هذه اللجنة تغطية النواحي، نظرا لقلة الموارد البشرية، و هكذا فلا تستطيع اللجنة تقديم خدماتها الطبية الإنسانية الجليلة لفائدة جميع ساكنة الدار البيضاء، وهذا ينطبق كذلك على اللجنة المتواجدة بمدينة مراكش.   إذن، في غياب العلاجات التلطيفية الرحيمة، يواجه المغاربة مصير الألم  و عذاب فراش الموت، كما تتناسل الحكايات حول معاناة المرضى و مدى تألمهم في مراحلهم الأخيرة من المرض، إذ يفارق المريض الدنيا في غبن و تأوه وأنين، و تظل ذاكرة الأبناء تروي عن مأساة الموت، بل منهم من تسكن خياله صورا بشعة لبكاء الآباء و الأمهات  و نواحهم  وتوجعهم  على فراش الموت، و من منا من لا تؤرقه كوابيس موت الأحبة و تقض مضجعه؟     هل كُتِب علينا موت أليم و عذاب رحيل في وطن النسيان ؟ ما نوع المنطق الذي يدفع بصاحبه كالعربي باطمة مثلا أن  يدبج  كتابا حول الصراع مع السرطان و يؤرخ لمعاناة الرحيل؟ كم من نسخة ستنتجها ذاكرة شعب منسي مريض؟ لا يجادل أحد في أننا نعيش هنا فوق هذه الأرض مرحلة عبور، و نحن في سفر يوما بعد يوم في اتجاه العالم الآخر، لكننا جنس بشري يتطور و يبتكر أساليب و أدوات للتغلب على قساوة الطبيعة، ألا تذكرون كيف قام حي بن يقظان  بتشريح أمه الظبية بعد موتها قصد اكتشاف سبب الوفاة، و هو الذي اهتدى إلى التوحيد بالفطرة، هل تذكرون أن قصة بن يقظان تحكي عن جنس بشري جلس مكتوف الأيادي ينتظر المصير القاتم المحتوم؟ كلا، هي قصة بطل  ابتكر طرقا متعددة لبناء نوات الحضارة الإنسانية، و هي قصة بن يقظان الرومي العجمي التي تطورت إلى ابتكار الموت الرحيم و العلاجات التلطيفية، لكن حي بن يقظان العربي، و المغربي على الخصوص، لازال بدائيا يعتقد في أساطير سكرات الموت، و تتناسل الحكايات والتأويلات عن أساليب تدبير المرحلة الأخيرة من الحياة بعيدا عن المقاربة العلمية و العلاجات الضرورية لحماية المريض وذويه من انهيارات عاطفية قد تؤدي لنتائج لا تحمد عقباها.     كفانا ضحكا على الذقون! لماذا توصّل حي بن يقظان في الغرب إلى بناء منظومة صحية متكاملة، تمكنه من رعاية المريض حتى نهاية حياته، و هنا في وطن الإسلام، يحتمي حي بن يقظان فقط بدرع الإيمان وتقوى القرآن و دفئ الإخوان  لمواجهة المصير المحتوم. لقد قبِل آل حي بن يقظان في قبائل المغرب بموت الذل والهوان، و حين يقول لهم الطبيب قولته المشهورة: "هادا ما عندوا علاج!"، تتعالى الأصوات من كل مكان قائلة : "دي باك يموت في دارو!"، و تعتبر هذه نقطة البداية لمعاناة المريض الحقيقية مع سقمه، لتنغمس العائلة بأكملها في الحزن والهم والشقاء. بالله عليكم يا آل حي بن يقظان، قولوا لي: "ما معنى دي باك يموت في دارو؟" كيف يحدث هذا في وطن تفانى مواطنوه في خدمته ليُرمى بهم عند إصابتهم بداء مستعص العلاج في طي النسيان؟ كيف يٌرمى بالمريض إلى ذويه لاحتضانه، إعمالا بالقول المأثور " إلى خنز اللحم يهزوه ماليه!"،  و لا من يقدم العون من المؤسسات، حيث يفارق المرء الحياة في توجع دون توفر علاجات تلطيفية، و دون خبرة ذويه في مقابلة المريض و تقديم الإسعافات الضرورية، هذا يتم في قرية بن يقظان التي تعرض فيديوهات آتية من الغرب توثق كيف يستفيد بن يقظان "كامل المواطنة" من خدمات المنظومة الصحية حتى تنهدات الوداع، بل يتمتع هو وذويه بحق الموت الرحيم.   و ليكن في علمنا جميعا، أن مجتمعنا لا يطبق الموت الرحيم طبعا، كما تقوم بذلك مجتمعات دول "الكفر"، لكنه يطبق الموت القاسي و العنيف في حق مرضاه دون وعي ثقافي بذلك، ومع الأسف بفهم ضيق لنصوص الدين. ماذا يعني سلوك "دي باك يموت في دارو!" في قاموس المنظومة الصحية الديمقراطية التي تحترم حق الإنسان في الحياة؟ إنها بكل بساطة قتل جائر للإنسان وتخلي المؤسسة الصحية عن مسؤوليتها اتجاه مواطنيها. سيقال لنا مثلا: كيف يمكن توصيف هذا السلوك بأنه موتا قاسيا في حق المريض؟ تصوروا معي ما يقع مثلا لمريض سرطان في أوروبا، عادة ما يدخل هذا المريض في غيبوبة، وقد تطول بالنسبة للبعض، حيث تجعلهم تحت رحمة الأجهزة و التنفس الاصطناعي، وبالرغم من الأدوية و المسكنات، يظل المريض في محنة الأوجاع والصداع الذي لا يستطيع تحمله، فتتخذ العائلة والأطباء قرارا بإنهاء حياته عبر رفع هذه الأجهزة.   هذا سيناريو شائع جداً في بلدان أوروبا، لكن ما هو السيناريو الشائع في المغرب؟ "دي باك يموت في دارو"، إذ في حالة الإصابة بداء مستعص لا يكمن علاجه،  يلزم المريض بيته ويعاني في صمت، أحيانا محاطا بعائلته إذا كان محظوظا، يحثونه على الصبر و الثبات، و ذلك لأن الله مع الصابرين. أين هي الأجهزة أو الأدوية التي سيأخذ فيها الأطباء والعائلة قرارا برفعها قصد إنهاء حياته؟ على العكس، يُترك المريض يواجه قدره بكلمات الصبر و الفرج من عند الله، و القول المأثور "دي باك يموت في دارو"، فلولا إيمان آل بن يقظان بالمكتوب و الآجال و الساعة، لما قبلوا بهذه الطريقة في العبور من حياة الدنيا إلى حياة الآخرة.  حين يشتد الألم، و يحس المريض بأن الساعة اقتربت لا ريب فيها، وينقطع عن الأكل والكلام،  فترى أصبع يده اليمنى ينطق بحركات الشهادة، و على التو تنادي العائلة على الفقيه الذي يقف على رأس المريض المستعد للسفر الأبدي، يرتل القرآن ترتيلا، لعله يلطّف عليه سكرات العبور...كما يلاحظ القارئ، فإن العلاجات التلطيفية التي يمتهنها المغاربة، ليست كيماوية بل سوى ثقافية يستلهمها معظمهم من الخزان الديني لمقاومة مصيبة الموت، و حزن الفراق. لقد أصبح اليوم ضروريا مساعدة مرضى الحالات المستعصية في محنتهم بتوفير العلاجات التلطيفية البديلة التي قد تحسن من حالة المريض الجسدية و النفسية، خصوصا إذا امتزجت بالطقوس العلاجية ذات التأثير البلاسيبو في ثقافتنا الإسلامية.    نحن لا نطالب وزارة الصحة بإنشاء مراكز أو غرف داخل المستشفيات لإيواء المرضى على فراش الموت و الاعتناء بهم حتى الوداع الأخير، كما هو حاصل في دول الغرب "الكافر"، لأننا نعلم جيدا صعوبة توفير الخدمات الأساسية حتى بالنسبة للمرضى العاديين، لكن نطالب ساسة مجتمع حي بن يقظان المسلم التقي أن يقوم بإحداث خلية علاجية تتكون من أطباء متخصصين في العلاجات التلطيفية تزور بيوت مرضى سقم الموت، لتقدم الإسعافات الضرورية والوصفات العلاجية الممكنة، كما تعمل على تمرين أفراد العائلة الذين أوكلت إليهم مهمة الاعتناء بالمريض، و لما لا مراقبة صحة هؤلاء بعد موت الهالك بوصف التحاليل الطبية اللازمة، والعلاجات النفسية الضرورية. ماذا ستكلفكم هذه اللجن الطبية التي ستقدم خدمات إنسانية جليلة لا تقدر بثمن؟ ما دوركم كحكومات تتقلد مناصب الحكم و تسطر "برامج التغيير"؟     لقد حان الوقت أن يجبر المواطنون ساستهم ليس فقط على التصريح بممتلكاتهم عند الاستوزار، ولكن على امتطاء الحافلات و استعمال وسائل النقل التي يستعملها "رعاع" هذا الشعب، و يرسلون أبناءهم إلى المدارس الحكومية التي يدرس بها أبناء "غوغاء" هذا الشعب، و يعالجون مرضاهم  في نفس المستشفيات الحكومية التي يتردد عليها فلذات أكباد هذا الشعب، يومها إذن، سيمنح المغاربة أصواتهم لمنتخبين منهم وإليهم، يحسون بمعاناتهم، ويهتمون بقاضايهم المصيرية، أما عندما يمنح المغربي صوته لمنتخَب يمتطي سيارة رباعية الدفع، و يدرس أبنائه في مدارس راقية باهظة التكاليف، و يستورد "دوليبران" من باريس إذا أوجعه رأسه، و يرسل أبنائه في بعثات دراسية إلى الخارج، و ينزل بمصحات أوروبية راقية لتلقي العلاجات التلطيفية، ليعود إلى وطنه في تابوت خشبي محكم الأقفال على متن طائرة البوينغ، ثم يتطوع عذارى الناخبين لحمل أخيهم على الأكتاف إلى مقابر المسلمين، و من هؤلاء التوابيت أو الصناديق المنتخبة  من يُعتبر شهيد الواجب، فيدفن في مقابر النخبة، أهذا من أبناء جلدتنا، يُحزنه ما يحزننا، و يُصيبه ما يصيبنا، و يتحسر لمعاناتنا؟ أهذا من آل بن يقظان الذي كابد المتاعب لفهم قانون الطبيعة وبناء السلوك الاجتماعي؟  لعل من أكبر حسنات ربيع العولمة الرقمي، هو سقوط أقنعة الزيف و انقطاع غبار سياسة الأوهام، إذ لا أمل في هذه الزعامات الكارتونية و الأحزاب المهووسة بغنائم السلطة بعيدا عن معادلة النهضة والتغيير.   ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي